وورم — الفصل 6.3: التشابك
فتحت الأبواب الزجاجية لبرايان حتى يتمكن من إدخال صناديق الأثاث. أول ما لفت انتباهي في مبنى شقته هو خلوّ كل شيء من الفوضى. لا قمامة، ولا أشخاص، ولا ضوضاء. كان هناك لوح إعلانات بعد المجموعة الثانية من الأبواب مباشرة، وهو شيء كنت أتوقع عادةً أن يكون فوضويًا بعض الشيء، لكن حتى هناك، كانت الإعلانات الفردية متباعدة بعناية، وكان اللوح بأكمله محميًا خلف لوح زجاجي، لا يثبته سوى قفل صغير واحد. شعرت وكأن المكان معقّم. أو ربما كان السبب ببساطة أنني اعتدت العيش في منطقة تتمتع بشخصية أكثر.
لم أكن أعرف ماذا أقول. ولم يكن الأمر متعلقًا بمبنى شقة برايان فحسب؛ لم تكن لديّ أدنى فكرة عن الكلمات التي ينبغي أن تخرج من فمي. لم أمتلك المهارة اللازمة لإجراء الأحاديث العابرة بصورة طبيعية. كنت عادةً أتدبر أمري بالتخطيط المستمر مسبقًا لما قد أقوله. لكن المشكلة أنني كنت مشتتة، ليس بسبب ملامح برايان بقدر ما كان بسبب إدراكي أنني كنت أتأملها أصلًا. والآن، بينما كنت أحاول استعادة توازني الذهني والتفكير في موضوع للحديث، لم يكن هناك شيء يشغل ذهني سوى: «اللعنة يا تايلور، لماذا لا تستطيعين التفكير في شيء تقولينه؟!»
دخلنا المصعد، وأسند برايان الصناديق إلى الدرابزين المعدني في الداخل. تمكنت من السؤال: «أي طابق؟»
«الرابع، شكرًا».
ضغطت على الزر.
صعدنا، وعندما انفتح الباب، مددت يدي لمساعدته في تثبيت الصناديق بينما كان يتراجع إلى خارج المصعد. قادني عبر الممر، ثم توقف عند أحد الأبواب بينما كنت أعبث بالمفاتيح التي أعطاني إياها، محاوِلة العثور على مفتاح شقته.
لم أكن متأكدة مما توقعت رؤيته في شقة برايان، لكنه نجح مع ذلك في مفاجأتي.
أول ما لاحظته هو ارتفاع الأسقف. كانت الشقة أشبه بطابقين تقريبًا، بتصميم مفتوح نسبيًا وعدد قليل من الجدران. كان المطبخ على يسارنا عند الدخول، صغيرًا إلى حد ما، ويفصله عن غرفة المعيشة حاجز يعمل سطحًا للمطبخ. وعلى يميننا كانت خزانة الممر والجدران التي تحيط بالحمام وإحدى غرف النوم.
أما أمامنا مباشرة، فكانت غرفة المعيشة الواسعة، وخلفها نافذة تمتد من الأرض إلى السقف، وباب زجاجي يؤدي إلى شرفة حجرية. وكان هناك درج يصعد إلى غرفة نوم تقع فوق الحمام وغرفة النوم الأولى، وفوقهما معًا. استنتجت أن تلك هي الغرفة التي ينام فيها برايان، بالنظر إلى السرير الذي استطعت رؤيته من مكاني؛ لم يكن مبعثرًا، لكنه لم يكن مرتبًا تمامًا أيضًا.
أظن أن ما أربكني حقًا هو الجو الهادئ والمريح في المكان. كانت هناك خزانتا كتب رماديتان فاتحتان في غرفة المعيشة. وعلى الرفوف، رأيت مزيجًا من الروايات والنباتات والكتب القديمة ذات الأغلفة الجلدية المتشققة والمتآكلة. تدلّت سعف بعض النباتات فوق الرفوف الموجودة أسفلها.
كانت الأريكة والكرسي المرافق لها مصنوعين من قماش مخملي مضلّع بلون أسمر باهت، وكانا كبيرين، بوسائد سميكة وعميقة بما يكفي لتجعلك تشعر وكأنك قد تغوص فيهما وتختفي. استطعت بسهولة تخيّل نفسي متكوّرة على ذلك الكرسي، وساقاي مطويتان بجانبي، وكتاب بين يديّ.
