وورم — الفصل 4.4
بدأ حشد المساء يتوافد إلى مطعم «فوغلي بوب»، وكانت المجموعات الكبيرة تشتري الجعة وتحرك الطاولات لتجمعها معًا، كي تتسع لكل مجموعة على حدة.
وبينما بدأت إحدى المجموعات تسحب الطاولات لتصفّها في صف طويل بمنتصف الشرفة، على مسافة غير بعيدة من المكان الذي كنا نجلس فيه، سأل برايان:
«هل تريدون الانصراف؟ سأحكي لكم قصتي في طريق العودة».
لم يعترض أحد، فدفعنا الفاتورة وغادرنا. وكان برايان كريمًا بما يكفي ليحمل بعض أكياس التسوق الخاصة بي وبلِيزا، إلى جانب أكياسه، مخففًا بذلك ما نحمله. أما السوق نفسه، فقد كان قد فرغ من معظم رواده، إذ غادر التجار والمتسوقون المختلفون لتناول العشاء. ولم يبقَ سوى الأكشاك والباعة الذين يبيعون الطعام، وقد قرروا مواصلة العمل. ويبدو أن برايان رأى أن الوقت أصبح مناسبًا لبدء الحديث.
قال لنا برايان: «لإعطائكم بعض الخلفية، أعتقد أنه من المهم أن أذكر أن والديّ انفصلا عندما كنت في الثالثة عشرة. ذهبت للعيش مع أبي، بينما ذهبت أختي عائشة مع أمي. ظللت أنا وعائشة على تواصل إلى حد ما، لكن فارق العمر بيننا أربع سنوات، وكانت اهتماماتنا مختلفة تمامًا، لذلك لم يكن لدينا الكثير لنتحدث عنه. كنت أرسل إليها رسالة نصية أخبرها فيها بمدى ملل يومي الدراسي، وبعد بضعة أيام كانت ترسل إليّ بريدًا إلكترونيًا تتحدث فيه عن مسلسل رسوم متحركة أعجبها. أو كانت تطلب مني نصيحة بشأن ما ينبغي لها فعله بعدما تحصل على علامة F في اختبار الإملاء.
«لم تكن علاقتنا وثيقة. ولم يكن ذلك ممكنًا حقًا، لأنني كنت أعيش في الطرف الجنوبي من المدينة، بينما كانت هي هنا في الشمال. لكنني تلقيت ذات ليلة رسالة نصية منها. كلمتان فقط: “ساعدني”.
«اتصلت بها، لكن الخط كان مشغولًا. وحتى يومنا هذا، لا أعرف لماذا أخذت الأمر على محمل الجد إلى تلك الدرجة، لكنني وصلت إلى منزل أمي بأسرع ما يمكن لإنسان أن يتحرك. اندفعت من الباب الأمامي، وركضت بأقصى سرعة لمسافتين من الأبنية حتى شارع لورد في وسط المدينة، ثم استقللت سيارة أجرة. تركت السائق يصرخ مطالبًا بأجرته، بينما اندفعت عبر الباب الأمامي لمنزل أمي ووجدت أختي.
«كانت قد بكت، لكنها لم تكن تقول ما الذي حدث. لم أضيّع الوقت في سؤالها مرة أخرى. احتضنتها، وحملتها، وبدأت أخرج بها. لكن رجلًا لم أتعرف إليه اعترض طريقي. كان حبيب أمي الجديد.
«عرفت أنه السبب وراء طلبها المساعدة منذ اللحظة التي رأيت فيها رد فعلها. وربما كنت قد اشتبهت بوجود شيء ما حتى قبل ذلك، من خلال التغير الذي طرأ على نبرة رسائلها النصية ورسائل البريد الإلكتروني. كان ذلك سيشرح الشعور الغريزي الذي دفعني إلى الوصول إلى هناك بهذه السرعة. رأيتها تنكمش إلى الخلف، وشعرت بيديها تتمسكان بي بقوة أكبر، فشعرت ببرودة تسري في داخلي».
توقف لثانية، وواصل السير في صمت. كدت أظن أنه انتهى من الحديث، لسبب ما، لكنه التفت إليّ فجأة.
«أعتقد أنني أخبرتك يا تايلور بأن أبي كان ملاكمًا أثناء خدمته العسكرية، أليس كذلك؟»
أجبته: «أجل».
