كل شيء بدأ يتداخل دفعة واحدة.
وجه مارِن فوق جسد الأفعى، ويد فتاة الضفائر على كاحله، وصوت جده يتردد من مكان لا يستطيع تحديده، وصورة النبيل تظهر وتختفي عند أطراف رؤيته، وألم الطعنة في كتفه يمتزج بألم آخر لا يعرف مصدره. أنفاسه لم تعد تخرج بإيقاع واحد، بل متقطعة، متسارعة، ثم بطيئة جدًا فجأة. الأصوات نفسها بدأت تفقد حدودها، صوت مارِن يتداخل مع صوت الفتاة، وصوت الفتاة يتداخل مع صرير حراشف الأفعى.
لم يعد يعرف أين هو.
ثم شعر بشيء يضغط على إصبعه.
الخاتم.
لم يكن الضغط كالسابق. كان أشد، أعمق، كأن المعدن نفسه بدأ يضيق حول عظمه. ظهرت حول الخاتم خطوط سوداء دقيقة، تتحرك تحت جلده كخيوط جليدية، تنتشر من إصبعه نحو راحته، ثم معصمه، بسرعة تفوق أي شيء شعر به من قبل.
شعر بشيء ينغرز، دقيقًا وحادًا، عند حافة الخاتم، لم يكن ألمًا يمكن وصفه بسهولة، أقرب إلى شعور بأن شيئًا يشق طريقه عبر عظام إصبعه من الداخل.
ثم بدأ الضوء الأسود ينتشر.
لم يكن كالحرارة السوداء التي عرفها من قبل. كان أثقل، أكثر جوعًا بطريقة لا يستطيع تسميتها. شعر أنه يمر عبر أعصابه، عبر تلك القنوات الداخلية التي تدرب على استخدامها طوال الأسابيع الماضية، لكنه هذه المرة لا يمر بلطف، بل يبتلع كل شيء في طريقه.
كل مرة يبتلع فيها جزءًا من ذلك الرعب المتراكم في صدره، شعر بشيء يخف. الضجيج تراجع قليلاً. صورة مارِن ابتعدت. صوت الفتاة أصبح أبعد.
ثم صمت.
صمت كامل.
لم يعد يسمع الأفعى. لم ير مارِن. لم يشعر بيد الفتاة على كاحله.
كان هناك فقط نبضة واحدة، عميقة، تشبه جرس معلقًا في مكان بعيد جدًا، ثم عاد العالم من حوله، مختلفًا قليلاً، وإن لم يستطع تحديد كيف بالضبط.
ظهر الضوء فجأة.
مصباح، لا يعرف من يحمله، ولا من أين أتى. لهبه لم يكن أصفر ولا أزرق، بل لونًا لا يستطيع تصنيفه، يتمدد ببطء نحو ما حوله.
لم يكن انفجارًا. لم تكن ناره تحرق شيئًا. بدا وكأن الضوء نفسه يمحو ما يلمسه، لا يدمره، بل يزيله من الوجود بهدوء.
اختفت الأفعى أولاً. ثم وجه مارِن. ثم يد الفتاة على كاحله، وبقاياها المتفحمة، وزهورها الذابلة. اختفى الألم في كتفه. اختفى المكان نفسه، جدرانه وظلاله وضوءه الأزرق الباهت.
ولم يبقَ شيء.
ثم كان في جسد آخر.
شعر بثقل غريب فوق رأسه، شيئًا معدنيًا، باردًا، يضغط على جبهته بطريقة لم يعرفها في جسده هو. نظر إلى يديه، فرآهما مختلفتين، أكبر، أثقل، أصابع لا يعرف أشكالها.
سمع أصواتًا حوله، رجالًا يخاطبونه بلقب لم يفهمه، كلمات تحمل احترامًا مبالغًا فيه، وقلقًا حقيقيًا في الوقت نفسه.
كان في ساحة واسعة، حجرية، أعمدة ضخمة تحيط بها، ودخان يتصاعد من مكان لا يراه بوضوح.
قبل أن يستطيع أن يفهم أكثر من ذلك، اندفع نحوه شكل بشري.
تحرك جسده.
لم يقرر هو الحركة. لم يفكر فيها. لكن ذراعه ارتفعت، وتفادى ضربة كانت ستصل إلى رقبته، وقدمه تحركت بزاوية دقيقة أبعدته عن مسار سلاح آخر، ويده الأخرى، بحركة لا يعرف مصدرها، ضربت شيئًا لم يره حتى اصطدمت به.
خمسة آخرون أحاطوا به.
لم ير وجوههم بوضوح، ظلالاً وحركة أكثر منها ملامح، لكنه شعر بخطرهم الحقيقي في كل ضربة توجهت نحوه، وفي كل مرة تفاداها جسده الغريب هذا بمهارة لا يملكها هو.