لسبب ما، كنت أتوقع تصميمًا جماليًا يعتمد على الكروم والجلد الأسود. لم يكن الأمر أنني أربط شخصية برايان أو ذوقه بهذا النوع من التصميم، لكنه كان ما قد أتوقع أن يختاره شاب أعزب. وسواء كان ذلك بسبب الألوان الناعمة، أو الوعاء الصغير الذي يحتوي على الحجارة والماء والخيزران فوق سطح المطبخ، أو الصور البنية الداكنة للأشجار في الردهة الأمامية، فقد منحني المكان شعورًا بالراحة والطمأنينة.
شعرت بوخزة من الحسد، ولم يكن السبب مجرد أن شقة برايان جميلة. كنت أبدأ في فهم شخصيته على نحو أفضل، وإدراك مدى اختلافنا عن بعضنا في جانب من الجوانب.
أصدر برايان صوتًا خافتًا وهو يضع الصناديق بجوار خزانة المدخل. ثم خلع حذاءه الطويل، فاعتبرت ذلك إشارة إلى أن عليّ خلع حذائي أيضًا.
قال وهو يقودني إلى غرفة المعيشة: «لقد بدأت بالفعل في تجميع قطعة واحدة». رأيت كومة من الألواح الرمادية الفاتحة وصندوقًا كرتونيًا فارغًا مستندًا إلى الجدار. «اتضح أن الأمر يحتاج حقًا إلى يدين إضافيتين. هل تريدين شيئًا قبل أن نبدأ؟ تفضلين الشاي على القهوة، أليس كذلك؟ أم تريدين مشروبًا غازيًا؟ شيئًا تأكلينه؟»
ابتسمت وأنا أخلع سترتي وأضعها فوق سطح المطبخ. كنت قد وعدت تاتلتيل بأن أفعل ذلك. وشعرت بوعي شديد بجسدي وبطني المكشوف، فحاولت تشتيت انتباهه بالمهمة التي تنتظرنا.
«أنا بخير. لنبدأ؟»
كانت المهمة الأولى، التي تركها غير مكتملة، تركيب وحدة رفوف، فبدأنا بها. وكما قال، فقد كانت مهمة تحتاج إلى شخصين. كانت الرفوف تتألف من ثلاثة أعمدة، في كل عمود ستة رفوف، وكانت جميع الأجزاء تتشابك مع بعضها باستخدام أوتاد خشبية. كان من المستحيل تقريبًا تثبيت قطعتين قرب الأعلى من دون أن تنفصل القطع الموجودة قرب الأسفل، والعكس صحيح. لذلك توصلنا إلى إيقاع عمل يتولى فيه أحدنا تركيب القطع، بينما يمنع الآخر بقية الأجزاء من التفكك.
استغرق الأمر منا نحو عشرين دقيقة إجمالًا. وبعد أن تحققنا من أن جميع القطع متصلة بعضها ببعض ومحاذية في مواضعها، رفع برايان وحدة الرفوف عن الأرض ووضعها بمحاذاة الجدار.
ابتسم وقال: «هذه الأولى. هل أنتِ متأكدة أنك لا تريدين شرابًا؟»
«ماذا لديك؟»
«تعالي واختاري ما تريدين. لديّ بعض الأشياء في الثلاجة».
أخذت علبة كوكاكولا بالكرز. أما برايان، فأخذ علبة كوكاكولا عادية، لكنه بالكاد التفت إليها بينما فتح الصندوق التالي، المربع الذي يبلغ عرضه قرابة أربعة أقدام، وبدأ بترتيب القطع الفردية على أرضية المطبخ.
كانت طاولة مطبخ مع مقاعد صغيرة.
اتضح أن تركيب الطاولة أصعب من تجميع وحدة الرفوف. كان لا بد من تثبيت الأرجل بالزاوية الصحيحة تمامًا، وإلا علقت البراغي في الثقوب أو دفعت رجل الطاولة إلى خارج موضعها. وفي كل مرة يحدث فيها ذلك، كنا نضطر إلى إخراج البرغي والبدء من جديد. انتهى بي الأمر إلى تثبيت رجل الطاولة الأولى بإحكام بينما كان هو يربط البراغي في قاعدتها.
من دون أن ينظر إليّ، وضع يده فوق يدي ليعدّل الزاوية بمقدار ضئيل.
جعلني التلامس أشعر وكأن أحدهم نقر على وتر غيتار يمتد من أعلى رأسي نزولًا عبر منتصف جسدي. رنين عميق في أعماقي، لا يمكن سماعه، بل الشعور به فحسب. كنت ممتنة للغاية للأكمام الطويلة في قميصي، إذ بدأت القشعريرة تنتشر على ذراعيّ.
وجدت نفسي ألجأ إلى أبسط وسائل الدفاع لديّ: الصمت والثبات، حتى لا أقول أو أفعل شيئًا غبيًا. لكن المشكلة أن ذلك جعلني شديدة الوعي بالصمت وغياب الحديث.
