وورم — الفصل البيني 1
«لا نعرف كم من الوقت قضاه هناك، معلّقًا في الهواء فوق المحيط الأطلسي. ففي العشرين من مايو عام 1982، كانت سفينة ركاب تعبر المحيط من بليموث إلى بوسطن عندما لمح أحد الركاب شخصًا غريبًا.
كان عاريًا، وذراعاه مسترخيتين إلى جانبيه، وشعره الطويل يتطاير مع الرياح، بينما يقف في السماء على ارتفاع يقارب مئة قدم فوق الأمواج التي كانت تتمايل برفق. لم يكن من الممكن وصف لون بشرته وشعره إلا بأنه ذهبي مصقول. ويُقال إنه، في غياب شعر الجسم والملابس التي تستر عورته، بدا أشبه بشيء اصطناعي، لا بإنسان حقيقي.
بعد نقاش شارك فيه الركاب وأفراد الطاقم، غيّرت السفينة مسارها لتقترب منه. كان يومًا مشمسًا، فتجمّع الركاب عند الحواجز للحصول على رؤية أفضل. وكأنه يشاركهم فضولهم، اقترب ذلك الشخص منهم بدوره. لم يتغير تعبير وجهه، لكن الشهود الموجودين في المكان أفادوا بأنه بدا حزينًا حزنًا عميقًا.
قالت غريس لاندز: «ظننت أنه سيفقد تماسكه ويبكي في أية لحظة. لكن عندما مددت يدي ولمست أطراف أصابعه، كنت أنا من انفجر بالبكاء».
وأضافت: «كانت تلك الرحلة البحرية بمثابة الرحلة الأخيرة بالنسبة إليّ. كنت مصابة بالسرطان، ولم أكن شجاعة بما يكفي لمواجهته. لا أصدق أنني أعترف بهذا أمام الكاميرا، لكنني كنت عائدة إلى بوسطن، حيث وُلدت، لكي أنهي حياتي بنفسي. بعد لقائي به، غيّرت رأيي. لكن الأمر لم يعد مهمًا على أي حال، فقد ذهبت إلى طبيب، وأخبرني أنه لا توجد أي علامة على أنني أُصبت بالمرض يومًا».
«أتذكر أن أخي، أندرو هوك، كان آخر راكب يتواصل معه بأي شكل من الأشكال. لقد صعد إلى الحاجز، وكاد يسقط منه، ثم أمسك بيد الرجل الذهبي. واضطررنا نحن الباقين إلى التمسك به حتى لا يسقط. لقد ترك فيه ذلك الموقف شعورًا بالرهبة الهادئة. وعندما طار الرجل ذو البشرة الذهبية مبتعدًا، ظل أخي صامتًا. طوال بقية الطريق إلى بوسطن، لم ينطق أخي بكلمة واحدة. وعندما رست السفينة، وانكسر أخيرًا ذلك السحر الذي استحوذ عليه، أخذ أخي يتحدث بحماسة إلى الصحفيين، مثل طفل صغير».
ظهر الرجل الذهبي عدة مرات أخرى خلال الأشهر والسنوات التالية. وفي مرحلة ما، بدأ يرتدي الملابس. في البداية، كانت قطعة قماش يضعها فوق أحد كتفيه ويثبتها عند جانبي خصره، ثم انتقل إلى ملابس أكثر اعتيادية. وفي عام 1999، ارتدى البدلة البيضاء الضيقة التي لا يزال يرتديها حتى يومنا هذا.
على مدى أكثر من عقد، ظللنا نتساءل: من أين حصل رجلنا الذهبي على هذه الأشياء؟ ومع من كان على اتصال؟
في البداية، كان يتدخل على فترات متباعدة، ثم أخذت تدخلاته تتكرر بوتيرة متزايدة في أوقات الأزمات. سواء تعلق الأمر بحوادث صغيرة، مثل حادث سيارة، أو بكوارث طبيعية هائلة، كان يصل ويستخدم قدراته لإنقاذنا.
ومضة ضوء تجمّد المياه، فتدعم حاجزًا نهريًا أضعفه إعصار. عمل إرهابي أُحبط قبل وقوعه. قاتل متسلسل أُلقي القبض عليه. بركان أُخمد.
كان الناس يسمّون ذلك معجزات.
ازدادت وتيرة تدخله، ربما لأنه كان لا يزال يتعلم حدود قدراته وما يستطيع فعله، وربما لأنه أصبح أكثر قدرة على إدراك الأماكن التي تحتاج إليه. وبحلول منتصف التسعينيات، صار ينتقل من أزمة إلى أخرى، طائرًا بسرعة تفوق سرعة الصوت.
