وورم — الفصل 4.11
«تايلور، هيا، استيقظي». كان صوت فتاة.
«تايلور؟» قال صوت أعمق وأكثر نضجًا: «هيا يا صغيرتي. لقد أبليتِ بلاءً حسنًا».
كنت أشعر بالدفء والراحة، كأنني أستيقظ في سرير دافئ في يوم بارد، والأغطية كلها في أماكنها الصحيحة، وقد نلت قسطًا كاملًا من الراحة، وأعرف أنني لست مضطرة إلى النهوض فورًا. أو كأنني في السادسة من عمري، وقد تسللت إلى سرير أمي وأبي في وقت ما من الليل، ثم استيقظت بينهما.
«أظن أنها بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا. امنحها لحظة»، قال شخص أكبر سنًا. ربما كان رجلًا عجوزًا. لم أكن أعرفه.
قال الصوت الرجولي الأعمق: «كنت أخشى ألا تستيقظ».
أجابت الفتاة: «كان بإمكاني إخبارك بأنها ليست في غيبوبة».
سأل الرجل العجوز: «وهل أنت متأكدة تمامًا، بنسبة مئة بالمئة، من أنها لا تعاني إصابة خطيرة في الدماغ؟ لأن المخدرات قد تخفي الأعراض، وإذا انتظرنا طويلًا قبل اتخاذ إجراء بشأن ذلك… حسنًا».
قالت الفتاة بنبرة حادة قليلًا: «لا شيء يتجاوز ما وصفته لك، إلا إذا كانت معداتك معطلة. أحتاج إلى معلومات صحيحة لأعمل بناءً عليها، وإلا فسأحصل على معلومات خاطئة».
«أؤكد لك أن معداتي، وإن كانت محدودة، تعمل بكفاءة تامة».
حاولت فتح عينيّ، لكن كل شيء كان شديد السطوع. كان المشهد ضبابيًا، كما لو أنني أراه من تحت الماء، ومع ذلك كان جفناي جافين كأنهما ورق صنفرة. تحرك شيء داكن أمام بصري، فارتعش جفني. ودغدغ شيء آخر خدي. حاولت رفع يدي إلى وجهي لإبعادهما، لكن ذراعيّ كانتا على جانبيّ، مدفونتين تحت الأغطية، ولم أملك القوة لتحريكهما.
«مرحبًا أيتها النعسانة»، قال الصوت العميق مرة أخرى.
شعرت بيد كبيرة تستقر على جبهتي، ثم تتحرك لتزيح شعري إلى الخلف. أعادني ذلك إلى ذكريات أمي وأبي. إلى شعور الطفلة التي يتولى أحدهم رعايتها.
كان الرجل العجوز والفتاة لا يزالان يتجادلان. سمعت نبرتها النافدة الصبر: «…ارتجاج في الدماغ، وفقدان شديد للدم، وكدمات خارجية وداخلية، فضلًا عن أي شيء أصاب جهازها العصبي، هل تفهم؟ ليس لدي أي سبب يدفعني إلى الكذب عليك».
«كل ما أقوله هو أنه إذا كانت هناك إصابة أخرى ونتجت عنها مضاعفات، فستكون المسؤولية عليك، لأنني أصدق كلامك. بالطبع، لا أريد للفتاة أن تموت أو ينتهي بها الأمر بتلف في الدماغ، لكن إذا حدث ذلك، فلن أشعر بالذنب، وأنا…»
«إذا حدث شيء لأنني أخطأت، ولم يكن ذلك بسبب معلومات خاطئة أو أدوات غير مناسبة قدمتها لي، فسأتحمل المسؤولية. سأخبره، ولن تتأثر سمعتك. أعدك».
تمتم الرجل العجوز متذمرًا، لكنه لم يقل شيئًا آخر.
حاولت فتح عينيّ مجددًا. تعرفت على الوجه.
برايان.
انضمت إليه ليزا عند جانب السرير.
قالت بنبرة متعاطفة: «أهلًا بكِ من جديد. لقد تلقيتِ ضربة قاسية، أليس كذلك؟»
أجبت: «يبدو ذلك»، لكنني لم أكن متأكدة إن كنت قد نطقت كلمة «ذلك» بصوت مسموع. ربما كنت أعود إلى النوم، إلا أن دغدغة أخرى عند وجهي جعلتني أكرمش أنفي.