«حسنًا، أبي رجل قاسٍ. ليس من النوع الذي يُفترض أن يربي ابنًا بمفرده. لن أقول إنه كان مسيئًا، لكنه لم يُظهر أي دفء قط. لا حكايات طريفة يرويها، ولا حكم أبوية يقدمها، ولا لعب بالكرة في الفناء الخلفي. كان أقصى ما يجمعنا يحدث في صالة التدريب، حيث يمسك بكيس الملاكمة ويثبت موضعه، بينما يصرخ في وجهي بأنني أفعل شيئًا على نحو خاطئ. أما إذا كانت وضعيتي وتوقيت ضرباتي والقوة الخام في لكماتي كلها مثالية، فكان يلتزم الصمت بعبوس. أو كنا نتدرب داخل الحلبة، مرتديين خوذ الملاكمة وقفازاتها، بينما يقف رجل في الخامسة والثلاثين، في ذروة لياقته البدنية، محاولًا بالكاد كبح قوته أمام ابنه ذي الخمسة عشر عامًا. كان يتوقع مني ببساطة أن أواكبه أو أتحمل الضربات، ولم يكن لديّ خيار يُذكر في الأمر.
«لذلك، حتى لو كنت في الخامسة عشرة فقط، فقد كنت طويلًا بالنسبة إلى عمري، ورياضي البنية، وأعرف كيف أوجه لكمة. لم أنطق بكلمة، ولم أصدر صوتًا. أنزلت أختي من ذراعي، ثم ضربت حبيب أمي حتى أوشك أن يفارق الحياة، بينما كانت أمي تصرخ وتولول طوال الوقت. وعندما انتهيت، حملت أختي وعدت بها إلى سيارة الأجرة. ذهبنا إلى منزل أبي في تلك الليلة، ثم توجهنا إلى مركز الشرطة في الصباح».
واصل برايان حديثه:
«عندما توجه لكمة بيد عارية، فلن تخرج يداك سليمتين تمامًا. بضع لكمات قوية تصيب بها وجه شخص ما أو أسنانه إصابة مباشرة، وستُمزّق مفاصل أصابعك تمزيقًا بشعًا. كنت في منزل أبي تلك الليلة، أغسل يديّ وأنظفهما، حين رأيت ذلك. لم يكن الدم وحده يسيل من مفاصل أصابعي الممزقة، بل كان هناك ذلك السواد أيضًا، كخيوط من دخان شديد السواد.
«عندما تسمع عن حدث الاستثارة، قد تظن أن الأمر كله يتعلق بالغضب أو الخوف. لكنني دليل على أن العكس تمامًا ممكن. لم أشعر بأي شيء على الإطلاق».
قلت: «يا إلهي».
قال: «هذه هي قصتي».
ترددت قليلًا قبل أن أسأل: «آه… لا أعرف كيف أصوغ هذا السؤال بطريقة لطيفة، لكن لماذا لست في السجن بعد أن ضربت ذلك الرجل بهذه الوحشية؟»
تنهد برايان.
«كان الأمر على وشك أن ينقلب ضدي، لكن الرجل الذي ضربته خالف شروط الإفراج المشروط لأنه لم يحضر اجتماعات مدمني المخدرات المجهولين، كما أن عائشة ساندتني عندما قلنا إن ما حدث له كان، حسنًا، مستحقًا. ظهر هو بمظهر الشرير أكثر مني. حُكم عليه بالسجن ستة أشهر، بينما حصلت أنا على ثلاثة أشهر من الخدمة المجتمعية».
ابتسمت ليزا ابتسامة عريضة وقالت: «ومنذ ذلك الحين، وأنت مثال للفضيلة والاستقامة، أليس كذلك؟»
ابتسم برايان عند سماع ذلك.
ثم قال لي: «هؤلاء يعرفون الأمر بالفعل، لكنني لا أعتقد أنني أخبرتك به من قبل. دخلت هذا المجال من أجل عائشة. فقدت أمي حضانتها بعدما تدخلت خدمات رعاية الأطفال، لذا تعيش عائشة الآن مع أبي. المشكلة أنه ليس أبًا مثاليًا. مرّ ما يقرب من ثلاث سنوات، ولا يزال لا يعرف كيف يتعامل مع ابنة، لذلك يتجاهل كل منهما الآخر في الغالب. لكنها بدأت تتمرد وتقع في المشكلات، وهي بحاجة إلى شخص يراقبها ويعتني بها، شخص ليس أبيها ولا أمنا.