خلال خمسة عشر عامًا، لم يأخذ قسطًا من الراحة.
لم يُعرف عنه أنه تحدث إلا مرة واحدة طوال ثلاثين عامًا.
فبعد إخماد حريق واسع النطاق في ألكسندروفسك، توقّف ليتفحّص المكان ويتأكد من عدم بقاء أي نيران مشتعلة. تحدثت إليه إحدى الصحفيات وسألته:
«Kto vy؟» — أي: من أنت؟
لقد صدم العالم عندما أجابها، في مشهد التقطته الكاميرات وأُعيد بثه مرات لا تُحصى. كان صوته أشبه بصوت شخص لم يسبق له أن أصدر أي صوت في حياته. وبصوت خافت بالكاد يُسمع، قال لها:
«سايون».
أصبح هذا هو الاسم الذي نطلقه عليه.
والمفارقة أننا أخذنا كلمة تعني «النسل» أو «الذرية»، واستخدمناها لتسمية أول فرد من بين العديد من أصحاب القوى الخارقة — الذين أُطلق عليهم اسم البشر الخارقين — ممن ظهروا في أنحاء الأرض.
بعد خمس سنوات فقط من ظهور سايون للمرة الأولى، خرج الأبطال الخارقون من دائرة الشائعات والسرية ليكشفوا عن أنفسهم أمام العامة.
ورغم أن الأشرار ظهروا بعدهم بوقت قصير، فإن الأبطال هم من حطّموا الأوهام التي جعلت الناس يعتقدون أن البشر الخارقين كائنات إلهية.
في عام 1989، حاول البطل الخارق المعروف لدى الجمهور باسم فيكاري التدخل لتهدئة أعمال شغب اندلعت بسبب مباراة كرة سلة في ولاية ميشيغان، لكنه تعرّض لضربة هراوة على رأسه. ولم يمضِ وقت طويل حتى مات بسبب انصمام دماغي.
وفي وقت لاحق، كُشف عن أن فيكاري لم يكن سوى أندرو هوك.
وهكذا، لم يعش العصر الذهبي للبشر الخارقين طويلًا. فلم يكونوا كائنات إلهية كما بدوا في البداية. فالبشر الخارقون، في نهاية المطاف، ليسوا سوى أشخاص يمتلكون قوى استثنائية، والبشر معيبون في جوهرهم.
أخذت الوكالات الحكومية تفرض سيطرتها بصورة أكثر صرامة، وبدأت الدو…»
انطفأ التلفاز فجأة، وتحولت الشاشة إلى السواد، قاطعةً الفيلم الوثائقي في منتصف الجملة.
تنهد داني هيبرت وجلس على السرير، لكنه نهض بعد لحظات قليلة واستأنف السير ذهابًا وإيابًا.
كانت الساعة الثالثة والربع صباحًا، ولم تكن ابنته تايلور في غرفتها.
مرّر داني يديه في شعره، الذي أخذ يخفّ في أعلى رأسه إلى درجة جعلت مظهره أقرب إلى الصلع منه إلى الشعر الكثيف.
كان يحب الوصول إلى العمل قبل الجميع، ومراقبة الموظفين وهم يصلون، حتى يعرفوا أنه موجود من أجلهم. ولهذا، كان يذهب إلى الفراش مبكرًا في العادة؛ إذ كان يخلد إلى النوم في العاشرة مساءً تقريبًا، مع اختلاف الموعد قليلًا بحسب ما يُعرض على التلفاز.
لكن الليلة، وبعد منتصف الليل بقليل، استيقظ من نوم مضطرب بعدما شعر، بدلًا من أن يسمع بوضوح، بانغلاق الباب الخلفي للمنزل، الواقع مباشرة أسفل غرفة نومه.
ذهب للاطمئنان على ابنته، فوجد غرفتها فارغة.
ومنذ ذلك الحين، ظل ينتظر عودتها طوال ثلاث ساعات.
مرات لا تُحصى، ألقى نظرات من النافذة، آملًا أن يرى تايلور وهي تدخل المنزل.
وللمرة العشرين، راودته الرغبة في طلب المساعدة من زوجته، أو استشارتها، أو حتى الاستناد إليها طلبًا للدعم.
لكن جانبها من السرير كان فارغًا، وكان كذلك منذ وقت طويل.
