ظل نومريس واقفًا في مكانه لثوانٍ بعد اختفاء الثلاثة، محدقًا في الفراغ الذي تركوه خلفهم. ثم أدار رأسه نحو اللوحات الملقاة على الأرض.
لم يأخذ واتسون معه سوى اللوحة التي بدا أكثر اهتمامًا بها، تاركًا اللوحتين اللتين رسمهما نومريس خلفه، وكأنهما لم تعودا تعنيان له شيئًا.
انحنى نومريس والتقط اللوحات، ثم رفع رأسه.
“إلى أين تظن نفسك ذاهبًا؟!”
كان كارل يوجّه سيفه نحوه، وقد اشتد الغضب في ملامحه. غير أن نومريس لم يكلّف نفسه عناء الرد، ولم يمنحه حتى نظرة عابرة.
فقد وقعت عيناه على فورتكس، الذي كان يقف خلف الحراس المتجمعين عند المدخل. حمل في إحدى يديه دفترًا، وفي الأخرى كيسًا ممتلئًا بشيء ما، لم يكن حجمه كبيرًا بما يكفي ليتضح ما بداخله.
لم يلحظ أحد وجود فورتكس خلفهم، ولم ينتبهوا إليه إلا بعدما التقت عيناه بعيني نومريس.
أومأ له إيماءة صغيرة.
فهم نومريس الإشارة على الفور.
تحرك الكيان الأسود إلى جانبه، وامتد سيفه من الظلام في لحظة خاطفة.
دوّى صليل حاد في أرجاء الغرفة.
اندفع الضغط الخفي في المكان، فشعر كارل وكأن قوة هائلة تهبط على جسده، وتثقل أطرافه حتى تكاد تجبره على الركوع. تشنجت عضلاته، وارتجفت قبضته حول مقبض السيف، بينما اتسعت عيناه وهو يحاول مقاومة ذلك الثقل المفاجئ.
إنه… قوي.
لم يستطع أن يرفع عينيه عن الكيان الأسود الذي يضغط عليه بسيفه.
أما مانيس ودونتيس، فقد اجتاحتهما قشعريرة باردة حين رأيا ملامح نومريس الجامدة، وشعر كل منهما بأن الهواء المحيط بهما قد تحول إلى برد قارس يزحف تحت جلديهما.
لقد عثرا عليه أخيرًا.
الفتى الذي جاءا للبحث عنه كان يقف أمامهما الآن، على بُعد خطوات قليلة، ومع ذلك لم يجرؤ أيٌّ منهما على التحرك نحوه.
ابتلع مانيس ريقه، متابعًا نومريس بطرف عينه وهو يمر بجانبه.
ما الذي يحدث؟
حاول سحب سيفه، لكن يده لم تستجب كما ينبغي. بدا المقبض أثقل من المعتاد، وكأن قوة غير مرئية تثبته في غمده.
لماذا لا يخرج؟ هل… هل أعجز عن سحبه؟
لم يكن مانيس وحده من يعاني ذلك الشعور. فقد وجد دونتيس نفسه عاجزًا عن الحركة بحرية أيضًا. حتى أنفاسه باتت حذرة، وكأنه يخشى أن يجذب انتباه نومريس إليه بمجرد أن يتنفس بصوت أعلى.
كان الفتى يمر بينهما دون أن يلتفت إليهما، لكن مجرد اقترابه كان كافيًا ليشعر كل منهما بأنه لا ينبغي له اعتراض طريقه.
“أنت!”
زأر كارل، محاولًا كسر الضغط الذي كبّله في مكانه.
لكن صوتًا آخر أوقفه قبل أن يتمكن من فعل شيء.
“كارل.”
كان صوت جون ضعيفًا، لكنه حمل من الحزم ما جعله يصمت في الحال.
استدار كارل نحوه.
“جون؟”
رفع جون رأسه بصعوبة، محاولًا إبقاء وعيه حاضرًا رغم النزيف الذي أنهك جسده. نظر إلى كارل، ثم قال بصوت متقطع:
“لا… تفعل شيئًا.”
وما إن أنهى عبارته حتى ارتخت عضلاته، وانقلب رأسه إلى الجانب، فاقدًا الوعي.
“جون!”