ربما لم يفكر برايان في الهدوء ولو للحظة، لكنني وجدت نفسي أتساءل عمّا يمكنني قوله، وكيف أبدأ حديثًا عابرًا، أو كيف أفتح موضوعًا للنقاش. كان الأمر مؤلمًا.
اقترب قليلًا ليرى ما يفعله على نحو أفضل بينما يضع صامولة على البرغي، وضغط ذراعه على كتفي. ومرة أخرى، استثار ذلك رد فعل بدائيًا تقريبًا في جسدي.
هل كان ذلك مقصودًا؟ هل كان يعبّر عن اهتمامه من خلال تلامس جسدي عابر؟ أم أنني كنت أحمّل مصادفة عادية معنى لا وجود له؟
تمتم: «أوشكنا على الانتهاء»، وهو يغيّر وضعية جلوسه ليبدأ بربط البرغي الآخر في رجل الطاولة.
لم تعد ذراعه تضغط على كتفي، لكن وجهه كان على بُعد بضع بوصات فقط من وجهي بسبب وضعية انحنائه.
حسنًا، كان هذا أسوأ.
قال: «تايلور، هل يمكنك إحضار ذلك المفتاح الأصغر من دون تحريك الرجل؟»
لم أكن أثق بنفسي بما يكفي للرد من دون إصدار صوت غريب، لذلك اكتفيت بمد يدي إلى المفتاح الصغير ومناولته إياه.
قال بعد لحظة: «هذا أسرع، شكرًا. هل يمكنك إحضار الصامولة؟»
فعلت ذلك، وأسقطتها في كفه المقعرة بدلًا من وضعها مباشرة في يده، قلقة مما قد أفعله أو كيف قد أتصرف إذا لامست يدي يده.
لم أكن لأتمكن من الصمود أمام الأرجل الثلاث المتبقية للطاولة بهذه الطريقة، فضلًا عن المقاعد الصغيرة أو قطعة الأثاث الثالثة التي لم نبدأ حتى في تجميعها.
«تايلور؟» سألني.
ترك السؤال معلّقًا في الهواء، فابتلعت ريقي وأجبت: «ماذا؟»
«استرخي. يُسمح لك بالتنفس».
ضحكت بخفة عندما أدركت أنني كنت أحبس أنفاسي، لكن ذلك جعلني أطلق زفيرًا مترددًا مصحوبًا بضحكة عصبية، ما زاد من الإحراج الذي كنت أشعر به.
كان يبتسم.
«هل أنتِ بخير؟»
ماذا كان ينبغي أن أقول؟ هل أعترف بأنني لا أعرف كيف أتصرف عندما أكون بالقرب من شاب وسيم؟
حدقت في الأرض، وفي رجل الطاولة التي كنت أمسك بها.
قلت: «أشعر بالتوتر عندما أكون قريبة من الناس. أفكر، كما تعلم، ربما تكون رائحة فمي كريهة، أو ربما تكون رائحة جسدي غير مستحبة، ولن أتمكن من معرفة ذلك لأنها رائحتي أنا، لذلك أحبس أنفاسي احتياطًا. لا أعرف».
أحسنتِ يا تايلور. أحسنتِ فعلًا.
تخيلت تصفيقًا بطيئًا، هو الأكثر سخرية على الإطلاق. الحديث عن رائحة الفم الكريهة ورائحة الجسد كان بالتأكيد الخيار الأمثل. واحدة من تلك اللحظات العبقرية التي ستجعلني أشعر بالخجل كلما تذكرتها خلال السنوات القليلة المقبلة، أو العقود القادمة، على الأرجح.
ثم اقترب برايان، وأغلق المسافة الضئيلة التي كانت تفصلنا، حتى كاد أنفانا يتلامسان.
قال لي: «كلا. رائحتك جميلة».
لو كنت شخصية كرتونية، فأنا متأكدة من أن تلك كانت اللحظة التي كان سينطلق فيها البخار من أذنيّ، أو أذوب فيها حتى أتحول إلى بركة ماء على الأرض.
لكنني عدت إلى غريزتي الأولى مرة أخرى، وتجمدت في مكاني تمامًا. شعرت بحرارة على وجهي، ولا بد أنني كنت أحمرّ خجلًا بشدة.
كان من الصعب تحديد ما إذا كان ما حدث رحمة بي أم لا، لكن برايان تشتت انتباهه بسبب صوت مفتاح يدخل في قفل الباب، ثم صوت فتح الباب الأمامي.
