الفصل 554: التضحية ببيدق (3)
ساد ضيوف القاعة صمت غير معتاد، كأن الجميع نسوا كيف يتنفسون بعدما صدر أمر المبارزة.
إلى أن مدّ دويل يده فجأة وانتزع كأس النبيذ الخاص بثاليس!
وأفرغ الكأس كلها في جوفه دفعة واحدة، بوقاحة وعناد، تحت أنظار الجميع المذهولة.
ثم رمى دويل الكأس بعيدًا وأخذ نفسًا عميقًا بينما تتحطم على الأرض.
وبعدما استعاد رباطة جأشه، نظر إلى هيئة أنكر وملابسه.
وفي الثانية التالية، شرع دويل، بوجه خالٍ من التعبير، ينزع بتأنٍّ منظَّم درعه الجلدي بوصفه من الحرس الملكي وسائر معدات الوقاية.
“بروك، سيفي.”
تردّد بروكا، لكنه سلّمه في النهاية السلاح المصادَر تحت نظرة مالوس.
“لن تكون هذه مبارزة عادية، فكِلا الطرفين يسعى إلى الهزيمة لا إلى النصر، ويتمنى الموت لا الحياة،”
واقترب مالوس من دويل وهو يضع اللمسات الأخيرة على استعداده، وسأله بصوت خافت: “هل أنت جاهز؟”
وعلى مقعده، شدّ ثاليس قبضتيه.
كلا الطرفين يتمنى الموت…
لماذا.
لماذا!
خلع دويل واقي ذراعه ونظر إلى رئيسه بلا مبالاة.
“سيدي القائد، أو تورموند الصغير،”
ولعله كان من أثر الشجاعة المستمدة من الخمر، أو لعله اندفاع منه، فصاح بعفوية: “تعرف، أنت وغد حقيقي،”
تورموند الصغير… عبس مالوس.
“هذا الغرور الذي تتصرف به، وتتجاهل معه حتى سموّه، مزعج حقًّا،” تابع دويل، ثم ابتسم فجأة.
أما باقي الحرس فلم يبتسم أحد منهم.
تنهد المراقب: “الطعنة بظهر اليد من أساسيات أسلوب ‘الوردة’ في المبارزة، وتشتهر ببساطتها وعدوانيتها وصعوبة صدّها، وهي عادة راسخة عند ممارسيه.
“فإن أحسنتَ اختيار التوقيت… فسيخفّ الألم.”
تجمّدت ابتسامة دويل.
اعتدل في وقفته ونظر إلى شريكه القديم غلوفر بملامح كئيبة.
“يا زومبي، آسف لأنني لطالما أزعجتك بثرثرتي التافهة. لكن أبي أوصاني بأن أبني علاقات طيبة مع عائلة غلوفر…”
أومأ غلوفر وهو على جموده المعتاد: “أعرف.”
أخذ دويل نفسًا عميقًا آخر.
“ثم إنك لا تذهب أبدًا إلى سوق الشارع الأحمر…
“ولذلك كنتُ أنوي أن أسألك،” وتجاهل دويل أنظار الجميع وكشف عن ابتسامة شاحبة، “هل أنت مثلي؟”
وساد الصمت بين الحرس.
عبس غلوفر، لكنه أجاب مع ذلك: “لا.”
ضحك دويل ضحكة خافتة ساخرة وقال وهو يهزّ كتفيه: “حسنًا. أردتُ فقط أن أقول إن الأمر عادي حتى لو كنتَ كذلك. فأنا متسامح جدًّا…”
“يا ابن دويل،” قاطعه أنكر من وسط القاعة، وبدا مرتاحًا لا يكترث البتة بالحرس المحيطين به، وقد بدا عليهم التوق إلى تجربة حظهم معه.
“لماذا تتلكأ؟”
ضحك دويل وردّ: “ماذا؟
“ألا تطيق صبرًا حتى تموت؟”
“وأنت كذلك.” نظر أنكر إلى خصمه وأخذ يضحك هو الآخر. “لا تختلف عني في شيء.”
حدّق كل منهما في الآخر، وسرعان ما اختفت الابتسامة عن وجهيهما.