«سأبلغ الثامنة عشرة في يونيو، وعندما يحدث ذلك، أخطط لإنهاء الحقوق الأبوية لأمي وأبي والتقدم بطلب لأصبح الوصي القانوني على عائشة. ولتحقيق ذلك، سأحتاج إلى المال».
أشارت ليزا إلى الأمر قائلة: «وهذا يفسر شكل عمله الحالي، الذي يدر عليه أرباحًا لا بأس بها».
أدخل برايان يديه في جيبيه.
«أعطاني أبي مباركته بشأن تولي حضانة أختي المشاغبة. أما أمي، فقد أوضحت أنها ستقاومني في كل خطوة. وهذا يعني أتعاب المحامين. ويعني دفع المال لمحقق خاص كي يجمع أدلة تثبت أن أمي لم تتخلّص من عاداتها السيئة، سواء المخدرات أو علاقاتها العاطفية المضطربة مع رجال لا يُطاقون. سأحتاج إلى شقة تجتاز التفتيش، مع مساحة مخصصة لعائشة ومهيأة لاستقبالها. والأهم من كل ذلك، يجب أن أقدم نفسي باعتباري شخصًا مستقرًا ماليًا ومسؤولًا بما يكفي لتعويض حقيقة أن الخيار الآخر هو أم عائشة نفسها».
قالت ليزا: «رئيسنا يساعده في هذا الجانب الأخير. فالبدل المالي وحصته من الإيرادات الأخرى التي يحصل عليها برايان يعودان إليه على هيئة راتب من شركة شرعية، ومدير هذه الشركة مستعد لتقديم توصية ممتازة لصالحه، وهو قادر على ذلك أيضًا».
اعترف برايان قائلًا: «وهذا أمر لا أشعر بالارتياح تجاهه كثيرًا. إنه… ملائم، ولا أعرف كيف كنت سأدبر الأمر بطريقة أخرى، لكنني لا أحب أن أعتمد إلى هذا الحد على شخص لا أعرفه مطلقًا. لو استولى على الأربعين ألف دولار تلك، لتدبرت أمري. لكن لو غدر بي في هذا الأمر…».
طمأنته ليزا: «لقد قلت ذلك بنفسك قبل قليل. ليس لديه أي سبب يدفعه إلى فعل ذلك».
قال برايان: «صحيح. لكن هذا لا يجعلني أشعر بتحسن كبير».
قلت: «أعتقد أن ما تفعله نبيل للغاية».
بدا برايان وكأن الفكرة نفسها قد أهانته تقريبًا.
قال: «لا. أنا أفعل فقط ما يتعين عليّ فعله. إنها من عائلتي، أتفهمين؟»
أجبته: «أجل، أتفهم». كنت أستطيع أن أفهم كيف تصبح العائلة أولوية.
ساد الصمت بيننا لدقيقة أو دقيقتين، ولم يكن السبب الوحيد هو مرور أمّين تدفعان عربتين ضخمتين للأطفال، بعدما انعطفتا إلى الشارع وسارتا أمامنا، فأصبحتا على مسافة تسمح لهما بسماع حديثنا بسهولة. كان السبب الآخر أنه لم يكن لدينا الكثير لنضيفه إلى المحادثة.
شعرت بالارتياح عندما أوقفت المرأتان عربتيهما أمام واجهة أحد المتاجر وتوقفتا للنظر إليها، لأن ذلك أتاح لنا التقدم عليهما.
الأشخاص الذين يشغلون الرصيف بأكمله، بحيث تضطر إلى النزول إلى الطريق لتجاوزهم، يثيرون انزعاجي بشدة. أما أولئك الذين يسدون الرصيف بأكمله دون أن ينتبهوا إلى أحد، ويمشون ببطء يجبرك على التمهل، لكن بسرعة تمنعك من تجاوزهم، فهم يجعلونني أتخيل إنزال أسراب من النحل فوق رؤوسهم.
ليس أنني سأفعل ذلك فعلًا، بالطبع.
