الفصل 540: لا تركع أبدًا
حين خطا الملك داخل قاعة ميندس، كافح تاليس ليتنفس.
وأحسّ ببرودة خفيفة وركبتاه تستقران على سجادة قاعة ميندس.
وجاء من الأمام صوت خطوات كثيرة؛ إحداها تتقدم بثبات إلى الأمام، وتتبعها الأخريات بتقطع.
وسمع تاليس نفسه يتنفس بوضوح وأدرك لأول مرة كم كان تنفسه قاسٍ.
«انهضوا جميعًا»، أمر صوت مألوف، مهيب كما كان: «هذه مأدبة، لا مجلس الإمبراطورية، فتلك العصبة من العجائز مزعجة بما يكفي».
ولم يجرؤ أحد على الرد.
لوهلة، كان كأن دوق بحيرة النجوم نُقل إلى ما قبل ست سنوات، حين دخل قاعة ميندس أول مرة بسذاجة.
كانت تلك أول مرة يلتقي فيها بالملك كيسل. وكان الجو المهيب ثقيلًا كأنه قادر على تحطيم بلاط الأرض، فجعل المتسول الطفل حينذاك غير مرتاح وعاجزًا عن الكلام.
وحدق تاليس بثبات في نقش السجادة، فلا ينبغي أن تكون هناك أوتاد حديدية تحتها. وأدرك الدوق بمرارة أنه بعد ست سنوات من الخبرة والمعاناة، وحين يعاود المشهد نفسه الظهور، لم يخف الثقل الذي يشعر به إطلاقًا، بل صار أرسخ.
فالملك نوفين، والملك تشابمان، ومن بين كل أعدائه الذين كان يخشاهم، لم يمنحه أحد منهم هذا الشعور.
لماذا؟
لماذا كان الأمر هكذا؟
وأبقى تاليس رأسه منحنيًا.
ومن الضيوف إلى التابعين، ومن الحراس إلى الخدم، حيّا الجميع بصوت خافت؛ وكانت أصوات تقديم الاحترام تُسمع بلا انقطاع.
لكن ذلك لم يرخِ تاليس قدر ذرة.
وأخيرًا، توقف الحذاءان الريفيان الباهظان أمامه.
واستقرت قاعدة عصا الكوكبة على السجادة، كأنها على وشك أن تضرب جذورًا.
وبعد ما بدا قرنًا، ظهرت راحة أمام تاليس.
وعلى اليد، كان الخاتم البرونزي الذي يدل على السلطة الملكية يلمع قليلًا.
وغرق تاليس لحظة في شرود: فقد رأى ملك القبضة الحديدية يدخل قاعة النجوم في المؤتمر الوطني قبل ست سنوات، وأتباع المملكة يركعون ويقبلون خاتمه دلالة على الولاء.
وأخذ دوق بحيرة النجوم نفسًا عميقًا. ونزع قفازيه وأمسك الراحة الممدودة، وهو يستعد لتقبيل خاتم الملك وفق الآداب.
لكن، على غير ما توقع تاليس، أمسك الملك يده بدلًا من ذلك ومنعه.
ورفع تاليس بصره بدهشة. فرأى عينين زرقاوين عميقتين تنظران إليه بنظرة باردة مهيبة.
«حين كنتَ في الشمال»، تكلم الملك كيسل ببطء، ونبرته عادية لكن مضمونها ثقيل كالرصاص: «في مواجهة الملك نوفين، وفي مواجهة الملك الجديد، وفي مواجهة إكستيدت كلها…»
«هل ركعتَ؟»
وصُدم تاليس.
والتقى نظرة تلك العينين الزرقاوين بلا قرار لثانية وأحسّ بالعزم والكرامة تحتهما. وابتلع ريقه وأجاب: «لا».
وأضاف الفتى المخاطبة بصعوبة بالغة: «يا جلالة الملك».
وفي اللحظة التالية، أحسّ تاليس بثقل على ذراعيه وهو يُرفع عن الأرض رغمًا عنه!
«إذن لا تكتسب هذه العادة السيئة»، قال كيسل ببرود. وكان الجو المهيب باردًا حتى بدا قادرًا على أن يتجمد ويتكثف على الجدران.
ولم يكن لدى تاليس وقت ليتفاعل أو يفكر.
«بصفتك من آل جايدستار»، نظر الملك إلى وريثه بلا تعبير: «حتى لو قطعت ساقاك،
«لا تركع أبدًا».
