في الأمس فقط.
تلقى يانغ جيان اتصالًا من زميله تشانغ وي، قال فيه إنه سيقيم اليوم لقاءً للزملاء، ليجتمع من نجا من أبناء الصف.
وسمع أن عدة أشخاص سيرحلون.
بعضهم سينتقل إلى بيت آخر، وبعضهم سينتقل إلى مدرسة أخرى.
وفي مثل هذه الحال رأى يانغ جيان أن الذهاب ضروري، فقد تكون هذه آخر مرة يلتقي فيها بزملاء الصف الباقين، ويصعب أن يرى بعضهم مدى الحياة.
كان قد سلّم أمر شراء الذهب إلى جيانغ يان، وقد نشطت في الأيام الأخيرة، فاطمأن لما رآه، فهي وإن أنفقت المال كالماء، إلا أن في يده الآن كثيرًا من الذهب الفعلي.
وهذا جعله يشعر بالطمأنينة شيئًا فشيئًا.
إن لم يخطئ في تقديره، فالذهب سيحل غالبًا محل شتى سلع الرفاهية، وإن لم يحل محل عملات الدول حلولًا تامًا، فسيكون في المستقبل أغلى الأشياء قيمة.
«ربما عليّ أن أشتري سيارة.»
وصل يانغ جيان إلى المكان المتفق عليه بسيارة أجرة، فهو يملك سيارة، لكنه اضطر إلى إعطائها لجيانغ يان لتنجز بها أعمالها.
إنها تضحية بالنفس حقًا لإسعاد الموظفة.
«يانغ جيان، هنا، هنا.»
نزل يانغ جيان للتو ونظر يمينًا وشمالًا، وقبل أن يعثر على تشانغ وي سمعه ينادي ويلوّح من مظلة تنزه عند جانب الطريق.
الناس يلوّحون بكف اليد.
أما تشانغ وي فكان يلوّح رافعًا إصبعه الوسطى.
فاسودّ وجه يانغ جيان من المنظر.
مشى نحوهما فلم يرَ إلا تشانغ وي وتشاو لي، وقال: «ألا يمكنك تغيير حركة التلويح المميزة هذه؟»
ثلاثة فقط بمن فيهم هو.
سأل يانغ جيان: «نحن فقط؟ ألن يأتي الباقون؟»
بدا تشاو لي الواقف بجانبه متعب الذهن بعض الشيء، وكأنه يعاني من الأرق، وقال: «اتصل بهم تشانغ وي من قبل وقالوا إنهم سيأتون، لكننا انتظرنا أكثر من عشر دقائق فلم يصل غيرك، ربما لن يأتوا.»
قال تشانغ وي وهو ينظر إليه بوقار: «كيف يفعلون هذا؟ وعدوا ثم نكثوا بوعدهم! هذا تجاوز للحد، حتى وجه تشانغ وي لم يحترموه. يا يانغ الصغير، ما رأيك أن ترتّب لي الأمر؟»
قال تشاو لي: «لو دعاهم يانغ جيان لأتوا حتمًا، فعند وقت المدرسة……»
وتوقف عند هذا الحد، فهو لا يريد تذكّر أمر مرعب كهذا.
قال يانغ جيان: «لننتظر قليلًا، وإن لم يأتوا فلا بأس. بعد ما حدث، ربما اختلّت أحوالهم النفسية، وقد يكون أحدهم مختبئًا في بيته ولا يجرؤ على الخروج.»
قال تشانغ وي بسخرية: «لو كان الأمر كذلك فهم ضعفاء جدًا. انظر إليّ، لم يصبني شيء، آكل وأشرب كالمعتاد، فكيف لأشباح وشياطين من كل صنف أن تخيفني؟ صحيح، هل انتهى أمر أولئك الرجال ذوي الثياب السوداء المرة الماضية؟»
ومع هذا القول، كان يلبس مسبحة بوذية على معصمه، ويعلّق في عنقه تماثيل بوديساتفا وبوذا، وحتى عند خصره تعليقة تميمة سلامة لا يُعلم من أين جاء بها.
فاحت منه رائحة قوية لثري بنزعة بوذية.
قال يانغ جيان متذرعًا بأي سبب: «لقد أخطأوا الشخص. لكن لماذا وجهك منتفخ قليلًا؟ هل أصابتك سخونة؟»
قال تشانغ وي: «لا، بسبب لعبة.»