عندما أصبح بإمكاننا التحدث بحرية مجددًا، وجدت نفسي أحاول بصعوبة التفكير في موضوع جديد. ألقيت نظرة على برايان، محاوِلةً معرفة شعوره بعد أن حكى قصته. هل كان بخير فعلًا، أم أنه بارع للغاية في كبت مشاعره؟ بدا طبيعيًا تمامًا، مسترخيًا بالقدر الذي يمكن توقعه من شخص يحمل كل تلك الأكياس.
سألته: «مهلًا، ماذا اشتريت؟»
أجاب: «بعض الأشياء لشقتي. مفارش للطاولات، وقطعة فنية أحتاج إلى وضعها في إطار. أشياء مملة نوعًا ما. وجدت تمثالًا رائعًا؛ قال لي الرجل إنه تصميم نحتي تصوري أعدّه لفيلم رعب لم يُنفَّذ قط. لفت انتباهي وجهه الغريب والمشوّه، وبما أنني أفكر في تحديث زيّي، فقد فكرت في الاستلهام من التمثال لصنع قناع جديد. ربما حان الوقت للتخلي عن الجمجمة».
قلت: «عليك أن تريني إياه».
توقف لحظة ثم قال: «في الواقع… أنت الشخص الذي كنت أرغب أكثر من غيره في أن أريه إياه. زيّك رائع جدًا، وكنت أتساءل إن كانت لديك أي اقتراحات بشأن المكان الذي يمكنني التوجه إليه».
سألته: «إلى أين؟»
«من أجل الأزياء».
حدقت فيه بوجه خالٍ من التعبير لبضع ثوانٍ، محاوِلةً فهم ما يقصده.
تذمرت ليزا: «أحيانًا يكون امتلاك قدرتي أمرًا محبطًا حقًا. إنه أشبه بأن تكون الشخص الوحيد الذي يملك عينين في أرض العميان. تايلور، برايان يسألك عن المكان الذي اشتريتِ منه زيّك. وبرايان، هي لم تشترِ زيّها. لقد صنعته من الصفر».
رفع برايان حاجبيه.
«أتمزحين؟»
قلت: «إنه مصنوع من حرير العناكب. لذا فهو يتمتع بمتانة شدّ لا تقل عن متانة الفولاذ إلا قليلًا، لكنه أخف وزنًا بكثير. ليس بقوة الكيفلار، لكنه قابل للتمدد، ما يعني أنه يتحمل الاستعمال اليومي والتآكل بصورة أفضل من زي مصنوع من الفولاذ أو الكيفلار أو المطاط. كان صنعه معقدًا نوعًا ما، لأنني اضطررت إلى التحكم في العناكب وجعلها تنسج القماش، لكنني جعلتها تؤدي العمل بينما ركزت أنا على توجيهها».
أومأ برايان برأسه.
«هذا رائع بحق. هل يمكنك صنع واحد لي؟»
جعلني سؤاله أتوقف لحظة.
وأضاف: «لا أتوقع منك أن تفعلي ذلك مجانًا».
سألته: «كم تتحدث من المال؟»
قال: «حددي السعر».
فكرت قليلًا.
«ألفا دولار؟ لا، ألفا دولار… ألفا دولارين؟» تلعثمت لحظة قبل أن أصحح نفسي: «ألفا دولار؟»
لا، لم يكن ذلك صحيحًا. جمعت أفكاري مجددًا.
«ألفا دولارين، أي ألفان».
ضحك برايان وقال: «ألن تمنحيني خصمًا لأنني زميلك في الفريق وصديقك؟»
قلت: «هذا السعر بعد الخصم. يستغرق الأمر وقتًا، وساعات طويلة أحتاج فيها إلى البقاء بالقرب من الحشرات أثناء عملها، ولا أستطيع فعل ذلك طوال الوقت، لأن أبي سيلاحظ وجودها إذا تركتها تعمل بينما هو في المنزل. بالإضافة إلى أنني مضطرة إلى تبديل العناكب باستمرار حتى يكون لديّ مخزون متجدد من الحرير، لكنني لا أستطيع إبقاء أعداد كبيرة منها في الحي لدرجة تجعل الناس يلاحظونها… الأمر ليس سهلًا».
