على عكس نومريس، كان فورتكس هادئًا.
هادئًا على نحو يثير الدهشة.
كانت الجثث المقطعة متناثرة في أرجاء الغرفة، والدماء تغطي الأرضية حتى غدت أشبه ببركة داكنة، فيما انبعثت من المكان رائحة خانقة كفيلة بإجبار أي إنسان على التقيؤ.
ومع ذلك، لم يُبدِ فورتكس أدنى انزعاج. لم يتفحص الجثث طويلًا، ولم يتوقف عند المشهد المروّع أمامه؛ بل أبقى عينيه منصبتين على غايته، وكأن كل ما يحيط به لا يعدو كونه تفصيلًا تافهًا لا يستحق الالتفات إليه.
لم يكن هناك ما يدعوه إلى الذعر.
أما نومريس، فقد كان الأمر مختلفًا تمامًا.
ما إن وقعت عيناه على جون حتى اشتعلت نار قديمة في أعماق صدره. انبثقت من ذاكرته صورة لم يستطع الزمن محوها؛ رجل يجر أمه من شعرها بعنف، ووجهها يحتك بالتراب حتى غطاه الغبار، بينما ظل هو عاجزًا عن فعل أي شيء.
لم ينسَ قط الندبة التي كانت تشوّه وجه عدوه.
ولم ينسَ الرجل الذي قلب حياته رأسًا على عقب.
باااخ!
هبطت قدم فورتكس على مؤخرة نومريس، فأخرجته من شروده بعنف.
– استفق أيها الوغد!
اتسعت عينا نومريس، وعاد وعيه إلى الحاضر دفعة واحدة. التفت نحو فورتكس بامتعاض، لكنه لم يجد وقتًا للاعتراض.
فقد كان الرجل المقابل لهما يتأمل الدخيلين بحيرة واضحة، بينما ظل جون يراقب السيف الأسود المعلّق عند خصر فورتكس.
– من… أنتما؟
تمتم روبرت فيسك، محاولًا استيعاب ما يحدث.
لكن فورتكس لم يكترث بسؤاله. اكتفى بتأمل وجهه للحظات، ثم نطق اسمه ببطء، كأنه يتذوق وقع كل حرف:
– روبرت فيسك…
توقفت عيناه عند وجه الرجل السمين، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
– أخيرًا التقينا.
قطّب روبرت حاجبيه، وأمعن النظر فيه محاولًا العثور على أي ذكرى تربطه بهذا الغريب.
– من أنت؟ هل أعرفك؟
لم يجبه فورتكس مباشرة.
أدار رأسه نحو القطع المتناثرة على الأرض، وتأملها لحظة قبل أن يتمتم:
– أنت بالفعل مثل هذا الرجل…
لم يكن واضحًا ما الذي قصده بكلماته، لكن نبرته لم تحمل ذرة من المزاح.
في تلك الأثناء، تصلبت ملامح جون.
تقدم ببطء نحو الطاولة المجاورة، حيث ترك سيفه قبل مدة، ومد يده إلى مقبضه. لم يرفع عينيه عن الغريبين، وظلت حركاته حذرة، رغم محاولته إخفاء التوتر خلف مظهره المتعجرف.
كان نومريس يتابعه بصمت.
ارتدى جون ثوبه الأبيض، الذي لطخته الدماء حتى غدت بقعه الحمراء أشبه بزخارف قبيحة، ثم استل سيفه ووقف في مواجهتهما.
– أين الحراس؟
وجّه سؤاله إلى فورتكس، وقد اشتدت حدة نظرته.
ابتسم فورتكس ببرود.
– الحراس؟ آه، تقصد أولئك الأوغاد الذين يرتدون الرمادي؟
رفع كتفيه بلا مبالاة.
– لا تقلق. إنهم يغطون في نوم عميق الآن.
اشتعل وجه جون غضبًا.
– تبًا… لا منفعة تُرجى منهم!
لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، أو هكذا حاول أن يبدو. رفع سيفه قليلًا، ونظر إلى الدخيلين من علٍ، وكأن وجودهما في مكانه لا يعدو كونه إزعاجًا عابرًا.
– حسنًا، ما الذي تحاولان تحقيقه باقتحام هذا المكان؟ لا تظنا أن بإمكانكما الفرار بعد ما فعلتماه.
وقبل أن يتمكن من إكمال تهديده، انبعث صوت من الجانب.