«ما هذا…؟»
قالت: «هذا يا عزيزتي هو السبب الوحيد الذي جعلنا نحاول إيقاظك. لقد كنتِ تستخدمين قوتك أثناء نومك، وكل الحشرات الموجودة في الحي تتجمع هنا لتزحف فوقك. ليست كلها في وقت واحد، ولا تأتي كلها معًا، لكنها تتكاثر تدريجيًا، وسيلاحظ أحدهم الأمر عاجلًا أم آجلًا».
نظر برايان إلى الجانب الآخر من الغرفة.
«لقد أحكمنا إغلاق النوافذ والأبواب بغلاف بلاستيكي وشريط لاصق، ومع ذلك ما زالت تدخل. لا يمكننا نقلك إلى أي مكان وأنت على هذه الحال، والطبيب المسكين يحتاج إلى أن نخلي المكان تحسبًا لوصول مريض حقيقي».
تذمر الرجل العجوز: «ما أحتاج إليه هو بيئة عمل معقمة، لا تعج بالصراصير و…»
قاطعتْه ليزا بحدة: «نحن نتولى الأمر».
ثم قالت بصوت أكثر لطفًا: «تايلور، لا تعودي إلى النوم».
فاجأني أن أدرك أنني كنت أغفو بالفعل. يا للغرابة.
«أعرف أن المسكنات ممتعة. لقد أعطيناكِ كمية كبيرة منها لأنكِ كنتِ تتألمين بشدة. لكننا نحتاج منكِ أن تطلبي من الحشرات الابتعاد».
آه، صحيح. تذكرت بصعوبة أنني أمرت حشراتي بالتجمع حولي قبل أن أفقد الوعي بوقت قصير. ويبدو أنني لم أطلب منها التوقف قط. ربما حال فقداني الوعي دون ذلك.
أرسلت إليها أمرًا، ثم قلت: «اعتبري الأمر منتهيًا».
لفت انتباهي شيء ما.
«همم. موسيقى مثيرة للاهتمام».
بدت ليزا قلقة للغاية للحظة. ثم نظرت إلى برايان.
قلت: «في الخارج. أمام الباب. هاتف ذكي، ربما. هناك رجل يستمع إلى الموسيقى. ربما لا يرتدي سماعات، أو أنها ليست موصولة بالهاتف نفسه. يبدو الصوت كأنه موسيقى أوركسترالية، أو بوب. هل هي باللاتينية؟ أم الإنجليزية؟ أم الاثنتان؟ المقطع الأخير بدا يابانيًا. أو صينيًا. هل يُعدّ هذا عنصريًا لأنني لا أستطيع التمييز بينهما؟»
قال برايان، من دون قسوة: «أنتِ تهذين يا تايلور».
اختفت ليزا للحظات من مجال رؤيتي.
«لكنها محقة. هناك رجل على الدرج في الخارج يستمع إلى الموسيقى. كيف عرفتِ ذلك؟»
«عثة على الباب. كنت منشغلة بالاستماع لدرجة أنني نسيت أن أطلب منها المغادرة. أنا آسفة. سأ… سأ…»
«ششش. استرخي. لا بأس. فقط أرسلي الحشرات بعيدًا، ويمكنك العودة إلى النوم. نحن نتولى كل شيء، حسنًا؟»
كان الأمر على ما يرام.
وغفوت من جديد.
■
انتزعتني هزة من حلمي.
«انتبه!»
«أنا منتبه. كفّ عن التوتر. أغلق باب السيارة فحسب».
«أنا لست متوترًا. لقد كدت تُسقطها قبل بضع ثوانٍ. أقسم إنك لو أسقطتها على رأسها…»
«لن أفعل».
كانت الكلمات اهتزازًا جهوريًا على أحد جانبي جسدي، بقدر ما كانت صوتًا يصل إلى أذني. وكان ذلك الجانب من جسدي دافئًا أيضًا. تفوح منه رائحة لطيفة، كرائحة الجلد وكريم الحلاقة.
بدأت أقول شيئًا، ثم توقفت. كان الأمر يتطلب جهدًا أكبر مما أستطيع بذله.
جاء صوت فتاة من مكان قريب من أذني.
«مرحبًا يا تايلور. أسمعك تصدرين صوتًا. هل بدأتِ تستيقظين؟»
هززت رأسي وضغطت خدي بقوة أكبر على الجسد الدافئ.
ضحكت الفتاة.
ثم سمعت طرقًا على الباب، بإيقاع الطرق التقليدي لأغنية «Shave and a Haircut, Two Bits». وبعد لحظات، انفتح الباب.