كان الشعور بالحاجة إلى الاتصال بهاتفها المحمول يهاجمه يوميًا، على ما يبدو. وكان يعرف أن الفكرة سخيفة؛ فهي لن تجيب. وإذا استرسل في التفكير في ذلك طويلًا، بدأ يغضب منها، الأمر الذي لم يكن يفعل سوى جعله يشعر بسوء أكبر.
تساءل، رغم معرفته بالإجابة، لماذا لم يشترِ هاتفًا محمولًا لتايلور.
لم يكن داني يعرف ما الذي تفعله ابنته، أو ما الذي قد يدفعها إلى الخروج ليلًا. فهي لم تكن من هذا النوع.
كان يستطيع أن يواسي نفسه بالقول إن معظم الآباء يفكرون بالطريقة نفسها بشأن بناتهم، لكنه كان يعرف الحقيقة أيضًا.
لم تكن تايلور اجتماعية. لم تكن تذهب إلى الحفلات، ولم تكن لتشرب الكحول، بل لم تكن مهتمة حتى كثيرًا بالشامبانيا عندما كانا يحتفلان معًا بحلول السنة الجديدة.
كانت هناك احتمالاتان مقلقتان لا تفارقان ذهنه، وكلتاهما بدت معقولة إلى حد مخيف.
الاحتمال الأول هو أن تايلور خرجت لاستنشاق بعض الهواء النقي، أو ربما للركض.
كان يعرف أنها غير سعيدة، خصوصًا في المدرسة، وأن التمارين الرياضية كانت طريقتها في التعامل مع ما تمر به والتخلص من ضغوطها.
كان يستطيع تخيلها وهي تفعل ذلك في ليلة الأحد، بينما يلوح أمامها أسبوع دراسي جديد.
لقد أحب أن الركض يجعلها تشعر بتحسن تجاه نفسها، وأنها تمارسه بطريقة تبدو معقولة وصحية.
لكنه كان يكره اضطرارها إلى فعل ذلك في هذا الحي تحديدًا.
ففي هذا المكان، كانت فتاة نحيلة في منتصف سن المراهقة هدفًا سهلًا للاعتداء.
قد تتعرض للسرقة، أو لما هو أسوأ من ذلك.
لم يستطع حتى أن يصوغ أسوأ الاحتمالات في أفكاره دون أن يشعر بالغثيان.
إذا كانت قد خرجت للركض في الحادية عشرة مساءً، ولم تعد حتى الثالثة صباحًا، فهذا يعني أن شيئًا ما قد حدث لها.
ألقى نظرة أخرى من النافذة، نحو زاوية المنزل حيث يسمح ضوء مصباح الشارع له برؤية أي شخص يقترب.
لم يكن هناك أحد.
أما الاحتمال الثاني، فلم يكن أفضل كثيرًا.
كان يعرف أن تايلور تتعرض للتنمر.
اكتشف داني ذلك في يناير، عندما أُخرجت ابنته الصغيرة من المدرسة ونُقلت إلى المستشفى.
لم تُنقل إلى قسم الطوارئ، بل إلى جناح الطب النفسي.
لم تخبره مَن المسؤول عن ذلك، لكنها، تحت تأثير الأدوية التي أعطوها لها لتهدئتها، اعترفت بأنها تتعرض للأذى على أيدي متنمرين.
وقد استخدمت صيغة الجمع عمدًا، لتمنحه إشارة إلى أن المسؤولين مجموعة من الأشخاص، لا شخصًا واحدًا، سواء كان ذكرًا أم أنثى.
ومنذ ذلك الحين، لم تذكر الحادثة أو التنمر مرة أخرى.
وكلما حاول الضغط عليها، كانت تتوتر أكثر وتنغلق على نفسها.
في النهاية، تقبّل فكرة أن يترك لها حرية الكشف عن التفاصيل في الوقت الذي تراه مناسبًا، لكن الأشهر مرّت دون أن تقدم أي تلميح أو دليل.
ولم يكن هناك الكثير مما يستطيع داني فعله حيال الأمر.
بعد نقل ابنته إلى المستشفى، هدّد بمقاضاة المدرسة. وردّ مجلس إدارة المدرسة بتسوية القضية، وتكفّل بمصاريف المستشفى، ووعد بمراقبتها وحمايتها لمنع تكرار مثل تلك الحوادث مستقبلًا.
كان ذلك وعدًا واهيًا صدر عن طاقم عمل مثقل بالأعباء على نحو مزمن، ولم يفعل شيئًا لتخفيف قلقه.
