تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل541

الفصل 541: قطعة من الكعك

المشاهدات نشر في تاريخ نوفمبر 2, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 541: قطعة من الكعك

 

لم يكن تاليس يعرف كيف يكون النظام المعتاد لمآدب نبلاء الكوكبة، لكنه استنادًا إلى ما لاحظه في هذه المأدبة الملكية المقامة باسمه، رأى أن آداب الطعام عند أهل الكوكبة تتفوق بمراحل على آداب أهل الشمال:

 

ففي مرحلة الدخول إلى المأدبة، كان الناس يتنقلون ويحيّي بعضهم بعضًا لكن في نظام؛ ويجلس الرجال بين النساء ويتفاعل الجميع تفاعلًا لائقًا طبيعيًّا؛ ويهرول الخدم والتابعون ويقدمون خدمتهم باهتمام؛ ويحافظ الحراس المناوبون على مظهر خافت حتى يكادوا لا يُرون؛ وحتى المهرجون والمنشدون المدعوون لإضفاء الحيوية على الجو كانوا يعزفون موسيقى مناسبة ويؤدون فقرات معتدلة، لا يتجاوزون إلى المناطق الرئيسية ولا يزعجون الضيوف.

 

وتذكر تاليس المأدبة التي أقامها الملك نوفين في قصر الأرواح البطولية، ولم يملك إلا أن يحس بالأسف على الوغدة الصغيرة لحظة، لكنه تذكر فورًا أنه ما زال مجهولًا هل هي حية أم ميتة، فتحوّل عزاؤه المازح إلى كآبة خالصة.

 

«وصل جلالة الملك!»

 

«يحيا الملك!»

 

«تحيا الملكة!»

 

ودخل موكب الملك القاعة، فدبت الحياة فجأة في قاعة ميندس التي كانت قد هدأت في البداية؛ وارتفعت التحيات والنقاشات كالمد.

 

«بارك احاكم الكوكبة…»

 

«تهانينا على لمّ شمل الأب والابن مع صاحب السعادة الدوق و الملك…»

 

وبدا أن دوامة هائلة تمحورت حول الملك كيسل قد تشكلت في قاعة المأدبة، قوية طاغية. فسحبت كل الضيوف، من الكونتات الفخريين إلى البارونات المعينين، ومن الموظفين المدعوين إلى الضباط الفخريين، من مقاعدهم وجعلتهم يتدافعون كالنمل نحو المركز. ولم يفيقوا من ذهولهم إلا حين دخلوا المنطقة الآمنة وواجهوا الحراس الملكيين الصارمي المظهر.

 

وجثا كثير من الضيوف في الصف الأمامي بخضوع وركعوا تحية، لكن آدابهم اللائقة لم تستطع أن تخفي نفاد صبرهم.

 

«عائلة لوخموراي من نهر دونر تحييك…»

 

«يا جلالة الملك، باسم جميع أفراد مركز شرطة المدينة الشرقية…»

 

«تقدّم قليلًا، حاول جهدك أن يرانا جلالته، لكن لا تتعمد كثيرًا لئلا نكون غير مؤدبين أمام جلالته…»

 

«يا جلالة الملك، هل تذكر هازارد من معركة المذبح؟»

 

واستوعب تاليس كل هذا. وراقب الضيوف حول الملك كيسل يتنافسون على انتباه الملك، ينحنون من الصف الأول إلى الأخير كالقش الذي يُحصد صفوفًا.

 

وحيثما بلغ المنجل، سقط القش.

 

وتذكر تاليس فجأة مسرحية معبد الليل المظلم التي شاهدها في طفولته. ففي المشهد الذي صور وصول الكارثة، كان الحال نفسه مع الممثلين الذين يؤدون أدوار «الناس الطيبين» على المسرح. وفي الحبكة التي خربت فيها الكارثة العالم، ومعها موسيقى حادة قاتمة، كانوا يعوون من الألم ويسقطون أمام الممثلين الذين تنكروا بغرابة في هيئة «الكارثة».