«يا إلهي، تايلور. هل هي…؟»
أجابت الفتاة، ليزا، كما أدركت الآن: «إنها بخير، نائمة فحسب. كما قلت لك عبر الهاتف…»
«آسف على المقاطعة، لكن… أنا آسف، لقد نسيت اسمك تمامًا، هل يمكنني مساعدتك في حملها إلى الداخل؟»
«في الواقع، أنا بخير، وأظن أن احتمال إسقاطها سيكون أكبر لو حاولنا حملها معًا وتغيير وضعها. اسمي برايان».
«برايان، حسنًا. شكرًا لك. إذا استطعت إدخالها من هنا فحسب… بعد اتصالكم، لم أعرف ماذا أفعل بنفسي. جهزت سرير الأريكة، تحسبًا لعدم قدرتنا على صعود الدرج بها، أو إذا احتجنا إلى كرسي متحرك. كنت أتخيل أسوأ الاحتمالات…»
قالت ليزا: «الأريكة ممتازة. حالتها ليست الأسوأ على الإطلاق، بل إنها بعيدة كل البعد عن ذلك. ستنام كثيرًا، وعليك أن تتفقدها كل نصف ساعة للتأكد من أنها بخير، خلال الاثنتي عشرة ساعة المقبلة. وفوق ذلك، قد ترغب في مشاهدة التلفاز بين فترات النوم، لذا يبدو هذا المكان مثاليًا».
«حسنًا. جيد».
وُضعت مستلقية على ظهري، وافتقدت الدفء والقرب اللذين كنت أشعر بهما قبل لحظات. ثم سحب أحدهم نحوي أغطية دافئة خرجت للتو من المجفف، ووضع فوقي لحافًا ثقيلًا، فقررت أنني سأتمكن من تحمل الأمر.
«هل تتفضلان بالدخول إلى المطبخ؟ منزلنا صغير، وأخشى أنه لا يوجد مكان للجلوس في غرفة المعيشة بعد فتح سرير الأريكة. سنكون أكثر هدوءًا في المطبخ».
أجابت ليزا: «لكننا سنظل قادرين على رؤية ما إذا كانت ستستيقظ. يبدو ذلك منطقيًا».
«هل أحضر لكما شيئًا؟ شايًا أم قهوة؟»
أجاب برايان: «قهوة من فضلك. كانت ليلة طويلة».
«هل يمكنني طلب الشاي، رغم أنك مشغول بإعداد القهوة يا سيد هيبرت؟»
«بعد كل ما فعلتموه، فإن إعداد الشاي أقل ما يمكنني فعله. لكن أرجوكِ، ناديني داني».
إذا كنت مرتاحة في ضبابية المورفين قبل ذلك، فقد أصبحت مستيقظة تمامًا في اللحظة التي سمعت فيها الاسم، وأدركت أن هذه الأصوات والأسماء التي أعرفها لا ينبغي أن تكون مجتمعة في مكان واحد.
أبي، وليزا، وبرايان.
على طاولة مطبخي.
أبقيت عينيّ نصف مغمضتين، وتمسكت بكل كلمة.
«هل هي بخير؟»
قالت ليزا: «كما أخبرتك عبر الهاتف، إنها بخير. ارتجاج في الدماغ، وكدمات، وبعض فقدان الدم. احتاجت إلى تسع غرز».
«هل ينبغي أن آخذها إلى الطبيب؟»
«يمكنك ذلك. لكن أبي طبيب، وقد فحصها في عيادته. استخدم علاقاته لتدبير تصوير مقطعي وفحص بالرنين المغناطيسي. أراد التأكد تمامًا من عدم وجود تلف في الدماغ قبل أن يعطيها مسكنات أقوى. ها هو. لديّ زجاجة في أحد هذه الجيوب. وجدتها. إنه الكوديين. من المحتمل أن تعاني صداعًا شديدًا، وكانت تئن أثناء نومها بسبب الألم في أطرافها. أعطها حبة واحدة أربع مرات يوميًا، لكن فقط إذا شعرت بأنها تحتاج إليها. إذا كانت بخير من دونها، فقلّل الجرعة تدريجيًا. حبتان يوميًا، أو نصف حبة أربع مرات يوميًا».
«كم التكلفة؟»
«الكوديين؟ أربع حبات…»
«لا، التصوير المقطعي والرنين المغناطيسي والوصفة الطبية. انتظري لحظة حتى أحضر محفظتي، وسأدفع…»
تخيلت ليزا تمسك بيده وتوقفه.
«إنها صديقتنا يا داني. أبي لن يقبل حتى سماع فكرة أن تدفع له».
