الفصل 307. ردة الفعل (2)
انحدر ضوء خافت وسط فضاء معتم كأنه مطلع لحن افتتاحي في مسرحية غنائية كبرى. جلس سانغهيون حيث تسلطت بقعة الضوء الوحيدة… فوق مقعد مرحاض!
— وااااو!
— أعد العرض ثانية! نداء الإعادة!
تعالت صيحات الهتاف والتشجيع من مدرجات مجهولة في العتمة. جلس آلموند فوق المرحاض حائرًا، متسائلًا أَيؤدي مشهدًا فوق خشبة مسرح حقيقي وهو يسمع الجماهير تطالبه بإعادة العرض. ليته كان كذلك؛ فالواقع أن سانغهيون يعاني مغصًا حادًا وسرواله مسدول إلى ركبتيه!
تمنى لو رفع سرواله فورًا، لكن جسده تجمد وعجز عن الحراك.
— نحبك يا آلموند!
— أمي، حين أكبر أريد أن أصبح مثل براز آلموند!
— كيااااه!
تضاعف صخب الهتاف في الأرجاء. التفت سانغهيون خلفه نحو المقاعد مذهولًا:
‘هاه؟’
بدت المقاعد خاوية، فالضجيج لم ينبعث من بشر. وعند التدقيق، رأى أسراب كائنات كحشرات مضيئة تحوم حوله مصدرة تلك الأصوات الصاخبة.
— ههههه
— هاهاها
— سأموت من الضحك!
طفت فوق رؤوس تلك الكائنات المضيئة (أو ما يشبه الرؤوس) كلمة: [كوكبة].
لم يملك سوى الرضوخ لهذا الجمهور، رغم تطويقهم له من كل حدب — من فوقه وتحته وعن جانبيه — متفحصين إياه من سائر الزوايا؛ ما جعل الموقف قمة في الإحراج.
←↓↑→
استفاق سانغهيون فجأة في الصباح الباكر مذعورًا:
“هاه… هاه…”
ابتلت أكمامه وهو يمسح العرق المتصبب عن جبينه، وهز رأسه بدهشة:
“كان مجرد حلم.”
تلك أول مرة يتصبب فيها عرقًا بغزارة دون رياضة منذ استبدل كبسولته القديمة بالفاخرة؛ مسترجعًا كابوسًا تمنى ألا يتكرر.
‘أي صنف من الكوابيس هذا…؟’
لعل السبب يرجع إلى ما ذكره جوهيوك بالأمس:
“اليوم سنرفع طور قصة ران. وغدًا سيُنشر المقطع الأول لمدرسة الزومبي على يوتيوب، وستُعرض حلقة إيفنينغ وايد في الليل.”
غدًا… أي اليوم بالفعل. سيُنشر المقطع الأول لمدرسة الزومبي عبر يوتيوب، في موعد الظهيرة على الأرجح تجنبًا للتعارض مع وقت عرض إيفنينغ وايد.
‘سيُرفع المقطع حتمًا.’
بحكم خبرته كباث، رسم تصورًا لما سيحتويه المقطع؛ فالمؤكد أنه سيتضمن مشهد خداع المشاهدين واضطراره لتسجيل الخروج عاجلًا في المرحاض. وبما أن المقطع انتشر كالنار في الهشيم، فسيحتل صدارة اليوتيوب حتمًا.
سيحالفه الحظ إن لم تقطع جيآه المشهد إلى مقطع قصير مستقل لتنشره على حدة… غير أن سانغهيون شك في نجاته من ذلك؛ فجيآه محررة ماهرة تقتنص اللقطات الفيروسية ببراعة.
ستتداول منصة يوتيوب مقاطع لا حصر لها عن تلك الواقعة.
“تنهيدة…”
استسلم لكابوسه الغريب بفعل الشعور بالمسؤولية والخجل من انتشار مشهد المرحاض وتسجيل الخروج في أرجاء البلاد.
رتب سانغهيون فراشه متقبلًا واقعه، ثم خطى نحو غرفة المعيشة متوجهًا بتلقائية إلى خزانة المطبخ، حيث تنتظره دومًا علب لوز شركة “غرين دايموند”.
قرمش.