 

والفارق الوحيد أن هذا «القش»، بعد أن سقط، نهض تدريجيًّا ومال بخفاء نحو تاليس، ونظراتهم مكبوحة لكنها معقدة.

 

وكان الملك كيسل متماسكًا وخطواته ثابتة؛ وبجانبه كانت الملكة كيا تومئ برفق وتواصل الابتسام. أحدهما صامت مهيب، والآخر ودود لطيف، ومشيا يدًا بيد عبر الدرجات الثانية نحو المقاعد العليا المواجهة لقاعة المأدبة كلها والمخصصة للعائلة المالكة.

 

وبالطبع، لم يُسحب كل أحد إلى «الدوامة» التي أثارها الملك.

 

فقد جلس دوق بحر الشرق ورئيس الوزراء بوب كولن مبتسمًا ابتسامة عريضة إلى طاولة طويلة في الطبقة الثانية، يحيط به نبلاء تل بحر الشرق المقربون منه. وتدفق سيل لا ينقطع من الموظفين المركزيين والنبلاء المهمين ليقدموا الاحترام لرئيس الوزراء. وتبادلوا التحيات واقترحوا النخب وهم ينتظرون بصبر وصول الملك والأمير، ويمدح بعضهم بعضًا أحيانًا ويتحسر على أن للمملكة وريثًا وأن الكوكبة ستزدهر.

 

وجلس الدوق زايين كوفينديير مقابل رئيس الوزراء كولن. وكثير من صغار البيروقراطيين وأصحاب الأعمال الجدد الثراء الذين اقتربوا من الطاولة الطويلة بترقب لكنهم لم يجمعوا الجرأة على تحية رئيس الوزراء، اختاروا أن يقدموا احترامهم لهذا الوجيه الشاب الذي يقود تل الساحل الجنوبي. وبتشجيع من الدوق، استرخوا تدريجيًّا وتحدثوا معًا براحة. وقبل أن يغادروا، أثنوا على سهولة سيد زهور السوسن ورشاقته وصدقه.

 

وعلى النقيض الحاد من هذه الطاولة، كانت هناك طاولة طويلة أخرى في الطبقة نفسها أكثر وحشة بكثير: وبالأصفاد وبشعر فضي يبلغ كتفيه، جلس دوق الإقليم الشمالي، فال أروند، بهدوء عند أحد طرفيها. وتجاهل النظرات الفضولية الغريبة ممن حوله وشرب وحده. ووقف خلفه بضعة حراس ملكيين يراقبونه عن كثب. وباستثناء الأصدقاء القدامى، لم يجرؤ على الاقتراب لتحيته إلا قلة من نبلاء الإقليم الشمالي الصرحاء والضباط الفخريين الذين قاتلوا إلى جانبه في المعارك.

 

وعند الطرف الآخر من الطاولة الطويلة جلس بلا تكلف دوق أرض الجروف، كوشدر نانتشستر. وراقب سيد قرن الأيل العظيم الضجة التي أثارها الملك بعين باردة، ورفع كأسه أحيانًا إلى الدوق فال الذي يجلس مقابله. وجاء كثير من النبلاء ذوي التواريخ العائلية الغنية والعلاقات الوثيقة بالإقليم الشمالي وأرض الجروف لتحيته، لكن بالمقارنة مع طاولة رئيس الوزراء ودوق زهور السوسن، كانت هذه الطاولة مهملة موحشة إلى حد كبير.

 

وعلى العكس، كانت مقاعد الطبقة الثالثة المجاورة لطاولة الدوقين الطويلة أكثر انسجامًا بكثير. وربما كان الجالسون هنا أقل نبلًا من الدوقات الحراس والكونتات المعينين، لكنهم بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، أهمية. مثلًا سياسيو الإدارة المركزية في مجلس الإمبراطورية، وبيروقراطيو الإدارات المختلفة في مدينة الليل الأبدي، وكبار قادة قطاع الأعمال.