قال يانغ جيان: «أي لعبة؟»
«طريقة على الإنترنت لاختبار وجود شبح في البيت.»
قال تشانغ وي بصوت خافت: «سمعت أن المرء يقف أمام مرآة البيت عند منتصف الليل، ويلعب حجر ورقة مقص مع نفسه في المرآة مئة مرة، فإن تعادلا في كل مرة فلا شبح في البيت، وإن فاز من في المرآة ولو مرة واحدة ففي البيت شبح، ولا يجوز البقاء فيه بعد ذلك، ويجب الانتقال.»
سأل يانغ جيان: «وما علاقة هذا بانتفاخ وجهك؟»
قال تشانغ وي: «كنت أفكر: ماذا لو كان في بيتي شبح؟ ماذا أفعل حينها؟ فأضفت شرطًا خاصًا وأنا ألعب، طريقة لمواجهة الشبح بالشبح، كما قال تشو تشنغ ذلك اليوم: لا يتصدى للأشباح إلا الأشباح.»
«فأنا في النهاية أحسن التفكير أيضًا.»
سأل يانغ جيان: «وما الشرط الذي أضفته؟»
قال تشانغ وي: «أنا الذكي وضعت قاعدة: من يفوز يصفع نفسه، فإن كان في بيتي شبح حقًا، وفزت أنا، صفعت نفسي أيضًا، وبهذا أكون في أمان.»
«وفي ذلك اليوم كان حظي جيدًا حقًا، ففزت طوال الليل، فصفعت وجهي بنفسي حتى انتفخ.»
ذهل يانغ جيان للحظة وهمّ بمدحه على ذكائه، ثم قطّب حاجبيه فجأة وقال: «لحظة، حين تلعب أمام المرآة فالمفروض أن تتعادلا دائمًا، فكيف فزت طوال الليل؟»
«همم؟»
وما إن نُبّه تشانغ وي حتى اتسعت عيناه، ونظر إليه كأنه رأى شبحًا.
«ماذا قلت للتو؟»
«قلت: كيف تفوز طوال الليل وأنت تلعب مع المرآة؟»
ثم سأله يانغ جيان مرة أخرى: «هل ضغطك النفسي كبير هذه الأيام، أو لديك مشكلة نفسية؟ اذهب إلى قسم الأعصاب في المستشفى.»
هز تشانغ وي رأسه وقال: «مستحيل، مستحيل، أنا أرتاح كل يوم، وألعب ألعاب البقاء كثيرًا أيضًا، فكيف يكون ضغطي النفسي كبيرًا.»
قال يانغ جيان: «إن لم يكن الضغط النفسي هو ما سبّب لك الهلوسة، فمن المحتمل أن في بيتك شبحًا فعلًا، وإلا فكيف تغلب من في المرآة؟»
«يا إلهي.»
صاح تشانغ وي مذعورًا حتى كاد يقفز: «ألعب حجر ورقة مقص مع شبح طوال ليلة كاملة؟»
هدده تشاو لي الذي بجانبه: «يا تشانغ وي، لا تروِ لي قصص أشباح لتخيفني، أتصدق أنني سأبكي أمامك؟»
«أي قصص أشباح! لقد صادفت شبحًا يا رجل، وفي بيتي أيضًا.»
شحب وجه تشانغ وي من الخوف، ومع أنه كان واقفًا تحت الشمس، إلا أنه شعر ببرد يسري في جسده.
وكأن القصة التي رواها قبل قليل حقيقية فعلًا.
وليست مختلقة.
«أمم…..» ولم يعرف يانغ جيان ما يقوله في تلك اللحظة.
هل هي هلوسة بسبب ضغط تشانغ وي النفسي، أم أن في بيته شبحًا حقًا؟
والمفروض لو صادف شبحًا فعلًا لهلك منذ زمن، فكيف يكون سليمًا تمامًا؟
قال تشانغ وي وهو يخرج على عجل هاتفًا قديمًا بأزرار: «لا، يجب أن أتصل بأبي وأمي حالًا، وأطلب منهما ألا يعودا إلى البيت، وأقول إن النار اشتعلت فيه.»
قال يانغ جيان: «إن قلت إن النار اشتعلت في البيت، فسيعودان حتمًا ليريا ما حدث.»