ألقى سانغهيون بضع حبات من اللوز في فمه بخفة، وتناول الحليب من الثلاجة. ومهما أعمل التفكير، لم يجد وجبة تمنح جسده الخفة وتملأ معدته أفضل من الحليب واللوز المحمص.
قرمش. قرمش.
استمتع بقرمشة حبات اللوز والنكهة اللذيذة المنتشرة في فمه، ثم تجرع الحليب بجرعة واحدة:
غلق.
ضاعفت الدسمة الغنية شعوره بالارتياح والرضا.
مسح سانغهيون أثر الحليب عن شفتيه وحيا رفيقه: “استيقظت إذن.”
خرج جوهيوك لتوه من غرفته:
“أوه… نعم…”
“أتريد بعضًا منه؟”
“… أجل، هات.”
بدا جوهيوك مشوش الذهن إثر استيقاظه، وتناول حبات اللوز التي مدها إليه سانغهيون ومضغها بآلية.
قرمش، قرمش.
مضغ اللوز بوجه جامد كأنه يتناول مكملًا غذائيًا دون أي علامة من علامات التلذذ.
أشار سانغهيون فجأة إلى خزانة مجاورة قائلًا: “في المرة القادمة، تناول من هذه.”
“…؟”
عقد جوهيوك حاجبيه مستغربًا:
‘هذا لوز أيضًا.’
بالفعل، ما أشار إليه سانغهيون لوز لا يختلف في مظهره.
‘هل ما زلت بين النوم واليقظة؟’
فرك عينيه للتأكد من بصره، غير أن فرك العينين لن يحول اللوز إلى جوز؛ فما رآه ظل لوزًا حقيقيًا.
“هذا أيضًا… لوز.”
“أعلم.”
“إذن لمَ عليَّ تناول هذا تحديدًا؟”
“لأنه أرخص ثمنًا.”
“…؟”
أمال جوهيوك رأسه بحيرة، لكنه سرعان ما فطن لمراد سانغهيون؛ وتلك عادة تظهر لدى المرء حين يود دفع الآخرين لتناول طعامه المفضل ليتلقى منهم عبارات الإشادة بمذاقه.
فقال جوهيوك مصطنعًا الحماس: “أوه، لوز غرين دايموند! نكهته مميزة حقًّا؛ إنها الجودة الأولى الفاخرة القادمة من كاليفورنيا…”
قاطعه سانغهيون ساخرًا: “أتحسبني مغفلًا؟ كل من هذا الأرخص فحسب.”
وافق جوهيوك بسهولة: “حسنًا.”
لم يكن يدرك الفارق بين المذاقين على أية حال؛ فقد جرب الصنف الأغلى سابقًا بدافع الفضول وفشل في تمييزه، فرضي بتناول الصنف الأرخص راحة لباله.
ضحك سانغهيون مستمتعًا بالموقف. وللأسف، لم تكن أصناف اللوز تشغل بال جوهيوك في ذلك الصباح؛ فقد امتلأ ذهنه بأمور أشد خطرًا وأهمية.
“على أية حال، لمَ لم يرسل المخرج جانغ النسخة المحررة بعد؟”
تأخر وصول النسخة المحررة المفترض تسلمها بالأمس حتى صبيحة اليوم. ورغم انقضاء مهلة طلب التعديلات والمراجعة، رغب جوهيوك في معاينة المقطع مسبقًا؛ وتلك طبيعة بشرية لا مفر منها.
مثل ظهور آلموند الأول على قناة تلفزيونية رئيسية حدثًا استثنائيًا لجوهيوك، فلم يملك دفع القلق والترقب عن صدره.
طمأنه سانغهيون بهدوء: “تمهل قليلًا؛ فمونتاج برنامج كهذا يستغرق وقتًا وجهدًا.”
بدت المفارقة ساخرة؛ فالمشارك في البرنامج هو من يواسي مدير أعماله المتوتر. والمفترض دائمًا احترام المواعيد النهائية دون أعذار.
تذمر جوهيوك حانقًا: “حقًّا، موظفو المحطات التلفزيونية يتساهلون في المواعيد ببرود.”
قرمش.
قطب جوهيوك حاجبيه وقذف حبة لوز في فمه. قد يظن البعض أن جوهيوك يتشدد دون داعٍ، لكن سانغهيون لم يرَ الأمر كذلك.
فكر سانغهيون: ‘هذا تقييم منصف بحق جوهيوك.’