صوت خشن، متحشرج، لكنه مثقل بغضب ظل حبيس الصدر طويلًا.
– قبل سنتين…
التفت الرجال الثلاثة نحو نومريس.
كان واقفًا في مكانه، وقد انقبضت أصابعه حتى ابيضّت مفاصله. ارتجفت أنفاسه، وبدت عيناه كأنهما تحاولان اختراق جسد جون والوصول إلى شيء أعمق منه.
– كان هناك مئتا شخص…
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم تابع:
– جُرّوا بوحشية من إحدى الجزر النائية على يد هذا اللعين!
امتدت ذراعه المرتجفة، وأشار بإصبعه مباشرة إلى جون.
لكن عينيه لم تفارقا روبرت.
كان الرجل الذي أمامه هو من باعهم، ومن اقتادهم إلى مصير لم يكن أحد منهم يتخيله.
على مدى عامين كاملين، ظل نومريس عبدًا في قبضة الآخرين، متشبثًا بذكرياته القديمة كي لا ينهار، بينما كان ذلك الرجل يعيش حياته دون أن يكترث بما حل بضحاياه.
ساد الصمت للحظات.
لم يُسمع سوى صوت أنفاس نومريس المضطربة، وصوت خافت لقطرات الدم وهي تسقط من أحد الأجساد المعلقة.
استل روبرت سيفه ببطء، ثم حدق في نومريس قبل أن يطلق ضحكة ساخرة.
– أيها العبد الأحمق… أحقًا تتوقع مني أن أتذكر وجهك؟
أمال رأسه قليلًا، وكأنه يحاول تذكر أمر تافه.
– أنا لا أتكبد عناء تذكر وجوه من أبيعهم في سوق الصباح، فكيف تتوقع مني أن أتذكر حشرات بيعت منذ سنوات؟
انفجر جون ضاحكًا، مستمتعًا بالمشهد.
– ها! هل أنت حقًا أحد أولئك العبيد؟ إذن، جئت اليوم لتنتقم؟
لم تختفِ نظرة الكراهية من عيني نومريس، لكنه لم يندفع نحوهما. ظل واقفًا، يحدق في روبرت كما لو أنه يحفر ملامحه في ذاكرته للمرة الأخيرة.
ثم قال بصوت منخفض:
– لديك دفتر خاص… تسجل فيه أسماء من بعتهم، وإلى أين أُخذوا.
وضع روبرت يده على بطنه الضخم، واهتز جسده مع ضحكاته.
– يا له من وفاء! هل تشتاق إلى أحد رفاقك القدامى؟
في تلك اللحظة، تبدلت ملامح نومريس.
انطفأت كل تعابير وجهه تقريبًا، وحل محلها جمود مخيف. لم يعد الغضب ظاهرًا في حركاته المضطربة، بل انكمش في أعماقه، متحولًا إلى شيء أكثر برودة وأشد فتكًا.
لاحظ فورتكس التغير.
مد يده بهدوء ووضعها على كتف نومريس، ثم مال نحوه قليلًا وهمس:
– لا جدوى من الحديث الآن. لم يتذوقا طعم الضرب بعد.
لم يجب نومريس.
اكتفى بإيماءة صغيرة، ثم أمسك بمقبض سيفه الأسود وسحبه من غمده.
صليل…
ما إن انكشف النصل حتى انبعث صوت خافت.
خربشة ريشة تمر فوق سطح خشن.
كان الصوت ضعيفًا إلى درجة يصعب معها تحديد مصدره، لكنه حمل في طياته شيئًا جعل الهواء يبدو أثقل، وكأن الغرفة نفسها بدأت تحبس أنفاسها.
تصلب جسد جون.
تراجعت حدقتاه قليلًا، وتبدلت ملامحه المتعجرفة في لحظة واحدة.
– مَمْسوس…؟
خرجت الكلمة من فمه همسًا، أقرب إلى تحذير انتزعته غريزته منه رغمًا عنه.
في اللحظة التالية، هبطت درجة الحرارة فجأة.
تسلل البرد إلى أطراف الغرفة، وتكاثف الهواء حول الرجال حتى غدت أنفاسهم مرئية. ارتجفت شعلة المصباح، وارتسمت على الجدران ظلال متراقصة لم تتوافق حركتها تمامًا مع الضوء.
حتى روبرت، الذي لم يتوقف عن السخرية قبل لحظات، شحب وجهه وهو يحدق في الفتى.
– ممسوس… ذلك الفتى؟!
