في صحراء رمادية، كان إيرولد يمشي بصعوبة من شدة التعب، ليسقط وهو يتمتم : ” تباً لهذا! “
برز صوت آرثر ليحثه على المتابعة بحماس: “ هيا هيا يا إيرولد! يمكنك فعلها! هيا… “ لكن نبرة آرثر تغيرت فجأة للارتباك وهو يتفحص المحيط : “ لحظة، ما هذا المكان الغريب؟“
نظر آرثر نحو شجرة ميتة تلوح في الأفق وسأل بتشكك : “ لقد مررنا من هذه الشجرة أكثر من 40 مرة، أليس كذلك؟؟“
ليصرخ إيرولد: “ معك حق! أشعر كما لو أنني أدور في نفس المكان. “
تعالى ضحك دانتي الساخر من داخل إيرولد وهو يهتف متهكماً : ” أيها الأحمق! أنت بالفعل تدور في دائرة. أنت الآن في سراب. فقط اجلس في مكانك وسوف تخرج بعد مدة. “
استشاط إيرولد غضباً وصاح : “ أيها اللعين! لِمَ لم تخبرني بهذا؟“
رد دانتي ببرود مستمتعاً بمعاناة إيرولد: ” كنت أريدك أن تتعذب قليلاً .”
حاول آرثر كتم ضحكته أمام هذا الموقف، لكن حين رآه إيرولد بنظرة غاضبة، اعتذر بسرعة : ” آسف، يا إيرولد.“
ليجلس إيرولد ويقول: ” دانتي، ما هذا المكان؟“
رد دانتي بضجر: “ ألا تشعر أنك تسأل الكثير من الأسئلة؟ وما أدراني؟ لقد شعرتُ بالوهم الذي تسير به وأخبرتك. لا أمتلك قدرات لمعرفة المجهول . “
استلقى إيرولد على ظهره وتنهد بمرارة : “ تباً لك يا دانتي.” لكن هناك شيء غريب حول إيرولد، كما لو كان يُبتَلَع. يرفع إيرولد رأسه ليجد يده قد غطست تحت الرمال. ليحاول سحبها بقوة، لكنها لم تخرج.
ليتوتر. يحاول سحبها بقوة أكبر. في تلك اللحظة، دوى صوت دانتي بصرامة : “ توقف أيها الغبي! هكذا سوف تخرج من هنا.” يبدأ إيرولد في الهدوء بعض الشيء. ليَبتلعه الرمل. بينما كانت الرمال تبتلع إيرولد، نظر إلى الأعلى ليختفي آخر مصدر للنور، يغلق عينيه، ليُسحب بسرعة للأسفل.
في تلك اللحظة، وفي ظلامٍ دامس، يتقدم جلجامش بخطىً هادئة وثابتة نحو نورٍ ضئيلٍ ينبعثُ من شمعةٍ في نهاية البرج. ومع اقترابه، شقَّ السكون صوتٌ أنثويٌّ هامس: “هيا، أطفئها.” في تلك اللحظة، بدأ الظلام خلفه يتجسدُ شيئاً فشيئاً حتى برزت من العتمة هيئة أنثوية فاتنة وغامضة، تكسوها جاذبية لا تقاوم وعيون تخبئ وراءها مكرًا عميقًا. كانت جانَّ ذات حضور ساحر، تُشعّ إغواءً يتخلله تهديد مبطن. كانت بشرتها ناعمة، وذات ملامح حادة تحدد فكها ووجنتيها بجمال مخادع، وعيناها تحملان بريقًا ذهبيًا ساطعًا يختلط بلون بنفسجي خفي، يوحي الخبث. كان شعرها الداكن ينسدل على كتفيها بتموجات خفيفة، يُضفي عليها هالة من الغموض. ترتدي رداءً فاتنًا بلون بنفسجي داكن، ينسدل على جسدها برشاقة ويُبرز مفاتنها بأسلوب مغرٍ، مع أقمشة خفيفة تلتف حول ذراعيها وخصرها. لم تكن تحمل دروعًا، بل كانت تعتمد على سحرها الخاص وجمالها الفتّان كأقوى أسلحتها.
