الفصل 332. آلموند شرودنغر (5)
تعد مقاطع يوتيوب القصيرة نموذجًا مثاليًّا لتعظيم مكاسب المنصة؛ لشعبيتها الجارفة وسرعتها القياسية في مضاعفة المشاهدات.
انطوت تلك المقاطع على عيوب؛ أبرزها حاجتها لمونتاج مكثف؛ فالدقيقة الواحدة تفرض حشر الأحداث بحبكة متقنة، ما شكل عائقًا للكثيرين، غير أن جيآه مثلت استثناءً فريدًا.
“لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا على أية حال.”
أكان ذلك بفضل براعتها الفائقة في التحرير؟ نصف الحقيقة فقط يكمن في ذلك.
“من التقاط السهم بأسنانه حتى صرع بايك جونسو…”
السبب الجوهري تمثل في خلو اللقطات من أي حشو يستدعي الحذف.
“استغرقت الأحداث برمتها نحو خمس دقائق تقريبًا؟”
لم تستغرق نجاة آلموند من السهم وقتل بايك جونسو أكثر من ثلاث دقائق في المشهد الأصلي دون تعديل.
اختصرت جيآه المقطع لدقيقة؛ حاذفة مشهد استفزاز رئيس الفصل، ومسرعة حركة الشخصيات؛ فأضفى المونتاج طابعًا قتاليًّا كأفلام الفنون القتالية.
“فلنرَ النتيجة…”
أسندت جيآه ذقنها بيدها ونقرت زر الفأرة بعينين يعلوهما النعاس.
[تشغيل]
شسسسك!
استهل المقطع بتحليق السهم بالتصوير البطيء.
ثم…
طاخ!
أطبق آلموند بأسنانه على السهم في لمح البصر.
تكة.
انتهى كل شيء في طرفة عين بمجرد شد وتر القوس واقتحام بايك جونسو.
بام!
تطاير الباب وتراءى خيال جسده الضخم وسط سحب الغبار المتصاعدة؛ وتكرر المشهد بالتصوير البطيء مجددًا.
بدا بايك جونسو أشد شراسة ومهابة مع تطاير الباب؛ فرفع درعه الخشبي وزأر بحنق: “كيم جوهيوك!”
هيبة كفيلة ببث الرعب في الصدور، غير أنها لم تدم طويلًا.
سوووش!
هوى مقذوف خاطف من الأعلى كالصاعقة.
طخ!
سقط ذلك العملاق أرضًا دون حراك.
ثم قربت العدسة المشهد نحو شفتي آلموند مباشرة:
“تشيكيتشا.”
مع تلك الكلمة الأيقونية، بلغت مدة الفيديو الدقيقة الواحدة تمامًا.
“هذا مقطع يستحق النشر بجدارة، تثاؤب…”
تمطت جيآه ونهضت من مقعدها بارتياح:
“أشعر بالجوع.”
توجهت نحو المطبخ وسكبت ماءً ساخنًا فوق كوب النودلز سريعة التحضير.
“آه، كدت أنسى.”
تذكرت أمرًا مهمًّا، فعادت مهرولة نحو شاشة الحاسوب.
[جوهيوك: أعتقد أن إضافة هذا المنشور للمونتاج ستكون لمسة طريفة وممتعة]
[جوهيوك: (صورة مرفقة)]
أرسل لها جوهيوك لقطة شاشة لردود أفعال المنتديات الساخرة.
“إنه يملك حسًّا فكاهيًّا عاليًا بلا شك.”
ابتسمت جيآه برضا تام، وأدرجت لقطة المنشور في افتتاحية الفيديو كصورة مصغرة.
←↓↑→
رنين!
[مدرسة الزومبي: “تشيكيتشا” في وجه الكارهين]
أثار المقطع المباغت حيرة وتساؤل المشاهدين:
— ؟
— مقطع قصير آخر في اليوم ذاته!؟
— وليمة مقاطع اليوم!
— شكرًا لكِ أيتها المونتيرة العبقرية!
— ما هذا؟ أهي نظرية مؤامرة جديدة؟
لم تعتد قناة آلموند طرح مقاطع قصيرة متتالية منذ حادثة البطولة، لذا باغتهم هذا النشر المزدوج.
— انظروا إلى الصورة المصغرة، ههههه!