أما محاولاته لنقلها إلى مدرسة أخرى، فقد قوبلت بعناد بمجموعة من القواعد واللوائح المتعلقة بالحد الأقصى للوقت المسموح للطالب باستغراقه في التنقل بين منزله ومدرسته.
كانت المدرسة الوحيدة الأخرى التي تقع على مسافة معقولة من منزل تايلور هي ثانوية أركاديا، لكنها كانت مكتظة بالفعل بصورة يائسة، مع وجود أكثر من مئتي طالب على قائمة انتظار القبول.
وفي ظل كل ذلك، لم يستطع داني التخلص من فكرة أن المتنمرين ربما استدرجوا ابنته إلى الخارج، مستخدمين الابتزاز أو التهديدات أو الوعود الكاذبة، عندما اختفت حتى منتصف الليل.
لم يكن يعرف سوى حادثة واحدة، تلك التي انتهت بنقلها إلى المستشفى، لكنها كانت حادثة بشعة.
لقد أُلمح إلى أن أمورًا أخرى كانت تحدث، دون أن يتطرق أحد إلى تفاصيلها.
كان يستطيع تخيّل هؤلاء الفتيان أو الفتيات الذين يعذبون ابنته، وهم يشجع بعضهم بعضًا على ابتكار طرق أكثر إبداعًا لإذلالها أو إيذائها.
لم تقل تايلور ذلك صراحةً، لكن ما كانت تمر به كان قاسيًا ومستمرًا ومهددًا إلى درجة دفعت إيما، أقرب صديقاتها لسنوات طويلة، إلى التوقف عن قضاء الوقت معها.
وكان ذلك يثير غيظه.
كان يشعر بالعجز.
كان داني عاجزًا عن فعل أي شيء في الموضع الذي كان ينبغي أن يكون فيه قادرًا على التدخل.
لم يكن هناك إجراء يستطيع اتخاذه؛ فالاتصال الوحيد الذي أجراه بالشرطة، في الثانية صباحًا، لم يسفر إلا عن تفسير متعب مفاده أن الشرطة لا تستطيع التحرك أو البحث عنها دون معلومات إضافية يمكن الاستناد إليها.
أخبروه أنه إذا استمر غياب ابنته لمدة اثنتي عشرة ساعة، فعليه الاتصال بهم مجددًا.
لم يكن أمامه سوى الانتظار، والدعاء وقلبه يكاد يقفز من صدره، راجيًا ألا يرن الهاتف، وألا يكون المتصل شرطيًا أو ممرضًا يستعد لإخباره بما حدث لابنته.
أحدث تسرب الهواء الدافئ من المنزل إلى الخارج البارد اهتزازًا طفيفًا في أرجاء البيت، أعقبه صوت مكتوم يشبه اندفاع الهواء عندما أُغلق باب المطبخ مرة أخرى.
شعر داني هيبرت بموجة من الارتياح امتزجت بخوف شديد.
إذا نزل إلى الطابق السفلي للعثور على ابنته، فهل سيجدها تتألم، أم سيجد أنها أُصيبت بأذى؟
أم أن وجوده سيجعل الأمور أسوأ، إذ ستضطر إلى مواجهة أبيها بينما هي في أضعف حالاتها، بعد الإذلال الذي تعرضت له على أيدي المتنمرين؟
لقد أخبرته، بكل طريقة ممكنة باستثناء التصريح المباشر، أنها لا تريد ذلك.
توسلت إليه دون كلمات، بلغة جسدها، وتجنبها النظر في عينيه، وجملها غير المكتملة، والأشياء التي تركتها دون أن تقولها.
كانت ترجوه ألا يسأل، وألا يضغط عليها، وألا يرى ما يحدث، عندما يتعلق الأمر بالتنمر.
لم يستطع تحديد السبب بدقة.
كان يعتقد أن المنزل يمثل ملاذًا لها، مكانًا تهرب إليه من كل ذلك. وربما إذا اعترف بوجود التنمر، وجعله حقيقة حاضرة داخل المنزل أيضًا، فلن تعود قادرة على الشعور بالراحة التي يمنحها لها هذا المكان.
وربما كان السبب هو الخجل؛ إذ لم تكن ابنته تريد أن يراها بهذه الصورة، ولم تكن تريد أن تبدو ضعيفة أمامه.
كان يأمل بشدة ألا يكون ذلك هو السبب.