بدأت تمسك بجلجامش الذي نظر إليها جلجامش بازدراءٍ تام. وقفت أمامه وقالت ” :أرحب بك، اسمي ساريس، حارسة هذا البرج. أنت هنا ليتم اختبارك. أطفئ النور ليبدأ الاختبار أيها السيد الوسيم. “
تجاهلها جلجامش وتقدم ببرودٍ ليطفئ الشمعة بيده. وفي اللحظة التي ساد فيها الظلام، انقضت ساريس عليه ووضعت يدها على رأسه. كان جلجامش يقف غير مبالٍ مثل الجبل. ليسمع ساريس تهمس بسخرية: ” أحمق آخر. “
ليسدد جلجامش لكمة لوجه ساريس بظهر قبضته بدون أن يتحرك ، لتختفي ساريس كالغبار، ويبدأ باب البرج يفتح.
يبدأ نور شمع يتردد من المخرج، يتردد ظله على جدار البوابة. ليبدأ جلجامش بـالقلق: “هل هناك أحد بالخارج؟ وكيف وصل إلى هنا؟“
ليتقدم جلجامش ويبدأ بـالتعرف على هذا الجدار كما لو كان يعرفه. يقترب من المخرج ليرى ظِلَّ امرأة يمتد على الجدار همسَ بصوتٍ يرتجف : “ لا! لا مستحيل! “
اندفع إلى الداخل بسرعة ، وتتضارب عيناه كما لو أنه يرى شيئًا غير حقيقي. تبدأ ابتسامة حنونة تُرسَم على وجهه، وعيناه تفيضان حنينًا. ينظر ويقول بصوت مكتوم” :إيليا… أهذه أنتِ؟“
كانت إيليا تستلقي فوق سريرٍ ، وقد غطت العروقُ الخضراءُ جسدها الهزيل، بينما كان التعبُ يكسو ملامحها الشاحبة . نظرت إليه بابتسامةٍ واهنة وقالت : “بالطبع إنها أنا يا جامش. “
انهمرت دموعُ جلجامش بغزارة، بينما تجمد وجهه المتحجر من وقع الصدمة سائلاً إياها بمرارة : “ كيف؟“
لتضحك إيليا وتقول: “ماذا حصل لك يا عزيزي؟“
اقترب منها جلجامش. وحين لاحظت إيليا عينيه، تغيرت تعبيرات وجهها وسألت بقلق : “ماذا حصل لك يا جامش؟“
مدت يدها إليه، فاقترب حتى وضعت رأسه في حجرها. بينما كان جلجامش لا يصدق ما يحصل، إلا أنه استسلم للوهم الذي تمناه أن يكون واقعًا. بدأت إيليا تربّت على رأس جلجامش برقة وتتساءل: “ألم يكن الزمان رحيمًا عليك يا عزيزي؟“
انفجر جلجامش بالبكاء بحرقة، ويقول: ” لا! لا لم… ألم أستطع إنقا…؟“
تتغير ملامح جلجامش كما لو أنه نسي ما حصل مع إيليا. فرفع رأسه بلهفة قائلاً : ” لحظة، هناك شخص سمعت عنه قد يساعدك.“
تضع إيليا يديها على خدي جلجامش برقة وقالت ” : لا أحتاج إلى هذا يا عزيزي. كل ما أريده هو قضاء بعض الوقت معك حتى أموت.“
لتبدأ عيناه بذرف الدموع بشكل غريب. لتسأله إيليا :“لِمَ تبكي يا جامش؟“
يرد جلجامش وهو ينظر لها بضياع: “ لا أعلم. كما لو أن شيئًا ما في داخلي يفعل هذا.“
ليمسح دموعه، ثم يقف جلجامش ويقول: “سوف أعود بعلاجك.“
تمسك يده إيليا وتقول: ” اقترب. “
ليقترب جلجامش. تضع إيليا يدها على قلب جلجامش وتبدأ تحريك أصابعها: فوق، ثم يمين، ثم يسار، ثم فوق، ثم الأسفل . وما إن وضعت كفها بالكامل فوق قلبه، حتى انبثقَ منه نورٌ ساطعٌ ملأ المكان.