كان أول ما فكرت فيه أن الفتاة التي دخلت هي حبيبة برايان.
ثم رأيتها تنظر في اتجاهنا، وتبتسم ابتسامة جانبية ماكرة، ولاحظت التشابه بين عينيها وعيني برايان.
كانت أخته.
أما فكرتي الثانية، أو بالأحرى رد فعلي الثاني، فكان من الصعب وصفه بالكلمات.
الأمر يشبه أن تنظر إلى سيارة مرسيدس وتقول إنها تحفة فنية جميلة، حتى لو لم تكن من الأشخاص الذين يهتمون كثيرًا بالسيارات. وعلى المنوال نفسه، عندما ترى سيارة مرسيدس وقد وُضعت حول عجلاتها ملصقات رخيصة على شكل ألسنة لهب، وثُبّت على مؤخرتها جناح خلفي مبتذل مصنوع منزليًا، تشعر بألم وخيبة أمل على مستوى عميق وأساسي.
كان هذا بالضبط ما شعرت به عندما نظرت إلى عائشة.
كانت جميلة، أنثوية بقدر ما كان برايان ذكوريًا، ذات عظام وجنتين بارزتين وعنق طويل. وعلى الرغم من أنها كانت تصغرني بسنتين أو ثلاث، فقد كان حجم ثدييها أكبر من ثدييّ بالفعل. كنت مستعدة للتضحية بأحد أصابعي لو كان ذلك سيمنحني ساقين وخصرًا ووركين مثل ساقيها وخصرها ووركيها.
اللعنة، كانت هذه العائلة تتمتع بجينات ممتازة.
كان يكفي أن تلقي نظرة واحدة على عائشة لتعرف أنها ستصبح فاتنة إلى حد لا يُقاوم عندما يكتمل نموها. لكن، رغم كل ذلك، كانت قد صبغت خصلة من شعرها بالتفتيح، ثم صبغت جزءًا من تلك الخصلة بلون أرجواني. بدا الأمر وكأنها بذلت جهدًا متعمدًا لتبدو مبتذلة، إذ ارتدت سروالًا قصيرًا من الدنيم الممزق فوق جوارب شبكية خضراء نيونية، وقميصًا بلا أكتاف كنت سأتردد حتى في تسميته ملابس داخلية.
كان أي شعور بالحسد تجاهها يزداد حدة بسبب شعور يكاد يكون استياءً، إذ بدت وكأنها تتعمد إفساد ما منحها إياه جمالها الطبيعي.
قالت بنبرة ساخرة قليلًا: «هل أقاطعكما؟» وألقت عليّ نظرة لم أتمكن تمامًا من فهمها.
نهض برايان وقال: «عائشة، ماذا تفعلين هنا؟ أنتِ…» لكنه توقف عندما دخلت امرأة سوداء ضخمة الجسد عبر الباب الأمامي.
إذا كانت نظرة عائشة نحوي ملتبسة، فإن نظرة هذه المرأة لم تكن كذلك إطلاقًا. كانت نظرة استنكار ونفور.
أدركت كيف لا بد أن أبدو في تلك اللحظة: متعرقة قليلًا، جالسة على الأرض وسط قطع الأثاث، وبطني مكشوف، ووجهي يكاد يتوهج من شدة الاحمرار.
أسرعت إلى التقاط سترتي وارتدائها.
قالت المرأة الضخمة: «السيد لابورن؟ أخشى أنني توقعت أن تكون أكثر استعدادًا، لكن يبدو أنك مشغول بأمر ما».
هزّ برايان رأسه.
«سيدتي. السيدة هندرسون. أنا شبه متأكد من أن مكتبكم أخبرني أن موعد زيارتكم سيكون في الثانية بعد الظهر».
قالت: «كان ذلك هو الموعد الأصلي. أخبرتني عائشة أنك تريد تغيير الموعد…» ثم خفت صوت السيدة هندرسون، وألقت نظرة حادة على عائشة.
ابتسمت عائشة وهزّت كتفيها، ثم قفزت لتجلس على طرف سطح المطبخ.
«ماذا؟ هناك فيلم أريد مشاهدته بعد ظهر اليوم مع أصدقائي».
قال لها برايان: «لو طلبتِ مني ذلك، لربما وافقت. أما الآن، فمن المرجح أن أرفض».
رفعت عائشة إصبعيها الأوسطين في وجهه وقالت: «الأمر ليس من شأنك يا أخي. فأنا لا أعيش معك بعد».
بدا برايان وكأنه على وشك قول شيء آخر، لكنه تراجع عن ذلك. تنهد، ثم حوّل انتباهه إلى الأخصائية الاجتماعية المسؤولة عن حالة عائشة.