لذلك مرّر أصابعه في شعره مرة أخرى، ثم جلس عند طرف السرير، واضعًا مرفقيه على ركبتيه ويديه على رأسه، محدقًا في باب غرفة نومه المغلق.
كان يصغي بكل انتباه، مترقبًا أدنى صوت قد يمنحه أي دليل.
كان المنزل قديمًا، ولم يكن بناؤه عالي الجودة حتى عندما كان جديدًا، ولذلك كانت جدرانه رقيقة، وكان هيكله يصدر أصواتًا عند كل فرصة.
سمع صوتًا خافتًا للغاية لباب يُغلق في الطابق السفلي.
هل كان باب الحمام؟
لا يمكن أن يكون باب القبو، إذ لم يكن هناك سبب يدعوها إلى النزول إلى هناك. كما لم يستطع تخيل أنه باب إحدى الخزائن، لأن الباب نفسه انفتح وأُغلق مرة أخرى بعد دقيقتين أو ثلاث.
بعد أن سمع صوت شيء يرتطم بسطح المطبخ، لم يعد هناك سوى أصوات متفرقة لألواح الأرضية وهي تئن تحت الأقدام.
وبعد خمس أو عشر دقائق من دخولها المنزل، سمع صرير الدرج المنتظم وهي تصعد إلى الطابق العلوي.
فكّر داني في أن يتنحنح كي تعلم أنه مستيقظ، وأنه موجود إذا أرادت طرق باب غرفته.
لكنه قرر ألا يفعل.
شعر بأنه جبان، وكأن مجرد تنحنحه سيجعل مخاوفه حقيقة لا يستطيع التراجع عنها.
أُغلق باب غرفتها بحذر، بصوت يكاد لا يُسمع، ولم يصدر عنه سوى طرقة خفيفة عندما لامس إطار الباب.
نهض داني فجأة وفتح باب غرفته، مستعدًا لعبور الممر وطرق بابها.
كان يريد التأكد من أن ابنته بخير.
لكنه توقف بسبب رائحة المربّى والخبز المحمّص.
لقد أعدّت وجبة خفيفة في وقت متأخر من الليل.
ملأه ذلك بالارتياح.
لم يستطع تخيّل أن تعود ابنته إلى المنزل، بعد تعرضها للسرقة أو التعذيب أو الإذلال، ثم تجلس لتتناول الخبز المحمّص مع المربّى كوجبة خفيفة.
كانت تايلور بخير، أو على الأقل بخير بما يكفي لتركها وحدها.
أطلق زفرة ارتياح مرتجفة، ثم عاد إلى غرفته وجلس على السرير.
لكن الارتياح سرعان ما تحول إلى غضب.
غضب من تايلور لأنها جعلته يقلق، ثم لم تكلف نفسها حتى عناء إخباره بأنها بخير.
وشعر باستياء متقد تجاه المدينة، بسبب أحيائها وسكانها الذين لم يكن يستطيع أن يأتمنهم على ابنته.
وكان يكره المتنمرين الذين يفترسون ابنته ويستغلون ضعفها.
لكن تحت كل ذلك، كان هناك شعور بالإحباط من نفسه.
كان داني هيبرت الشخص الوحيد الذي يستطيع التحكم في تصرفاته وسط كل هذه الفوضى، ومع ذلك، فشل داني هيبرت في فعل أي شيء له أهمية حقيقية.
لم يحصل على إجابات، ولم يوقف المتنمرين، ولم يحمِ ابنته.
وكان أسوأ ما في الأمر هو احتمال أن يكون هذا قد حدث من قبل، بينما ظل هو نائمًا، غافلًا عما يجري، بدلًا من أن يكون مستيقظًا هذه الليلة.
منع نفسه من دخول غرفة ابنته والصراخ في وجهها ومطالبتها بالإجابات، رغم أن ذلك كان أكثر ما يرغب في فعله.
أين كانت؟ ماذا كانت تفعل؟ هل أُصيبت بأذى؟ من هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يعذبونها؟
كان يعرف أنه إذا واجهها غاضبًا، فلن يؤدي ذلك إلا إلى زيادة الضرر، وسيهدد بقطع أي رابطة ثقة نجحا في بنائها بينهما.
كان والد داني رجلًا قوي البنية، ضخم الجسد، لكن داني لم يرث أيًا من تلك الصفات.
لقد كان داني مهووسًا بالتكنولوجيا عندما كانت هذه الكلمة لا تزال حديثة الانتشار في الثقافة الشعبية؛ نحيلًا للغاية، وأخرق، وقصير النظر، ويرتدي النظارات، ويفتقر إلى الذوق في اختيار الملابس.