هدوء ولا مبالاة.
وفجأة، انتزع دويل السيف من بروكا.
“يا صاحب السمو.
“أعلم أنني بالغتُ قليلًا في هذه الأيام وأنا أحاول نيل رضاك، لكن…” وضمّ دويل غمد السيف إلى صدره بقوة، كغريق يتشبث بحزمة قش، وأطلق من دون أن يلتفت ضحكته الساذجة المعتادة. “أنت إنسان طيب.”
وقف ثاليس مشدوهًا.
نظر دويل إلى السقف وابتسم ابتسامة عريضة: “مقارنة بقصر النهضة، فالجو هنا أكثر راحة بكثير.”
وخبت ابتسامته.
“وفي المستقبل، إن أصاب أبي… فرجاءً تذكّر هذا اليوم.”
فتح ثاليس فمه بلا وعي لكنه لم يستطع أن ينطق بكلمة “حسنًا”.
ولم يقوَ إلا على التحديق في دويل بذهول.
“سموّه كريم رحيم،” تولّى مالوس دفّة الحديث بهدوء ليفضّ هذا الحرج. “وأنت تعلم أنه لن ينسى.”
أجبر دويل نفسه على ابتسامة وأومأ متفهّمًا.
كريم رحيم.
كريم رحيم…
وفي تلك اللحظة، شعر ثاليس أن هذا الوصف شديد السخرية.
وفي القاعة، احتضن البارون دويل زوجته وأجهش بالبكاء بلا تحفظ.
وارتسم العجز على وجه دويل.
ولم يعد ينظر إلى ثاليس، بل استدار ورفع سلاحه ونزل الدرجات.
نحو خصمه.
ونحو نهايته.
“دويل…” لم يملك ثاليس إلا أن يتكلم، لكن مالوس قبض على ذراعه ومنع الأمير من المتابعة.
“إنه يعرف ما الذي سيضحّي به،” قال مالوس بهدوء، “وما الذي يريد أن ينقذه،”
والتفت المراقب نحو ثاليس: “لكن السؤال هو: هل تعرف أنت؟”
‘هل أعرف؟’
لم يتكلم ثاليس.
‘ما الذي سيضحّي به…’
تابع ثاليس بعينيه دويل وهو ينزل الدرجات ببطء. وقد حلّت مكان لامبالاته المعتادة جدّيةٌ وقلق لم يعهدهما فيه.
‘وما الذي يريد أن ينقذه…’
ثم حوّل ثاليس نظره تدريجيًّا إلى البارون دويل الشاحب الوجه، وقد انهار على الأرض كومة، وإلى البارونة التي تنتحب وترتجف.
‘وما الذي سأضحّي به أنا.
‘وما الذي أريد إنقاذه.’
نظر ثاليس إلى أنكر الذي يمسك سيفه القصير، يبدو هادئًا لكنه شارد الذهن.
وفاتت نبضة من قلبه.
‘إذن، هكذا هو الإحساس؟’
سأل ثاليس نفسه.
إنه الأمير الثاني.
دوق بحيرة النجوم.
ولذلك ينبغي أن يجلس في مكان عالٍ وينظر إلى رقعة الشطرنج، وإلى القطع وهي تمزّق بعضها بعضًا، وأن ينقذ اللعبة كلها.
يضع الخطط، ويحرّك القطع.
وهكذا أيضًا ينبغي أن يقبل التضحيات اللازمة، وأن يشاهد دويل وهو ينخرط في مبارزة مع العدو ويقاتل ليموت تحت سيف خصمه، مهما بلغ ذلك من سخف.
ثم يكافئ ويعاقب بحسب المكاسب والخسائر.
“ثاليس، إن أردتَ دخول هذه الدائرة بل بلوغ قمتها…”
رنّت كلمات الحبل السريع في أذني ثاليس.
“فأول ما عليك فعله هو الخضوع للسلطة والتخلّي عن جسدك وعقلك. عليك أن تدع عالمها ونظرتها إلى العالم تحكمان كل شبر من كيانك. عليك أن تصير شخصًا لا تعرفه حتى أنت. وبذلك وحده تستطيع أن تبدأ اللعب وأن تتفوّق فيه.”