بحكم مرافقته له وملاحظة تفانيه في العمل داخل شركة آسونغ، عرفه سانغهيون أكثر من أي شخص آخر.
امتلك جوهيوك كامل الحق في هذا التذمر؛ فقدرته على إنجاز المهام المسندة إليه في موعدها الدقيق، مهما عصفت به المتغيرات المفاجئة، اتسمت بالإعجاز لكل من يراقبه عن قرب.
تساءل سانغهيون أحيانًا أتلك مهارة خارقة للطبيعة؛ فجوهيوك لم يقتصر تميزه على إنهاء العمل فحسب، بل تجلت براعته بأساليب مدهشة في شتى المواقف، فاستقر في يقين سانغهيون أنها قوة خارقة بالفعل.
علق سانغهيون وهو ينسحب إلى غرفته: “هون عليك؛ فالإلحاح لن يعجل بوصول الملف في التو.”
تنهد جوهيوك وشرع في صياغة الإشعار على حاسوبه: “حسنًا. عليَّ كتابة إشعار المتابعين على الأقل.” وجد ضالته فورًا فيما ينبغي فعله وسط زحام المهام.
←↓↑→
استلقى سانغهيون فوق سريره ممسكًا بهاتفه لتصفح المنتديات؛ وبدا سلوكه مسترخيًا مقارنة بجوهيوك، غير أن ذلك شكل ركنًا جوهريًا من عمله؛ فمعرفة انطباعات الناس عن لعبته الجديدة أمر لا غنى عنه.
قرر أولًا زيارة منتدى محترفي ليل الذي اعتاد ارتياده؛ فهو ساحة النقاش الأولى للعبة ليل، وقاعدته الجماهيرية العريضة تشكلت من لاعبيها، ما جعله منتدى إلزاميًا للمتابعة.
مسح لوحة المنشورات الرئيسية، فلم يعثر على أي ذكر للعبة مدرسة الزومبي؛ إذ لم يبلغ أي موضوع عنها قسم كبار ليل بعد، وحتى لو بلغ، لتجاهله أغلب رواد الموقع لعدم صلته بلعبة ليل.
غير أنه عثر على منشور يتناول شخص آلموند:
[مقطع فيديو آلموند على يوتيوب اليوم، مغرور للغاية.]
مغرور؟ ساوره الفضول لمعرفة المقصد، فنقر على الرابط.
أظهرت الصورة المصغرة للمقطع البطلة راينا ترمق آلموند بنظرات استثنائية دافئة. وعرض المقطع المشهد الختامي لوداع راينا وآلموند:
“أترحل قريبًا؟”
“على الأرجح.”
عقب المصافحة والتلويح، باغتته راينا فجأة…
سوووش.
…وجذبته نحوها وطبعت قبلة دافئة على شفتيه:
“وداعًا.”
عرض بثه لطور القصة بتفاعل محدود مع الشات، فشاهد أغلب رواد يوتيوب تلك اللقطة للمرة الأولى عبر المقطع.
— ما هذا بحق؟!؟
— أهذه راينا حقًّا في هذا المشهد؟
— هل جسدوا ملامح وجه آلموند بالكامل داخل اللعبة؟؟؟
┘ وسامة مفرطة كسر بها موازين اللعبة، يلزمها إضعاف وتعديل فوري!
سادت الحيرة والاستغراب بين جمهور المشاهدين إزاء الموقف.
[اتضح أن قائدة فرقة المرتزقة، التي رافقتنا طوال طور القصة كحليفة، لم تكن سوى راينا نفسها! ويبدو أن هذا المشهد مكافأة مخفية لمن يحقق إنجاز النجوم الثلاث لراينا.]
[تقمص آلموند شخصية ليت صديق ران وخاض المعركة. وفي ذلك المشهد، كشف آلموند وراينا هويتيهما وخاضا مواجهة حاسمة.]
تضمن المنشور شرحًا وافيًا للخلفيات؛ غير أن رواد المنتديات قلما يقرؤون ما تجاوز ثلاثة أسطر.
‘لم نخض أي مواجهة حاسمة بتاتًا…’
شعر آلموند بظلم خفيف من هذا الوصف المبالغ فيه، وتابع قراءة بقية التعليقات:
— أهذا هو طور قصة ران؟! سأشاهد النسخة الكاملة حالًا!