سأل جلجامش بدهشة : “ما هذا؟“
فأجابته إيليا بابتسامةٍ غامضة : “لا أعلم. هذه هدية مني يا عزيزي. أعطاني إياها أبي منذ زمن، وأنت أعز شخص لي ليأخذها. “
أمسك جلجامش برأسها وقبّل جبينها ويقول: “سوف أعود. أعدك! ومعي الترياق. لقد أخبروني اليوم أن هناك شخصًا في مملكة بلجاروس يستطيع علاج أي مرض. سأذهب إليه. أرجوكِ لا… “
قاطعته إيليا بابتسامة : ” لا ماذا؟ لا تقلق، لن أموت حتى أرى الأمير الذي أنقذ حياتي. “
ليقاطعها جلجامش بقلق: ” لا تقولي هذا! لن تموتي! “
ليخرج جلجامش بسرعة لا تُصدق من الباب. لتقول إيليا بابتسامة حنونة : ” إن الجميع طاردوا والدي بسبب جوهر الخلود، ولا أعلم إذا حصل عليه أبي أم لا. إذا كان هذا هو جوهر الخلود، أتمنى لك حياة سعيدة يا عزيزي. “
لتبدأ دموع إيليا بالنزول :” إن أعظم شيء حصل لي في حياتي كان أنت. كنتَ زوجي وأعز صديق لي وحياتي. فكرة فراقي لك تكسر قلبي، لكن هناك طريقة لأكون بجوارك يا عزيزي.“
لتبدأ إيليا بـالقبض على كفيها لتُكوِّن جوهرًا شفافًا. ثم تجلب ورقة وتبدأ في الكتابة:
عزيزي جامش. إذا قرأت هذه الرسالة، فسوف أكون ميتة. أرجوك لا تحزن. أنت تعلم أني كنت أتعذب طيلة هذا الوقت، ولا يُسكِّن ألمي سوى قربك. لذا، هذه هي جوهرة روحي، امتصها. قد نستطيع رؤية بعضنا البعض. هكذا، سوف أكون بقربك. وفي ختام كلامي ، سوف أقول شيئاً أنت تعلمه بالفعل: أحبك أيها الأمير الغبي.
بعد ثلاثين دقيقة من الركض المتواصل، كان جلجامش يقتحم أسوار مملكة بلجاروس يمسك جلجامش بأحد الحراس ويصرخ: ” أين هو سيد الشفاء في هذه المملكة؟“
انحنى الحارس باحترام وقال: ” الأمير جلجامش، إنه هناك.” ليشير بإصبعه نحو منزل صغير. تعجب جلجامش وسأل: “ما أدراك أني أبحث عنه؟“
رد الحارس بهدوء: “لقد قال لنا اليوم أنك سوف تأتي له.“
ليتقدم جلجامش بسرعة نحو المنزل الصغير. ليدخله جلجامش. كان المكان غريبًا. ليصرخ جلجامش :” يا سيد الشفاء، أنا جلجامش، أتيت أبحث عن ترياق تسمم جوهر العقل!“
ليسمع صوت ضحك خبيث: ” أعلم أنك تبحث عن هذا يا فتى.“
ليلّتفت جلجامش نحوه. كان رجلاً عجوزاً قصير القامة، ذا لحية طويلة بيضاء، بوجه بشع. ثبّت جلجامش نظره عليه وسأله بلهفة: ” هل تمتلك الترياق ؟“
أجاب سيد الشفاء بابتسامة : “نعم، بالطبع. “
تهلل وجه جلجامش وقال : “شكراً لك! “
لكن سيد الشفاء قاطعه بلهجةٍ حادة: ” لا لا يا فتى، إن سعره أغلى مما تعتقد. “
فقد جلجامش أعصابه وصرخ: ” أتعلم أني أستطيع قتلك، صحيح؟“
رد سيد الشفاء ببرودٍ قاتل: “نعم، لكنك لن تحصل على ما تحتاجه. “
هدأ جلجامش قليلاً وهو يحاول كبح جماحه، وقال: “سأعطيك مئة ألف قطعة ذهبية. “
ضحك سيد الشفاء باستهزاء: ” لا لا يا فتى، لا أريد مالاً. “
استشاط جلجامش غضباً :” إذًا ماذا تريد بحق الجحيم؟ لا أمتلك وقتاً للمساومة! “
مدَّ العجوز يده بورقةٍ قديمة وقال :“هذا عقد.. وقّع عليه وسأعطيك ما تطلبه فوراً . “
نظر جلجامش إلى الأفق؛ كانت الشمسُ تميل نحو الغروب، وكل ثانيةٍ تمر تقربه من فقدان إيليا للأبد. وبدون أن يقرأ حرفاً واحداً، وقع العقد بسرعةٍ جنونية وصاح : ” هات العلاج بسرعة! “
ناوله سيد الشفاء زجاجةً تحتوي على سائلٍ أخضر متوهج وقال: ” اذهب بسرعة. لم يعد لديك وقتٌ لتضيعه. “
خرج جلجامش كالإعصار، يمزق الهواء بسرعته، وجسده المنهك يدفع حدود المستحيل للوصول إلى إيليا قبل فوات الأوان .