حدّق ثاليس في صمت إلى ظهر دويل المبتعد.
“تذكّر،” وتقدّم نائب القائد فوغل بخطوات واسعة ليلحق بدويل، وذكّره بصوت خافت: “إن نجوتَ ومات هو، فسيحلّ المصير السيئ بسموّه وبوالديك.”
ارتجف دويل.
كما تعثّر نَفَس ثاليس.
لكن دويل، خلافًا لثاليس، استعاد رباطة جأشه سريعًا وواصل سيره.
كأنه سلّم أمره للقدر مسبقًا.
تمامًا كـ…
قطعة شطرنج.
وفي تلك اللحظة بالذات، فهم ثاليس فجأة.
“فكّر مليًّا في أي إنسان صرتَ بعدما توليتَ دور الأمير.
“هل ما زال بإمكانك اختيار طريقك وفعل ما تريد فعله؟”
خفض ثاليس رأسه برفق.
كان الجميع ينتظرون وصول خطوات دويل إلى حيث يقف أنكر.
“بعدما صرتَ أميرًا، هل ما زلتَ نفسك؟ هل ما زلتَ ثاليس؟
“أم أنك… صرتَ شيئًا آخر؟”
“أنت محق يا مالوس،” قال ثاليس بهدوء، “دويل… يعرف ما الذي سيضحّي به.
“وأنكر يعرف ما الذي يريد إنقاذه.”
“فماذا كسبتَ، وماذا خسرتَ؟”
مال مالوس برأسه في حيرة.
“يا صاحب السمو؟”
رفع ثاليس رأسه، وقد حدّت نظرته.
“لكنك مخطئ أيضًا.”
ومن مقعده، أدار بصره في وجوه من في القاعة: قلقة، متوترة، مذعورة، مرتبكة، مسرورة، متطلعة، حزينة، هادئة، شامتة…
“إنه ليس قطعة شطرنج،” تابع ثاليس بهدوء، “كلاهما ليس كذلك.”
وشدّ قبضتيه: “ولا أحد كذلك.”
ربما يستطيع غيره ذلك.
أن يحرّك القطع بلا عبء ولا تردد وبضمير مرتاح، أو أن يرضى بأن يكون قطعة شطرنج.
ربما يستطيع دوق بحيرة النجوم، وربما يستطيع الأمير الثاني…
وربما يستطيع دويل، وربما يستطيع أنكر…
وربما مالوس، وربما فوغل…
لكنه لا يستطيع.
لأنه ثاليس جاديستار.
إنه ثاليس.
مجرد ثاليس.
“هما ليسا قطعتي شطرنج. إنهما دويل وأنكر فحسب، مجرد… بشر،”
وتابع ثاليس بعمق: “أبسط ما يكون، وأعقد ما يكون أيضًا… البشر.”
فسأله المراقب وقد حيّرته كلماته: “يا صاحب السمو، ماذا تقصد؟”
أخذ ثاليس نفسًا عميقًا، وابتسم، وغمز للمراقب: “أقصد: إلى الجحيم بـ’التضحية ببيدق’.”
وأخيرًا استشعر مالوس أن ثمة أمرًا غير عادي: ففي تلك اللحظة، خلت نظرة الأمير من قلقها وترددها السابقين، وغاب عنها أيضًا الثقل والعذاب اللذان لازماها كثيرًا.
بل صارت أشدّ عزمًا وإشراقًا من أي وقت مضى.
“مهلًا.” تغيّرت ملامح مالوس. “أتنوي أن—”
لكن حين أدرك ما يضمره الأمير الثاني، كان الأوان قد فات.
ففي الثانية التالية، وحين كان دويل على وشك بلوغ أنكر، قبل أن تلتقي نظراتهما العدائية وجهًا لوجه، وقبل أن يُسدَّد الدَّين بين عائلتيهما بالدم، اتخذ ثاليس هيئة صارمة ووقف منتصبًا!
وأمر بصوت عالٍ: “قفا!”
دوّى صوت دوق بحيرة النجوم في أرجاء القاعة.