 

وكذلك ملاك الأراضي الوراثيون في الإقليم الأوسط، ومنهم «تابعو النجوم اليشمية السبعة».

 

«إنه حشد كبير حقًّا، أليس كذلك؟» ونظر البارون ستون إلى الملك بلا تعبير: «هناك أربعة دوقات وحدهم…»

 

وتوقف البارون ستون.

 

فقد لمح الشاب المرافق للأميرة إليز وضحك ضحكة خفيفة: «أعتذر، خمسة».

 

«هذا صحيح. زهور السوسن والسيف والترس الشمسيان أفهمهما، لكن قرن الأيل العظيم والنسر الأبيض وكثيرين غيرهما…» وعبّر الفيكونت أدريان من مقاطعة البجع، على الطاولة نفسها، عن موافقته. ونظر نحو السيدة بارني عند الطرف الآخر من الطاولة الطويلة وتنهد. وتركزت نظرته على ابنها و«اللعبة» التي بيديه: «ظننتُ أنني لن أراها مجددًا في حياتي».

 

«عاد السيد الشاب واستقرت المملكة، ومن الطبيعي أن يكون هذا حدثًا باهرًا غير مسبوق، فهناك الكثير مما يُحتفى به»، أجابت السيدة بارني بإتقان وهي تبتسم. وحثّت ابنها بلطف وهو يلعب بشارة النجمة التساعية: «لوثر، اسمعني، ضع هدية الدوق جانبًا الآن. انظر، هناك أشياء كثيرة للعب على الطاولة».

 

وفي مكان آخر، استدار والد دويل، البارون دويل العجوز، وبدأ يشرح بحماسة لموظف سوق على الطاولة المجاورة: «إذن، محصول الحبوب في أرضي هذا العام وفير، حتى إن المخازن تفيض… لكن كما تعلم، أسعار الحبوب المنخفضة تضر المزارعين. فإن استطعتَ أن ترفع أسعار السوق للحبوب المحلية وفق القوانين واللوائح حين يزور الأجانب لشراء الحبوب… أعني، أن تحددها بسعر معقول… آه، أحقًّا؟ أفهم أفهم، عليك أن تتصرف وفق القواعد…»

 

«بالمناسبة، هل ترى الحارسين خلف دوق بحيرة النجوم؟ لاحظ الأوسم… آه، هذا ابني دانيال دويل. يحرس العائلة المالكة بإخلاص، ويثق به الدوق تاليس ثقة عميقة… ولذلك، بوجوده هنا، أشعر كأنني عائد إلى البيت كلما جئتُ إلى قاعة ميندس…»

 

«والطويل الصارم المظهر بجانبه، هذا كاليب غلوفر. صديق ابني المقرب الذي يخدم صاحب السعادة الدوق معه، وهما كالأخوين! وهو أيضًا الأخ غير الشقيق الأصغر للفيكونت غلوفر… أي غلوفر؟ آه، تعلم، فيكونت مقاطعة بحيرة الجبل، لوزانو غلوفر، أحد تابعي النجوم اليشمية السبعة، حجر الزاوية في وزارة مالية المملكة…»

 

«آه؟ ماذا؟ هل غيّرتَ رأيك؟ هل ترى أن أسعار الحبوب المنخفضة تضر المزارعين أيضًا؟ وعليك أن تعود فتراجع القوانين ذات الصلة وتعدل التسعير؟ أقول لك يا سيدي الكريم، عرفتُ أنني لم أخطئ في تقديرك! وبصراحة، أنا مستقيم وواثق من نفسي، ولا أكترث عادة للناس العاديين المبتذلين، ولذلك أقدّر أن أصاحب شخصًا وطنيًّا ومبدئيًّا مثلك يا سيدي الكريم… هنا هنا، اشرب أكثر…»

 

ومع اقتراب الملك وموكبه، توقف كبار الضيوف على هذه الطاولات الطويلة الأنيقة عن حديثهم. ولم يندفعوا إلى الأمام بلا لياقة كما فعل كثيرون من الضيوف الآخرين، لكنهم وقفوا مع ذلك عند طاولاتهم الطويلة وانحنوا احترامًا.