لم يسبق لأي منهما أن شاهد ظاهرة كهذه صادرة عن أحد أبناء ذلك العرق. كان المشهد أبعد من مجرد امتلاك قدرة غريبة؛ فقد بدا وكأن شيئًا غير مرئي قد تسلل إلى العالم، حاملًا معه بردًا لا يشبه برد الشتاء.
لكن نومريس لم يمنحهما وقتًا لاستيعاب ما يحدث.
اندفع نحو جون، ورفع سيفه الأسود عاليًا، ثم هوى به في ضربة مقوّسة شقّت الهواء بصوت حاد. كان جون الرجل الذي أراد نومريس قتله أكثر من أي شخص آخر.
وقبل أن يصطدم النصل برأسه، انحرف جون بجسده إلى اليمين.
لم يحاول صد الضربة مباشرة، ولم يسمح لدهشته بأن تشل حركته. كانت سنوات القتال وسفك الدماء قد صقلت غريزة البقاء لديه حتى صار جسده يستجيب للخطر قبل أن تكتمل أفكاره.
مر النصل بمحاذاته، فاستغل اندفاع نومريس والتف حوله، ثم وجّه ضربة جانبية قوية نحو خاصرته.
صليل!
تلاقى السيفان في اللحظة الأخيرة.
اهتزت ذراعا نومريس من قوة الاصطدام، وانحرف جسده عن مساره، فاضطر إلى التراجع ليستعيد توازنه.
لم يمنحه جون تلك الفرصة.
تقدم خطوة خاطفة، ووجّه طعنة نحو كتفه.
حاول نومريس تفاديها، لكن طرف النصل شق ملابسه وأصاب كتفه بجرح سطحي.
تشش!
تطايرت قطرة دم على الأرض.
اتسعت عينا نومريس للحظة، قبل أن يرفع سيفه مجددًا.
لم تكن الإصابة خطيرة، لكنه أدرك منذ الضربة الأولى أن خصمه ليس مجرد رجل ضخم يعتمد على قوته البدنية. كان جون مقاتلًا متمرسًا، يعرف متى يتراجع، ومتى يهاجم، وكيف يحوّل اندفاع خصمه إلى فرصة لصالحه.
اندفع نومريس مجددًا.
كانت ضرباته سريعة وحاسمة، متتابعة على نحو لا يترك مجالًا للراحة. هاجم من الأعلى، ثم غيّر اتجاه سيفه في منتصف الحركة، وأتبع ذلك بطعنة مباشرة نحو صدر جون.
لكن الأخير أفلت من الضربات بفارق ضئيل، وصد بعضها بحافة سيفه، قبل أن يرد بهجمات أجبرت نومريس على التراجع.
صليل! صليل! صليل!
دوّى اصطدام النصلين في الغرفة، وترددت أصداؤه بين الجدران الملطخة بالدماء.
كان نومريس سريعًا، لكن سرعته لم تكن كافية لتعويض افتقاره إلى الخبرة. كلما اندفع للهجوم، وجد جون طريقًا لإجباره على الدفاع؛ وكلما حاول تغيير إيقاعه، كان خصمه يقرأ حركته ويستغل اللحظة التي يفقد فيها توازنه.
وقف فورتكس بعيدًا، مكتف الذراعين، يراقب المواجهة بملامح لا تكشف شيئًا.
لم يبدُ عليه أدنى قلق، ولم يحاول التدخل لمساعدة رفيقه. ترك نومريس يواجه خصمه بمفرده، وكأنه يريد منه أن يدرك بنفسه مقدار الفجوة التي تفصله عن المقاتلين الذين أمضوا سنوات في القتل.
أما روبرت فيسك، فكان يراقب بصمت، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما. رفع سيفه، لكنه لم يتقدم لمساعدة جون، وظل واقفًا في مكانه كما لو أنه ينتظر اللحظة المناسبة لشيء ما.
التفت فورتكس إليه.
وما إن وقعت عيناه على الرجل السمين حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة.
ثم بدأ يتقدم نحوه بخطوات هادئة.
لم ينتبه روبرت إلى ذلك في البداية؛ فقد كان منشغلًا بمتابعة السيف الأسود وهو يلمع بين الضربات المتلاحقة.
في الجهة الأخرى، كان نومريس يتراجع تحت ضغط هجمات جون.
