بدأ المكان من بعيد كأنها لا تنتمي إلى الأرض التي عرفها أورِن طوال حياته.
من نافذة العربة، رأى أبراجًا عاجية اللون ترتفع حتى تختفي أطرافها في طبقة رقيقة من الغيوم، وقبابًا ذهبية تعكس ضوء الصباح بحدة تؤلم العين إن نظر إليها مباشرة. أسوار هائلة أحاطت بالمدينة من بعيد، وبدت الساحات الممتدة خلفها واسعة بما يكفي لتحتوي قرية أورِن بأكملها عدة مرات.
توقفت العربة عند بوابة ضخمة منحوتة بأشكال معقدة، ونزل أورِن خلف فاليريوس، وقدماه تلمسان أرضًا مبلطة بحجر أملس لم ير مثله من قبل.
تحركت من حوله حشود منظمة بطريقة لم يعتدها في أي مدينة أخرى، موظفون يسيرون بخطى محسوبة، تجار يحملون سجلات، جنود يقفون في صفوف دقيقة عند نقاط ثابتة، وفوق كل هذا، شعور خفي بأن كل حركة هنا تخضع لنظام أكبر من أي نظام رآه من قبل.
سار خلف فاليريوس عبر ساحة واسعة تحدها أعمدة رخامية عالية، وفوقها راياتٌ تحمل شعار الدولة، نسرًا ذهبيًا يمسك بمخالبه صولجانًا متقاطعًا مع سيف. مرّت بهم مجموعة من الفرسان في صف منظم، دروعهم تصدر صوتًا معدنيًا خافتًا مع كل خطوة، ولم يلتفت أحد منهم نحوه ، وكأن مرورهما جزء طبيعي من إيقاع هذا المكان اليومي.
لاحظ، على بعد، جسرًا مرتفعًا يربط بين مبنيين ضخمين، تعبر فوقه عربات صغيرة دون أن تحتاج إلى طريق أرضي، وممرات أخرى تمتد في اتجاهات لم يستطع تتبعها كلها بعينه. حاول أن يقارن كل هذا بالعاصمة التي زارها من قبل، تلك التي ظنها ضخمة يومًا، فوجد المقارنة نفسها تبدو غير منطقية الآن، وكأنه ينتقل من قرية إلى مدينة لا من مدينة إلى أخرى.
عند البوابة، وقف عدد من الفرسان التابعين للعرش، دروعهم قديمة الطراز لكنها مصقولة بعناية توحي بأنها لا تزال تُستخدم فعلًا، لا مجرد قطع للعرض. هيبتهم مختلفة عن أي جندي عرفه، ليس في وقفتهم فقط، بل في شيء أعمق، صمت يحمله كل واحد منهم كأنه سلاح إضافي.
مرّت عينا أورِن، بالصدفة، على عيني أحدهم.
تجمدت أصابعه حول حزام معطفه.
لم يكن شعورًا جديدًا. عرفه فورًا، البرودة نفسها التي صعدت في ظهره يوم وقفت الأفعى أمامه لأول مرة، ذلك الثقل المفاجئ في أطرافه، إحساس بأن جسده توقف عن كونه ملكه الكامل للحظة واحدة.
استمرت اللحظة أقل من ثانية. عاد الفارس إلى النظر أمامه مباشرة، بلا أي إشارة إلى أنه لاحظ شيئًا، وكأن نظرة أورِن مرت عليه دون أن تترك أثرًا يستحق الانتباه.
لم يعلق فاليريوس. لم يبدُ أنه لاحظ الأمر أصلاً، أو ربما لم يهتم به بما يكفي ليعلق. واصل السير، وتبعه أورِن بخطى أقل ثباتًا مما كانت عليه قبل لحظات، محاولاً أن يفهم كيف يمكن لمجرد نظرة عابرة أن تترك هذا الأثر، وكيف يمكن لرجل يقف بلا حراك عند بوابة أن يحمل هذا القدر من الثقل دون أن يفعل شيئًا على الإطلاق.