 

«لا حاجة إلى التحية يا جماعة»، وراقب تاليس الملك وهو يمر بمركز القاعة ويصعد الدرجات ويمشي من أكثر المقاعد عادية إلى جانب طاولتي الدوقين الطويلتين، وسمعه يقول: «لو انتظرتُ أن ينتهي كل واحد منكم من تقبيل خاتمي، فلن نستطيع أن نبدأ حتى الفجر».

 

وكانت نبرة الملك لامبالية، لكن مضمونها بقي عالقًا في القاعة.

 

وذُهل تاليس؛ فلمس ظهر يده بلا وعي.

 

لم يكن عليها خاتم.

 

«اضبط سلوكك»، لاحظت العمة إليز بجانبه رد فعله غير المعتاد. ومع أنها كانت لا تزال تبتسم، فقد صارت نبرتها صارمة بعض الشيء: «ربما تستطيع جاينز أن تتصرف بلا اكتراث، لكنك…»

 

وأحسّ تاليس بانقباض في ذراعه.

 

«أنت الأمير. وحين تواجه المملكة كلها، فإن هيئتك وتعبيرك ونظرتك ونبرتك… وكل حركة منك ستُضخَّم بلا حدود وتُفحص بإفراط».

 

وكانت عمته تمسك ذراعه، لكن كلماتها كانت من القوة حتى إن تاليس لم يملك إلا أن يعتدل في ظهره ويعدل وضعه.

 

«البس درعك على نحو صحيح، أو كما تقول جاينز: ارفع ترسك».

 

وأخذ تاليس نفسًا عميقًا وحاول جاهدًا أن تبدو ابتسامته طبيعية.

 

وبإرشاد من رئيس إدارة القصر، البارون كوينتن، وقائد الحرس الملكي أدريان، صعد الملك، والملكة على ذراعه، بألفة إلى الطبقة العليا وجلس بارتياح في مقعده.

 

وواجه الضيوف وأطل على القاعة كلها.

 

وجلس تاليس، بقيادة مالوس وغيلبرت، إلى طاولة طويلة أدنى بطبقة من طاولة الملك. وجلست العمة إليز وجاينز عن يساره؛ ونظرتا إليه بقلق.

 

وعلى بعد بضعة أمتار، ابتسم زايين كوفينديير عند الطاولة المجاورة لتاليس، ابتسامة بدا أنها تحمل دلالات عميقة.

 

ورفعت نظرات لا تحصى أبصارها معًا وتركزت على الجالسين إلى هذه الطاولات القليلة.

 

وكان للضيوف تعابير وردود فعل مختلفة؛ وكان تاليس يرى كل شيء من مكان جلوسه.

 

وبالطبع، من منظور الملك، لا بد أن فعل تاليس كان واضحًا بالقدر نفسه.

 

وأصغى تاليس إلى دقات قلبه، لكنه سمح لذهنه «بغير احتراف» أن يشرد لحظة. وتذكر فجأة، في ذاكرة حياته السابقة، أن لحظة صعود المرء إلى المنصة تحطم كل الحظ والخيال الذي كان لديه في أيام دراسته.

 

فقد تبين أنه في تلك الآلاف من الأيام، تلك الأفعال الصغيرة التي ظننتَ أنها مخفية جيدًا وهادئة وغير ملحوظة، التي فعلتها على المنصة وتحت المكتب، كان المعلمون يرون كل شيء بوضوح، لا يفوتهم شيء.

 

لكنهم ظلوا يتظاهرون بأن شيئًا لم يحدث، ويواصلون التعليم بصبر وبابتسامة.