وتشكلت بين الجموع همهمة عابرة، ثم تلاشت فورًا إلى سكون.
«خصوصًا…» وأرخى ملك القبضة الحديدية قبضته. ونظر إلى صور ملوك الكوكبة الثلاثة، ثم توقف، ثم نظر إلى الثريا فوقه والأثاث الداخلي للقاعة، ومشاعره غير مقروءة: «هنا».
وذُهل تاليس قليلًا، وهو المعتاد على الهالة الثقيلة المحيطة بالملك.
لم يجعلني أركع، ولم يجعلني أقبّل يده.
الملك الأعلى في الماضي بنشاطه الغامر وخطواته الثابتة.
واليوم، هذا…
وظل الجمع الراكع للتحية يحني رؤوسه، وأفكارهم مجهولة.
وحدق تاليس في أبيه متسائلًا، لكنه أجاب بطاعة: «نعم».
وأحسّ بتحول في الجو، فأضاف تلقائيًّا: «يا أبي».
ونظر إليه الملك كيسل؛ ولم يُبدِ رأيًا بل اكتفى بإحكام قبضته على عصاه من جديد.
وبدا التفاعل بين الملك والأمير كأنه أمر؛ فنهض الجمع حولهما تدريجيًّا وأدوا واجباتهم بعد وصول الملك.
وحيّا قائد الحرس الملكي المرافق للملك كيسل، اللورد أدريان، تاليس بابتسامة، ثم بدأ يتحدث مع مالوس بأصوات خافتة.
وكان تاليس لا يزال غارقًا في التفكير، فيما لم يتوقف الملك كيسل ولم يتبادل التحيات وهو يتجاوز تاليس ويمضي.
كأن ما حدث قبل قليل مجرد فاصل قصير للعائلة المالكة.
حتى توقف الملك في مكانه، وهو يواجه الشخص الوحيد في القاعة الذي رفض الركوع أو التحية ولم يكلف نفسه التظاهر.
كان فال أروند، كعمود قبيح مثبت بإحكام في أرض قاعة ميندس، يحدق في صديقه القديم دون أن ينطق بكلمة.
وكان تاليس يشمّ رائحة قلق خفيفة.
ولم يتكلم الملك كيسل هو أيضًا. بل حدق في صمت في الدوق، وحوّل نظره أحيانًا ليلقي نظرة على أصفاد الأخير.
والتقت نظرتاهما في منتصف الهواء.
وفي تلك اللحظة، تجسد في نظرتيهما الكثير.
وصمت كلاهما ضمنيًّا، فأقلق ذلك التابعين حولهما وأحرجهم.
حتى قطع الصمت صوت امرأة لطيف مبهج: «لا يُصدّق، هل هذا تاليس الصغير؟»
والتفت تاليس ببطء ليواجه سيدة دخلت مع الملك وتحيط بها جمهرة من النساء.
وتوتر.
وكانت السيدة ترتدي ثيابًا باذخة. وسلوكها أنيق لكنه حيوي. وفي عينيها دهشة وهي تتفحص تاليس: «في غمضة عين، مرت السنوات. انظر إليك… هل تذكرني؟»
ونظر تاليس خلف السيدة. فأومأت له جاينز، التي ترتدي الثوب القياسي لموظفات البلاط، بتحية خفية وتعبير جاد.
وابتسم الفتى وأمسك يد زوجة أبيه بمشاعر مختلطة لكنها دقيقة، وانحنى: «يا جلالة الملكة، ما زلتِ رشيقة كما كنتِ».
وكان في عيني الملكة كيا بريق. ونظرت إلى تاليس ثم التفتت وقالت لإحدى مرافقاتها: «أرأيتِ يا إليز، عرفني من النظرة الأولى. وكان حينها صغيرًا جدًّا…»
وكانت الملكة مشرقة، ذات ابتسامة عذبة، تتكلم بطلاقة، طبيعية ودودة، مما ترك لدى الجميع انطباعًا أول حسنًا.
لو أن تاليس لم يرها قبل ست سنوات.
«بالطبع»، نظرت سيدة أخرى ذات ملامح رقيقة كانت ترافق الملكة إلى تاليس: «الأمير تاليس معروف دائمًا بذكائه».
وكانت السيدة التي ترتدي ثوبًا داكنًا وشالًا من المخمل أنيقة بالقدر نفسه، مع مسحة من السكينة.