— أهذا ممكن بحق!؟
— ههههه، أهذا حقيقي؟
أصابتهم الصورة المصغرة بالدهشة؛ فقد تضمنت منشور المنتدى الذي أرسله جوهيوك:
[السيناريو الوردي الذي يحلم به جمهور الجوز الآن]
[كاد آلموند يهلك، لكنه تفقد المحادثة وقطع البث فورًا ← عاد اليوم وتلقف السهم في الهواء ثم سدده مباشرًا في رأس بايك جونسو ← هذا هو رد فعله؛ وتنتهي اللعبة.]
كان توظيف منشور الكارهين كصورة مصغرة خطوة غير مسبوقة في قناة آلموند.
— الصورة المصغرة تحفة، ههههه!
— أيسخر المقطع من جمهور آلموند؟
— ما قصة هذه الصورة المصغرة!؟
أساء بعضهم فهم غايتها في البداية؛ لكن مع توالي المشاهدات والتعليقات، انقلبت الأجواء رأسًا على عقب:
— واو… كيف يعقل هذا بحق السماء؟
— كيف قتله بتلك السهولة!؟
— لم أتوقع قط أن يصرع بايك جونسو بتلك الطريقة…
— └ هذه هي ‘الضربة القاضية’ لآلموند!
— └ ذُهلت من تفاديه للسهم بأسنانه، لكن تسديده رمية منحنية عمودية نحو بايك جونسو جنون مطلق!
أبدى المشاهدون إعجابًا أسطوريًّا بتسلسل الأحداث؛ فتحول المشهد بفضل المونتاج المحكم لما يشبه أفلام الحركة الهوليودية المتقنة.
— ذلك المنشور الساخر تحول لنبوءة حرفية، ههههه!
— └ هذه بحد ذاتها تشيكيتشا قاسية للكارهين…
— └ الصورة المصغرة تمثل تشيكيتشا تاريخية من المونتيرة، ههههه!
— الحبكة من عبارة “أأنا حي؟” حتى نطق “تشيكيتشا” بلغت حد الكمال المطلق!
— └ أستطيع الموت الآن دون ندم…
— └ عليّ تكرار مشهد “أأنا حي؟” لساعة كاملة!
شكلت كلمة “تشيكيتشا” الختامية صفعة منعشة أخرست كافة المشككين والمتربصين.
— لهذا السبب يقول الحكماء: حبة لوز واحدة خير من مئة سمكة رنجة!
— └ آلموند أسطورة حية لا تتكرر.
— └ أين كارهو آلموند الآن؟ اخرجوا وانبحوا!
— الكارهون أُبيدوا بالكامل!
— └ جمهور الجوز بُعثوا من جديد!
احتفل عشاق آلموند بجنون، وراجع بعض الكارهين أنفسهم باعتراف صريح:
— أحني رأسي اعتذارًا؛ سخرت منك بالأمس لظني أنك فشلت من أول محاولة؛ لن أشكك في آلموند بعد اليوم؛ تحيا الجوزة!
— └ ههههه، انظروا إليه كيف انقلب مداحًا فجأة!
— └ نفاق علني، ههههه!
كانت تلك الفئة أهون السيئين؛ فالغالبية من المتربصين لم يتوبوا ولم يختفوا:
— مجرد مونتاج وتزييف رخيص، ههههه!
— └ يثير الشفقة تصديق السذج لمثل هذه الترهات!
— اعرضوا لقطات البث المباشر الأصلية؛ بالمونتاج أستطيع التحول لموجات كهرومغناطيسية بدوري!
— └ سخروا منه بالأمس لظنهم أنه مات، واليوم يتباكون على المونتاج، يا لغباء الكارهين!
“لا يتغيرون أبدًا…”
ارتشفت جيآه من حسائها أمام الشاشة؛ ثم حركت الفأرة وحظرت تلك الحسابات ماسحة تعليقاتها دون تردد.
لم تكلف نفسها عناء نشر البث الخام لإقناعهم؛ فذلك ضرب من العبث العقيم؛ وحتى لو أطلعتهم على كل التفاصيل، لتراجعوا مؤقتًا ثم عاودوا الهجوم عند أدنى زلة تالية.
فالفيديو نُشر لإسعاد المعجبين، وليس لاسترضاء المتربصين.
“على أية حال، حقق المقطع نجاحًا كاسحًا.”
أرسلت رسالة نصية بابتسامة راضية:
[جيآه: عمل رائع؛ الجدل الدائر صب في مصلحتنا تمامًا]
[جوهيوك: هذا أنا دومًا]
أرسل جوهيوك ملصقًا يرفع فيه إبهامه فخرًا، فارتسمت ابتسامة لطيفة فوق شفتيها.