 

كأن الطلاب في الصف كلهم أطفال طيبون ينصتون بانتباه، أليس كذلك؟

 

وفي هذه اللحظة، حافظ تاليس على ابتسامته ونظر بهدوء إلى «الطلاب الطيبين» في القاعة، وأدرك فجأة أهمية ارتفاع مقعد الملك.

 

«تبًّا، أيها الزومبي، تزحزح قليلًا، وإلا فلن تستطيع الخادمات الجميلات… أعني التابعات، أن يمررن الطعام حين يقدمنه…» قال دويل من بين أسنانه خلف تاليس.

 

«المكان ضيق قليلًا، أليس كذلك؟ هل أُعدّ هذا حقًّا للأمير؟ كان أوسع في مأدبة قصر عائلة بارني…»

 

«أم أن التابعين الشخصيين لا حقوق إنسان لهم…»

 

وبجانبه، رمى مالوس، الجالس إلى الطاولة نفسها مع غيلبرت، نظرة ثاقبة.

 

واختفت شكاوى دويل الهامسة فورًا من أذني تاليس.

 

وهدأت قاعة المأدبة تدريجيًّا.

 

ووقف سيد تل بحر الشرق ورئيس الوزراء، الدوق كولن، مبتسمًا. ورفع يدًا ليوقف الموسيقى قبل أن ينحني للملك، وكاد بطنه البارز أن يدفع الطاولة بضع بوصات.

 

«يا جلالة الملك، لم تُقم في مدينة الليل الأبدي مأدبة ملكية بهذه الفخامة منذ زمن طويل. إنها مناسبة وطنية…»

 

لكن كيسل الخامس اكتفى بتلويح بيده قليلًا، فأعاد كلام رئيس الوزراء إلى فمه بلا اكتراث.

 

«أعلم لماذا أنتم هنا جميعًا».

 

«وأنتم تعلمون بوضوح لماذا أنا هنا أيضًا».

 

وتردد صوت الملك البارد في القاعة، وكما في مجالس الإمبراطورية التي لا تحصى، هبطت درجة الحرارة.

 

«فلا نضيع الوقت».

 

واختنق رئيس الوزراء كولن، الذي أعدّ بوضوح خطبة افتتاحية طويلة، قليلًا.

 

وأسند الملك كيسل ظهره إلى مقعده وقال بهدوء: «لنأكل».

 

وفي القاعة، ذُهل الضيوف الذين حضروا هذه المأدبة الملكية النادرة وهم يتوقعون احتفالًا مبهجًا دافئًا، جميعًا!

 

هاه؟

 

وفي تلك اللحظة، سواء أكان اللوردات والدوقات الهادئون المناسبون، أم السيدات الفاخرات الثياب، أم المؤدون الذين يأملون بحماسة أن يصنعوا اسمًا في هذه المناسبة، أم الحراس والتابعون الذين يحاولون جهدهم الحفاظ على النظام…

 

فقد بدا الأمر كأن دلو ماء بارد سُكب مباشرة على وجوههم.

 

وساد القاعة صمت مطلق؛ وكان الجو محرجًا إلى أقصى حد.

 

وإلى جانب تاليس، تنهدت العمة إليز، وعقد غيلبرت حاجبيه.

 

وبعد بضع ثوانٍ من الصمت، سُمعت همهمات لا تنتهي في القاعة كلها؛ وكان الضيوف يهمسون في آذان بعضهم كطنين النحل.

 

وتسمّر الدوق كولن في مكانه، مشوش الذهن ومرتبكًا قليلًا.

 

وأحسّ تاليس بالجو من حوله. ولم يملك إلا أن يقلب عينيه ويخفض رأسه بلا وعي.

 

يا للعجب.

 

أبي كيسل.

 

لقد قللتُ من شأنك.

 

أنت أعظم مفسد للأجواء في المملكة!