فاستحوذ على انتباه الجميع في الحال، حتى دويل توقف في مكانه.
ونظر الجميع إلى الأمير بحيرة.
“يا صاحب السمو؟” عبس أنكر وسأل بلا وعي، خشية أن ينقلب الوضع فجأة.
والتوت شفتا ثاليس إلى أعلى وهو يلقي نظرة على مالوس.
فأحسّ هذا الأخير بقلق لا يعرف سببه، حتى إنه تجاهل نظرة فوغل المستفهمة.
“قبل قليل، أخبرني قائد حرسي الشخصي!” قال ثاليس بصوت عالٍ ورافعًا ذراعيه، “أن في هذه المبارزة، سواء أنت يا أنكر أم أنت يا دويل،” ونظر إلى الاثنين وعيناه تتقدان وكلماته قاطعة، “قال إن كليكما سيسعى إلى الموت!”
وصاح ثاليس: “ويطلب الهزيمة!”
وما إن قال ذلك حتى عمّ الحشدَ ضجيج عارم.
ولم يتفاعل سوى من توقعوا الأمر، كالكونت غودوين ودوق زهور السوسن والتنين أحادي العين والدوق فال. فقد كانوا يعرفون ما يجري.
وبين الحرس، تبادل مالوس وفوغل النظرات، لكن كلًّا منهما لم يتلقَّ من الآخر سوى الحيرة.
ما الذي يجري؟
لماذا، لماذا في هذه المسألة، وبهذه الطريقة العلنية…
وفي عين العاصفة، تبادل أنكر ودويل نظرة. وكلاهما في حيرة من أمره.
“أن تقايضا تضحية حقيقية بمنفعة أكبر، أو بخسارة أقل،”
ابتسم ثاليس، ونظر إليهما وتابع بثقة وبصوت عالٍ: “وأن تخوضا معركة خاسرة عن قصد. أستفعلان ذلك؟
“أستفعلان؟”
وأشعل سؤال الأمير جدالات أشد حرارة في القاعة.
وذهل أنكر ودويل لبضع ثوانٍ قبل أن يتكلما معًا تقريبًا: “يا صاحب السمو—”
لكن ابتسامة الأمير كانت قد صارت باردة.
“لكنني أمقت ذلك!” زأر ثاليس مقاطعًا الاثنين اللذين باغتهما.
“قد يكون برابرة الشمال همجًا،” ورفع ثاليس كأس نبيذ قد تكون له وقد لا تكون، وأمسكها في الهواء أمامه، وقال بنظرة حادة: “لكنهم لم يساوموا قط.”
أجل، في أغلب الأحيان لم يساوموا قط.
أرخى ثاليس قبضته برفق وترك الكأس تسقط، فتناثرت قطعًا على الأرض.
ثم أدار بصره في القاعة. كان بعضهم مندهشًا حائرًا، وبعضهم لا يدري ما يجري، وبعضهم عابسًا، وبعضهم مرتاحًا. فضحك: “ولذلك قررتُ أن أزيد على الرهان تشجيعًا لكما.”
فزادت كلماته الجميع حيرة.
لم يكن يبتسم سوى ثاليس كعادته: “وأن أزيد الدافع لدى كل منكما.”
ولمعت في عينيه بارقة، وهما تثبّتان الخصمين المتبارزين في بؤرة تركيزه: “ولكي تكون هذه مبارزة حقيقية مثيرة، يقاتل فيها كل منكما للفوز…
“مبارزة لا تُنسى…”
تجمّدت ابتسامة ثاليس وغاص صوته: “مبارزة حتى الموت.”
ماذا؟
وفي الثانية التالية، من النبلاء إلى الحرس والخدم، أُصيب الجميع بالصدمة ولم يعرفوا كيف يتصرفون. وزأر ثاليس: “أنكر بيرايل!”
ارتجف أنكر.
“باسم دوق بحيرة النجوم، أنا الأمير الثاني ثاليس جاديستار، أُقسم بحاكمة الغروب!”
وكانت ملامح ثاليس جادّة باردة على نحو غير مسبوق.