لم يكن خصمه أسرع منه بالضرورة، لكنه كان أكثر كفاءة في استخدام حركاته. يتفادى الضربة بأقل حركة ممكنة، ويصد النصل في الزاوية المناسبة، ثم يرد بهجوم خاطف يستهدف نقطة ضعف مكشوفة.
لم يترك لنومريس فرصة لالتقاط أنفاسه.
ضربة، صد، تراجع.
ثم هجوم مرتد أجبر الفتى على القفز إلى الخلف لتجنب النصل.
كان جون يفرض إيقاعه على المعركة، ويستغل كل ثغرة في هجمات نومريس المتعجلة. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يظهر على الفتى؛ ثقلت أنفاسه، وتصلبت عضلات ذراعه، وصار عليه أن يبذل جهدًا أكبر لصد الضربات التي كان يواجهها قبل قليل.
أما جون، فظل يضغط عليه بلا هوادة.
– جون!
انطلقت صرخة روبرت فجأة.
كانت مختلفة عن ضحكاته الساخرة السابقة؛ حملت نبرة قلق حاد جعلت جون يتوقف في منتصف حركته ويلتفت إلى الجانب.
وفي اللحظة نفسها، رأى ما حدث.
كان فورتكس قد وصل إليه.
أطبق الرجل بيده على عنق روبرت، ورفعه حتى التصق ظهره بالحائط. تدلت قدما السمين عن الأرض، بينما راحت يداه تتشبثان بمعصم فورتكس في محاولة يائسة لتخليص نفسه.
اتسعت عينا جون.
– أنت!
اندفع نحو فورتكس، متجاهلًا نومريس الذي يقف بينهما.
لكن نومريس تحرك فورًا، واعترض طريقه بسيفه الأسود.
– أنا خصمك، أيها العاهة.
توقف جون قبل أن يصطدم بالنصل، وانحنى بجسده متفاديًا ضربة مرت بمحاذاة وجهه. ثم استدار بعنف وضرب نومريس بمقبض سيفه نحو رأسه.
رفع نومريس ساعده في اللحظة الأخيرة، فتلقى الضربة عليه، لكنه استغل اقتراب خصمه واندفع بسيفه نحو صدره.
تراجع جون، غير أن طرف النصل شق ثوبه الأبيض وترك جرحًا سطحيًا على صدره.
للحظة، انخفضت عيناه نحو الجرح.
ثم ابتسم.
كانت ابتسامة قصيرة، خالية من المرح.
اندفع نومريس نحوه مجددًا، موجّهًا ضربة أفقية نحو بطنه. صدها جون بصعوبة، ثم دفع السيف الأسود بعيدًا والتصق بجسد خصمه قبل أن يتمكن من استعادة توازنه.
أمسك معصم نومريس بيده اليسرى.
وفي اللحظة التي تلامست فيها بشرتهما، حدث شيء غريب.
شعر نومريس بإحساس خاطف يجتاح ذراعه؛ لم يكن ألمًا واضحًا، بل شعورًا مزعجًا كما لو أن جزءًا ضئيلًا من جسده قد انتُزع منه.
تصلبت ملامحه.
– ما هذا؟!
لم يجبه جون.
دفعه بركبته إلى الخلف، ثم اندفع وراءه مستغلًا اختلال توازنه.
تراجع نومريس مترنحًا، وقبضته ترتخي للحظة. اندفع الهواء من فمه في زفير متقطع، بينما أحس بألم ينتشر في بطنه إثر الضربة.
لكن حدسه صرخ محذرًا.
لمح طرف سيف جون يقترب من عنقه، فرفع سيفه الأسود وصد الضربة في اللحظة الأخيرة.
صليل!
ارتجت ذراعاه من شدة الاصطدام.
كان هناك شيء قد تغير.
لم تعد ضربات جون بالقوة نفسها التي شعر بها في بداية المعركة؛ بل ازدادت ثقلًا، وصار صدها يتطلب من نومريس جهدًا أكبر. حتى قبضة خصمه بدت أصلب حين تلامسا، وكأن جون يستغل كل فرصة يقترب فيها منه لتعزيز قدرته الجسدية.
لم تكن زيادة هائلة، لكنها كانت كافية لتغيير ميزان المواجهة.
تراجع نومريس خطوتين، بينما واصل جون تقدمه.
لم يكن جون يكتفي باستغلال قوته البدنية؛ فقد كانت حواسه تلتقط أدق التغيرات في جسد خصمه. لاحظ ارتجاف كتف نومريس قبل الهجوم، وتأخر قدمه الخلفية كلما غيّر اتجاه ضربته، وانتبه إلى الطريقة التي يتنفس بها كلما اضطر إلى صد ضربة ثقيلة.