لكن الشيء الذي ورثه عن والده كان غضبه الشهير.
كان غضبًا سريع الاشتعال، مفاجئًا في شدته.
وعلى خلاف والده، لم يسبق لداني أن ضرب أحدًا بدافع الغضب سوى مرتين، وكلتاهما حدثتا عندما كان أصغر سنًا بكثير.
ومع ذلك، كان قادرًا، مثل والده تمامًا، على الانفجار في نوبات غضب لفظية حادة تجعل الآخرين يرتجفون.
لطالما اعتبر داني اللحظة التي بدأ فيها يرى نفسه رجلًا بالغًا، اللحظة التي أقسم فيها على نفسه ألا يفقد أعصابه أبدًا أمام أفراد عائلته.
لم يكن يريد أن ينقل تلك الصفة إلى طفله، كما نقلها والده إليه.
لم يحنث بذلك القسم قط في تعامله مع تايلور.
ومعرفة ذلك هي ما أبقته داخل غرفته، يذرعها ذهابًا وإيابًا، ووجهه محمر من الغضب، ورغبته في تحطيم شيء ما تكاد تخنقه.
صحيح أنه لم يغضب منها يومًا، ولم يصرخ في وجهها، لكنه كان يعرف أنها رأته غاضبًا.
حدث ذلك ذات مرة في مكان عمله، بينما كان يتحدث إلى أحد مساعدي العمدة.
أخبره الرجل بأن مشاريع إعادة إحياء منطقة الميناء قد أُلغيت، وأنه، خلافًا للوعود السابقة، لن تكون هناك وظائف جديدة، بل عمليات تسريح للعمال الذين كانوا يعانون أصلًا من أوضاع صعبة.
كانت تايلور تقضي ذلك الصباح في مكتبه، بعد أن وعدها بأن يخرجا معًا في فترة ما بعد الظهر. ولهذا، كانت في وضع يسمح لها برؤيته وهو يفقد أعصابه مع الرجل على نحو لم يسبق له مثيل تقريبًا.
قبل أربع سنوات، فقد أعصابه أمام أنيت لأول مرة، محطمًا القسم الذي قطعه على نفسه.
وكانت تلك آخر مرة رآها فيها.
لم تكن تايلور موجودة لتشاهده وهو يصرخ في وجه أمها، لكنه كان شبه متأكد من أنها سمعت بعض ما حدث.
وكان ذلك يشعره بالخزي.
أما المرة الثالثة والأخيرة التي فقد فيها أعصابه في موقف كانت تايلور قادرة على معرفته، فكانت عندما نُقلت إلى المستشفى إثر حادثة يناير.
لقد صرخ في وجه مدير المدرسة، الذي كان يستحق ذلك، وفي وجه مدرس الأحياء الذي كان يدرّس تايلور آنذاك، والذي ربما لم يكن يستحقه.
كان غضبه شديدًا إلى درجة أن إحدى الممرضات هددت باستدعاء شرطي.
وبعد أن هدأ قليلًا، وإن لم يكن تمامًا، غادر داني الممر بخطوات غاضبة متجهًا إلى غرفة المستشفى، ليجد ابنته واعية إلى حد ما، وعينيها متسعتين من شدة الصدمة ورد الفعل.
كان داني يخشى بشدة أن يكون السبب وراء امتناع تايلور عن إخباره بتفاصيل التنمر هو خوفها من أن يفعل شيئًا حيال الأمر في نوبة غضب عمياء.
كان مجرد التفكير في ذلك يصيبه بالغثيان؛ احتمال أن يكون قد ساهم، بطريقة ما، في عزل ابنته لنفسها عن الآخرين، بسبب الطريقة التي تعامل بها مع مشكلاتها.
استغرق داني وقتًا طويلًا حتى يهدأ.
ساعده في ذلك تكرار الكلمات نفسها في ذهنه مرارًا وتكرارًا: تايلور بخير، إنها في المنزل، إنها بأمان.
وكان من حسن حظه أنه عندما بدأ الغضب يتلاشى، شعر بالإنهاك.
صعد إلى السرير واستلقى على جانبه الأيسر، تاركًا الجانب الأيمن فارغًا، بدافع عادة لم يستطع التخلص منها بعد.
ثم سحب الأغطية حول جسده.
سيتحدث إلى تايلور في الصباح.
وسيحصل منها على إجابة، أيًّا كانت.
وحلم بالمحيط.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.