– الجبال الشمالية (1) –
لم يفعل كليو سوى الابتسام.
ما دام لا توجد طريقة مثبتة للتحقق من الأرواح، فسيظل حتى ذلك الحين الابن الثاني لغيديون آسيل.
“إنه لأمر محيّر أن تنكر وجود أخيك الشقيق لمجرد أنك تعاني من بعض المشكلات في ذاكرتك. كما قلت، أنا ابن أبي وأخوك الأصغر.”
“أخوك الشقيق؟ وهل كنت تعتبرني من دمك أصلًا؟ أنت لا تتذكر عني أي شيء، أليس كذلك؟ ولهذا تتجول بكل هذه الجرأة في حفل رأس السنة لاتحاد تجار العاصمة.”
ظن كليو أنه بدأ يفهم قليلًا سبب غضب فلاد.
‘يبدو أنه يريد استغلال هذه الفرصة لكبح جماح أخيه الأصغر، الذي اعتاد الانكماش والعيش في الظل، بعدما بدأ يتصرف بجرأة، خوفًا من أن تتغير مشاعر أبيه.’
لقد أخطأ في تقدير الأمر، بل أخطأ فيه كثيرًا.
ففي الحقيقة، لم يكن كليو يرغب في الحصول على منصب كهذا، منصب المدير التنفيذي لشركة تجارية، حيث يتعين عليه العمل حتى الموت.
دفع كليو برفق يد فلاد التي كانت تستند إلى كتفه.
“أنا مجرد ساحر، وأبذل قصارى جهدي في مجالي. بعدما ذاع اسمي بفضل موهبة صغيرة أمتلكها، لم يعد بإمكاني رفض جميع الدعوات، لذا اكتفيت بمراعاة الأصول. إن كنت لا ترغب في ذلك، فسألتزم بضبط نفسي من الآن فصاعدًا.”
“لقد أصبحت بارعًا جدًا في الكذب بكل هذا الهدوء. بالنسبة لشخص يُفترض أنه سيكرس نفسه للعلم وحده، ألم تتورط في الكثير من الأمور؟”
“ذلك…”
كان غيديون على الأرجح يعرف معظم ما يتعلق بأعمال كليو، لكن كليو لم يكن يعرف إلى أي مدى وصلت معرفة فلاد، لذا تحفّظ في كلامه.
“كان من الممكن توقع تدخلك في العقارات والأدوات السحرية، لكن يبدو أن دخولك مجال النشر أيضًا قد فاجأ أبي نفسه. حتى مدير قسم الأبحاث في الشركة التجارية أعرب عن إعجابه بقدرة ‘السيد الصغير’ على قراءة اتجاهات العالم.”
على الرغم من كل الحذر الذي بذله في تنفيذ أعماله، اتضح أن فلاد يعرف كل شيء بالفعل. يبدو أن نتائج التحقيقات التي أجراها قسم الأبحاث في شركة آسيل التجارية كانت تُشارك مع الوريث أيضًا.
“…لم يصدر الكتاب بعد، لذا فإن توقع نجاح مبيعاته مسبقًا يبدو مجرد افتراض متسرع. ثم إن المخطوطة كتاب سحري. بما أن المفاهيم الخاطئة عن السحر منتشرة بين الناس، فإنني أنشره بهدف تحسين نظرة العامة إليه.”
واصل كليو طرح حججه بثبات، لكن ذلك الهدوء المتواصل نفسه أثار غضب فلاد في موضعه الحساس.
“لقد أصبحت حقًا فصيحًا يا كليو. حسنًا، بما أنك حققت هذه النتائج المذهلة، فلا بد أن أبي يعتبر إلحاقك بمدرسة قوات الدفاع عن العاصمة استثمارًا ناجحًا للغاية. لكن تذكّر أنه ليس من النوع الذي يخوض مثل هذه المجازفات عادةً.”
“أخي…”
“أنت تشبه أباك كثيرًا. لو أن أمك الراحلة كانت هنا ورأتك وقد كبرت إلى هذا الحد، لفرحت بك أيضًا.”
ارتجف صوت فلاد في نهاية كلامه على نحو غير مستقر. بدا وكأنه يحاول كبح مشاعره وعدم إظهارها أمام الشخص الذي يكرهه ويحسده.
وجد كليو تصرفات فلاد غريبة بعض الشيء.