لم يكن يقرأ أفكاره، ولم يكن يرى المستقبل.
كان يقرأ جسده.
وهذا وحده كان كافيًا ليجعل كل حركة متسرعة تصدر عن نومريس فرصة جديدة.
وجّه الفتى طعنة نحو صدره، فانحرف جون عنها بمقدار ضئيل، ثم ضرب ركبة نومريس بقدمه.
اختل توازن الفتى.
وفي اللحظة التالية، ارتطم مقبض سيف جون بفكه.
ترنح نومريس، ثم سقط على ركبة واحدة، مستندًا إلى سيفه كي لا يهوي تمامًا إلى الأرض.
تلطخت يده بالدماء.
رفع رأسه ببطء، وحدق في جون بعدم تصديق.
كيف حدث هذا؟
لقد كان سيفه أسرع، وكانت ضرباته كافية لإجبار خصمه على التراجع أكثر من مرة. ومع ذلك، انتهى به الأمر راكعًا أمام الرجل نفسه الذي جاء لينتقم منه.
وقف جون أمامه، يلتقط أنفاسه. كان الجرح على صدره لا يزال ينزف، لكن النزيف بدأ يتباطأ، فيما أخذت آثار التعب تتراجع قليلًا.
لم يكن جرحه قد التأم بمعجزة، ولم يستعد جسده عافيته كاملة؛ لكنه استغل ما افتَرَسه من جسد نومريس عند التلامس ليعزز قدرته على التحمل ويسرّع تعافيه.
ابتسم جون باستخفاف.
– القوة وحدها لا تكفي، أيها الفتى.
ضغط نومريس على أسنانه، ثم رفع عينيه نحوه.
في تلك اللحظة، جاءه صوت فورتكس من الجانب الآخر للغرفة.
– أيها الغبي! أتريد أن تموت حقًا؟!
لم يلتفت نومريس إليه، لكنه أصغى إلى كلماته.
تابع فورتكس بنبرة حادة:
– إنه يستغل قدراته بصفته شامانًا، وقد بلغ مرتبة أعلى منك. فلا عجب أن يكون جسده أصلب من جسدك، وأن تتفوق حواسه على حواسك. لقد قضى سنوات في القتال، بينما أنت لا تزال تندفع إلى الأمام دون أن تفكر!
اشتدت قبضة نومريس على مقبض سيفه.
– حاول ألّا تموت قبل عودتي. لقد عرفت شيئًا أحتاج إلى التحقق منه.
وقبل أن يتمكن نومريس من سؤاله عما يقصده، تحرك فورتكس نحو الباب، وروبرت لا يزال يتخبط بين يديه.
كان الرجل السمين يحاول الإفلات، لكن قبضة فورتكس على عنقه لم تمنحه فرصة حقيقية للمقاومة.
اختفى الاثنان خلف الباب، تاركين نومريس وحده في مواجهة جون.
ساد الصمت لثوانٍ.
نهض نومريس ببطء، وجسده يئنّ من الألم، بينما ظلّ ثقل غريب يخيّم على ذراعه التي أمسكها جون، لكن عينيه لم تفارقا خصمه.
عاد صوت الخربشة يتسلل إلى الغرفة.
خربشة… خربشة…
ارتجفت شعلة المصباح، وانخفضت الحرارة أكثر، حتى بدا أن الهواء نفسه صار يجرح الرئتين مع كل شهيق.
لم يرفع جون عينيه نحو الظلال، ولم يسمح للصوت بأن يصرف انتباهه. ظل يراقب يدي نومريس وكتفيه وقدميه، متأهبًا لأي حركة مفاجئة.
لقد أدرك أن الفتى لا يمكن الاستهانة به، وأن تركه يطلق قدرته دون مقاومة قد يحول هذه المعركة إلى شيء مختلف تمامًا.
أما نومريس، فمسح الدم المتجمع عند زاوية فمه، ثم رفع رأسه.
لم ينظر إلى جون بوصفه الرجل الذي أهانه قبل لحظات.
بل بوصفه العائق الذي يجب أن يسحقه كي يصل إلى غايته.
خرج صوته هادئًا، على نحو يناقض الألم الذي يمزق جسده:
– خوف… أخرج.
نهاية الفصل
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.