“إن فزتَ في المبارزة وقتلتَ خصمك، فإن أبي، جلالة الملك كيسل،” قال ثاليس ببرود، “هو وأنا، سنؤيدك بكل ما نملك. وسنعيد فتح قضية عائلتك أمام المحاكم ونطلب العدالة نيابة عنك!”
ذُهل أنكر!
ولم يكن وحده، فمالوس ودويل وفوغل… وما إن أدرك الجميع ما سمعوه للتو حتى أصابهم الذهول وعدم التصديق نفسه.
وسأل أنكر بدهشة: “أنت… تمثّل جلالة الملك؟”
سخر ثاليس: “بالطبع. ستتكلم الأسرة المالكة لآل جاديستار باسم عائلة بيرايل!
“حتى ترضى.”
وارتفعت جلبة بين الضيوف وامتلأت القاعة بأصوات لا تنقطع.
ولم يتوقع أنكر هذا. فحدّق في ملامح ثاليس، واضطرب نَفَسه وقد خرج عن طوره.
التأييد الكامل…
والتكلم باسم عائلة بيرايل…
أما دويل فبدا كمن خانه أحدهم، وحدّق بذهول إلى الأمير الذي خدمه يومًا.
وإلى جانب مالوس، صرّ فوغل على أسنانه غضبًا وسأل بصوت خافت: “جلالة الملك… كيف يزعم أنه يمثّل جلالة الملك؟
“ويؤيد بيرايل… لا، هذا تهوّر شديد…”
قطّب مالوس حاجبيه.
لكن ثاليس تكلم مرة أخرى بالصوت الجاد نفسه: “لكن يا أنكر، إن خسرتَ المبارزة ومتَّ،” قال ببرود، “فإنني أعدك، نيابة عن أبي، ونيابة عن الأسرة المالكة لآل جاديستار…
“بأن نزاع عائلة بيرايل…”
ومضت في عيني ثاليس بارقة باردة: “سينتهي هنا.”
وظل معنى هذه الجملة غامضًا، فبقي الضيوف حائرين لبعض الوقت. إلى أن جسّ أنكر، وقد تقلبت ملامحه: “يا صاحب السمو، لا أفه…”
لكن ثاليس رفع صوته وقطع على الجميع أفكارهم.
“ثمنًا لشهادتي على مبارزتك المجيدة، وعقابًا على وقاحتك وتجاوزك…”
ودوّى صوت دوق بحيرة النجوم بين أعمدة قاعة ميندس فاكتسب مهابة: “إن خسرتَ، فلن تُفتح قضية عائلة بيرايل ثانية، ولن يُعاد النظر فيها، ولن يُقبل أي اعتراض.”
وحدّق ثاليس ببرود إلى أنكر الذي أخذت الصدمة تبتلعه شيئًا فشيئًا، وقال بنبرة مرعبة: “مهما بلغت مظالمك، ومهما كثرت أسانيدك القانونية، ومهما تعددت أسبابك.
“فستتجاهلها المملكة كلها.
“وتطوي الصفحة.”
وبين نقاشات الضيوف، تسمّر أنكر في مكانه.
واستغرق بضع ثوانٍ ليستوعب “رهان” الأمير.
إن فاز بالمبارزة، نال التأييد الكامل…
وإن خسر، فلن يُعاد النظر في القضية أبدًا…
رفع أنكر رأسه بذهول: “لكن أرض عائلتي، وألّا يُعاد النظر فيها، لا أفهم…”
وقاطعه ثاليس باستفساره ببرود: “يا أنكر، ألم تقل إنك تريد أن تعيد، عبر هذه المبارزة، رحلتي الأسطورية في الشمال؟”
عبس أنكر.
“وما دمتَ قد قررتَ أن تحسم هذه المسألة بعُرف عتيق من أعراف الإمبراطورية وأن تنعم بسهولة حسمه القاطع،” سخر ثاليس، “فعليك أن تتحمل ثمنه الهمجي العتيق.”
وذُهل أنكر.
رفع ثاليس رأسه ونظر في القاعة إلى من ينظرون إليه. فخفض الضيوف رؤوسهم حيثما وقعت نظرته.