لقد مرّت بالفعل ثمانية عشر عامًا على وفاة ثيلما. لقد انقضى وقت طويل جدًا بحيث لم يعد من المعقول أن يحمل كليو ذنب فقدان أمه.
‘لا تقل لي إن المسألة لا تتعلق بالميراث وحده… بل إنه يريد التنافس مع أخيه الأصغر منه بكثير على محبة أبيهما؟’
بالنسبة إلى ‘جونغ جين’، الذي لم يعرف في حياته معنى وجود أب، كان هذا شعورًا يستحيل عليه حتى تخيله.
‘رجل سيبلغ الثلاثين العام المقبل، ويثير ضجة لأن أباه يفضّل أخاه الأصغر عليه. يا للعجب.’
لم يشأ كليو إهدار الأثير، فأوقف「الأدراك」. وعاد جسده إلى التراخي والانهيار في وقفته.
وفجأة، أصبح كل شيء يثقل عليه ويبعث فيه الملل.
بل شعر بالارتياح لأن أخاه لم يدرك أن القصر أهم بالنسبة إليه من اهتمام أبيه.
‘حتى لو افترضنا أن اسمي شُطب من سجل العائلة، ولم أعد الابن الثاني لآسيل، فكل ما عليّ فعله هو ابتكار اسم عائلة عندما أحصل على اللقب النبيل. في تلك الحالة، سأختار اسم كيم أو لي.’
كان كيم اسم عائلته الأصلي، أما لي فكان اسم عائلة والدة ‘جونغ جين’.
كان أدنى لقب نبيل يسمح لحامله بدخول مجلس اللوردات هو البارون، وكانت للأسماء الرسمية للنبلاء صيغة محددة تتضمن اسم العائلة واسم الإقطاعية معًا.
كانت جميع الأراضي الخصبة في وسط ألبيون تحت حكم حكام قائمين بالفعل. وما لم يكن المرء من نسل فرسان المائدة المستديرة، فإن أراضي النبلاء القدامى كانت تقع في الغالب في المنطقة الوسطى.
م.م: فرسان المائدة المستديرة ليس المقصود بهم فرسان الملك آرثر كما ورد في الأسطورة ، بل المقصد هو المكان الذي يلتقي فيه النبلاء كرمز للمساواة بينهم.
أما الذين نالوا لقب النبالة في عهد أبسالوم الثاني، فلم يحظوا بفرصة الاستيلاء على أراضي النبلاء القدامى الذين انقطع نسلهم إلا إذا حالفهم الحظ، بينما مُنح معظمهم إقطاعيات في الأراضي التي انتُزعت من ملكية برونين.
وبعد ذلك، كان الأشخاص القلائل الذين حصلوا على ألقاب نبالة وراثية جديدة يُمنحون أراضي قليلة القيمة من العقارات المملوكة للعائلة الملكية على هيئة إقطاعيات.
وبما أن الإقطاعيات الاسمية لم تكن تضم سكانًا في العادة، كان بإمكان من يحصل على اللقب أن يختار لها اسمًا جديدًا.
‘إذًا، هل أغيّر اسم الإقطاعية إلى جونغنو أو سادانغ’
م.م: جونغنو و سادانغ هم في حقيقة اسماء مناطق في كورية جنوبية
راح كليو يفكر في ألقاب مثل ‘البارون كيم من سادانغ’ أو ‘البارون لي من جونغنو’، وانتهى به الأمر إلى إطلاق ضحكة خافتة من دون أن يشعر.
وكأن فلاد ظن أنه يسخر منه، دفع جسد كليو فجأة، ثم تراجع بضع خطوات وعقد ذراعيه.
وبعد وقت قصير، عادت الابتسامة إلى زاويتي فمه، واختفى الغضب من صوته تمامًا.
“على أي حال، مهما حدث، لا أكرهك بصورتك الحالية. كليو، أو بالأحرى راي. أصدقاؤك ينادونك راي، أليس كذلك؟”
عقد كليو حاجبيه قليلًا.
يبدو أن هذا الطفل لم يكن لديه حتى لقب تدليل يناديه به أفراد عائلته قبل ظهور آرثر وسيل في حياته.
‘لا عجب أن هذا الطفل لم يستطع الصمود. حتى لو كنت لا أتذكر شيئًا، فمن الواضح تمامًا أن هذا الوغد كان يتعمد مضايقة أخيه الأصغر بطرق خبيثة.’