كان الأمر سرياليًا إلى أبعد حد. أن أسمع ليزا تنطق اسم أبي أو كلمة «بابا»!
«أنا… لا أعرف ماذا أقول. شكرًا لكِ».
«لا بأس، حقًا. أشعر بالذنب…»
قاطعها برايان: «نحن نشعر بالذنب».
تابعت ليزا: «…لأننا سمحنا بحدوث هذا. لأن تايلور هي التي تلقت الضربة الأقسى. وأنا آسفة لأننا لم نتصل بك في وقت أبكر. كان علينا انتظار استيقاظ تايلور واستعادتها قدرًا كافيًا من وعيها لتخبرنا برقم هاتفك».
كنت شبه متأكدة أنني لم أفعل ذلك. وربما كان هذا واحدًا من تلك المواقف المخيفة التي تتصرف فيها تاتلتيل كعادتها، فتستنتج شيئًا لم أكن لأتوقع أنها تستطيع معرفته.
قال أبي: «أنا… لا بأس بذلك. هل أصدقاؤك الآخرون بخير؟»
«رايتشل لديها خدوش وكدمات أكثر من تايلور، لكنها لم تصب بارتجاج في الدماغ، وهي فتاة صلبة. أظن أنها نائمة بعمق في المنزل، وستنهض وتتحرك هذا العصر. أما أليك، صديقنا الآخر، فقد فقد الوعي عندما وقع الحادث، ثم استيقظ وهو يعاني صداعًا شديدًا، لكنه بخير. كنا نسخر منه لأنه أغمي عليه، وهذا يزعجه بشدة… أعني، يزعجه فحسب. كأن الرجال لا يُغمى عليهم أبدًا».
«وأنتما الاثنان؟»
«نحن أسوأ حالًا قليلًا، لكن يمكنك أن تلاحظ ذلك بمجرد النظر إلينا، بالطبع. خدوش ونتوءات وكدمات. أصبت بحروق، لكنها طفيفة. لا تتجاوز حروق الشمس السيئة».
«لا يبدو أن الحروق وصلت إلى المنطقة المحيطة بعينيك».
ضحكت ليزا بعفوية تامة، حتى إن أحدًا لن يشك في الأمر.
«أجل، كنت أرتدي نظارات شمسية عندما حدث ذلك. هل آثارها واضحة إلى هذا الحد؟»
«ليست سيئة جدًا، وإذا كانت تشبه حروق الشمس، فستتعافين خلال بضعة أيام. هل يمكنك أن تخبريني بالمزيد عما حدث؟ عبر الهاتف، قلتِ شيئًا عن…»
«قنبلة. هل شاهدت الأخبار؟»
«انفجارات في أنحاء المدينة طوال الليل وهذا الصباح، أجل. والحادث الذي وقع في مقر منظمة الحماة. بدأ كل ذلك على يد أحد الباراإنسان. لا أستطيع تذكر اسمها. بدا الاسم يابانيًا؟»
«باكودا، أليس كذلك؟ أجل، أظن أن هذا اسمها. كنا نعبر منطقة الأحواض في طريق عودتنا من سوق شارع لورد، وأعتقد أننا كنا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. في لحظة كان كل شيء طبيعيًا، وفي اللحظة التالية وقعت الكارثة. كان برايان يحمل أكياس تايلور بينما كانت تعيد ربط حذائها، لذا كانت متأخرة عنا قليلًا عندما حدث الانفجار. نهضت أنا وبرايان بعد الانفجار، بينما بقي أليك ورايتشل وتايلور على الأرض. كان منظر تايلور وهي ملقاة هناك أكثر ما أخافني، لأن الدم كان واضحًا منذ اللحظة الأولى».
«يا إلهي».
فتحت عينيّ لألقي نظرة خاطفة، فرأيت أبي جالسًا إلى طاولة المطبخ، ووجهه بين يديه. ابتلعت كتلة من الذنب بحجم قبضة اليد، ثم أغمضت عينيّ مجددًا.
سمعت صوت برايان: «أشعر بالسوء حيال ما حدث. ما كان ينبغي لي أن أتقدم على تايلور بينما كانت تربط حذاءها، أو…»
اعترضت ليزا: «برايان، لو كنت واقفًا بجانبها، لكنت انتهيت في الحالة نفسها التي انتهت إليها، ولما استطعت حملها. كان الخطأ خطئي لأنني اقترحت أن نعبر منطقة الأحواض».
بدأ أبي يتحدث: «عليّ أن أسأل… لماذا…؟»
ثم توقف، عاجزًا عن العثور على طريقة مناسبة لصياغة سؤاله.