كان مرعوبًا أكثر مما كان في أي قتال خاضه بنفسه. جسده يعرف أشياء لا يعرفها هو. كل حركة تأتي من مكان غريب، عضلات تتذكر تدريبًا لم يخضع له، توازنًا لم يتعلمه، وهو محبوس داخل كل هذا، يراقب دون أن يملك قرار أي حركة.
أحدهم اندفع من اليسار، سلاحًا طويلاً في يده، ورأى أورِن، من الداخل، يده هو، أو يد هذا الجسد، ترتفع لتصد الضربة بحافة درع معدني لم يكن يعرف أنه يحمله حتى تلك اللحظة. اصطدم المعدن بالمعدن بصوت حاد، وانحرف السلاح، ومرّ قريبًا من وجهه دون أن يلمسه.
اندفع آخر من الجهة المقابلة، وشعر أورِن بجسده ينحني، يخفض مركز ثقله بطريقة غريزية، ثم يندفع للأمام، وسمع صوت اصطدام آخر، وصرخة قصيرة لم يعرف مصدرها، ولم ير نتيجتها لأن جسده استدار فورًا نحو خطر جديد.
لم يكن هناك وقت للتفكير في أي شيء سوى البقاء. الضربات تتوالى، من زوايا لا يتوقعها، وجسده يستجيب لها جميعًا بسرعة تفوق أي شيء اختبره في تدريبه مع الأفعى، وكأن هذا الجسد قضى حياة كاملة في مواقف كهذه بالضبط.
استمر القتال، سريعًا، حادًا، لا وقت فيه للتفكير، حتى شعر بشيء يقترب من خلفه.
ظنه للحظة أحد أتباعه، شخصًا جاء لمساندته، فتراجع قليلاً ليفسح له مجالاً.
ثم شعر بالنصل يخترق جسده.
لم يصرخ الخائن. لم يقل شيئًا. لم يبتسم. فقط نظرة سريعة، ثم النصل، ثم الألم الذي انتشر من ظهره إلى صدره بسرعة مرعبة.
سقط على ركبتيه.
اختفى كل شيء مرة أخرى، دون انتقال واضح، ووجد نفسه واقفًا أمام باب.
باب ضخم، ولكنه كان مؤلوفا له ، يمتد إلى أعلى بعيدًا عن مجال نظره.
عليه رمز.
حاول أن يثبت عينيه عليه، أن يحفظ شكله، لكن كلما ركز عليه أكثر، فلت منه أكثر، كأن الرمز نفسه يرفض أن يستقر في ذاكرته، يتغير أو يختفي في اللحظة التي يقترب فيها من فهمه.
توقف عن المحاولة.
نظر حوله. لم يكن هناك ساحة، ولا أعمدة، ولا دخان. فقط هذا الباب، ومساحة مظلمة تمتد حوله بلا حدود واضحة، أرضًا لا يعرف من أي مادة صُنعت، وسماءً، إن كان يمكن تسميتها سماءً، لا تحمل نجومًا ولا سحابًا، فقط ظلامًا موحدًا يبتلع كل مسافة.
كان هناك رجل يقف أمام الباب.
لم يستطع أورِن أن يثبت ملامحه أيضًا. لم يكن وجهه مشوهًا، ولم يكن يرتدي قناعًا، لكن كل مرة حاول فيها أن يتذكر شكله، وجد التفاصيل تتغير، أو تضيع، وكأن عقله نفسه يرفض الاحتفاظ بها.
لم يتكلم الرجل. لم يتحرك.
شعر أورِن بضغط غريب يصدر عن وجوده، لا عن أي فعل مباشر منه، كأن حضوره وحده كافٍ ليثقل على وعيه، يسحبه نحوه بطريقة لا يفهمها، ويصده في الوقت نفسه.
بقي واقفًا، لا يعرف إن كان عليه أن يتحدث، أن يتحرك، أن يفعل أي شيء. حاول أن يخطو خطوة نحو الرجل، فوجد قدميه لا تستجيبان بالسهولة التي استجابتا بها في القتال قبل قليل، كأن الأرض نفسها هنا تفرض ثقلاً مختلفًا عن أي ثقل عرفه.
فكّر، للحظة، أن يسأل الرجل من هو، أو أين هو، لكن الكلمات نفسها بدت عديمة الجدوى في هذا المكان، كأن السؤال سيضيع قبل أن يصل إلى أي أذن قادرة على سماعه.
ثم سمع طرقًا.
مرة واحدة، ثقيلة، صادرة من الباب نفسه.
تجمد.
مرّت ثانية طويلة، ثم سمعه مرة أخرى، أوضح هذه المرة، وأدرك أنه يأتي من الجهة الأخرى من الباب، من مكان لا يستطيع رؤيته ولا تخيله.
طرقة ثالثة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.