الفصل 755: مقياس أوبل
كان موقف السيدة جيت غير المبالي في تباين صارخ مع خطورة تصريحها. تجمد ساني لبضع لحظات، ثم وضع كوبه ببطء على الطاولة. وعندما تحدث، بدا صوته أجشّاً بعض الشيء:
“ماذا؟”
تنهدت، ثم نظرت حول الكافتيريا. كان الأمر غير حقيقًا بعض الشيء، أن يناقشا أمرًا يمس حياة مئات الملايين من البشر وسط أمان هذا المكان الهادئ.
كان عدة معلمين يستمتعون بوجباتهم، بينما انصرف أعضاء من طاقم التدريس إلى شؤونهم. لم يكن أحد منهم على دراية بالكارثة الوشيكة. وكان هذا التناقض يبعث على القشعريرة أيضًا.
لم يبدُ أن حاصدة الأرواح تبالي.
“لقد أخبرتك عن مقياس أوبل ذات مرة، أليس كذلك؟ إنه نظام تقني سحري معقد للغاية تستخدمه الحكومة للتنبؤ بظهور البوابات حول العالم. حسنًا… لم أكن صادقة تمامًا حين قلت إن القليل من الصيانة والمعايرة سيحل جميع المشكلات التي كان يعاني منها مؤخرًا.
في الحقيقة، المشكلات التي واجهتنا مع قراءاته ليست تافهة كما ألمحت. إنها مجرد عرض لمشكلة أكبر بكثير.”
اتسعت عينا ساني قليلًا.
“كورت… كورت نصل الظل. لقد ذكر شيئًا عن مقياس أوبل. كان ذلك سبب استسلامه وجنونه… أحد الأسباب، على الأقل.”
أومأت السيدة جيت برأسها، وظهرت على وجهها ملامح ازدراء طفيف.
“نعم. ومع ذلك، كان كورت محطمًا وضعيفًا. لقد بالغ حقًا في تقدير حجم المشكلة.”
ارتجفت زاوية فم ساني.
“لن أصف خسارة قارة بأكملها بأنها مشكلة صغيرة.”
هزت كتفيها.
“ولا أنا. لكنها ليست نهاية العالم أيضًا.”
ارتشفت حاصدة الأرواح رشفة قهوة بهدوء.
“حين خسرنا امريكا الشمالية في الماضي، حدث شيء مماثل. اختلت محاذاة مقياس أوبل، مما جعل نطاق رصده غير موثوق. وفي النهاية، ظهرت بوابة من الفئة الخامسة، وبعد ذلك، عاد كل شيء إلى طبيعته. ومع ذلك، لاحظت الحكومة منذ بضع سنوات اضطرابات متزايدة في القراءات مجددًا.
وبعد دراسة هذه الاضطرابات لبعض الوقت، توصلنا إلى استنتاج مفاده أن شيئًا جسيمًا على وشك الحدوث مجددًا.”
زمّت شفتيها.
“هذه المرة، سيكون الأمر مختلفًا. فبدلًا من بوابة واحدة عملاقة، سيكون هناك… تفاعل متسلسل، من نوع ما. ستفتح مئات البوابات الأصغر في تتابع سريع نسبيًا، مما سيسمح لعدد لا يحصى من مخلوقات الكابوس باجتياح العالم الحقيقي. وكل هذا سيحدث…”
مرت لحظة صمت متوترة قبل أن تكمل جملتها:
“…في انتاركاتيكا.”
شعر ساني بجفاف حلقه.
“ولكنك… لقد قلتِ للتو إن انتاركاتيكا هي ثاني أكثر القارات اكتظاظًا بالسكان على وجه الأرض.”
أومأت السيدة جيت برأسها.
“نعم. يعيش هناك ما يقرب من تسعمائة مليون شخص.”
ظل ساكنًا لفترة، ثم أشاح بنظره بعيدًا.
“…قلتِ أيضًا إن البنية التحتية العالمية المجزأة معرضة لانهيار متسلسل. وإن انتاركاتيكا بمثابة مركز لوجستي بين القارات الأربع وبين امريكا الجنوبية، حيث يُنتج معظم غذائنا.”