«حتى في الشمال».
وحدق تاليس بصمت في المخمل.
وأمسكت كيا يدي تاليس وهي تتفحصه من رأسه إلى قدميه. وتنهدت والتفتت إلى جاينز وقالت بنبرة منزعجة: «آه يا جاينز، كان ينبغي أن تدعيني أحضر الأطفال. ربما ليديا شقية قليلًا، لكن كان بوسعي على الأقل أن أحضر لوثر وأدعه يتعلم من أخيه، يتعلم كيف يكون أميرًا جيدًا…»
وعند ذكر هذه الأسماء، تجمدت ابتسامات من حولهم.
وبدت الموظفة جاينز كأنها وُضعت في موقف حرج. وتبادلت نظرة عارفة مع السيدة ذات المخمل ثم قالت بنبرة ملحة نوعًا ما: «كيا…»
وكان الخدم الذين سافروا من قصر النهضة قد وصلوا إلى تفاهم ضمني؛ فتقدمت خادمتان بهدوء.
لكن الملكة ظلت ممسكة بتاليس تقيّمه، وغير راغبة في تركه وهي تعجب بابن زوجها: «فهم في النهاية أطفال العائلة المالكة، فماذا سأفعل بهم حين يكبرون…»
وفي تلك اللحظة.
«كيا».
ناداها صوت عميق، كإحكام مفاصل بوابة المدينة.
وفي اللحظة التالية، توقف كلام الملكة كيا الحماسي.
والتفتت بتعبير خجول ونظرت إلى ظهر الملك.
ومد الملك كيسل ذراعًا بصمت.
ونظرت الملكة إلى تاليس نظرة اعتذار قبل أن تتقدم بطاعة لتمسك ذراع زوجها.
«فال»، نظرت كيا إلى الدوق فال، الذي يقف مقابل الملك، وفي عينيها بريق كأنها تحيي صديقًا قديمًا، وكأنها لم تلاحظ الأصفاد في يديه: «كيف حالك؟»
وذُهل دوق الإقليم الشمالي، الذي كان يحدق في الملك كيسل، قليلًا. ونظر إلى الملكة، وزال عبوس ما إن تشكل.
وأخيرًا رد فال باحتقار: «لا يمكن أن أكون أفضل».
وعند هذه الكلمات، استدار الدوق أروند ومشى نحو قاعة المأدبة دون أن ينظر إلى الوراء؛ ولم يحتج إلى إرشاد، كأن ذلك أمر روتيني له.
وبنظرة من مالوس، تبعه غراي باترسون وبضعة حراس آخرين مسؤولين عن مرافقة السجين عن كثب وظلوا متيقظين.
«لنذهب»، حدق الملك كيسل في هيئة صديق طفولته وهي تبتعد وقال بنبرة جادة: «لا بد أن أحدًا نافد الصبر».
وتقدم الملك بخطى واسعة. ومن غير أي أمر من قائد الحرس أدريان، تبعه الحراس الملكيون المرافقون لجلالته في صمت من جانب. وكانت تعابيرهم لا تتغير وهيئاتهم طبيعية، منضبطة لكنها غير بارزة.
وبالمقابل، حتى لو كانوا من المصدر نفسه، سواء في الرشاقة أو الأسلوب، فإن حرس بحيرة النجوم خاصته…
«هل هو أنا فقط»، وراقب دويل، خلف تاليس، مشهد تحيات العائلة المالكة بحذر وهمس لغلوفر: «أم أن قاعة ميندس صارت أبرد حقًّا؟»
ونظر غلوفر إلى العرق المتشكل على جبين دويل وهمس ردًّا: «لست أنت فقط».
وتنهد تاليس.
وفي اللحظة التالية، أحسّ بقبضة على ذراعه اليسرى.
«هل تمانع أن تعيرني ذراعًا؟»
والتفت تاليس مذعورًا. فرأى السيدة ذات شال المخمل تمسك ذراعه بابتسامة.
«العمة… إليز».
ونظر تاليس إلى ابنة الملك السابق بالتبني التي قابلها مرة واحدة قبل ست سنوات بمشاعر معقدة. ووقعت نظرته على كتفها؛ وأحسّ بألم شبحي من ندبة في صدره.
وقال بلا صدق: «الشال جميل».