اقترحت ليزا: «إذا كانت هذه هي المشكلة الأساسية، فلماذا لا تغيرين المكان؟»
سألتها: «إلى أين؟ يجب أن يكون مكانًا أقضي فيه الكثير من الوقت، ومكانًا تتوفر فيه مساحة للعمل، حيث أستطيع إبقاء عشرات الآلاف من العناكب دون أن يلاحظ أحد».
هزت ليزا كتفيها.
«الطابق العلوي؟ أو بالأحرى، المساحة الواقعة أسفله؟»
جعلني ذلك أتوقف.
كانت الفكرة منطقية إلى درجة جعلتني أرغب في ركل نفسي لأنني لم أفكر فيها بمجرد أن اقترحت ليزا تغيير المكان.
تدخل أليك قائلًا: «مهلًا، مهلًا، مهلًا. عشرات الآلاف من العناكب؟»
قلت: «إذا أردت أن يكون العمل سريعًا نسبيًا، فأجل، من المحتمل أن نتحدث عن هذا العدد. خصوصًا أنني أظن أن برايان سيرغب في شيء أكثر سماكة. المساحة الموجودة أسفل الطابق العلوي يمكن أن تصلح بالتأكيد. أعني، لن تجذب بعض خيوط العنكبوت الإضافية الانتباه إذا أطلّ أحدهم برأسه إلى الداخل، أليس كذلك؟»
مرر أليك أصابعه في شعره، وهو ما اعتبرته علامة على التوتر أو القلق. كان من النادر رؤيته في حالة غير الملل أو التشتت الجزئي. وكأنه يؤكد أفكاري، قال:
«لا أريد عشرات الآلاف من العناكب تتربص بي أسفل المكان الذي أنام فيه، وتصدر أصوات العناكب، ثم تتسلق إلى الطابق العلوي لتزحف عليّ بينما أنا نائم».
حاولت طمأنته.
«عناكب الأرملة السوداء لا تتجول عادةً كثيرًا، ومن الأرجح أن تلتهم بعضها بعضًا بدلًا من أن تلدغك. أعني، لن ترغب في استفزاز واحدة منها…»
تأوه أليك.
«عناكب الأرملة السوداء؟ هنا يأتي الجزء الذي تقولين فيه إنك تعبثين معي. لا بأس، أستطيع تحمل المقالب».
قلت: «إنها تمتلك أقوى خيوط السحب بين العناكب الموجودة في هذه المنطقة. أتمنى لو استطعت الحصول على نوع أفضل، مثل عنكبوت لحاء داروين. فهو يمتلك أقوى حرير بين جميع العنكبيات والديدان. ويمكن أن يصنع منه نسيج أقوى بخمس مرات من الكيفلار. كنت سأطلب من رئيسنا أن يحاول الحصول على بعض منها لي، لو كنت أعتقد أنها تستطيع البقاء على قيد الحياة في هذا المناخ المعتدل».
حدق أليك في وجهي.
«أنت لا تمزحين بشأن عناكب الأرملة السوداء، أليس كذلك؟»
قلت: «أتتذكر تلك التي أحضرتها معي إلى عملية السطو على البنك؟ لقد أحضرتها من المنزل».
قال أليك: «تبًا».
ثم كرر الكلمة: «تبًا! والآن سيصر برايان على الحصول على ذلك الزي، ما يعني أن هذا الأمر سيحدث على الأرجح».
سألته، وقد فاجأتني قوة رد فعله قليلًا: «هل تعاني من رهاب العناكب؟»
«لا، لكنني أعتقد أن أي شخص سيشعر بالقلق من فكرة وجود عشرات الآلاف من عناكب الأرملة السوداء في المبنى نفسه الذي يوجد فيه».
فكرت للحظة.
«يمكنني وضعها في أقفاص، إذا كان ذلك سيمنحك بعض راحة البال. وربما يكون ذلك منطقيًا على أي حال، لأنها إقليمية، وستقتل بعضها بعضًا عندما لا أكون موجودة».
ابتسمت ليزا ابتسامة عريضة.
«سنتوصل إلى حل ما. هل تعتقدين أنك تستطيعين إدارة الحشرات بهذه الدقة لصنع زيّ لي أنا أيضًا؟»
أدركت فجأة أنني أفكر بجدية في صنع أزياء عالية الجودة لمجموعة من الأشرار الخارقين. ولم أكن متأكدة مما أشعر به حيال ذلك.