«أنا آسف لما حدث».
قطبت السيدة هندرسون حاجبيها.
«وأنا أيضًا. كان ينبغي أن أتصل للتحقق من الأمر، نظرًا إلى تاريخ عائشة في تحريف الحقيقة».
نظرت إلى دفتر ملاحظاتها وقلبت صفحة.
«إذا كنت ترغب في إعادة تحديد الموعد… هممم، أخشى أنني ملأت الفترة المتاحة بعد ظهر اليوم بالفعل، لكن ربما يمكننا ترتيب ذلك خلال عطلة نهاية الأسبوع؟»
رمق برايان عائشة بنظرة مستاءة.
«بما أنك هنا بالفعل، وإذا كنت مستعدة لتجاهل قطع الأثاث التي لم ننتهِ من تجميعها، فيمكننا إجراء الزيارة الآن».
سألت السيدة هندرسون: «هل أنت متأكد؟ وماذا عن… رفيقتك؟» ثم نظرت إليّ.
ربما لم يكن احمراري قد زال بعد، وأظن أنني ازددت احمرارًا قليلًا عندما وجدت نفسي فجأة في قلب موقف محرج. ولم يساعد ذلك بالتأكيد على تبديد أي انطباعات خاطئة ربما كوّنتها عني.
قال برايان: «إنها صديقة، وكانت تساعدني. تايلور، لست متأكدًا من المدة التي سيستغرقها هذا الأمر. لا أريد إضاعة وقتك، لكنني سأشعر بالسوء إذا غادرتِ بهذه السرعة بعد أن قطعتِ كل هذه المسافة للوصول إلى هنا. إذا أردتِ البقاء والاسترخاء قليلًا، يمكنني أن أوصلك إلى المنزل بعد ذلك».
كان كل جزء في عقلي يعاني من الحرج الاجتماعي يلحّ عليّ لقبول فرصة الهرب المعروضة، والانسحاب لتبريد وجهي واستعادة رباطة جأشي.
كان من الصعب تحديد سبب عدم قيامي بذلك.
قلت: «سأبقى إذا لم أكن سأعطّل عملكم. ليست لديّ أي خطط لهذا العصر».
عندما ابتسم برايان، أدركت سبب عدم اغتنامي الفرصة للمغادرة.
أعادت المرأة تفحّصي عن قرب، ثم سألتني: «هل تدرسين معه في الصف الإلكتروني؟»
هززت رأسي.
«لا».
قالت: «تبدين أصغر من أن تكوني في ذلك الصف». ثم واجهتني بسؤال آخر: «لماذا لستِ في المدرسة؟»
«أمم…» ترددت. كان عليّ الالتزام بالحقيقة قدر الإمكان.
«كنت قريبة من طرف منطقة وقع فيها أحد الانفجارات، وأُصبت بارتجاج في الدماغ. أغيب عن الحصص حتى أتعافى تمامًا».
«فهمت. أنا متأكدة أن تجميع الأثاث هو ما قصده الطبيب عندما طلب منك الراحة والتعافي، أليس كذلك؟»
ابتسمت بحرج وهززت كتفيّ.
يا إلهي، كنت آمل بشدة ألا أكون أفسد هذه الفرصة على برايان.
قال برايان مخاطبًا السيدة هندرسون: «إذًا، أردتِ تفقد شقتي ورؤية المساحة التي خصصتها لعائشة؟ أعتقد أن هذه فرصة لكِ للاطلاع على المكان قبل أن تسارع العائلة إلى إخفاء كل شيء تحت السجادة».
«هممم».
كان ردًا لا ينمّ عن التزام بأي موقف.
«لنخرج إلى الشرفة، ويمكنك أن تخبرني عن المنطقة والمدارس القريبة».
تقدم برايان وفتح الباب للأخصائية الاجتماعية. أغلق الباب خلفه، وتركني مع عائشة التي كانت لا تزال جالسة على سطح المطبخ.
ابتسمت لها ابتسامة صغيرة، فقابلتني بنظرة باردة نافذة.
شعرت بعدم الارتياح، فحوّلت انتباهي إلى الطاولة وحاولت معرفة ما يمكنني فعله وحدي بشأن الرجل الثانية.
قالت: «إذًا، أنتِ ضمن فريق أخي؟»
ماذا؟
شعرت بالفخر لأنني لم أتعثر في ردي إلا قليلًا.
«فريق؟ أعرف أنه يمارس الملاكمة، أو كان يمارسها على الأقل، لكن…»
نظرت إليّ نظرة غريبة.