وأجابت إليز بابتسامة أنيقة جذابة: «شكرًا لك. وأنت كبرتَ أيضًا، صرتَ رجلًا حقًّا».
وتبع تاليس، وذراعه ممسكة بها عمته، الملك والملكة تلقائيًّا. وتبعهما تابعوه ومرافقوه.
«لا تقلق»، وعلى نقيض تصلب تاليس، كانت خطوات إليز هادئة وابتسامتها مناسبة: «ستعتاد».
ستعتاد.
وعلى ماذا؟
وتنهد تاليس في داخله. هل عليه أن يعتاد شخصية أبيه المنفرة بالفطرة، أم يعتاد دائرة النبلاء المعقدة في العاصمة؟
وكانا على بعد خطوات خلف الملك وهما يتجهان نحو قاعة المأدبة بحراسة مشددة.
وفجأة صارت نبرة إليز باردة: «ابتسم».
وذُهل تاليس.
«إن ذهبتَ إلى المعركة، فستحتاج إلى درع كامل»، وواصلت إليز إظهار ابتسامة حنون لمن حولها، لكن نبرتها صارت متعالية: «وفي ساحة المعركة هذه، الابتسامة خير درع».
وعبس تاليس.
بدا هذا مألوفًا.
لكن قبل أن يتمكن من استنتاج السبب، التفتت إليز ونظرت نحو من يرافقونهما بتحفظ.
«لم أهنئك يا تورموند». ونظرت إليز إلى مالوس بدفء: «يسرني أنك صرتَ حارسًا ملكيًّا ثم قائد حرس تاليس الشخصي».
وأومأ اللورد مالوس برفق، وتعبيره ونبرته هادئان: «السيدة إليز».
لكن إليز هي التي تأثرت بعد أن تفحصت الحارس. «كان أبوك سيفخر بك». وتنهدت سموها: «كان أكبر أمانيه أن يرى عائلتكم تعود إلى اليشم الس…»
ورفع مالوس صوته فجأة وقاطع إليز: «ادخلي مع جلالة الملك يا صاحبة السعادة. هذه مأدبة استقبالك، ولا تريدين أن تفوتك».
وأومأ مالوس لتاليس وأسرع ليلحق بأدريان.
وحافظ تاليس بثبات على خطوه بجانب الأميرة وقال متأملًا: «أنت صديقة قديمة مع قائد حرسي؟»
ونظرت إليز إلى ظهر مالوس وأومأت ببطء.
«قبل انحدارهم، كان آل مالوس “الشفرة” نافذين بين تابعي النجوم اليشمية السبعة في الإقليم الأوسط، ويملكون سلطة طاغية على مستويات المجتمع كلها. وفي سجل نسبهم ثلاثة ألقاب بارون منحتها العائلة المالكة، ويقال إنهم كانوا على قدم المساواة مع عائلة بارني “الفرس الجامح”»
وبدا أن إليز تنهدت: «وحين كان الملك السابق لا يزال بيننا، اقترح الفيكونت مالوس العجوز زواج ابنه الأكبر من الأميرة كونستانس».
«الشفرة» مالوس.
تابع نافذ للعائلة المالكة من تابعي النجوم اليشمية السبعة.
وأدرك تاليس لأول مرة معنى لقب عائلة قائد حرسه الشخصي. فلم يملك إلا أن يعبس.
«من البكاء إلى التهديد بشنق نفسها إلى الهرب من البيت، أثارت كونستانس ضجة هائلة. وباختصار، كان الأمر قبيحًا فوضويًّا… وبعد أن فشلت الخطبة، شعر الملك السابق بالأسف، فارتأى أن يقدم ثاني أفضل شيء وسألني هل أنا مستعدة للزواج من عائلة مالوس».
وارتجف تاليس قليلًا.
«تقصدين…» ونظر تاليس إلى عمته ثم إلى ظهر مالوس، وهتف: «أنتِ و… هو؟»
وابتسمت إليز ببساطة. وعلى نحو غريب، بدت في تلك اللحظة شاحبة ذابلة.
وبعد جهد، تمكن تاليس من سحب دهشته.
إذن تورموند مالوس، قائد حرسه الشخصي المفضل، كاد يصبح عمه؟
ودوّن تاليس ملاحظة لنفسه بأن يجبر دويل على أن يبوح بكل نميمة عن رئيسه.
«وماذا حدث بعد ذلك؟» سأل تاليس.