قلت: «يمكنني التحكم في حشراتي بالدقة الكافية لصنع زيين في الوقت نفسه، بالتأكيد… لكن الأمر متعب ومزعج للغاية. لقد شعرت براحة هائلة عندما انتهيت من صنع زيّي الخاص، ولا تتحمس نفسي لفكرة صنع زيين آخرين». كان كلامي صحيحًا بما يكفي. «دعوني أفكر في الأمر؟»
قال برايان: «ألف وخمسمئة دولار. هذا أقصى ما سأدفعه، الآن وقد وجدنا طريقة ربما تساعدنا على تدبير الأمور اللوجستية. أعتقد أنه عرض عادل».
قلت: «حسنًا».
لم يكن المال يؤثر فيّ حقًا. أعني، الأرقام الكبيرة قد تجعل عينيّ تتسعان، لكنني في نهاية المطاف لم أكن أخطط لإنفاق الأموال التي حصلت عليها بطرق غير مشروعة.
استغرقت عودتنا إلى الطابق العلوي نحو ساعة كاملة. لم أمانع ذلك. فقد جعلني تدريبي البدني قادرة على قطع المسافة دون أن أشعر بتعب كبير، وكانت الرفقة ممتعة.
عندما دخلنا المبنى وصعد الآخرون الدرج، بقيت في الأسفل أتفحص مساحة المصنع في الطابق الأول. لو استطعت تثبيت ألواح من الخشب الرقائقي على الهياكل التي كانت تحمل أجهزة المشي، لأصبح لديّ عدد من أسطح العمل الطويلة التي يمكن لحشراتي العمل عليها. ثم أضيف نوعًا من الأقفاص في الخلف لإيوائها… لكن من أين سأحصل على شبكة من الأقفاص أو الحاويات التي يمكنها استيعاب آلاف العناكب، كل واحدة في حيز منفصل؟
كان بوسعي إيجاد حل لهذه المشكلة. سواء استخدمت علب البيض أو بنيت المنشأة بأكملها بمساعدة الحشرات، كنت أعلم أن تنفيذ الفكرة ممكن بطريقة ما.
لكن السؤال كان: هل أريد فعل ذلك أصلًا؟
صعدت إلى الطابق العلوي، غارقة في التفكير.
سأل برايان، بعدما عاد من الطرف الآخر للطابق العلوي، بينما كان بروتوس وأنجيليكا يهرولان خلفه وذيولهما تهتز:
«أين رايتشل؟ لا يوجد هنا سوى اثنين من كلابها».
أشارت ليزا إلى الأمر قائلة: «لقد تأخرنا عشرين دقيقة عن الموعد الذي حددناه. ربما سبقتنا إلى هناك؟»
أصدر برايان تعليماته لنا:
«استعدوا. أخبرنا رب عملنا بأننا سنسلّمه المال في وقت ما من هذه الليلة، وإذا تأخرنا كثيرًا، فسينعكس ذلك سلبًا على صورتنا أمامه. سأتولى الاتصال برايتشل لأرى ما الذي يجري، لأن ارتداء معداتي لا يستغرق مني وقتًا طويلًا».
اتجهت أنا وأليك وليزا نحو غرفنا الخاصة. أغلقت الباب خلفي، وأخرجت زيّي من الدرج السفلي لطاولة السرير. فردته فوق مرتبتي القابلة للنفخ، ثم جمعت معداتي ورتبتها استعدادًا لوضعها في حجرة الأدوات الخاصة بي: رذاذ الفلفل، وسكين، وهراوة قتالية قابلة للتمدد، ودفتر ملاحظات، وأقلام إبينفرين ذاتية الحقن، ومحفظة صغيرة للعملات تحتوي على بعض الفكة وورقة نقدية من فئة عشرين دولارًا، وهاتفًا جديدًا لم يُستخدم من قبل ومن النوع الذي يُرمى بعد الاستعمال.
كل ما استطعت التفكير فيه من الأشياء التي قد أرغب في الاحتفاظ بها معي.
قلم، أدركت فجأة.
كان أمرًا بسيطًا، لكن دفتر الملاحظات لن يفيدني كثيرًا من دون قلم. اتجهت نحو خزانة الملابس، ثم توقفت فجأة.