قالت ليزا: «عادةً لا نسلك طريقًا مختصرًا عبر ذلك الجزء من المدينة، لكننا كنا خمسة أشخاص، وأنت تعرف… انظر إلى برايان. هل كنت سترغب في العبث مع رجل ضخم مثله؟»
قال برايان: «يا للروعة، شكرًا يا ليز».
ثم ضحك هو وأبي معًا.
يا له من موقف سريالي.
تحدث أبي بتردد: «أنا… أعلم أن الأمر يبدو غريبًا، لكن حتى بعد أن أخبرتِني عبر الهاتف أنه كان انفجار قنبلة، لم أستطع تصديق ذلك. ظننت أنه ربما كانت مزحة قاسية، أو أن تايلور تعرضت… أعني…»
أكملت ليزا جملته: «للتنمر».
«أنتِ تعرفين؟»
«شرحت لنا الكثير من الأمور، بما في ذلك ما حدث في يناير. وأوضحنا جميعًا لها أننا سنساعدها إذا طلبت ذلك، مهما كانت المساعدة التي تريدها أو قلّتها».
«أفهم. أنا سعيد لأنها وجدت شخصًا تتحدث إليه بشأن ما حدث».
أجابت ليزا بتعاطف: «لكنّك تشعر بخيبة أمل لأن ذلك الشخص لم يكن أنت».
لو كان الشعور بالذنب يسبب ألمًا جسديًا، لأحسست حينها كأن خنجرًا اخترق قلبي.
ضحك أبي، لسبب لم أفهمه.
«حسنًا، أليست لديك قدرة مخيفة على إصابة الهدف؟ قالت تايلور إنك ذكية».
«حقًا؟ قالت ذلك؟ من اللطيف سماع هذا. ماذا قالت أيضًا؟»
ضحك أبي مجددًا.
«سأتوقف هنا قبل أن أقول شيئًا تفضّل هي أن أحتفظ به لنفسي. أظن أننا نعرف كلانا أنها تحرص على إبقاء أمورها الخاصة طي الكتمان».
«هذا صحيح تمامًا».
«هناك بسكويت منزلي الصنع في المرطبان هناك. لا يزال دافئًا. بعد أن جهزت الأريكة، لم أعرف ماذا أفعل. كان عليّ أن أجد طريقة للتعامل مع القلق، فخبزت بعض البسكويت. اعتبرا نفسيكما في منزلكما بينما أجهز الشاي والقهوة».
قالت ليزا: «شكرًا يا داني. سأذهب إلى غرفة المعيشة لأطمئن على تايلور، إذا لم يكن لديك مانع».
«تفضلي».
«سآخذ قطعة بسكويت أولًا فحسب… ممم. رائحتها شهية».
أغمضت عينيّ وتظاهرت بالنوم. سمعت برايان يتحدث مع أبي في الغرفة الأخرى، وكان الحديث يدور حول وظيفة أبي.
سألتني ليزا بصوت أخفض، بينما صعدت إلى سرير الأريكة واستلقت بجانبي: «إذًا؟ هل تبدو القصة مقنعة؟»
فكرت قليلًا.
«لا أحب الكذب على أبي».
«لذلك كذبنا نحن بدلًا منك. إلا إذا كنتِ تريدين إخباره بالحقيقة؟»
«لا، لكنني لا أريدك هنا».
فشلت المكابح الذهنية التي كان يفترض أن تمنع شفتيّ من الحركة في إبقاء الكلمات حبيسة فمي. أغمضت عينيّ، وشعرت بحرارة الاحمرار تتصاعد إلى خديّ.
«أ-أنا آسفة جدًا… لم أقصد أن أقول ذلك. أنا ممتنة لما فعلتموه، ولما تفعلونه الآن. أنتم رائعون، وقضاء الوقت معكم كان من أكثر الأشياء متعة التي عشتها منذ سنوات. أنا سعيدة جدًا بوجودكم هنا، ولا شيء أريده أكثر من الاسترخاء معكم بعد كل ما حدث، لكن…»
وضعت ليزا إصبعها على شفتيّ لتسكتني.
«أعرف. تحبين إبقاء أجزاء حياتك المختلفة منفصلة بعضها عن بعض. أنا آسفة، لكن لم يكن هناك حل آخر. لقد أصبتِ، ولم يكن بإمكاننا الاحتفاظ بكِ معنا من دون أن يثير أبوكِ ضجة».
خفضت نظري.
«أجل».