«ستتظاهرين بالغباء، أليس كذلك؟»
«لا أفهم ما تقصدينه. آسفة».
«بالطبع».
استندت إلى الخلف وأخذت تحرك ساقيها قليلًا.
أعدت تركيزي إلى رجل الطاولة، لكنني لم أحرز تقدمًا يُذكر قبل أن تقاطعني مرة أخرى.
«اسمعي، أعرف أنكِ ضمن فريقه. وباستبعاد الاحتمالات الأخرى، لا بد أنكِ فتاة الحشرات».
هززت رأسي، نافيةً ذلك ومعبّرةً عن استيائي في الوقت نفسه.
ما الذي فعلته يا برايان بحق الجحيم؟
«أخبرني أن لديه قوى، لكنه لم يخبرني بطبيعتها. وبما أنه يمتلك قوى، فهو يعتقد أن هناك احتمالًا بأن أحصل أنا أيضًا على قوى. لم يُرد أن أفاجأ بالأمر. وبعد ذلك، اكتشفت هويته، ورأيت خبرًا عن بعض الأشرار الذين سرقوا كازينو في ليلة لم يكن فيها في المنزل، فبدأت أراقب الأوقات التي لا يكون فيها متاحًا، وكانت تتطابق في كل مرة. واجهته بالأمر، ولم يكن جيدًا جدًا في إنكاره».
آملةً في إرباكها، رسمت على وجهي أفضل تعبير صدمة بعينين واسعتين استطعت افتعاله.
«أتقولين إن أخاك شرير خارق؟»
رمشت مرتين، ثم قالت ببطء، كما لو أنها تتحدث إلى شخص يعاني إعاقة ذهنية:
«أجلللل. وأقول أيضًا إنكِ شريرة خارقة. لماذا غير ذلك قد يقضي أخي وقته معكِ؟»
آخ. كانت تلك مؤلمة.
نجوت من الاضطرار إلى ابتكار ردّ ومواصلة التمثيل عندما عاد برايان والأخصائية الاجتماعية من الشرفة.
كانت الأخصائية تقول: «… مترددة بسبب قائمة الانتظار».
أجاب برايان: «إنها تقيم ضمن هذه المنطقة، وستبدأ الدراسة في المدرسة في الوقت نفسه الذي يبدأ فيه بقية طلاب الصف التاسع. وهذا يعني أيضًا إبعادها عن التأثيرات السيئة المحيطة بها في مكان إقامتها الحالي».
رفعت عائشة إصبعها الأوسط نحوه مجددًا.
«هممم»، قالت الأخصائية، وهي تنقل نظرها بين عائشة وبرايان. «أود رؤية غرفة نومك الآن».
«غرفتي أنا؟ لا غرفة عائشة؟»
«من فضلك».
قاد برايان الأخصائية إلى أعلى الدرج، نحو غرفة نومه التي تطل على بقية الشقة.
قالت عائشة: «ربما ينبغي أن أرى كيف سيكون رد فعلك إذا صرخت بالأمر بصوت عالٍ». ثم بالغت في تقليد لهجة معينة. «ما الاسم الذي تطلقه على نفسك مرة أخرى؟»
أدرت عينيّ بضيق.
«لن تخبريني؟ لا بأس». وضعت يديها حول فمها كما لو أنها تصرخ، ثم صاحت بسخرية، بصوت لا يكاد يتجاوز مستوى الحديث العادي: «ليدي باغ وغرو، نحن هنا!»
ألقيت نظرة نحو الطابق العلوي، آملة ألا يكون برايان والأخصائية الاجتماعية قادرين على سماعها. لم يبدُ أن همهمة الحديث في الأعلى قد انقطعت بسبب ما قالته عائشة.
أجبتها: «يبدو أنكِ ستخسرين في كلتا الحالتين إذا أعلنتِ ذلك على الملأ. إما أنكِ محقة، وعندها ستغضبين شخصين من الأفضل لكِ حقًا تجنب إغضابهما، أو أنكِ مخطئة، وعندها ستبدين مجنونة».
قالت: «لكن ماذا لو كانا يعتقدان أصلًا أنني مجنونة بعض الشيء؟ ما الذي سأخسره؟»
«لا أستطيع الجزم».
أحكمت ربط البرغي، وتفقدت رجل الكرسي، فوجدتها ثابتة كالكتلة الصخرية. انتقلت إلى الرجل التالية.
«ما الذي ستكسبينه؟»
توسلت إليّ بنبرة متذمرة: «هياااا، اعترفي فحسب».