←↓↑→
في تلك الأثناء، نال آلموند إشعار إنجاز فور انتهاء المشهد السينمائي:
[إنجاز: الانتقام الشخصي. اكتمل بنجاح!]
“واو.”
فتح سحق عصابة المتنمرين باب الإنجاز؛ فتحقق آلموند من استعادة السيطرة على جسده وحرك أصابع يديه.
“أوه، تتحرك بحرية الآن.”
— واو، نالت يون سوهي تشيكيتشا بدورها!
— أُبيدت عصابة المتنمرين عن بكرة أبيها!
— نهاية مستحقة لعصابة الأوغاد!
ابتهج المشاهدون بالاستئصال الكامل لعصابة المتنمرين.
شعر آلموند بالارتياح، غير أن صدى كلمات كيم جوهيوك ظل يتردد في مخيلته:
“لم تكن الزومبي أو هذه المدرسة اللعينة، بل أنتم من دفعتم بالأمور إلى هذه النهاية.”
ألقى كيم جوهيوك باللائمة على المتفرجين السلبيين والمتنمرين معًا؛ فهل صدر ذلك عن قناعة صادقة؟ أكان الغرض تعذيب ضمائرهم أم مواساة روحه المعذبة؟
‘هل تحسنت حالته النفسية قليلًا؟’
فتح آلموند نافذة الحالة الشعورية لكيم جوهيوك:
[قلق]
[اضطراب]
[إرهاق]
خلت القائمة من أي أثر لمشاعر الفرح؛ وبالطبع، كان ذلك أمرًا متوقعًا ومفهومًا.
— واو، ألف مبروك!
— أشارفنا على المشهد الختامي للعبة!؟
— سُحقت العصابة أخيرًا، مشهد يثلج الصدور!
— تهانينا الحارة يا آلموند!
توالت رسائل التهنئة في المحادثة، ورمقها آلموند بتفكير عميق؛ وتدفقت إشعارات التبرعات تباعًا:
[تبرع التربية_الصحيحة بمبلغ 10,000 وون!]
[لقد أعدت ضبط النظام المدرسي بنجاح؛ (عقب فناء العالم بالطبع).]
كما هو متوقع، أسعد عقاب المتنمرين قلوب المتابعين.
[تبرع المعلم_العظيم_آلموند بمبلغ 5,000 وون!]
[لقد لُقنت مدرسة الزومبي درسًا لا يُنسى!]
توالت تبرعات المداعبة التي تتلاعب بألفاظ عنوان اللعبة.
[تبرع نذير_شؤم بمبلغ 50,000 وون!]
[أأنا وحدي من يرى أن هذه القصة تشبه حبكات ويبتون المدارس المعتادة؟ ههههه، على أية حال مبارك لك.]
أشار بعض المتابعين لتشابه قصة مدرسة الزومبي مع حبكات قصص الويبتون المدرسية الشهيرة.
أحنى آلموند رأسه بامتنان:
“شكرًا جزيلًا على تبرعاتكم يا تربيةصحيحة ويا معلمعظيمآلموند ويا نذيرشؤم؛ الرحلة لم تنتهِ بعد، فلنواصل التقدم.”
— ههههه، قرأ المعلم العظيم آلموند كاملة!
— ويبتون مدرسي بامتياز!
— آلموند يقرأ المعرفات بإنصاف تام!
‘على الأقل، أسدل الستار على مسألة الانتقام.’
لم يطرأ تحول إيجابي ملموس على نفسية كيم جوهيوك، غير أن إتمام الانتقام أفضل بكثير من بقاء تلك الغصة في حلقه.
“والآن، بعد أن طوينا صفحة الانتقام، فلننتقل للخطوة التالية، ما رأيكم؟”
حان وقت التقدم وتجاوز ماضي كيم جوهيوك وعقدة المتنمرين القديمة.
— ما الخطوة التالية؟ كشف المؤامرة؟
— الهروب نحو الملجأ المحصن!؟
— علينا البحث عن أصحاب المناعة الجينية!
التفت آلموند نحو جماعة رئيس الفصل:
“فلنعد الآن؛ نحو ورشة البناء.”
اعتزم اللقاء بمجموعتي هيونآه وسوهيون في الورشة مجددًا؛ فمن منظور آلموند، بلغت نفسية كيم جوهيوك أفضل حالاتها واستقرارها حين تواجد برفقتهما، وشعر آلموند بالارتياح لذلك أيضًا.