قالت ليزا: «من المحتمل أن تظل حركتك غير مستقرة لبضعة أيام. وصراحتك الوحشية قبل قليل… ربما كان الارتجاج هو السبب. سيؤثر ذلك في مزاجك، وقد يضعف قدرتك على كبح نفسك، كما لو كنتِ ثملة قليلًا. وقد تصبح ذاكرتك غير موثوقة بعض الشيء، أو تجدين صعوبة أكبر في تنظيم أفكارك، وربما تعانين تقلبات مزاجية حادة، مثل نوبات البكاء. وقد يصبح فهمك للإشارات الاجتماعية أصعب أيضًا. حاولي تجاوز هذه المرحلة، وسنتغاضى عن أي شيء تقولينه ولم تكوني لتقوليه عادةً. فقط… حاولي ألا تفلتي أي شيء خاص أمام أبيكِ، حتى لا ينكشف شيء، حسنًا؟ ستزول هذه الأعراض كلها قبل وقت طويل».
«حسنًا».
كان الجزء الأخير من كلامها مريحًا إلى حد ما.
انضم إلينا برايان، وجلس عند زاوية السرير المقابلة للجهة التي استلقت فيها ليزا، بالقرب من قدميّ.
قال لي: «أبوك رجل طيب. يذكرني بك كثيرًا».
لم أعرف ماذا أقول، فاكتفيت بالرد: «شكرًا».
قالت ليزا: «حتى بعد أن تتعافي إلى حد كبير، أظن أننا سنحرص على تجنب المواقف الخطيرة لبعض الوقت على الأقل».
أومأ برايان موافقًا.
أجبت: «تعجبني الفكرة. إذًا، ماذا حدث حقًا الليلة الماضية؟»
حركت ليزا رأسها حتى أصبح وسادتي مشتركة بيننا.
«من أي نقطة؟»
«منذ أن حطم أليك السيارة. في لحظة كان كل شيء على ما يرام، وفي اللحظة التالية لم أعد أستطيع التحرك أو التفكير تقريبًا».
«كانت تتظاهر بفقدان الوعي. كنت مشغولة بالاعتناء بأليك، وافترضت أنكم تراقبونها. وفي الوقت نفسه، أظن أنكِ وبرايان افترضتما أنني سأراقبها. وبينما كنا غافلين عنها، حمّلت قاذفة القنابل وأطلقت النار عليكِ. كان ينبغي أن تسبب لكِ حروقًا، لكنني أعتقد أن زيّك أنقذك من ذلك. مع ذلك، لم يستطع زيّك منع الارتجاج. كان هناك تأثير ثانوي فعل شيئًا بجهازك العصبي. أشبه بالتعرض لصعقة من مسدس الصعق الكهربائي، لكنه مصمم لتعطيلك بألم خالص لا يرحم، بدلًا من مجرد إفقادك الوعي».
ارتجفت. حتى مجرد تذكر الإحساس جعل جسدي ينتفض، كما لو أنني أسمع صرير الأظافر على السبورة.
«كنت أبعد عنها، وأظن أن جسدك حمى برايان، أو ربما ساعدته قوته، لأننا لم نتلقَّ سوى نصف الضرر الذي أصابك. ومع ذلك، كان كافيًا لإسقاطنا مدة سمحت لباكودا بتحميل وإطلاق دفعتين من تلك الخيوط اللزجة المقرفة. وبعد ذلك، أصبح وضعنا سيئًا للغاية. إلى أن قلبتِ الموقف لصالحنا».
تذكرت: «طعنتُ قدمها».
«قطعتِ إصبعين ونصفًا من أصابع قدمها اليسرى. وكان أحدها يحمل خاتمًا لإصبع القدم. قال برايان إنكِ دفعتِ السكين نحوه بينما كنتِ تفقدين الوعي. أظلم المنطقة، وتمكن من الوصول إلى السكين وحرر نفسه، ثم أنقذنا جميعًا».
«وماذا عن باكودا؟» همست.
«هناك خبران سيئان، وهذا أحدهما. لقد هربت بينما كان برايان يتحرر ويساعدنا».
قلت بصوت أعلى قليلًا مما ينبغي: «اللعنة!»
تحدث برايان بنبرة اعتذار: «كنتِ في حالة سيئة جدًا، ولم أكن متأكدًا مما حدث لريجنت، كما أن ليزا كانت ضعيفة بعض الشيء بسبب الانفجار نفسه الذي أصابكِ. ربما كنت أستطيع اللحاق بباكودا وإيقافها، لكنني قررت أن التأكد من سلامتكم أهم».