داخل المنزل الصغير يضحك سيد الشفاء ثم وقف مستقيماً وهو يتمتم بنشوة : ” أخيراً وقَّع الأحمق! خمس دقائق، كل ما أحتاجه. سوف تكون تحت سيطرتي لخمس دقائق! “
بدأت هيئة العجوز في التبدل؛ تمدد جسده القصير ليصبح فارع الطول، وتلاشت ثيابه الرثة لتتحول إلى بدلةٍ رسميةٍ سوداء أنيقة.. سقطت اللحية البيضاء ، ليَنكشِف أنه ‘الفيسليس‘.”
وصل جلجامش إلى مملكة أوروك كالإعصار، ليجد إيليا في نزاعها الأخير، يحيط بها الخدم والدموع. تفتحت عيناها الذابلتان بابتسامةٍ واهنة : “أخيراً عُدتَ يا جامش. “
تقدم نحوها بلهفة، وسقاها الترياق الأخضر وهو يهمس: ” الآن يا عزيزتي، سوف تكونين بخير. “
لتبتسم إيليا وتقول: ” هل حقاً سنعيش مع بعضنا البعض يا جامش؟“
ليُغمض جلجامش عينيه بفرح ويقول : ” بالطبع. “
ليهتز رأس إيليا، ليفتح عينيه ليجد عيني إيليا تنزفان دماً. صرخ برعبٍ زلزل أركان القلعة : “إيليا! أرجوكِ إيليا! يا أطباء! يا خدم! أي أحد “! ليحضر جرعات شفاء ويفتحها، ليعطيها لإيليا. لكن إيليا قلّصت عينيها وقالت بصوت خافت: ” إلى اللقاء أيها المجنون الجميل. “
ماتت إيليا على سريرها بسبب مرض ، تاركة وراءها بركانٍ قد ينفجر في أي وقت. يضع جلجامش رأسه على جسد إيليا ويبكي. تعالت صرخاتُ الخدمِ ونحيبُهم في كل زاوية من زوايا القصر الموحش، ولم يكن بكاؤهم مجرد طقوسٍ للحداد، بل كان فجيعةً حقيقية في فقدان مَن كانت لهم أماً قبل أن تكون ملكة مستقبلية . فـ “إيليا” لم تكن مجرد سيدةٍ طيبة، بل كانت القلبَ الذي يتسعُ للجميع؛ تداوي جراحهم بكلماتها، وتتفقدُ أحوال الصغير والكبير منهم بحنانٍ فاق الوصف.
صاح أحدُ الخدمِ وهو يسقط على ركبتيه منهاراً : ” السيدة إيليا رحلت! لقد ماتت من كانت تمتلكُ قلباً يفيضُ حنيناً للجميع.. ماتت مَن لم تشعرنا يوماً بأننا خدم، بل كنا في عينيها عائلة“
يُغطي جلجامش عينيه، ثم يتذكر سيد الشفاء، لتتغير ملامحه بتحوُّلٍ صادم. تشتعل عيناه بحمرة غاضبة، وتتصلب ملامح وجهه الذي كان ينزف حزناً قبل لحظات، ليتحول إلى قناعٍ من الكراهية. لم يعد مجرد حزنٍ أو ألمٍ، بل بركانٌ من الغضب انفجر داخله، ووعودٌ بالانتقام لمعشوقته.
يصرخ جلجامش بحقد: “ ذلك اللعين! أقسم أني لـأقتلنَّه! “
يتوجه جلجامش إلى مملكة بلجاروس ليجد أحد الحراس يناديه” :أيها الأمير جلجامش، ما الذي تبحث عنه ؟“
ليلّتفت جلجامش ليجد سيد الشفاء يقف أمامه. يغضب ويسدد له لكمة تخترق معدته نظر اليه سيد الشفاء برعب و سقط على الارض . يلتفت جلجامش ليجد سيد الشفاء يهرب ويصرخ برعب . بسرعة يسدد له جلجامش لكمة تفصل جسده عن رأسه. يلتفت ليجد أحداً يغلق باب منزله. ليلمح سيد الشفاء. ليكسر الباب بسرعة ليقتله، ويجد ثلاثة أشخاص على شكل سيد الشفاء على الأرض، يحتضنون بعضهم البعض. ليقتلهم جلجامش بسرعة.