←↓↑→
تناهت أصوات جلبة وضوضاء عالية إلى مسامع آلموند ورئيس الفصل فور اقترابهما من موقع الورشة.
ززززنغ.
صوت شبيه بآلات ومعدات تعمل في ورشة البناء؛ واحتشدت جحافل الزومبي عند المدخل جراء تلك الضوضاء، تلوح بأذرعها في محاولة مستميتة للاقتحام:
“غراااااه…!”
“غروووور!”
اكتفت الزومبي بالصراخ العاجز أمام المتاريس الحصينة التي شيدها الطلاب.
طخ! طخ!
برزت أسنّة الرماح الحادة من بين شقوق المتاريس لتخترق جماجم كائنات الزومبي المهاجمة؛ وتصدت فرقة الدفاع ببسالة لصد العدوان؛ وتراءى المدافعون من خلال فجوات الحاجز الخشبي، بما في ذلك هيونآه.
“مهلًا! لقد عدتم سالمين!” حيت هيونآه آلموند ورئيس الفصل بترحيب دافئ فور عودتهما.
صرير!
أزاح الطلاب المتاريس جانبًا ليفسحوا المجال لآلموند ورئيس الفصل بالدخول.
أوجز آلموند الموقف فور دخوله، رغبة منه في طمأنتهم لكي لا يرهقوا أنفسهم في تصنيع السهام على عجل:
“لقد قضيت على عصابة بايك جونسو؛ يمكنكم التوقف عن تصنيع السهام الآن.”
غير أن ردة فعلهم جاءت مفعمة بالذهول التام وعدم التصديق:
“ما… ماذا قلت!؟”
ززززنغ.
بين الضجيج المتواصل لآلات تصنيع السهام، أمالت هيونآه رأسها بزاوية تسعين درجة وقد علت وجهها حيرة مطلقة:
“عن أي شيء تتحدث بحق؟ ألم تأخذ معك ثلاثة سهام فقط؟ كيف قضيت عليهم جميعًا؟ كان عددهم اثني عشر خصمًا… أليس كذلك؟”
— قضى على اثني عشر رجلًا بثلاثة سهام فقط؟ مشكوك في الأمر!
— أنا نفسي عاجز عن استيعاب ما حدث، ههههه!
— حتى نحن شاهدنا المجزرة بأعيننا ولم نستوعبها يا آنسة، ههههه!
نظرت هيونآه نحو رئيس الفصل التماسًا لتفسير منطقي، غير أن…
“… آه… حسنًا… الأمر هو…”
تحرك رأس رئيس الفصل بارتباك كأن تفكيره تجمد بالكامل.
— تجمد عقله رسميًّا، ههههه!
— أيتعمد رئيس الفصل التظاهر بالغباء كلما تعقد الموقف؟ ههههه!
— تعبيرات وجهه تحفة لا تصدق!
اعتاد رئيس الفصل إظهار ملامح بائسة مشوشة كلما عجز منطقه عن تفسير أفعال آلموند.
شعر آلموند بالإحباط:
“كلا، ما أقصده هو…”
عجزت الشخصيات عن تصديق كلامه رغم تأكيده المتكرر بعدم الحاجة لمزيد من السهام:
“لقد تكفلت بأمرهم جميعًا بالفعل.”
ظلت هيونآه غارقة في حيرتها وارتباكها؛ وفي الحقيقة، يصعب على أي عقل مبرمج تصديق تلك الواقعة.
— لِمَ يعجزون عن الاستيعاب؟
— هل يفتقرون للمنطق أم ماذا؟
— إنه خطأ آلموند وعبقريته الفائقة، ههههه!
في تلك اللحظة، ظهر إشعار تبرع حاول صاحبه تقديم يد العون للتوضيح:
رنين!
[تبرع أشرح_بالنيابة_عنك! بمبلغ 10,000 وون!]
[عليك الشرح بالتفصيل الممل! أخذت ثلاثة سهام فقط، رددت بأحدها حربة طائرة، واستخدمت سهمين لقتل حارسين، ثم التقطت سهمًا من الأرض وقتلت الحارس الهارب، والسهم الأخير أطلقته في رمية دورانية بزاوية 180 درجة لأقتل نفسي ثم تذكرت ألا أموت فالتقطته بأسناني وسددته مباشرة في رأس بايك جونسو المحتمي بدرع…]
لم يبدُ ذلك التبرع مفيدًا بأي شكل من الأشكال في تبديد حيرتهم.
————————
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.