أومأت. لم يكن بوسعي الاعتراض على ذلك.
تابعت ليزا: «اتصلت بالزعيم، فأرسلنا إلى طبيب يتمتع بسمعة جيدة في الحفاظ على السرية والتعامل مع الباراإنسان. وهو يفعل ذلك منذ عشرين عامًا. كنا قلقين عليكِ».
«آسفة».
«ليس هناك ما تعتذرين عنه. على أي حال، سارت الأمور بشكل جيد إلى حد ما. أخرج الطبيب الكبسولة من أنف برايان، وعالج جروحكِ، وأعطى ريجنت محلولًا وريديًا. بقيتُ أراقبكِ بينما ذهب برايان لإحضار رايتشل وكلبها والمال. لم يُسرق سوى ألفين أو ثلاثة آلاف دولار، إذ ظن أحدهم أنه يستطيع أخذها من الحقيبة قبل إحصاء المبلغ كاملًا. أرسل زعيمنا شاحنة صغيرة، فجاءت وأخذت المال بعد منتصف الليل بقليل. المال الذي أعطانا إياه موجود بالفعل في شقتنا، وسيصل المزيد بعدما يقرر قيمة الأوراق».
قلت: «قلتِ إن الأمور سارت بشكل جيد إلى حد ما، ومع ذلك لم تخبريني بعد بالخبر السيئ الثاني. ما الذي لا تقولينه؟»
تنهدت.
«كنت آمل أن تكوني مشوشة أكثر من اللازم لتسألي. هل تريدين حقًا أن تعرفي؟»
«ليس تمامًا. لكن بما أنني سأظل مستلقية هنا لبعض الوقت حتى أتعافى، فلا أريد أن أترك نفسي أتخيل أسوأ السيناريوهات».
«حسنًا».
فتشت داخل جيب سترتها، ثم ناولتني قصاصة من صحيفة. أو بالأحرى، قطعة ممزقة منها، لا مقصوصة. كان تمزيق الصحف ممكنًا أيضًا، على ما يبدو.
في أعلى الصفحة، ظهرت كلمة كبيرة بخط عريض:
«هروب».
لكن عندما حاولت قراءة المقال، لم أستطع إبقاء عينيّ ثابتتين على سطر واحد.
«هل يمكنك قراءته لي؟»
قالت: «سأعطيكِ خلاصة الأمر. قبل أن تبدأ بملاحقتنا بالسيارة الجيب بقليل، أصدرت باكودا أمرًا بتنفيذ خطة أخرى. بدأت القنابل تنفجر في أنحاء المدينة. فجّرت محولات كهربائية لقطع الكهرباء عن أحياء كاملة، ومدرسة، وجسرًا، ومسارات قطارات… والقائمة تطول. الناس في حالة ذعر. الخبر يتصدر الصحف، ويُعرض على كل القنوات. يقولون إن عدد القتلى المؤكد بلغ عشرين شخصًا على الأقل حتى الآن، وما زالت هناك جثث أخرى لم تُحدَّد هويتها. وهذا لا يشمل الأشخاص الأربعة الذين فجرتهم بينما كانت تحتجزنا تحت تهديد السلاح».
ومضت في ذهني صورة حية لما حدث لبارك جيهو.
لقد مات. مات حقًا. لم أكن أعرفه، لكنه رحل إلى الأبد، ولم أستطع فعل أي شيء لإنقاذه.
«وهذا هو الخبر السيئ الثاني. كل ما حدث؟ لم يكن سوى عملية تشتيت مبالغ فيها. شيء لإبقاء كل صاحب زيّ خارق في المدينة منشغلًا، بينما حرر أوني لي لونغ من مقر منظمة الحماة».
أطلقت تنهيدة طويلة.
«أوه، اللعنة».
قالت ليزا: «المدينة تحولت إلى منطقة حرب الآن. حجم عصابة ABB أصبح اثني عشر ضعفًا لما كان عليه قبل أسبوعين، وباكودا في حالة هياج. ما زالت القنابل تنفجر كل بضع ساعات، لكنها لم تعد تستهدف المرافق الرئيسية. بل تستهدف المتاجر والمباني السكنية والمستودعات والقوارب. أظن أنها تستهدف الأماكن التي تجتمع فيها العصابات والفصائل الكبرى الأخرى في المدينة، أو الأماكن التي قد تجتمع فيها. لا أعرف ما الذي سيحدث».
قال برايان: «كان المرء يتوقع أن قطع ثلث أصابع قدمها سيبطئها، على الأقل».