 

لكن، وبمناسبة مفسدي الأجواء…

 

سيكون من اللطيف لو كان الدوق فاكنهاز هنا. فصاحب النكات الساخرة مثله لا بد أنه يعرف ماذا يقول في موقف كهذا.

 

ووسط الطنين الصاخب، كان لكل ضيف رأي مختلف.

 

«أتعلم، لم يكن كيسل هكذا من قبل…» وأمالت العمة إليز نفسها قرب أذنه وهمست بحرج وهي تشرح: «لعل السبب أن العائلة المالكة لم تقم مأدبة منذ زمن طويل جدًّا…»

 

وعلى طاولة تابعي النجوم اليشمية السبعة، تجاهل الفيكونت باترسون العجوز النظرات المذعورة لابن أخيه، وسخر باحتقار وقلة احترام: «مهما مرت السنوات… وحتى بتاج على رأسه، ما زالت خطب ذلك الفتى فظيعة».

 

«وأظن أنه حين يهم بمضاجعة سيدة، فهذا ما يقوله: هيا نفعلها».

 

وأربك هذا الضيوف على الطاولة نفسها، فابتسموا لكنهم لم يقولوا شيئًا.

 

حتى أجاب الفيكونت أدريان بما يناسب: «بسيط وفعال، ومباشر إلى الهدف».

 

«إن جلالته حقًّا قدوة لنا جميعًا».

 

وسخر الفيكونت باترسون وتمتم بتهكم: «لنا جميعًا؟»

 

وعلى الجانب الآخر، التفت البارون ستون وأومأ بلا تعبير: «لنا جميعًا».

 

وفي مكان أبعد، عند الطاولة المخصصة للضيوف الأجانب، ومض بريق في عيني المدير جورج من مدينة إيلافور الشمالية: «هذا الملك لديه جرأة حقًّا…»

 

وضحك صاحب اللحية، متجاهلًا نظرات من حوله: «تبًّا، بدأتُ أحبه».

 

وظل هذا المشهد بضع ثوانٍ جيدة، حتى زفر الدوق كولن وسعل عدة سعلات ليكبح الثرثرة المتصاعدة. وعاد إلى نصحه الجاد الحسن النية: «يا جلالة الملك، لكن بحسب العرف، عليك أن تقدم نخبًا وتلقي خطبة في بداية المأدبة…»

 

ورفع الملك كيسل بصره ببطء، كأنه يستيقظ من سبات عميق: «حقًّا؟ كدتُ أنسى تمامًا».

 

وأومأ الدوق كولن مبتسمًا: «هذا صحيح. تذكر المآدب التي حضرتَها في شبابك. كان كثير منها يُقام هنا، أليس كذلك…»

 

وضيّق الملك عينيه، وصوته مهيب كما كان؛ فلم يملك الجميع إلا أن يتجهموا: «لكن لم يكن دوري في الكلام آنذاك قط، أليس كذلك؟»

 

وارتجف دوق بحر الشرق: «يا جلالة الملك، هذا…»

 

وكان وجهه شاحبًا وفمه يفتح ويغلق لكنه لا يجد جوابًا.

 

وراقب تاليس محاولة الدوق كولن أن يراعي الأثر العام ويحفظ هيبة الملك، وكيف انتهت بحالته المحرجة من العجز عن الكلام، ولم يملك إلا أن يشعر بالأسف عليه.

 

وأن يكون هذا الجد المسكين رئيس الوزراء وربما يُوضع في موقف حرج من الملك كيسل كل يوم في مجلس الإمبراطورية…

 

«حسنًا»، قال الملك كيسل بخفة. وترك رئيس الوزراء المسكين وشأنه ونظر إلى المقاعد الواقعة أسفل بطبقة: «يا بني، افعلها أنت».

 

والتقى تاليس بنظرة الملك، ووفقًا لغريزة تدريبه على الآداب، أومأ بلا وعي لجلالة الملك ردًّا.

 

آداب مثالية، وابتسامة مناسبة.

 

ليُظهر ولاءً لا يتزعزع.