يبدو أن فلاد آسيل قد ساهم بدرجة كبيرة في تقصير عمر ‘كليو آسيل’. لقد كان رجلًا لا يمكن العثور على أي شيء يستحق التغاضي عنه مهما حاول المرء النظر إليه بعين التسامح.
“نادني كما اعتدت أن تفعل فحسب.”
“لا، كيف يمكنني فعل ذلك؟ سيكون من الغريب جدًا أن أناديك كليو. هذا اللقب لطيف وسهل على اللسان. سأبدأ أنا أيضًا بمناداتك هكذا. هاها، لنتعاون جيدًا من الآن فصاعدًا يا راي.”
“لا بد أنك متعب، لذا يُفضّل أن تستريح. أما أنا، فعليّ الانطلاق مبكرًا غدًا إلى موقع التدريب، لذا سأستأذنك الآن.”
“مهلًا، احتفظ بهذا الحجر السحري. ماذا سيبدو موقفي إن عدت به معي؟”
“إذًا، سأقبل كرمك بامتنان. وسأنقل تحياتي إلى والدي أيضًا.”
لقد نال كليو كراهية فلاد بالفعل، بل ودخلا في شجار حاد، لذا لم يكن يظن أن شكوك فلاد ستزول سواء قبل الحجر السحري أم رفضه. ولهذا قرر ببساطة أن يأخذ ما يمكنه أخذه.
رفع كليو الصندوق الثقيل المملوء بالكامل بأحجار الياقوت السحرية، ثم نادى السيدة كانتون.
“سيدتي، أرجو تجهيز غرفة النوم المركزية في الطابق الثاني لأخي الأكبر. أتمنى لك ليلة سعيدة.”
اعتبر كليو أنه أدى واجبه بصفته ‘أخًا’ بمجرد أن خصص لفلاد آسيل أفضل غرفة في القصر، وأنهى اللقاء عند هذا الحد.
***
في اليوم التالي.
بسبب الآثار التي خلّفها فلاد بعدما أثار المتاعب بلا داعٍ، انتهى الأمر بكليو إلى النوم أكثر من اللازم. ونتيجة لذلك، فاته القطار الذي حجزه.
استقل القطار التالي مباشرة، لكن عندما وصل كليو إلى مورولت، عاصمة إقليم تريستان، كان الوقت قد تجاوز بالفعل موعد حظر التجول خارج المدينة.
وبذلك، لم يعد بإمكانه التوجه إلى قصر الدوق.
فعلى الرغم من أن خط السكك الحديدية كان يمتد حتى مورولت، وإن كان يلتف عبر خطوط فرعية كثيرة، فإن قصر الدوق كان يقع في أعماق الجبال الوعرة، ولم يكن الوصول إليه ممكنًا إلا بعربة أو سيرًا على الأقدام.
عادةً ما توجد مكاتب البريد والمباني الحكومية وقلعة الحاكم أو قصره في عاصمة الإقليم، لكن إقليم تريستان كان استثناءً فريدًا، إذ كان قصر الدوق منعزلًا في الجبال الواقعة عند أطراف الإقليم.
كان إقليم تريستان منطقة وعرة تقع في الفرع الشمالي الغربي لسلسلة جبال بينتوس.
وكان الإقليم بأكمله يتكون من مناطق جبلية قاحلة، كما كان بحر جيكافر الداخلي، الذي يتجمد لأكثر من خمسة أشهر في السنة، يمتد بمحاذاة المنحدرات الشاهقة الواقعة وراء أقصى شمال الإقليم.
وكان معظم السكان يعملون في قطع الأخشاب واستخراج الأحجار السحرية وجمع الأعشاب الطبية والفطر والصيد. وحتى قبل ظهور الوحوش السحرية، كانت المنطقة تشهد ظهور حيوانات جبلية خطيرة، ولذلك كان عدد سكانها قليلًا.
وبسبب هذه الظروف وغيرها، اضطر آرثر ورفاقه إلى قضاء ليلة في النزل الوحيد الموجود في القرية.
كان الطقس باردًا، كما تراكم الثلج الذي تساقط طوال الشتاء على جانبي الطريق حتى بلغ ارتفاعه مستوى قامة التوأمتين، لذا انتهى بهم الأمر إلى تناول العشاء في الحانة الواقعة في الطابق الأول من النزل.
لم تكن الساعة قد بلغت السادسة مساءً بعد، ومع ذلك كان الخارج خلف النوافذ مظلمًا بالفعل كما لو أن الليل قد انتصف. وكانت الحانة هادئة إلى حد يوحي بالوحشة.