— شفتَا راينا مجددًا…
— شفتان! شفتان! شفتان!
— مستحيل، أسهل نيل شفتي راينا إلى هذا الحد؟! ماذا؟! يا أختنا الكبرى!!! أهكذا تفعلين؟!؟
— أمقت نفسي لأنني أنفقت كل تلك الأموال لشراء مظهرها الفاخر…
— فلنرسل شاحنة احتجاجات لمقر الشركة! لن أصمت على هذا الأمر بعد اليوم!
┘ وأنا أؤيدك تمامًا 2222
┘ 33333 معكم حتى النهاية!
أفرغ المشاهدون الذين فهموا الموقف غضبهم العارم إثر سرقة شفتي راينا مجددًا؛ وظهرت مقاطع أخرى ذات صلة تقتنص اللقطة ذاتها:
— ظهرت حقيقة سرقة شفتي راينا للعلن! (رابط) قصة نهب قبلة راينا! (رابط) شاهد كيف نالت قبلتها! (رابط)
┘ متسول نقاط بائس، تصرف مقزز.
┘ كف عن إغراق المنشورات بروابطك المزعجة.
نقر آلموند على أحد الروابط بدافع الفضول، وتساءل هل آتت حملة الإغراق أكلها؛ فقد انتقل المنشور بالفعل إلى قسم كبار ليل.
[إذن، كان هذا هو السبب الحقيقي! راينا!]
[مقطع فيديو]
أظهر الفيديو المرفق راينا تسترق النظر خلسة نحو وجه آلموند:
“أهذا وجهك الحقيقي؟”
أشاحت ببصرها بعيدًا فور إلقاء السؤال.
“نعم. هذا وجهي الحقيقي.”
“فهمت. إنه يناسبك أكثر بكثير.”
أشرقت أسارير وجهها بابتسامة مشرقة فور سماع تأكيده.
— وقبلته فورًا إثر تلك الجملة، سحقًا للعدالة!
— أشفتَا راينا هاتف آيفون؟! لمَ تُفتحان ببصمة الوجه هكذا؟! ماذا دهاها؟!
— فحص الوجه أولًا ثم إبرام الصفقة؛ تصرف كلاسيكي يليق بمطلقي الضرر، ههههه!
┘ فحص الملامح قبل الشروع في الاشتباك، ههههه!
— يناسبك أكثر بكثير! ههههه سأموت من الضحك!
— نرجو من المطورين إضعاف وسامته فورًا…
— أراهن بكامل ثروتي البالغة 15,000 وون أنها ما كانت لتقبله لو أنكر كونه وجهه الحقيقي!
┘ عين الصواب ههههه!
┘ حقيقة مطلقة!
تناولت نصف المنشورات المتعلقة بطور القصة شخصية راينا؛ بينما أشاد 40% بمهارة آلموند القتالية الخارقة في الظلام الدامس، ومثلت الـ 10% الباقية شائعات ومشاكسات حول لورانغ.
لم يمثل ذلك مشكلة لسانغهيون، غير أنه عجز عن العثور على أي نقاش يخص لعبة مدرسة الزومبي.
‘لعل الأجدر بي التوجه إلى مجتمعهم الخاص.’
غادر سانغهيون منتدى محترفي ليل ودلف إلى مجتمع جديد ناشئ يدعى “روضة الزومبي”. اتسم المجتمع بحداثة عهده وقلة رواده، غير أن ذلك لم ينقص من قيمته؛ فمجرد تشكل قاعدة جماهيرية للعبة لا تزال في مرحلة الوصول المبكر شكل إنجازًا لافتًا، ويعود الفضل الأكبر في ذلك لخوض علكة غمار اللعبة.
طالعه أول موضوع نقاش يحلل مسار علكة مقارنة بمسار آلموند؛ وسرعان ما تحول المقال التحليلي إلى حديث الساعة في ذلك المجتمع الوليد.
أدرك سانغهيون أن هذا الموضع يضم صفوة اللاعبين الجادين، فنقر على المقال مستطلعًا: ‘أهكذا تُخاض اللعبة إذن؟’
شاهد مقطع علكة وهو يخوض مدرسة الزومبي بأسلوب يباين أسلوبه تباينًا جذريًا.
————————
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.