كان قلبي يخفق بقوة عندما نزل برايان والأخصائية الاجتماعية الدرج. أما عائشة، فقد رسمت على وجهها ابتسامة عريضة مزيفة لاستقبالهما.
رافق برايان المرأة إلى غرفة النوم الثانية، لكنه لم يدخل معها. توقف لينظر إليّ.
قال: «تايلور، لستِ مضطرة إلى القيام بذلك وحدك».
«لا بأس»، أجبت. ثم نظرت إلى عائشة الجالسة على سطح المطبخ، وأضفت: «إنه شيء يشتت انتباهي بطريقة لطيفة».
«آسف. أعتقد أننا سنحتاج إلى دقيقة أخرى فحسب».
واتضح أن الأمر استغرق دقيقة أخرى بالفعل. خرجت الأخصائية الاجتماعية من غرفة النوم التي ستصبح غرفة عائشة، ثم ألقت نظرة على الحمام، وبعدها تفقدت الخزائن والثلاجة.
قالت السيدة هندرسون لعائشة: «أريدك أن تخرجي إلى الشرفة لدقيقة».
«كما تشائين».
قفزت عائشة عن سطح المطبخ واتجهت إلى الخارج.
ثم التفتت الأخصائية إلى برايان وقالت: «وقد يكون من الأفضل أن تطلب من صديقتك الخروج أيضًا».
أجاب وهو ينظر إليّ: «ليس لديّ ما أخفيه حقًا».
«حسنًا. دعني أبدأ بالقول إن هذا المكان أفضل من معظم الأماكن التي أزورها».
«شكرًا لك».
«لكن لديّ بعض المخاوف».
كان بإمكانك رؤية تعبير برايان يتغير قليلًا عند سماع ذلك.
تابعت: «قرأت المستندات والخطط التي أرسلتها إليّ عبر البريد الإلكتروني. لديك خطة متينة لإدارة الحسابات ودفع الفواتير، ومساعدتها في تعليمها، وتغطية النفقات الإضافية المحتملة، وتحديد ميزانية للملابس، وحتى ادخار المال من أجل الجامعة. من نواحٍ عديدة، هذا هو النوع من الترتيبات الذي أتمنى رؤيته في معظم الحالات التي أتعامل معها».
«لكن؟»
«لكن عندما أنظر إلى هذا المكان، أرى أنك جعلته يعكس شخصيتك إلى حد بعيد. الأثاث والزينة والأعمال الفنية كلها تبدو وكأنها تشير إلى شخصيتك أنت، ولا تترك سوى مساحة ضئيلة جدًا لشخصية عائشة، حتى في المكان الذي خصصته لها».
بدا برايان مصدومًا قليلًا من كلامها.
«فهمت».
«اسمع يا سيد لابورن، علينا أن نأخذ منظور عائشة في الحسبان. إنها معتادة على الهروب من المنزل. ومن الواضح أنها لا ترى منزل والدها مكانًا يمكن اعتباره بيتًا لها. ينبغي أن نولي اهتمامًا إضافيًا لضمان شعورها بأن هذا المكان بيتها أيضًا، على افتراض أنها ستنتهي هنا بدلًا من العيش مع والدتها».
قال برايان بجدية أكبر: «والدتي».
«أنا على علم بمخاوفك بشأن والدة عائشة يا سيد لابورن».
اهتز هاتفي مرة واحدة داخل جيب سترتي. تجاهلته.
تنهد برايان، وهبط كتفاه قليلًا.
«هل يمكن إصلاح هذا الأمر؟»
«نعم. أشرك عائشة في اختيار الزينة، وكن مستعدًا للتنازل عن بعض أذواقك وتفضيلاتك الجمالية حتى تشعر بأن هذه المساحة تخصها هي أيضًا»، قالت. «أعرف أن ذلك لن يكون سهلًا. عائشة صعبة المراس أحيانًا، وأظن أننا نستطيع الاتفاق على هذه النقطة».
كنت أنا نفسي بدأت أميل إلى هذا الاستنتاج.
أومأ برايان وقال: «أجل. ما الخطوة التالية؟»
«سأزور منزل والدتها بعد أسبوع ونصف، إذا كانت ذاكرتي صحيحة. إذا أردت إرسال بريد إلكتروني آخر عندما ترى أنك عالجت هذه المشكلة البسيطة، بالإضافة إلى الأمور القليلة الأخرى التي أشرت إليها خلال التفتيش، فيمكنني ترتيب زيارة أخرى».
«سيكون ذلك رائعًا».
«ضع في اعتبارك أن جدول الحالات التي أتعامل معها مكتظ إلى حد يفوق قدرتي، ومن المحتمل ألا أتمكن من زيارتك مجددًا إلا بعد أسبوع على الأقل من إبلاغك لي بأنك انتهيت».