كان جلجامش مُعمَى؛ كان يقتل سكان بلجاروس ويُتخَيَّل له أنهم سيد الشفاء. يخرج الحراس ويُحيطون بجلجامش. يصرخ أحدهم: “ لقد أرسلنا أحداً لمملكة أوروك! لقد جُنَّ جلجامش! “
ليقفز جلجامش، وعيناه تشتعلان، وقبضته تحوطها هالة ذهبية. ليضرب، فتتفجر المنطقة كما لو أن كل ضربة لجلجامش هي انفجار. يدخل جلجامش المنازل، يقتل كل من فيها. لا يُميّز، سواء كان أمامه رجل أو امرأة، عجوز أم طفل. كل ما يراه هو سيد الشفاء.
بعيداً عن صرخاتِ الأطفال ونحيبِ الشيوخ، وعلى قمةِ جبلٍ شاهقٍ يُطلُّ على “مملكة بلجاروس” المنكوبة، كان الفيسليس يقفُ بشموخٍ كأنه مخرجٌ يُراقبُ مشهداً ختامياً لمسرحيةٍ دموية. كانت الرياحُ تداعبُ رداءه نظر إلى جلجامش وهو يفتكُ بكل ما يتحركُ ظناً منه أنه يقتل سيد الشفاء ابتسم الفيسليس ابتسامةً عريضة، ونطق بصوتٍ هادئ : “عماءُ الضغينة.. يا لها من تسليةٍ فائقة يا فتى. ” ليلتفت الفيسليس و يقول بهدوء: “نلتقي لاحقا. “
بعد ثلاث ساعات، دمر جلجامش المملكة بأكملها. ليعود إلى رشده لكي لا يرى سوى النار التي أشعلها بنفسه. ينظر إلى قبضته التي يُغطيها الدماء، ثم يستوعب أن جسده كله مُغطى بالدماء. ليسقط، ثم ينظر إلى السماء التي بدأت تُمطر، ويضحك بخفة، ثم بضحك هستيري يصرخ : “أنا من فعل هذا! أنا من فعل هذا!
أنا من قام بهذه الجريمة!“
صوت خيل يصهل في المكان. ينزل منه الجنرال ماندول. ينظر بدهشة للمكان: “ماذا فعلت يا جلجامش؟“
يصرخ الجنرال: “جلجامش! “
لينظر له جلجامش ويضحك بجنون وعيناه تدمعان :“أنا من فعل هذا يا ماندول، أناا!“
ليقترب ماندول بحذر من جلجامش، لكن جلجامش لا يتحرك. يتقدم ماندول إلى جلجامش الذي كان ينظر إلى السماء. ويُعانقه ماندول ويقول: “تعازيّ الحارة يا جلجامش. أفهم ما حصل لك، لكن يجب أن نعود إلى المملكة.“
بأعينٍ غارقةٍ في عدم التصديق، نظر جلجامش إلى ماندول دون أن يبدي أي ردة فعل؛ كان جسداً بلا روح، ذهولاً تجاوز حدود الجنون. تقدم ماندول والأسى يمزق قلبه، ووضع الأصفاد الثقيلة حول معصمي الأمير قائلاً بصوتٍ خافت” :آسف يا سموّك.. أعلم أنك تستطيع كسر هذه السلاسل بلمحة بصر، لكن.. يجب عليَّ فعل هذا“
ساق ماندول جلجامش خلفه، وفي طريق العودة إلى المملكة . كان ماندول يتلفت على جلجامش طول الطريق. كان جلجامش فقط جسداً هناك، غير واعٍ بما يحدث.
ما إن دخل الجنرال ماندول إلى أسوار المملكة لينظر السكان إلى جلجامش الذي لم يكن بوعيه. حتى انفجر الغضب الشعبي كالإعصار وعلت صرخاتهم : ” قتلوا هذا المجرم الحقير! لقد سفك دماء الأبرياء.. وجوده خطرٌ علينا” !