وتابع بوقار: “هذه حقيقة المبارزات، وهذا هو العُرف العتيق الحقيقي للإمبراطورية ونهج أهل الشمال.”
ونظر إلى الخصمين المذهولين كليهما، وأبدى ابتسامة لطيفة: “وبهذا الرهان، سيدفعكما الحافز إلى الفوز، أليس كذلك؟”
وعمّ القاعة همس وهم يتأملون مقاصد ثاليس.
“حسنًا، أظن أنني بدأت أفهم،”
كان فوغل يعصر ذهنه، وجسّ قائلًا: “لقد دُفع ذلك الرجل إلى الزاوية باستخدام سموّه سلطة الأسرة المالكة العليا، فصار لزامًا عليه أن يقتل دويل ويتنازل لنا عن المكانة الأخلاقية كي تُعاد محاكمة قضية عائلته.”
ونظر نائب القائد إلى مالوس بشك: “لكن ألا يخشى سموّه أن… أن يرغب فتى عائلة دويل أيضًا في قتل خصمه سعيًا إلى أن تفي الأسرة المالكة بوعدها وتغلق القضية؟”
نظر مالوس إلى وجه دوق بحيرة النجوم من الجانب وخفض رأسه.
“لا،” أجاب المراقب عن سؤال فوغل بصوت خافت.
“ما زلتَ لا تفهم.”
وبدت الحيرة على نائب القائد.
وفي القاعة، كأنهما أدركا أمرًا ما، تبادل أنكر ودويل نظرة.
“ما بك يا بيرايل؟”
وعاد اللون إلى عيني دويل، وتقدتا بالحماسة: “أتخشى الخسارة؟”
لم يردّ أنكر على الفور.
وبعد صمت طويل، سخر: “حسنًا. إن كانت هذه رغبتك يا صاحب السمو.”
ونظر مباشرة إلى ثاليس. وكانت نبرته حازمة كالمعتاد، لكن مشوبة بمزيد من العداء: “هيا. فليبدأ النزال.
“فقط تذكّر وعدك. إن فزتُ…”
ضحك ثاليس: “أضمن لك ذلك. ستمنحك الأسرة المالكة تأييدها الكامل وتقف إلى جانبك!”
عبس فوغل لدى سماع هذه الكلمات.
‘أنت تضمن…
‘أيجوز قول هذا؟’
“ماذا ينوي أن يفعل؟” نظر فوغل إلى الأمير الثاني بتبرّم.
فاكتفى مالوس بالرد بهدوء: “إنقاذ حياة.”
‘إنقاذ حياة؟’
حار فوغل.
“حين كنا مستعدين لـ’التضحية ببيدق’،” التفت مالوس وعيناه تتوهجان، “يريد هو أن ينقذ حياة.
“بل حيوات، في الواقع.”
وتضاعفت حيرة فوغل.
لكن لحسن حظه، لم يحتج إلى الحيرة طويلًا.
“مالوس، ما دامت المبارزة على وشك البدء،” أمر ثاليس قائد حرسه الشخصي بصوت عالٍ ليسمعه أهل القاعة كلهم، “أحضر ‘الديدبان’.”
الديدبان.
وقعَ ذكر هذا الاسم في نفوس كثيرين في قاعة المأدبة.
عبس مالوس: “الديدبان؟ لكن يا صاحب السمو، أليس هذا…”
“أجل.”
قاطعه ثاليس ببساطة. والتفت الأمير نحو الضيوف وفي عينيه شرر: “الهدية من دوق الصحراء الغربية، إرث عائلة فاكنهاز، سيف الإمبراطورية العتيقة الوطني الذي يمثّل ثقتهم ووفاءهم اللامحدودين لي. وأظنه يليق بهذه المبارزة، أليس كذلك؟”
وذُهل الجميع عند سماع هذه الكلمات.
“يا صاحب السمو؟”
وسأل أنكر، القادم من الصحراء الغربية: “أتنوي أن تُعير سيفك لأحدنا؟”
ونظر هو ودويل أحدهما إلى الآخر، وتبادلا قدرًا كبيرًا من الحذر والكراهية.
ضحك ثاليس، لكنه هزّ رأسه.