 

لكن…

 

هاه؟

 

وبعد جزء من الثانية، أفاق دوق بحيرة النجوم الشاب وتجمدت ابتسامته.

 

لحظة.

 

ماذا قال للتو؟

 

أف-أفعل ماذا؟

 

وفي اللحظة التالية، أطبقت نظرات كل من في القاعة عليه بالإجماع!

 

كأن شفرات لامعة لا تحصى تأخذه رهينة.

 

وزفر الدوق كولن وجلس وهو يرتجف.

 

وخفض الملك رأسه من جديد وبدأ يعبث بكأس النبيذ في يده، كأن ما حدث قبل قليل لا علاقة له به.

 

وأدرك تاليس الوضع الحالي.

 

والتفت بتصلب فرأى نظرة الملكة كيا المترقبة، ونظرة جاينز المصدومة القلقة، وتعبير غيلبرت المتوتر، ومالوس الذي يبدو غارقًا في التفكير، وعددًا لا يحصى…

 

«تاليس».

 

ونكزت الأميرة إليز ذراعه تحت الطاولة، وابتسامتها لا تتزعزع، هادئة كعادتها، وتمتمت بخفوت دون أن تحرك شفتيها: «أسرع، لا تتردد، ألقِ خطبة».

 

«قل أي شيء».

 

وبعد بضعة أشهر من التدريب، ودون حاجة إلى تذكير آخر، نهض الأمير تاليس غريزيًّا.

 

وبفضل دروس الآداب من جاينز، كانت هيئته أنيقة ونظرته هادئة.

 

وتاليس وحده كان يعلم أن هذا كله زائف.

 

ففي هذه اللحظة، كانت خطيئة نهر الجحيم تساعده بيأس على تثبيت ردود فعل جسده، من مفاصله وعضلاته إلى أوعيته الدموية ودقات قلبه…

 

كمجصّص مسكين يلهث ويهرول جيئة وذهابًا، يسد الثقوب فور ظهورها لكنه يعجز عن منع السقف من التسرب.

 

وأخذ تاليس نفسًا عميقًا، وبينما حافظ بيأس على ابتسامته الهادئة، بدأ يعصر ذهنه.

 

ليس هذا صحيحًا. خطبة؟ أي خطبة؟

 

هل كان هذا البند في البرنامج؟

 

لم يذكر أحد ذلك في بروفة المأدبة!

 

وأدار تاليس عنقه بتصلب، وهو ما بدا للمراقب الخارجي هدوءًا ورباطة جأش، ورفع كأس النبيذ الذي فيه شيء من النبيذ لا يعرفه ولم يجد وقتًا ليعرفه.

 

ونظر حول القاعة إلى أزواج العيون المليئة بمشاعر مختلفة: الشك والفضول والترقب والحماسة والشماتة…

 

وكانت خطيئة نهر الجحيم حائرة وتتغير مرارًا، لكنها ما زالت لا تعرف ماذا يريد سيدها في تلك اللحظة: قوة انفجارية؟ سرعة؟ تحملًا؟ رشاقة؟ حواسًّا مشددة؟ توازنًا؟

 

أم عدم الخوف الذي يقاتل حتى الموت بلا تراجع ويقضي على كل ما في طريقه قبل أن يتوقف؟

 

وكافح تاليس ليكبح الشراسة المتصاعدة في خطيئة نهر الجحيم، التي زادها التأخر في العثور على هدفها اشتدادًا.

 

فهذه في النهاية لم تكن معركة حياة أو موت.

 

وابتسم تاليس باستياء، ورفع كأس نبيذه، وأومأ قليلًا، ثم تنحنح ليقتل الوقت.

 

لا، كان هذا أصعب بكثير من المعركة.

 

المعركة؟ أن تتعامل مع منافسين كقاتل النجوم، وغراب الموت، والجناح الأسطوري، وفارس القضاء؟

 

هذه قطعة من الكعك!

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.