فمن الطبيعي ألا يكون هناك الكثير من الناس الذين يرغبون في الخروج إلى الحانات، بينما الطقس شديد البرودة والوحوش السحرية تتجول في الخارج.
ولهذا بدت الحانة وكأنها مستأجرة بالكامل للأربعة.
قالت ليبي، التي كانت تجلس أمام طاولة مرتفعة وتتأرجح ساقاها في الهواء:
“بما أن الوحوش السحرية بدأت تتحرك بكثرة، فقد منعوا الناس منذ أول أمس من الخروج خارج أسوار عاصمة الإقليم بعد الساعة الخامسة مساءً. القطارات وحدها ما زالت تعمل.”
“على أي حال، بما أنك لم تظهر يا راي، فقد بدأنا نقلق ونتساءل إن كنت قد مرضت مجددًا وسقطت مغشيًا عليك في مكان ما.”
“أردنا الاتصال بك، لكن خطوط الهاتف في المحطة المركزية كانت جميعها قيد الاستبدال في ذلك الوقت.”
وبصفته المتأخر عن الموعد، لم يفعل كليو سوى الاعتذار بهدوء.
“آسف لأنني تأخرت يا أصدقائي. لقد جعلتكم تقلقون بلا داعٍ، وتسببت في أن تقضوا يومًا غير مريح.”
“أنا لم أقلق، لكنني عانيت كثيرًا وأنا عالق بين سيديّ الاثنين. إيسييل لم تكف عن التوتر، أما ذلك الوغد آرثر فقد بدا مستعدًا للركض حتى قصر عائلتك.”
تدخلت سيل، التي كانت قد ذهبت إلى البار لإحضار المشروبات، وهي تضحك بخفة. بل إنها استعارت صينية ونقلت عليها خمسة أكواب من المشروبات، ثم وضعتها على الطاولة بمهارة.
“بالمناسبة، نظام الدفع هنا غريب، أليس كذلك؟ قالوا إننا نستطيع تناول الطعام ثم الدفع عند المغادرة.”
“سأدفع ثمن عشاء اليوم تعويضًا عن التأخير. اطلبوا كل ما ترغبون في تناوله.”
“واااه!”
“يا راي، أنت كريم!”
هتف التوأمتان، اللتان تحبان الطعام، بحماس.
“لماذا تتحدثان وكأنني كنت بخيلًا معكما في أي وقت مضى؟”
“هيا، هذه أول مرة نأتي فيها إلى حانة معك ومع سيل، رغم أنكما تخرجان إلى الخارج مع آرثر!”
“لم يكن مسموحًا لكما بالمجيء إلى الحانات من قبل لأنكما لم تكونا قد بلغتما السن المناسبة.”
“هيهي، لقد مر عيد ميلادي أنا وليبي الآن. أصبح عمرنا أربعة عشر عامًا.”
“يمكننا المجيء إلى الحانات!”
“ويمكننا شرب النبيذ أيضًا!”
في مملكة ألبيون، بدا أن سن الرابعة عشرة هو الحد العمري غير الرسمي المسموح عنده بشرب الكحول.
وأخيرًا، بعدما تحرر التوأمتان من قيود العمر، سحبا كأسي نبيذ اللذين وضعتهما سيل أمامهما، وارتشفا محتواهما بجرأة حتى آخره.
“واو، هذا لذيذ!”
“أشعر وكأن له رائحة الكراميل!”
“إذًا، هكذا يكون طعم النبيذ!”
“ليس كل أنواع النبيذ بهذا المذاق، فهذا نوع من النبيذ القوي.”
“شكرًا لأنك أخبرتنا يا سيل. علينا أن نجرب أنواعًا أخرى أيضًا في المستقبل!”
“لا تُباع النبيذ القوي بهذا المذاق الغني كثيرًا في العاصمة، لذا اشربا منها قدر ما تستطيعان هنا قبل المغادرة.”
“آه، هذه فكرة رائعة!”
أفرغ التوأمتان نصف كأسيهما دفعة واحدة، ثم أخذا تثرثران بينما احمرّت وجنتاهما قليلًا.
أما كليو، الذي كان يحتسي حصته ببطء، فقد أخذ يتذوق اللون الكهرماني الداكن للنبيذ الشبيهة بنبيذ سكوتش إيل، ورائحة الشعير المملح، ومذاقها الحلو الذي يبقى في الفم، قبل أن ينتابه القلق فجأة.