ليسأل أحدهم: “هل أُعدِم أمير من قبل؟“
ليصرخ آخر: “نعم، إذا كان مجنوناً! “
في لحظة الا وعي يسمع جلجامش ما قاله احد العامة ليتذكر إيليا تقول : “إلى اللقاء أيها المجنون الجميل.” ليعي ما يحدث حوله.
بينما كان الجمع يصرخ بمرارة : ” أعدموا الأمير المجنون! أعدموا الأمير المجنون! “
أودع ماندول جلجامش في السجن. وتنهد قائلاً : ” لا شيء من هذا يمنعك يا فتى.. أدرك قوتك الحقيقية، فلم يرَ أحدٌ ما رأيته أنا هناك . “
التفت ماندول ليجد الملك لوغال يقف بوقارٍ حزين ومعه الحارس لورن. تقدم الملك خلف القضبان ونظر إلى ابنه بأسىً عميق وقال : “بعد موت الحكيم هيرالد، ظننتك ستفهم معنى الفقد.. لكنني لم أكن أدرك قدر محبتك لإيليا يا بني. “
كان الملك ينظر إلى جلجامش بـأسى، لكن جلجامش غير واعٍ، عيناه ميتتان. تنهد الملك: ” تركت إيليا لك شيئاً. “
وفجأة، بدأت الجوهرة تحلق في الهواء وتنجذب نحو جسد جلجامش حتى اندمجت بقلبه، تاركةً الجميع في حالة من الذهول. ثم أضاف الملك بهدوء : ” وسوف تُقام جنازتها اليوم. يا حراس، خذوا جلجامش إلى جنازة إيليا الآن! “
يتقدم الحراس ليُغطوا جسد جلجامش بـالأصفاد، ليأخذه السيد لورن الذي كان ينظر إليه بحزن شديد، ومعه الكثير من الحراس.
كان يمشي جلجامش بينما هو غارق في جنون ذكرياته. وصل إلى المقابر الملكية، التي كانت مقبرة العائلة الملكية المليئة بالصمت والرهبة.
يُساق جلجامش، الأمير الذي لا يُهزم، مُقيداً بسلاسل ، إلى مراسم جنازة زوجته ومحبوبته إيليا. عيناه جامدتان، لكن عقله يضج بصوت الرعية والوزراء الغاضبين:
أصوات تتردد في عقله: “ ألم يكفيك ما فعلت؟ دمرتَ كل شيء!”… “انسَ أمرها! لقد ماتت ولن تعود! كن قوياً أيها الأمير. “
وصل الموكب إلى قبر إيليا. المكان يغمره الحزن والصمت، والرخام الفاخر يطوق تراباً لم يبرد بعد الذي وضعه الملك تكريماً لمحبوبة ابنه.
جلجامش بصوت يخرج بعد صمت طويل، موجهاً كلامه للحراس : ” أتركُوني. من فضلكم…“
تبادل الحراس النظرات في حيرةٍ وارتباك؛ كانت أوامر الملك تقضي بإبقاء الأمير مقيداً، لكن مشهد اليأس المطلق الذي يكسو وجه جلجامش كان أقوى من أي قانون. تنهد الحارس لورن بأسى، وأشار لرفاقه بالابتعاد قليلاً قائلاً : “هيا.. دعوه يقضي لحظته الأخيرة معها.“
غادرَ الحراس المكان خطا جلجامش خطواته المثقلة نحو قبر إيليا ويهوي على ركبتيه أمام قبرها. السلاسل الذهبية تصدر صوتاً خافتاً على الرخام. يضع يده على القبر، ويشعر بالبرودة.
قال جلجامش بهدوء مُنكسر، يهمس للعدم:
ما بالُ قَلبِكَ يا مَجنونُ قَد خُلِعا… في حُبِ فَرَّقَكَ عنهُ المَوتُ طَمَعا؟
طوبى لِمَن كنتِ أَنتِ في الدُنيا قَرينَتُهُ… لَقَد نَفى اللَهُ عَنهُ الهَمَّ وَالجَزَعا.
أحسدُ التربَ لضمها وكونها مسكناً لكِ… أو يا ليتني كنتُ تلك التربة.