ابتسمت حاصدة الأرواح.
“صحيح. ومع ذلك، فالأمر ليس بالسوء الذي قد تظنه. إذ تمتلك كل مدينة عملاقة زراعة مائية متطورة وقادرة على إعالة نفسها، إلى حد كبير. لقد تعلمنا دروسنا. نعم، سيكون فقدان الاتصال بامريكا الجنوبية ضربة مؤلمة، لكن البشرية ستنجو. سيكون هناك تغيير كبير بالطبع… وأعتقد أنك خمنت طبيعته بالفعل.
سيُدفع بالمزيد من الناس إلى الضواحي. ربما سيعيش ثلاثون بالمائة من السكان هناك بدلًا من عشرين. وربما أكثر.”
لم يستطع ساني التخلص من استيائه بعد.
“وماذا عن ملايين الناس الذين يعيشون في انتاركاتيكا؟ ما الذي تفعله الحكومة؟ ألا يمكنكم إرسال ما يكفي من القوات والمستيقظين إلى هناك لاحتواء التفاعل المتسلسل؟”
ترددت لبضع لحظات، ثم أطلقت تنهيدة حزينة.
“…بالتأكيد. إذا حشدنا كل قواتنا — وأعني كلها بلا استثناء — وحصلنا على دعم العشائر العظيمة الكامل للعملية، فقد نحتفظ بانتاركاتيكا. ومع ذلك، فالأمر ليس بهذه البساطة. فلكل شيء ثمن يا ساني. هناك ثلاث قارات أخرى يتعين علينا حمايتها، وإرسال هذا العدد الهائل من المستيقظين إلى مفرمة اللحم سيتركها بلا دفاع.
فعلى أي حال، حقيقة أن مئات البوابات ستفتح في انتاركاتيكا لا تعني أنها ستتوقف عن الظهور في كل مكان آخر. واستنزاف مواردنا أكثر من اللازم لحماية قطاع واحد سيهلكها جميعًا. وحتى لو لم يحدث ذلك على الفور، فعلى المدى الطويل، ستفنى البشرية من على وجه الأرض.”
فركت السيدة جيت وجهها، ثم ابتسمت.
“لكن هذا لا يعني أننا سنقف مكتوفي الأيدي. في الواقع، ظلت الحكومة تعد لعملية ضخمة طوال العامين الماضيين. المشكلة تكمن في أن… الوضع تغير بسرعة تفوق توقعات الجميع. لقد تم تقديم الجدول الزمني عدة سنوات على الأقل. واستعداداتنا الحالية غير كافية بالمرة.”
صمتت، ثم أضافت بنبرة محايدة:
“كنا نظن أن لدينا متسعًا أكبر من الوقت لتجهيز كل شيء. ولكن لم يعد لدينا، ليس بعد الآن. لذا… ستكون فوضى ملعونة ذات أبعاد ملحمية.”
قطب ساني حاجبيه، غير متأكد تمامًا مما يعنيه ذلك. وبالكاد استطاع تقبل حقيقة أن خسارة إحدى القارات الأربع ثمن مقبول لإبقاء القارات الثلاث الأخرى سالمة. فقد خسرت البشرية امريكا الشمالية في النهاية، وواصلت صمودها رغم تلك الخسارة. بل يمكن القول إنها ازدادت قوة نتيجة لذلك.
ولكن إذا كانت الحكومة مستعدة للسماح لمخلوقات الكابوس باحتلال انتاركاتيكا، فما نوع العملية التي يمكن أن تخطط لها بحق السماء؟
“…ما الذي تنوي الحكومة فعله بالضبط؟”
التفتت السيدة جيت نحو خريطة الأرض مجددًا، وتمهلت لبضع لحظات، ثم أشارت إلى الأرخبيل الكبير في الجنوب.
“وماذا عسانا نفعل غير ذلك؟ سنقوم بإجلاء تسعمائة مليون إنسان من القارة المحكوم عليها بالهلاك بينما يطاردنا حشد لا ينتهي من مخلوقات الكابوس. أو… سنحاول، على الأقل. ولأكون صادقة، أعتقد أن معظم من سيحاولون سيموتون على الأرجح…”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.