«بعد ذلك وافقتُ»، أجابت الأميرة بهدوء.
«لكن ربما بسبب الحنق، أو لأن أميرة بلا دم ملكي لم تلبِّ توقعاتهم، رفض الفيكونت مالوس العجوز الملك السابق وتوجه بدلًا من ذلك إلى الدوق أروند من الإقليم الشمالي ليقترح الزواج».
وطرف تاليس بعينيه.
يا للعجب.
فالابنة بالتبني انحنت وامتثلت بطاعة ووافقت على الزواج بدل الابنة الحقيقية العنيدة، لكن جانب العريس رفضها بحسم.
وبصرف النظر عن هذا التاريخ القديم…
كم كان آل مالوس أقوياء حينها؟
ونظر تاليس بحذر إلى عمته، فوجد أن ابتسامتها ما زالت ودية وهي تومئ أحيانًا لتحية الضيوف على الجانبين، ولا تحس بأدنى إحباط من الإهانة والحزن الماضيين.
وتذكر تاليس فجأة أن زوج إليز مات في سوق الشارع الأحمر قبل ست سنوات، وكان الجاني…
ونظر تاليس إلى عمته وفهم أن زواجها اللاحق لم يكن كاملًا هو أيضًا.
ولما فكر في ذلك، أحسّ تاليس بفيض من التعاطف.
«لكن آل مالوس لم يعودوا من تابعي النجوم اليشمية السبعة، فكيف… انحدروا؟» وتنحنح تاليس وهو يفكر في أن يغير الموضوع إلى شيء قد يسرّ عمته.
لكن إليز هزت رأسها وأجابت دون أثر من البهجة: «العام الدامي».
وتجمد تاليس قليلًا.
وكانت إليز تحجم عن قول أكثر من ذلك فحوّلت الموضوع: «وبالمناسبة يا تاليس، هل لاحظتَ سيدات شابات طيبات في السنوات التي قضيتَها في الشمال؟»
وتوقف تاليس.
في السنوات التي قضاها في الشمال…
«سيدات شابات طيبات؟»
«نعم». وأومأت إليز بابتسامة: «حتى بعد عودتك من الأرض الشمالية، لم تتوقف العاصمة عن الحديث في هذا».
وتذكر تاليس فجأة تلك الفتاة الصغيرة الحمقاء التي اختبأت في المكتبة، متسخة من رأسها إلى قدميها.
والدوقة الكبرى بعد سنوات التي رفعت خاتم الملك نوفين في قاعة الأبطال وزأرت كلبؤة لتقود القوات.
لكن عندما فكر في حملتها العسكرية الفاشلة الحالية وعدم التأكد هل ما زالت حية، هبط مزاج تاليس إلى الحضيض.
تلك الفتاة… هل ستنجو؟
وسيطر على نفسه فورًا.
«بالطبع»، رفع تاليس بصره، وتعبيره لا يتغير: «الآنسة جيني جميلة ومفعمة بالحيوية ومرحة وممتعة. نحن مقربان جدًّا وأستمتع بالسفر معها أكثر من أي شيء».
وتعثرت خطوات الأميرة إليز.
وساد الصمت من حولهما كلهم.
«جيني؟» وعبست إليز وهي تكرر الاسم.
مقربان جدًّا…
والسفر معها…
وفتاة من الشمال…
ورمى دويل نظرة ماكرة إلى غلوفر، كانت دهشة في البداية وصارت فهمًا.
وكما هو متوقع، تجاهلها الأخير.
وألقت الأميرة إليز نظرة تحذير على المتنصتين حولها.
«لم يكن ينبغي أن تجيب مباشرة، فسيجلب هذا عواقب».
وسُمعت همهمة منخفضة من الحديث بين الخدم والحراس والضيوف، كطنين النحل، وانتشرت مع صوت الخطوات الآتية الذاهبة.
ولم تكن جسامة هذا الخبر موضع شك.
وشدت عمة تاليس قبضتها على ذراعه، ولم تملك إلا أن تميل أقرب بحذر وتهمس: «إذن، من أي عائلة شمالية… جيني؟»
وفي الوقت نفسه، ومع أنهم كانوا مفصولين بإحكام، أدار المتنصتون المحيطون آذانهم نحوهما، متجاهلين نبرات أوامر الحراس الملكيين المنزعجة.