اندفع كارل نحوه، وأسقط سيفه جانبًا قبل أن يجثو على الأرض ويرفع جسده، محاولًا إيقاف النزيف. لم يعد لديه متسع من الوقت للاهتمام بنومريس أو بالكيان الأسود؛ فقد كان جون بين ذراعيه، ودماؤه تواصل التسرب رغم محاولاته إنقاذه.
في هذه الأثناء، كان نومريس قد تجاوز الحراس، وتبع فورتكس عبر الرواق المظلم، مبتعدًا عن الغرفة التي خلّفاها وراءهما.
ساد الصمت بينهما لبضع خطوات، قبل أن يسأل نومريس بصوت خافت:
“أين ذلك الوغد؟”
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي فورتكس. رفع الكيس الذي يحمله قليلًا، ثم قال:
“انتهت مهمتنا.”
لم يبدُ نومريس مهتمًا بما في الكيس. ظل ينظر إلى فورتكس، ثم سأله مجددًا، وقد ازدادت نبرته إلحاحًا:
“هل وجدت شيئًا عن أمي؟”
“أجل.”
أخرج فورتكس الدفتر من يده وألقاه نحوه.
التقطه نومريس، وفتح صفحاته بسرعة، حتى وقعت عيناه على الاسم الذي ظل يبحث عنه.
سيرافشينا زاريس.
قرأ السطر التالي، فتصلبت ملامحه.
“قبل عامين وشهرين…” تمتم فورتكس، مشيرًا إلى المعلومات المدونة في الصفحة. “هذا آخر ما تمكنت من العثور عليه. بيعت أمك بعد ذلك إلى شخص مجهول باسم كاجي، ولم أتمكن من تحديد وجهتها حتى بعد سؤالي هذا الوغد.”
ساد الصمت.
ظل نومريس محدقًا في السطور، كأنه ينتظر أن تظهر بينها معلومة أخرى تنقض ما قرأه للتو. تحركت عيناه فوق الكلمات مرة، ثم عادتا إلى الاسم من جديد.
ظل نومريس محدقًا في السطور المكتوبة بخط رمادي بائس. “كاجي”… اسم مجهول بلا ملامح، ولا وجه، ولا عنوان. تتلاشى خلفه كل الأوراق والمسارات. شعر وكأن الأرض تحت قدميه تسحب الهواء من صدره؛ كل تلك الضربات التي تلقاها، ودم جون الذي يلطخ يديه الآن، والسنوات التي قضاها يقتات على مرارة العيش حتى يجد أمه، لم تكن سوى محاولة للإمساك بالسراب.
تسمرت عيناه على الاسم، وتشنجت أصابعه حول أطراف الورق المصفر حتى كادت تمزقه. لم ينطق بكلمة، ولم يصرخ، لكن عينيه أظلمتا بنوع من الجمود القاتل؛ ذلك الصمت الذي يسبق الانهيار الكلي.
شدد قبضته على الدفتر حتى انثنت أطراف بعض صفحاته.
وانطبقت أسنانه بقوة، فيما انكمشت ملامحه، واشتعل في عينيه بريق قاتم.
شخص مجهول باسم كاجي…
وبعد كل هذا البحث، لم يكن يملك سوى اسم وتاريخ، وطريق ينتهي عند مجهول لا يعرف عنه شيئًا سوى الاسم.
ألقى فورتكس نظرة على اللوحات التي يحملها نومريس، ثم سأله بفضول:
“بالمناسبة، ما الذي تفعله بهذه اللوحات؟ لا تقل لي إنك سرقتها.”
أجابه نومريس ببرود:
“إنها ملكي في الأصل.”
عقد فورتكس حاجبيه، محاولًا فهم ما يقصده، لكنه لم يجد في إجابته ما يوضح الأمر. وبعد لحظة، هز كتفيه متخليًا عن محاولة الفهم.
“حسنًا، لا يهم. لنطلق سراح بقية السجناء. هذا المكان سيتحول إلى جحيم قريبًا.”
—
وقف نومريس أمام إحدى الزنازين، حيث كان رورمين يقف وسط الحطام، وخلفه جدار تحوّل إلى كومة من الأنقاض.
لم يكن ذلك الجدار الوحيد الذي لقي هذا المصير. أينما وقعت عينا نومريس وفورتكس، امتدت آثار الدمار على طول الممرات؛ جدران متصدعة، وأحجار متناثرة، وأبواب محطمة، فيما كانت أعداد كبيرة من السجناء قد تحررت بالفعل من قيودها.