«شكرًا لك»، قال برايان.
«هل لديك أي أسئلة؟»
هزّ رأسه نافيًا.
«إذًا، أتمنى لك التوفيق. وللتعويض عن تغيير موعد الزيارة من دون إشعار مسبق، سأقدم لك عرضًا لمرة واحدة لأتولى أمر عائشة لبعض الوقت. إذا أصرت على التسبب في إيقافها عن الدراسة، فربما يمكنني تعريفها ببعض الأشخاص الذين سلكوا الطريق نفسه، بينما أذهب إلى مواعيدي بعد ظهر اليوم».
ابتسم برايان. لم تكن تلك الابتسامة الرائعة التي رأيتها منه مرات عديدة، لكنها كانت ابتسامة لطيفة على أي حال.
«أظن أنها ستفوت الفيلم الذي أرادت مشاهدته».
ابتسمت الأخصائية ابتسامة متواطئة وقالت: «يبدو ذلك. واصل العمل الجيد يا سيد لابورن. عائشة محظوظة لأن لديها أخًا مثلك».
انتعش برايان قليلًا عند سماع ذلك.
لم يستغرق الاجتماع وقتًا طويلًا بعد ذلك، ثم اقتادت الأخصائية الاجتماعية عائشة معها، رغم تذمرها. لم أتمكن من التنفس الصعداء حقًا إلا بعد مغادرتهما. وحتى حينها، بقيت أشعر بالقلق، وأنا أتذكر مدى قوة شكوك عائشة.
تذكرت أن هاتفي قد اهتز، فأخرجته لأرى الرسالة التي وصلتني. وبينما كنت أضغط باستمرار على الزر لفتح قفله، قلت لبرايان:
«يبدو أن عائشة تعرف أمر الأندرسايدرز».
«تبًا. أنا آسف». ارتسم الألم على وجهه. «لو كنت أعلم أنك ستقابلينها، لأخبرتك مسبقًا. هل قلتِ أي شيء؟»
«تظاهرت بأنني لا أفهم عمّا تتحدث إطلاقًا، رغم أن ذلك لم يفد كثيرًا. هل سيسبب هذا مشكلة؟»
قال: «لقد وعدت بأنها لن تخبر أحدًا… ويزعجني حقًا أنها كانت طائشة إلى درجة إثارة الموضوع مع شخص لم أوافق على إخباره. لكن عائشة لن تفشي السر لمجرد إفشائه. أظن أنها كانت على الأرجح تعبث معكِ».
«إذا كنت متأكدًا».
كانت لديّ تحفظاتي، لكنني لم أكن متأكدة من رغبتي في الضغط عليه بشأن الموضوع، وهو متوتر بالفعل.
تنهد وقال: «أنا شبه متأكد».
نظرت إلى هاتفي. كانت الرسالة من ليزا.
«آسفة على مقاطعة حفلة التقبيل. عليكما العودة بسرعة. الأمور بدأت تخرج عن السيطرة».
شعرت بحرارة خفيفة في وجنتيّ، وحرصت على حذف الرسالة بعناية. وعندما انتهيت، التفت إلى برايان.
«تقول ليزا إن شيئًا ما يحدث. وتطلب منا العودة بسرعة».
قال برايان: «يا لها من مصدر إزعاج». ثم أضاف: «كنت آمل أن… آه، تبًا. يبدو أننا لن ننتهي من تجميع الأثاث، أليس كذلك؟» وابتسم لي.
ابتسمت له بدوري.
«في مرة أخرى».
مدّ يده ليساعدني على النهوض.
هل كنت أتوهم، أم كنت منتبهة فعلًا عندما لاحظت أن يده بقيت فوق يدي لنصف ثانية إضافية ربما، أطول مما كان ضروريًا؟
وهل كان جزء مني يخشى تلك الاحتمالات، ويتمنى ألّا يكون الأمر مجرد أمل أو ملاحظة دقيقة من جانبي؟ لأنني لم أستطع تحديد ما إذا كان هناك فعلًا جزء عاقل مني يحاول التعبير عن رأيه، أم أنني كنت أريد فحسب أن يكون ذلك الجزء موجودًا.
اللعنة.
قدّمت موعدي النهائي في ذهني. لن أمنح الأمر أكثر من أسبوع واحد، وبعدها سأضطر إلى تسليم ما أعرفه عن الأندرسايدرز إلى منظمة الحماة.
لم أكن متأكدة من قدرتي على الوثوق بنفسي إذا انتظرت أكثر من ذلك.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.