لكن تاليس رفع صوته غير مكترث، ولا نية له في إخفاء علاقته العاطفية في أثناء وجوده في الشمال: «لا أعرف».
وواصل بلا مبالاة، مسببًا جولة أخرى من الهمس: «لكن بحسب هيئتها ولون فروتها وخطوتها وشهيتها وتغوطها ودلالها في علفها وإسطبلها وسائسيها»، وتذكر تاليس النقاط الأساسية في تقييم الخيول من دروس الفروسية عند نيكولاس، وأجاب بصدق: «فهي على الأرجح من النبلاء».
وذُهلت عمته لحظة.
«لون الفروة، والإسطبل…» وضيّقت إليز عينيها وردّت فعلها ببطء: «جيني… حصان؟»
والتفت تاليس وضحك: «حصان جيد».
وفي اللحظة التالية، أطلق الذين كانوا يتنصتون عمدًا تنهيدة خيبة أمل جماعية وتفرقوا تدريجيًّا.
ونظر تاليس بارتياح إلى نظرة إليز الغريبة وإلى تعابير الإحباط على من حولهم.
صحيح، جيني حصان جيد…
لا.
كانت تتخلص من قيودها في منتصف الليل، وتتسلل لتأكل علف الليل في مذاود أخرى، فتجعل الجميع في قصر الأرواح البطولية قلقين يقظين من لص. ولم تنكشف الحقيقة إلا حين اكتشفها أيدا وهو يسرق قطعة من فخذ الدجاج في عتمة الليل…
شرسة متسلطة أمام ويا رالف، وطائعة بريئة أمام تاليس ونيكولاس، سيئة المزاج لدى رؤية السائس بالسوط والرَّسَن، ودودة لدى رؤية السائس بالتبن والفرش…
فأي جزء من الآنسة العظيمة جيني يمكن أن يرتبط بكلمة «جيدة»؟
(وفي إسطبل في الأرض الشمالية، عطست فرس أنيقة. ورفعت رأسها بيقظة من المذود، وبرفسة خلفية رشيقة دفعت حصان حرب غاضبًا إلى زاوية، ثم واصلت سرقة علفه الليلي).
وبعد بضع ثوانٍ، ابتسمت إليز بارتياح: «أحسنتَ. ومع أنك أُصبتَ في موضع الألم، فقد عالجتَ الأمر بهدوء وفكاهة».
وحدقت في ابن أخيها غير الدموي: «الآن… أنت مدرع بالكامل».
أُصبتَ في موضع الألم…
وأحسّ تاليس بانقباض في قلبه.
وابتسمت إليز ابتسامة خفيفة، ودون أن تشير إلى الفيل في الغرفة، اكتفت بالإمساك بذراعه ومواصلة التقدم.
«آه كم أشتاق إليه»، وسحبت إليز نظرها بتأثر من صور ملوك الكوكبة الثلاثة: «في الماضي، كانت عمتك الصغرى تجرني إلى هنا كثيرًا لألعب».
«عمتي الصغرى؟» وتحرك تاليس قليلًا: «كونستانس، أي نوع من الفتيات كانت؟»
وصمتا لحظة.
ووجهت إليز نظرتها الضبابية نحو ماضٍ لا تستطيع العودة إليه.
«كونستانس، لم تكن ممن يجلسون ساكنين هادئين. في كل مرة كانت هنا، كانت إما تقفز أو تهدم شيئًا. ولم أستطع إلا أن أتظاهر بالمرض لأتجنب حماستها، إلى حد أن ولي العهد ميدير المراعي لغيره أعد لي “جناح مرضى” خاصًّا».
كونستانس، تقفز، تهدم شيئًا…
وفكر تاليس في الرماد والجرار في ضريح عائلة جايدستار وعبس.
«ولما رفضت الخطبة»، أطلقت إليز نوبة ضحك: «هربت من البيت أربع مرات، وأرادت حتى أن تأخذني معها. مرتين أعادها اللورد زاكرييل إلى البيت، ومرة جاينز، وفي المرة الأخيرة اضطر ولي العهد ميدير نفسه إلى فعل ذلك… ولم يتحمل جلالة الملك السابق أن يضربها ولا أن يضرب السيدة أيدا التي ساعدتها سرًّا، فاكتفى بأن سمح للورد زاكرييل بجلد كيسل الذي تواطأ معها…»
وتوقفت إليز عند هذه النقطة. ونظرت إلى الملك في الأمام، ثم تنهدت وواصلت: «وأفكر الآن أن الأيام التي هربنا فيها من البيت معًا وجعنا معًا في الشوارع، آه، لم تكن سيئة إلى هذا الحد».