هزت ليزا رأسها.
«إنها تمر بنوبة هوس. ستنهار وتستنفد طاقتها، إن لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل، وستتوقف الانفجارات خلال ساعات. لكن عودة لونغ إلى القيادة لا تعني أن عصابة ABB ستفقد زخمها. من المرجح أنه سيستغل الأفضلية التي صنعتها له باكودا. المسألة الآن تتعلق بالمكان والزمان وحجم ما سيحدث. كل ذلك يعتمد على حالته».
لم تتح لنا فرصة مواصلة الحديث عن الموضوع. رفعت تاتلتيل إصبعها إلى شفتيها، فسكتنا.
وبعد بضع ثوانٍ، دخل أبي غرفة المعيشة حاملًا صينية. وضعها في حجري. كانت عليها ثلاثة أكواب، وطبق من البسكويت، وقطعتا خبز باغل محمصتان، إحداهما بالمربى والأخرى بالزبدة.
قال: «هناك قطعة باغل أخرى في المحمصة، فساعدوا أنفسكم، واطلبوا المزيد إذا أردتم. الكوب الأخضر قهوة برايان. والشاي لكما أيتها الفتاتان. تفضلي يا ليزا. أما كوب وودستوك فهو المفضل لدى تايلور منذ طفولتها. تفضلي».
ضحك برايان ضحكة خفيفة بينما كنت أتناول الكوب بكلتا يديّ.
قلت: «مهلًا! لا تضحك عليّ وأنا في هذه الحالة!»
قال أبي لليزا: «بالمناسبة، كم من الوقت ستحتاج قبل أن تصبح قادرة على النهوض والتحرك بصورة طبيعية؟»
أجابت: «أسبوع على الأقل. ربما ينبغي أن ترافقها إلى الحمام ذهابًا وإيابًا حتى تتأكد من أنها تستطيع الوقوف بثبات. لكن بخلاف ذلك، من الأفضل أن تبقى في السرير وفي المنزل، وأن تستريح حتى السبت المقبل».
جعلني ذلك أنتبه فجأة.
«ماذا عن المدرسة؟»
دفعت ليزا ذراعي العلوي بمرفقها وابتسمت ابتسامة عريضة.
«لديكِ عذر مثالي لعدم الذهاب. فلماذا تشتكين؟»
لأنني أجبرت نفسي على الذهاب إلى المدرسة بعد أن تغيبت عن الدروس لما يقارب أسبوعًا، وكنت مصممة على ألا أتغيب مجددًا. والآن سأضطر إلى تفويت أسبوع كامل آخر.
لم أستطع قول ذلك، وخصوصًا أمام أبي.
همست ليزا في أذني في اللحظة التي غادر فيها أبي لإحضار قطعة الباغل الثالثة:
«هل تمانعين إن بقينا قليلًا؟»
اعترفت: «لا».
لقد وقع ما وقع، إذا صح التعبير، وهما موجودان هنا بالفعل. يمكنني أن أحاول الاستفادة من الوضع بأفضل طريقة ممكنة. تحركت قليلًا لأفسح المجال لبرايان كي يجلس على السرير إلى يساري، ونهضت ليزا للحظة لتلتقط جهاز التحكم عن بُعد. عثرت على فيلم لم تمضِ سوى دقائق قليلة على بدايته، ثم استقرت في مكانها إلى يميني.
غفوت للحظة، ثم استيقظت لأكتشف أن رأسي يستند إلى ذراع برايان. وحتى بعد أن فتحت عينيّ وبدأت أركز على الفيلم مجددًا، أبقيت رأسي في مكانه. لم يبدُ أنه يمانع.
ضحكنا نحن الثلاثة على سلسلة من النكات في الفيلم، وأصيبت ليزا بالفواق، الأمر الذي جعلني أنا وبرايان نضحك أكثر.
رأيت أبي يتحرك في المطبخ منشغلًا ببعض الأعمال، وربما كان يفعل ذلك كي يظل قادرًا على الاطمئنان عليّ. التقت أعيننا، فلوّحت له تلويحة صغيرة من دون أن أرفع ذراعي، محركة يدي فحسب، وابتسمت.
كانت ابتسامته التي ردّ بها عليّ ربما أول ابتسامة صادقة حقًا أراها على وجهه منذ وقت طويل.
أما المدرسة؟ فسأقلق بشأنها لاحقًا، إذا كان ذلك يعني أنني أستطيع عيش اللحظة الحالية بهذه الطريقة.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.