لا أَستَطيعُ نُزوعاً عَن مَوَدَّتِها… وَيَصنَعُ الحُبُّ بي فَوقَ الَّذي صَنَعا.
وَزادَني كَلَفاً في الحُبِّ أَن مُنِعَت… أَحَبُّ شَيءٍ إِلى الإِنسانِ ما حورِما منهُ او مُنِعا.
يلتقط جلجامش أنفاسه الأخيرة، عيناه تلمعان بقرار قاتل: “جمعَتنا الحياة… والموت يفرّقنا. لن يفرق الموت أكثر مما فرّقا.“
وقعت عيناه على سيف قد تركه بجوار القبر كعادة قديمة لتكريم الميت. حطم قيوده الذهبية التي تهاوت حوله بضجيجٍ معدنيٍّ صاخب.
أمسك السيف بيده، ووجه نصله البارد نحو قلبه مباشرة. أغمض عينيه، ارتسمت على وجهه ابتسامةُ سلامٍ حقيقية.. طعن نفسه بقوة، وغاص السيف في صدره حتى المقبض
سقط جسده ببطء فوق القبر، وبينما كان ينتظر الظلام ليرى وجه إيليا، تلاشت الابتسامة ليحل محلها رعبٌ مطلق. الجرح العميق الذي كان يجب أن ينهي حياته… لكن الجرح يضمد نفسه! يندفعُ السيف خارجَ جسدِه ثم تتجدد خلاياه بشكل أسرع من ومضة العين. الجرح يختفي تماماً.
ينهض جلجامش فزعاً : “لا…لا كيف !“
دار الجنون في رأسه من جديد. فأمسك السيف ووضعه على رقبته.. ثم بتر رأسه. ليتجدد جسده
في جنون مطلق، يستمر جلجامش في محاولاته اليائسة لقتل نفسه. يطعن، يقطع، يخترق… كل محاولة فاشلة تؤدي إلى تجدد جسده أمام عيني القبر.
من بعيد يرى الحراس أن التراب حول القبر قد أصبح أحمر قانياً. يظن بعضهم أن الناس أحضروا وروداً حمراء تعبيراً عن الحزن العميق.
لكن الحارس لورن عينه تضيق، يعرف جلجامش جيداً : “هذه ليست وروداً!” صرخ في رعب : “جلجااامشش“
ركض لورن بأقصى سرعته نحو جلجامش. يجد لورن الأمير جلجامش ساقطاً على الأرض، السيف بجواره، محاطاً بدمه الذي يتبخر ويختفي. جلجامش يبكي، لا بكاء حزن، بل بكاء يأس.
جلجامش (يرفع رأسه المجدد نحو لورن، صوته متحشرج وممزق): “لا أستطيع الموت يا لورن… “
كان لورن يرى جنونًا مطلقًا؛ شخص يُحكَم عليه بالحياة الأبدية، وحيداً، ومجنوناً، بجوار القبر الذي يحسد ترابه.
في الحاضر، داخل “برج الأوهام”، كانت ساريس تحتضن جسد جلجامش الغائب وتضحك بنشوة: “سوف تبقى في هذه الذكرى إلى الأبد، حتى يُستنزف كل جوهر عقلك أيها الفتى الوسيم…. ان هذا البرج يحتاج الى سحرك.”
لكن فجأة، وقف جلجامش ببرود الجليد ، صرخت ساريس بفزع : “ كيف فعلت هذا؟ كيف خرجت؟ “
مسح جلجامش بقايا دموعه، وقال بصوتٍ هادئ : “الشيء الوحيد الذي سيجعلني أقتلكِ بسرعة بدلاً من تعذيبكِ، هو أنكِ جعلتِني أراها مجدداً. “
صرخت ساريس بحنق: “ايه اللعين . ” سدد لها جلجامش ثلاث لكماتٍ خاطفة اخترقت جسدها كالبرق، لتسقط وهي تصرخ بينما بدأ كيانها يتلاشى. انطلق جلجامش نحو بوابة البرج، وبضربةٍ واحدة هدم أركانها ليخرج من البرج العائم الذي بدأ يتداعى ليَسقُطَ البرج أسفل الشلال.
خرج جلجامش من وهم البرج ، بعد أن واجه ماضيه للمرة الثانية، ليعود هذه المرة مُذكَّراً بـلعنة الخلود، غير قادر على نسيان مَن أحب أو الموت.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.