رفع رورمين رأسه نحو نومريس، وتمعّن في تفاصيله.
كان يحمل سيفه الحبري في يده، وقد بدت عليه آثار معركة عنيفة. تمزقت ملابسه في مواضع متفرقة، وتلطخت بالدماء، بينما التصق شعره بوجهه من العرق والرطوبة. لم يعد يشبه ذلك الفتى الذي دخل السجن قبل مدة، بل بدا الآن كمتشرد خرج لتوه من قلب الجحيم.
وقف إلى جوار رورمين الفتى النحيل ذو العينين البرتقاليتين، عاري الصدر، وشعره المجعد مبعثر حول رأسه. وخلفهما، احتشد عشرات السجناء الذين تمكنوا من استعادة حريتهم.
لم يتوقف نومريس طويلًا عند المشهد.
واصل التقدم، محطّمًا ما تبقى من الأغلال التي اعترضت طريقه. كان الخوف الذي يحيط به كافيًا لإثارة الرعب في نفوس السجناء كلما اقترب منهم، حتى إن بعضهم تراجع غريزيًا عندما مر بجوارهم.
لكن نومريس لم يكن هو من يحطم قيودهم بيديه.
تحرك الكيان الأسود بين السجناء، وكانت ضربات سيفه كافية لتحطيم الأغلال واحدًا تلو الآخر. ومع كل قيد يتكسر، تحرر سجين جديد من أسره، فيما أخذت الفوضى تنتشر في المكان.
حاول بعض الحراس إيقافهم، لكنهم لم يجدوا أمامهم سوى رجال أنهكهم الأسر، ثم استعادوا حريتهم أخيرًا. لم تدم المواجهة طويلًا؛ فقد اندفع رورمين إلى قلب الاشتباك، وسرعان ما سقط الحراس الذين حاولوا الوقوف في طريقه.
أما نومريس، فكان يراقب ما يجري بصمت. شعر بثقل يتسلل إلى جسده، وكأن شيئًا يستنزف ما تبقى من قوته. حاول الحفاظ على تركيزه، لكن قدرته على دعم الكيان الأسود كانت تتلاشى.
وفجأة، توقف الكيان عن الحركة.
لم يتلقَّ ضربة، ولم يبدُ أن أحدًا قد أصابه. أخذت هيئته السوداء تتلاشى أمام أعين السجناء، حتى اختفت تمامًا، تاركةً وراءها الأغلال المحطمة والأبواب المفتوحة.
أطبق نومريس فكه، محاولًا استعادة أنفاسه. لم يعد قادرًا على إبقائه ظاهرًا.
لم يتوقف السجناء ليسألوا عما حدث. كانت حريتهم أقرب إليهم من أن يضيّعوها في التساؤلات، فواصلوا تحطيم ما تبقى من القيود والاستعداد للمغادرة.
أما في الخارج، فلم يكن الطقس أقل قسوة من المشهد الذي خلّفوه وراءهم.
كان الرعد يدوي في السماء على فترات متقاربة، حتى إن أصداءه تهز المباني المحيطة. وانهمر المطر بلا انقطاع منذ بدء العاصفة، متحولًا إلى ستار كثيف يحجب معالم المدينة، بينما اجتاحت الرياح الشوارع وأغرقت الأرض بالمياه.
توقف نومريس أمام باب ضخم كان لا يزال مغلقًا، ثم دفعه ليفتح الطريق إلى الخارج.
خلف الباب، احتشد ما يقارب ثلاثمئة شخص، ظلوا محتجزين داخل السجن حتى تلك اللحظة.
وما إن انفتح المدخل حتى اندفعت موجة من الهواء البارد إلى الداخل، فضربت أجسادهم المنهكة. ارتجفت أطراف بعضهم، وانكمش آخرون داخل ملابسهم البالية، فيما راحوا ينظرون إلى الخارج بعيون متوجسة، غير قادرين على استيعاب ما ينتظرهم خلف تلك الجدران التي قضوا خلفها زمنًا طويلًا.
توقف نومريس لحظة، ثم ألقى نظرة خلفه.
كان يعرف ذلك الشعور جيدًا؛ شعور العجز أمام عالم لا يرحم، والخوف من المجهول الذي ينتظر المرء بمجرد أن يخطو خارج المكان الذي اعتاد سجنه.