نظر إلى صفوف الفرسان الأخرى وهو يمر بها، متسائلاً بصمت كم منهم يحمل الإحساس نفسه خلف تلك الدروع الهادئة، وكم عدد المرات التي سيشعر فيها بهذا الثقل قبل أن ينتهي هذا اليوم.
بعد أن استقر أورِن في الساحة، بدأ شيء في الحركة من حوله يتغير.
لم يكن تغيرًا مفاجئًا. الأصوات خفتت تدريجيًا، الحشود بدأت تتحرك جانبًا دون أن يأمرها أحد بذلك بوضوح، وبعض الجنود توقفوا عن أحاديثهم الجانبية، عيونهم تتجه نحو الطريق المؤدي إلى الساحة.
ظهرت عربة سوداء، أكبر وأثقل من أي عربة رآها في العاصمة حتى تلك اللحظة، أسراب صغيرة من الطيور الزاجلة تحوم حولها بانتظام غريب، كأنها تتبع مسارها لا مسارها هي.
اقتربت ببطء، وحين وصلت إلى وسط الساحة، حجب حجمها جزءًا من ضوء الشمس عن المكان الذي يقف فيه أورِن.
توقفت.
نزلت منها امرأة.
ترتدي عباءة قاتمة تغطي جسدها بالكامل، ووجهها محجوب خلف برقع داكن لا يسمح برؤية أي ملمح منه. تحركت بخطى هادئة، لا مسرعة ولا متباطئة، وكأنها تسير في مكان تعرفه جيدًا رغم أن أورِن لم يرَ من قبل عربة كهذه تدخل الساحة.
في صدرها، معلقة بسلسلة نحاسية رفيعة، كانت هناك قلادة صغيرة على هيئة مصباح.
وداخل المصباح، لهب أزرق، صغير، حي، يتحرك ببطء وكأنه يتنفس.
نظر أورِن إلى الرمز، ولمحة عابرة مرت في ذهنه، غير مكتملة، لا يستطيع تثبيتها: مصباح آخر، لهب مشابه، رائحة بخار غريب، جزء من ممر ضيق لا يتذكر بقيته.
اختفت اللمحة قبل أن يستطيع الإمساك بها بالكامل، لكنها تركت خلفها يقينًا هادئًا بأن هذا الرمز ليس جديدًا عليه، وإن كان لا يعرف من أين يعرفه بالضبط.
ثم وقعت عيناه على القلادة مباشرة.
انكسر شيء.
اختفت أصوات الساحة دفعة واحدة، كأن أذنيه توقفتا عن استقبال أي شيء من العالم الخارجي. ثقل الضوء من حوله، لا أعتم، بل أصبح كثيفًا بطريقة يصعب وصفها، وشعر أنه لا يستطيع أن يرمش، عيناه مفتوحتان رغمًا عنه.
سمع شيئًا يشبه جريان كمية هائلة من السائل، قريبًا جدًا منه، وإن لم يكن يرى مصدره.
نظر إلى ملابسه.
كانت مغطاة بالدم.
نظر إلى صدره.
كان مفتوحًا.
لم يصرخ فورًا. جسده رفض الاستجابة بأي شكل معتاد، وعقله بدا عاجزًا عن استيعاب ما يراه بالسرعة التي يحدث بها.
أمامه، معلقًا في الهواء، على مسافة قصيرة من صدره المفتوح، كان هناك قلب.
ينبض.
لم تكن هناك يد تمسكه. لم يرَ أحدًا سحبه من مكانه. كان معلقًا هناك فقط، كأن المسافة بينه وبين صدر أورِن مساحة طبيعية له، وكأن الانفصال نفسه لم يكن حدثًا بل حالة ثابتة.
نبضة.
نظر أورِن إليه، غير قادر على التفكير في أي شيء سوى ذلك المنظر المستحيل أمامه.
نبضة أخرى.
ثم توقف.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.