‘مهلًا، أليس محتوى الكحول في هذا الشيء ثمانية بالمئة على الأقل؟ هل يُسمح للأطفال بشربه؟’
“ليبي، ليتيشيا. إذا كنتما تشربان الكحول لأول مرة، فاكتفيا بكمية قليلة. فقد تسكران.”
أنزل التوأمتان الكأسيْن الفارغين على الطاولة بصوت طق، طق، ثم أبرزا شفتيهما في الوقت نفسه احتجاجًا.
“راي الذي لا يفارق الكحول أبدًا يحاول منعنا من الشرب…”
“هذا غريب، كلامك يناقض تصرفاتك.”
…عندما يردان عليه بهذه الطريقة، لا يجد كليو ما يقوله حقًا. وفي تلك اللحظة، ربتت سيل على ظهره بخفة.
“أنت لا تستطيع التغلب عليهما بالكلام، لذا توقف عن المحاولة واطلب المزيد من الطعام فحسب. ما إن يبدآ بالأكل حتى يهدآ.”
“شكرًا على النصيحة الجيدة يا سيل. لكن ما الأطباق اللذيذة هنا؟ لا توجد قائمة طعام، فكيف نطلب؟”
“لماذا تحتار؟ سألتهم قبل قليل، واتضح أن القائمة لا تتعدى نوعين من اليخنة، وثلاثة أنواع من المشويات، وبطاطا مقلية. ومن بين المشويات، يستغرق الخنزير الصغير المشوي كاملًا وقتًا طويلًا، أما اليخنة فسيقدمونها بعده.”
كانت سيل قد انتهت بالفعل من معرفة القائمة خلال الوقت القصير الذي استغرقته طلب المشروبات. لم يكن هناك ما يستدعي التفكير في الاختيار. فتح كليو ذراعيه واتخذ وضعية توحي بقوله: ‘أحضروا كل شيء إلى هنا’.
“إذًا، يمكننا طلب كل شيء.”
هتفت التوأمتان بحماس.
“رائع!”
“رائع!”
.
.
.
بعد أن رتّب آرثر عربة تقله إلى قصر دوق تريستين، عاد إلى الحانة متأخرًا، وأخذ يضحك بجنون من دون أن ينفض الثلج المتراكم على معطفه.
“أهاهاهاهاها! إذًا طلبتم جميع الأطباق الموجودة في القائمة؟ كم طبقًا وصل حتى الآن؟”
كانت الطاولة تعلوها أسياخ من كرات لحم الضأن المشوية الساخنة وبطاطا مقلية.
كانت الرائحة النفاذة للتوابل والدهون المتفحمة على النار كافية لإثارة الشهية تلقائيًا. كما أن كمية كرات اللحم كانت هائلة، إذ تكدست مثل جبل داخل وعاء نحاسي ضخم بحجم صينية تقديم.
“وصل طبقان حتى الآن!”
“كم طبقًا طلبتم؟”
“ستة أطباق!”
“إذًا، سيأتي ثلاثة أضعاف هذه الكمية؟ يا للعجب!”
“ماذا؟ يمكننا أكلها كلها!”
“ومن قال إننا لن نستطيع؟ عليّ أن أبدأ بالأكل بسرعة أنا أيضًا! الرائحة لا تُقاوم. يا رجل، بفضل راي سنعيش حياة الترف هذه!”
لم يستطع آرثر التوقف عن الضحك، حتى بعدما تسلّم للتو كأس نبيذ. وعندما يضحك بهذه الطريقة، بحماس حقيقي ومن أعماق قلبه، تظهر أنيابه الحادة قليلًا، فيبدو كحيوان صغير.
‘من المثير للسخرية أنه يستمتع بهذا القدر تحديدًا عندما يسخر مني عادةً.’
أنزل كليو كأسه الثاني الفارغ، واستسلم تمامًا.
“حسنًا، اضحك كما تشاء، اضحك حتى تشبع. فالفترة التي تستطيع فيها الضحك هكذا في حياتك لن تطول.”
أطلق التوأمتان صيحات استهجان مطولة، وهما يمسكان بالأسياخ بحماس وتستخدمان الشوكتين لسحب كرات لحم الضأن منها واحدة تلو الأخرى.
“راي عاد إلى كلام العجائز مرة أخرى!”
“ماذا سيفعل راي عندما يكبر في السن فعلًا، ما دام يتصرف كالعجائز منذ الآن؟”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.