وكان تاليس مستغرقًا في الحكاية.
«يبدو أن كونستانس»، قال تاليس بخفوت: «فتاة حيوية ظريفة».
«حيوية ظريفة؟» وضحكت إليز: «أنت لم تكن قط في الطرف المتلقي لمقالبها…»
«حين رسمت قطة لطيفة على درع هوراس. رأى المعسكر كله ذلك لكن لم يجرؤ أحد على الكلام. وانتهى الأمر بأن أخبره أسير…»
«وبسبب قلقها من ألّا يجد الأخ الثالث زوجة، كتبت رسائل حب إلى زوجات الأخ المحتملات اللاتي وافقت عليهن باسم بانكروفت ورتبت مواعيد معهن…»
«وبسبب ظنها أن هيرمان مغرور جدًّا، استبدلت عطره ببول الكلاب حين كان مصابًا بزكام ولا يشم شيئًا…»
«وبسبب اهتمامها بما يفعله الكبار في الفراش، تبعت كيسل إلى سوق الشارع الأحمر، واختبأت تحت سريره وقفزت في منتصف الأمر لتسأله عن رأيه…»
وضحك تاليس على هذه الطرائف.
«ولم يستطع كبحها إلا ولي العهد ميدير»، هزت إليز رأسها: «ومع ذلك، تمكنت كونستانس من أن تتغلب عليه. فقد نجحت في رش رذاذ فلفل متأخر المفعول على كرسي ميدير المتحرك. وفي النهاية صار هيكلًا خاويًا وحضر مجلس الإمبراطورية يومًا كاملًا دون أن يتغير تعبيره…»
وكان تاليس لا يزال يضحك، لكنه أدرك شيئًا وتجمد.
«العمة إليز، ذكرتِ…» وعبس تاليس وقال بخفوت: «كرسي ميدير… المتحرك؟»
وهبط الجو بينهما.
وبعد بضع ثوانٍ، عبست إليز: «ألم تكن تعلم؟»
وضيّق تاليس عينيه.
«هذا صحيح»، وتنهدت إليز تنهيدة طويلة: «هذا تاريخ قديم على أي حال، ويتعلق بمن رحلوا، فمن الطبيعي ألّا تعرفه».
ونظر دوق بحيرة النجوم حوله بلا وعي. وأدرك متأخرًا أن منحدرات عريضة بُنيت على كل الدرجات في قاعة ميندس.
يبدو أنها… لم تكن للزينة فقط؟
«و…» تكلمت إليز بخفة وهي تحدق في الفراغ. وفي تلك اللحظة، بدا أنها قطعت ضجيج العالم الخارجي وانغمست في الماضي.
«مع أن ابتسامته كانت دائمًا الأدفأ، المهتمة الغافرة الرحيمة بالجميع، ومع أن كتفيه كانتا دائمًا الأمتن، تسندان الجميع وترفعانهم وتحميانهم،
«ومع أنه كان متعاطفًا لطيفًا إلى هذا الحد، لم يستطع أحد حقًّا… أن يفهم ألمه».
والتفت تاليس ونظر إليها بصدمة.
«هذا صحيح،
«تعرض ولي العهد ميدير لحادث في رحلة وهو شاب»، واصلت إليز بخفوت: «ومنذ ذلك الحين، أصيبت ساقاه ولم يستطع المشي جيدًا،
«واضطر إلى استخدام كرسي متحرك لبقية حياته».
ماذا؟
وصُعق تاليس.
ميدير جايدستار.
المالك السابق لقاعة ميندس.
الذي كان يومًا وريث العرش الأعلى، الأمير الحكيم الذي أُشيد به على نطاق واسع.
كان…
ولي عهد على كرسي متحرك؟
وتذكر تاليس قبل قليل كيف رفعه كيسل من الأرض.
ومعه كلماته الباردة.
بصفتك من آل جايدستار، حتى لو عُطلت ساقاك…
لا تركع أبدًا.
خصوصًا…
هنا.
وفي الثانية التالية، ودون توقف، تبعا الملك والملكة ودخلا قاعة المأدبة.
منضمين إلى موجة من الناس في بحر من الفوضى.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.