لم يكن جميع هؤلاء قادرين على مواجهة ما ينتظرهم في الخارج. فقد كان بينهم عجائز أنهكتهم السنوات، وصبية صغار لم يكن ينبغي لهم أن يعرفوا معنى السجن أصلًا.
ومع ذلك، لم يعد بإمكانهم البقاء هنا.
“ماذا سنفعل الآن؟” سأل نومريس وهو ينظر إلى فورتكس.
تأمل فورتكس الحشد للحظة، ثم أجاب بهدوء:
“ليس لدينا ما نفعله هنا. سنرحل.”
وقبل أن يتمكن أحدهما من قول المزيد، دوّى صوت اصطدام عنيف من الجهة الأخرى للمدينة.
اهتزت الأرض تحت أقدامهم، وتردد صدى الانفجار بين المباني، قبل أن يبتلعه هدير الرعد.
أدار فورتكس رأسه نحو مصدر الصوت، محدقًا في البعيد من خلال ستار المطر الكثيف.
“يبدو أن المعركة لم تنتهِ بعد.”
تبادل السجناء النظرات المضطربة. أخذ بعضهم يتلفت حوله، بينما تراجع آخرون عن المدخل، وكأنهم يتوقعون ظهور عدو جديد في أي لحظة.
تنهد نومريس، ثم حسم أمره.
“علينا مغادرة المدينة فورًا. هيا بنا.”
“ماذا؟ هل سنترك هذا السجن قائمًا كما هو؟”
جاء السؤال من رورمين، الذي نظر إلى نومريس ثم إلى فورتكس، وقد بدا عليه الاستياء من فكرة الرحيل دون فعل شيء آخر.
“ألا ينبغي لنا تدميره؟”
التفت فورتكس إليه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
“لا تقلق، أيها الفتى. اخرجوا من هنا بأسرع ما يمكن. قريبًا، لن يبقى هذا السجن موجودًا.”
ظل رورمين يحدق فيه لثوانٍ.
ثم ابتسم من دون أن يضيف كلمة أخرى. لم يكن يعرف ما الذي ينوي فورتكس فعله، لكنه فهم من نبرة صوته أن هناك شيئًا ينتظر هذا المكان، وأن السجن لن يظل قائمًا طويلًا.
تحت المطر الغزير، خطا نومريس نحو الخارج.
تبعه فورتكس، ثم رورمين والفتى النحيل ذو العينين البرتقاليتين.
وبعد لحظات، بدأ السجناء الثلاثمئة تقريبًا يغادرون السجن تباعًا، متدافعين عبر المدخل الضخم، حذرين من أن يتعثر أحدهم وسط الازدحام أو يسقط على الأرض المبتلة.
كان معظمهم من عرق سومر.
وبينما أخذوا يتقدمون في الشوارع الغارقة بالمياه، راح بعضهم يرمق نومريس بنظرات مترددة. لم يفهموا ما الذي حدث داخل السجن، ولا كيف تمكن هذا الفتى من تحريرهم، أو لماذا كان يسير في المقدمة بينما يتبعه الآخرون.
لكن ما أرعبهم أكثر لم يكن خروجه معهم، بل ذلك الخوف الذي أحاط به داخل السجن.
لقد شعروا به جميعًا، ورأوا ذلك الكيان الأسود المرعب.
كان حضوره وحده كافيًا لجعل الأجساد تتصلب والأنفاس تضيق، فيما كان يراقب كل من يجرؤ على الاقتراب منه.
لم يعرفوا حقيقة ذلك الشيء، ولم يروا منه سوى ما تركه في نفوسهم من رهبة.
ومع ذلك، لم يجرؤ أحد على سؤاله عنه.
—
كان رورمين يسير بالقرب من نومريس في مقدمة المجموعة.
تدلت خصلات شعره حتى كتفيه، وقد ابتلت تمامًا بالمطر، والتصق بعضها بعنقه. وبين الحين والآخر، كان يرفع يده ليبعدها عن وجهه، قبل أن يعيد نظره إلى الطريق أمامه.
لكن فضوله لم يسمح له بالصمت طويلًا.
خفض عينيه نحو السيف الأسود الذي يحمله نومريس، وتأمله للحظات، ثم رفع نظره إلى صاحبه.
“منذ أن خرجت إلى العالم قبل مدة، لم أرَ شخصًا مثلك يحمل سيفًا.”