“أنت من الصحراء الغربية يا أنكر،” ونظر إلى بيرايل بهدوء، “فلا بد أنك تعلم أن زعماء القبائل في الصحراء الكبرى يعدّون حرسهم دائمًا إخوة لهم وسندًا في الجناحين،”
أومأ أنكر بشك، لكن ما قاله ثاليس بعدها أفرغ وجهه من لونه.
“فتحدّيهم في مبارزة يعادل تحدّي الزعيم نفسه.”
وكانت نبرة ثاليس لا مبالية. وبينما كانت تحرّك الحشد، تذكّر زعيم حرب من الأورك التقاه يومًا، وقواعد مبارزته التي لا تُنسى: ‘اشترِ واحدًا مع اثنين وخذ واحدًا مجانًا’.
“ولسوء الحظ،” وكانت ملامح ثاليس هادئة وهو يتكلم بنبرة ثابتة فوق ثرثرة الحشد، “فإن داني دويل هو حارسي الشخصي، أي حارس دوق بحيرة النجوم.
“وبتحدّيه له.
“تكون قد تحدّيتني أنا.”
وتسمّر دويل في مكانه مشدوهًا.
واتسعت عينا أنكر.
وما إن قال ذلك حتى ردّ كثيرون: “يا صاحب السمو—”
لكن ثاليس تجاهل ذلك كله وتابع كأنه لا يسمعهم. وقد استعان لهذا الغرض بحواس الجحيم ليحجب كل الأصوات.
“والبارون دويل!” زأر، “هو ضيفي المُكرَّم،”
وكان ثاليس متجهّمًا. وأشار مباشرة إلى البارون دويل العجوز الذي انهار بين ذراعي زوجته وقد أذهلته الصدمة.
“وكل تهديد أو أذى أو تحدٍّ يواجهه اليوم في مأدبتي، وفي قاعة ميندس خاصتي.
“إهانة لي شخصيًّا!”
ولم يعد المتبارزان محور الاهتمام. فقد تعلّقت كل الأنظار بالأمير، مملوءة بالشك والخوف والقلق والتوجس والإعجاب والازدراء، أو بمزيج من ذلك كله.
إلى أن أدار ثاليس بصره في القاعة بنظرة قاتلة، فطرد كل النظرات الغريبة.
“لا—” اندفع فوغل بلا وعي ليوقف الأمير، لكنه وجد ذراعيه مشدودتين بقبضة مالوس من الخلف!
“يا أبناء الكوكبة، أصغوا جيدًا!
“بوصفي سيّد دويل، وسيّد هذه المأدبة، وسيّد هذا القصر…”
وكانت ملامح ثاليس قاسية لا ترحم. وهزّ صوته القبة، ونبرته حاسمة.
“أنا، ثاليس جاديستار…”
وقف على الشرفة العليا في قاعة المأدبة، غير آبه بالنظرات الموجهة إليه، ورفع ذراعًا وقال بصوت عالٍ واضح: “سأؤدي واجباتي وأمارس حقوقي سيّدًا وفقًا للأعراف العتيقة للإمبراطورية!
“وسأقبل نيابة عن داني دويل التحدي المشروع بالمبارزة الذي أطلقه أنكر بيرايل.”
وكانت نظرة ثاليس باردة. وخفض يده وأشار إلى المتبارزين اللذين أخرسهما الذهول.
“وسأنجز مبارزة الثأر بالدم هذه.
“حتى يتحدد فائز واضح.
“حتى يُحسم الأمر بين الحياة والموت.
“حتى يكتمل الطقس العتيق.”
وغاصت قاعة المأدبة في صمت عميق بعدما نطق بتلك الكلمات.
خفض ثاليس بصره وسخر.
“لا تقلق يا أنكر.” وابتسم ونظر إلى أنكر الحائر ودويل المذهول: “الشروط والرهان اللذان ذكرتُهما قبل قليل ما زالا ساريين.”
وأحنى ثاليس رأسه قليلًا بينما يرسم ضوء النار ظلًّا على وجهه: “ما دمتَ…”
وأزال ابتسامته وأنهى جملته ببرود: “تقتلني في المبارزة.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.