كان هناك شيء فوق الخزانة.
بلورة.
لكن كلمة «بلورة» لم تكن دقيقة تمامًا. فقد كانت قطعة من الكهرمان، مصقولة وناعمة، على شكل دمعة، ويبلغ ارتفاعها قدمًا تقريبًا، ومثبتة على قاعدة حجرية تجعلها تقف منتصبة.
كانت بداخلها يعسوبة.
وكانت اليعسوبة كبيرة إلى درجة أنها كادت لا تتسع داخل الكهرمان؛ بل لم تكن لتتسع أصلًا لولا أن أطراف جناحيها انحنت إلى الداخل عندما تصلب الكهرمان حولها.
وحين كان ضوء نوافذ الطابق العلوي يلامس الكهرمان، كان يلقي بظلال صفراء وبرتقالية عميقة على سطح الخزانة وجزء من الجدار، مع لمحات من الأزرق الداكن حيث يمر الضوء عبر جناحي اليعسوبة الشفافين.
كانت هناك ورقة بجانبها.
«رأيتها، وشعرت أنها تشبهك كثيرًا. اعتبريها هدية ترحيب متأخرة. — برايان».
شعرت بالذهول.
لا بد أنه تركها بينما كنت لا أزال في الطابق السفلي.
أسرعت إلى ارتداء زيّي، وعثرت على قلم في الخزانة، ثم وضعت محتويات حجرة الأدوات في أماكنها. وبعد أن انتهيت، ارتديت بنطال جينز وكنزة وسترة فوق الزي، واختتمت استعداداتي بحقيبة ظهر شبه فارغة لتخفي النتوء البسيط الذي يشكله الدرع على ظهري.
لم أخرج من غرفتي إلا بعدما أصبحت مستعدة تمامًا، وعندها وجدت برايان جالسًا على الأريكة. كنت واثقة من أنه سيتفهم الأمر في كل الأحوال، لكنني افترضت أنه سيقدّر الأمر أكثر إذا استعددت أولًا ثم شكرته، بدلًا من أن أفعل العكس.
كان لا يزال في غرفة الجلوس، يرتدي سترة دراجات نارية جلدية فوق سترة واقية.
قلت بتردد: «أنا… آه… لا أعرف ماذا أقول».
انعقد جبينه قلقًا.
«هل أعجبتك؟ كنت أفكر في أن إهداءك حجرًا بداخله حشرة ميتة ربما لم يكن ألطف هدية…»
قاطعته: «إنها مثالية. حقًا. شكرًا لك».
لم أكن أعرف قط ماذا أقول عندما أتلقى هدية. كنت أخشى دائمًا أن يبدو شكري زائفًا أو متكلفًا أو ساخرًا، حتى عندما أكون صادقة تمامًا.
وبدافع عفوي، منحته عناقًا خاطفًا، قصيرًا للغاية.
بدا لي أنها الطريقة الوحيدة التي يمكنني بها إظهار امتناني بوضوح.
«مهلًا! ممنوع الرومانسية في مكان العمل!»
كاد صوت من خلفي يقفز بقلبي من مكانه.
استدرت لأرى أليك وليزا واقفين في الممر، وكلاهما يبتسم ابتسامة عريضة. أما ليزا، فكانت ابتسامتها أوسع من المعتاد.
لا بد أن وجهي احمرّ بشدة.
«الأمر ليس كذلك، لا، كنت فقط أشكره على…»
قالت ليزا: «أعرف يا غبية. كنت معه عندما اشتراها».
ولحسن الحظ، غيّرت ليزا الموضوع.
«هل وصل أي خبر عن مختلتنا اجتماعيًا المقيمة؟»
قطّب برايان حاجبيه.
«لا. هاتفها خارج الخدمة، وهذا لا ينبغي أن يحدث، لأنني أنا من شغّله وفعّله وأعطاها إياه في وقت سابق من اليوم. هناك شيء ما يجري».
اختفى الجو الودّي الذي ساد قبل لحظات. تبادلنا النظرات، ولم يعد أحد يبتسم.
قال برايان، وهو يزن كلماته بعناية:
«أعتقد… أنه سيكون من الأفضل لنا أن نتحقق من المال في أسرع وقت ممكن».
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.