توقف قليلًا، كأنه يحاول ترتيب أفكاره.
“كل ما رأيته كان الأغلال في أيديهم.”
ثم أضاف، وقد ازدادت الحيرة في صوته:
“لماذا أنت مختلف؟”
لم يكن هذا السؤال جديدًا على رورمين. فقد سبق له أن طرح سؤالًا مشابهًا، وكانت الإجابة التي تلقاها آنذاك أن عرق سومر بأكمله مستعبد.
لكن رؤية نومريس الآن، وهو يسير بحرية حاملًا سيفه، جعلته يعود إلى السؤال نفسه.
كان نومريس مختلفًا عن بقية السجناء، ولم يستطع رورمين تجاهل ذلك.
أدار نومريس رأسه نحوه، والتقت عيناه بعينيه المغلقتين.
“مختلف؟”
كرر الكلمة بنبرة خالية من الفهم، ثم أضاف:
“لم أفهم سؤالك.”
رفع رورمين يديه ووضعهما خلف رأسه، مستسلمًا.
“انسَ الأمر.”
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت، ولم يُسمع سوى وقع خطواتهما وسط المياه المتراكمة، وارتطام المطر بالأرض من حولهما.
ثم كسر رورمين الصمت مجددًا.
“على أي حال، اسمي رورمين. ما اسمك؟”
“نومريس.”
“نومريس؟”
كرر رورمين الاسم، ثم مال برأسه قليلًا.
“اسم غريب.”
بعدها أشار بيده إلى الفتى النحيل الذي يسير إلى جوارهما، ذي الشعر المجعد والعينين البرتقاليتين.
“وهذا صديقي. اسمه ييمير.”
ألقى نومريس نظرة خاطفة على الفتى، ثم أومأ برأسه إيماءة مقتضبة، من دون أن يقول شيئًا.
“من قال لك إنني صديقك؟” تمتم ييمير عابسًا وهو ينظر إلى رورمين.
ضحك رورمين بخفة، غير مكترث باعتراضه، ثم أعاد يديه خلف رأسه ومضى في السير تحت المطر.
أما نومريس، فلم يعلّق على الأمر. اكتفى بمواصلة طريقه، بينما ظل ييمير يتمتم بكلمات غير مفهومة خلفهما.
لم تقطع المجموعة مسافة طويلة حتى صادفت عددًا من جنود الكنيسة، كانوا يقفون في الطريق ورؤوسهم مرفوعة بتعالٍ، وكأنهم يرون أنفسهم فوق كل من يمر أمامهم.
لكن ظهور ما يقارب ثلاثمئة شخص في شوارع المدينة، رغم ظلمة الليل والمطر المنهمر، لم يكن أمرًا يمكن تجاهله. وسرعان ما استرعت المجموعة انتباه الجنود، الذين أخذوا يتقدمون نحوهم لمعرفة ما يجري.
لم يمنحهم نومريس فرصة لطرح أسئلتهم.
وفي غضون لحظات، سقط عدد من الجنود فاقدين الوعي، بعدما تدخل نومريس ورورمين لإسقاطهم. لم يحتج الاثنان إلى وقت طويل للتعامل معهم، حتى إن فورتكس لم يجد ضرورة للتدخل.
ولم يكن جنود الكنيسة وحدهم من اعترض طريقهم. فقد واجهوا أيضًا حراسًا تابعين للمدينة، لكن مصير هؤلاء لم يختلف عن مصير سابقيهم. سقطوا تباعًا على امتداد الطريق، بينما واصلت المجموعة تقدمها، متجنبة الاشتباكات التي قد تؤخر خروجها.
ومع مرور الوقت، ازدادت سرعة خطواتهم، حتى بدأت ملامح سور المدينة الضخم تظهر من خلال ستار المطر.
كان بعض جنود المدينة لا يزالون متمركزين عند البوابة، لكنهم تجمدوا في أماكنهم عندما رأوا الحشد الهائل يندفع نحوهم. مئات الأشخاص يركضون في الشوارع وسط العاصفة، في مشهد لم يكن مألوفًا حتى في أكثر الليالي اضطرابًا.
اتسعت أعين الجنود، وعجز بعضهم عن النطق. لم يعرفوا ما الذي يحدث، لكنهم سرعان ما ربطوا المشهد بالمعركة التي هزت المدينة وأيقظت كثيرًا من سكانها.
هل كان هؤلاء الناس يفرون من القتال؟
أم أن شيئًا أكثر رعبًا قد وقع داخل المدينة؟
“توقفوا!”
شق صوت أحد الجنود ضجيج المطر، بينما تقدم محاولًا اعتراض طريق الحشد.
لكن رورمين لم يبطئ خطاه.
وفي لحظة خاطفة، اندفع إلى الأمام، وداس بقدمه على وجه الجندي الذي اعترض طريقه، ثم تجاوزه وهو يضحك، تاركًا إياه ملقى على الأرض.
واصلت المجموعة اندفاعها، وعبرت البوابة الضخمة، مبتعدة عن المدينة التي ظلت أصداء المعركة تتردد في أرجائها.
—
كان واتسون يلهث بصعوبة، وقد انقسمت اللوحة التي يحملها إلى نصفين. وقف مترنحًا، منهكًا إلى درجة لم يعد معها قادرًا على إخفاء آثار الهزيمة، فيما استقر سيفان عند عنقه، أحدهما يحاصره من جهة، والآخر من الجهة المقابلة.
رفع عينيه نحو تولفي وماوريس، ثم أطلق زفرة مثقلة بالإحباط.
“تبًّا…”
أدرك أخيرًا أنه خسر.
تأمل ماوريس وجهه لبرهة، وكأنه يتحقق من أن خصمه قد استوعب حقيقة الموقف، ثم قال بنبرة هادئة:
“لقد أخبرتك منذ البداية. لم يكن هناك مفر.”
توقف قليلًا، قبل أن يضيف:
“صحيح أننا ضحّينا بثلاثة أرواح من أجل تحقيق هدفنا، لكن تلك التضحية كانت تستحق العناء.”
ظل واتسون صامتًا، ولم يحاول الاعتراض. كان الإرهاق قد استنزف ما تبقى من قوته، ولم يعد في وضع يسمح له بقلب الموازين.
أما تولفي، فكان طرف سيفها يلامس حنجرته، حتى إن حركة خاطئة واحدة قد تكفي لقتله.
قالت وهي تلقي نظرة سريعة حولها:
“علينا المغادرة. معركتنا جذبت أنظارًا أكثر مما ينبغي. لقد بدأوا يتجمعون من كل جانب، كوحوش مفترسة تتربص بفرائسها.”
التفت ماوريس نحوها وسأل ساخرًا:
“وماذا تقترحين أن نفعل الآن، تولفي؟”
ارتسمت ابتسامة على شفتيها، بينما أبقت سيفها ثابتًا عند عنق واتسون.
“سنأخذ هذا الرجل معنا بالطبع.”
ثم أضافت، وقد ازدادت ابتسامتها وضوحًا:
“سنقوده إلى ذلك الرجل.”
كان واتسون يسمع حديثهما بوضوح، لكنه لم ينبس بكلمة. اكتفى بالتنهد، محاولًا التقاط أنفاسه، فيما ظل السيفان يحولان دون أي محاولة منه للتحرك.
وفجأة، دوّى انفجار هائل في مكان ما من المدينة.
اهتزت الأجواء من حولهم، والتفتت الأنظار نحو مصدر الصوت. حتى أولئك الذين لم يستيقظوا على أصوات المعركة السابقة انتفضوا من نومهم، بعدما اخترق دوي الانفجار أرجاء المدينة.
لكن ما ظهر أمام أعينهم كان أشد إثارة للقلق.
في الجهة التي يقع فيها السجن، ارتفعت ألسنة اللهب إلى السماء، مضيئةً ظلام الليل بلون متوهج. اشتعل المبنى وسط العاصفة، وتصاعدت منه النيران رغم المطر الغزير الذي انهمر فوق نيڤيريا، كأن الحرارة المتفجرة في داخله تتحدى برودة الطقس وقسوة المطر.
وللحظات، بدا وهج الحريق وكأنه شمس أخرى أشرقت في قلب الليل.
حدّق واتسون في المشهد من بعيد، بينما انشغلت تولفي وماوريس بالنظر إلى السجن المشتعل.
لم يعد هناك شك في أن شيئًا هائلًا قد حدث خلف تلك الجدران.
والآن، لم يكن بوسع أحد أن يتجاهل ما يجري في نيڤيريا.
نهاية الفصل
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.