«فماذا أفعل؟»
ورأى تشانغ وي أن هذا العذر غير مناسب: «أم أقول إن المرحاض انفجر؟»
قال يانغ جيان: «أظن أن أبويك إن اكتشفا أنك كذبت عليهما فقد يضرباك حتى الموت حين تعود، لكن هل أنت واثق حقًا أن بيتك غير طبيعي؟»
«بالطبع، هل أكذب عليك في هذا؟ نحن إخوة.» قال تشانغ وي مذعورًا.
فكر يانغ جيان قليلًا وقال: «إن كانت هناك مشكلة حقًا، فيمكنني ترتيب الأمر لك.»
وبينما يقول ذلك، أمسك هاتفه واتصل بالقائد ليو.
وما إن ردّ القائد ليو، وهو منشغل بقضية، على اتصال يانغ جيان حتى قال شاكيًا بعجز: «يانغ جيان؟ لقد سببت لي متاعب كبيرة حين غادرت المرة الماضية، فتشاو كاي مينغ ثار غضبًا بعد رحيلك، وتلقينا نحن الحاضرين في الموقع كثيرًا من التوبيخ، ومع أنكما كليكما من مروّضي الأشباح، فحاولا أن تقللا من الاحتكاك، وإلا صعُب على من هم دونكما أداء عملهم.»
قال يانغ جيان: «آسف، إنه خلاف شخصي ولم يكن ينبغي أن أورّطكم فيه. أريد منك معروفًا.»
قال القائد ليو بجدية: «ما هو؟ إن كان أمرًا رسميًا فأنا ملزم بالمساعدة، أما إن كان شخصيًا فالأمر يختلف.»
قال يانغ جيان: «رسمي ممزوج بالشخصي، ولن أضعك في حرج. يُشتبه بحدوث حادثة خارقة في حي سكني، وأرجو أن تجد وقتًا لتحاصر ذلك البيت أولًا، وتبلغ صاحبه ألا يعود إليه مؤقتًا، وبعد أن أتأكد بنفسي من وجود حادثة خارقة سأتصل بك.»
قال القائد ليو: «هذا أمر رسمي لا شخصي. حسنًا، اطمئن، سأرتب من يحاصره حالًا، قل لي العنوان.»
أعطاه يانغ جيان عنوان بيت تشانغ وي وقال: «الأمر ليس كبيرًا، فلا تجعله ضجة، فأنا لم أتلقَّ إلا بعض الأخبار، وإلى أن أتأكد لا تجعلوه حديث الناس.»
قال القائد ليو: «أعرف ذلك.»
قال يانغ جيان: «شكرًا جزيلًا.»
قال القائد ليو: «لا شكر على واجب، فمعالجة الحوادث الخاصة تعتمد عليكم أنتم مروّضي الأشباح.»
تبادل يانغ جيان معه بضع عبارات مجاملة وأنهى الاتصال، وقال: «صار الأمر ممكنًا الآن، سيُحاصر بيتك قريبًا، فلن يعود أبواك إليه، وأنتما في أمان حاليًا.»
«رائع.» تنفس تشانغ وي الصعداء.
«هل أذهب إلى بيتك لاحقًا لأرى؟»
قال تشانغ وي مستغربًا: «وماذا تفعل في ذلك المكان الملعون؟ إنه مسكون، ولا أريد ذلك البيت بعد الآن، وسأنتقل إلى مكان آخر لاحقًا، فعندي عدة فلل، وحتى في الحي المقابل لنا عندي شقة أخرى.»
«……»
نظر إليه يانغ جيان بعينين غريبتين وقال: «اللعنة، لديك كل هذه البيوت ولم تقل ذلك من البداية؟ كان يكفي ألا تعود إليه ببساطة، وها أنا أضيّع رصيد هاتفي.»
قال تشانغ وي بشيء من الحرج: «لم يخطر ببالي قبل قليل، وبعد أن حوصر البيت تذكرت أن لدي بيوتًا أخرى أسكنها.»
قال يانغ جيان وهو يكبح رغبته في ضربه: «لا أريد التحدث إليك، فاذهب جانبًا وفكّر في ما جرى مع المرآة.»
وفي تلك اللحظة توقفت سيارة عند جانب الطريق.
فرأى وانغ يان ووانغ بين يوصلان ابنتهما وانغ شانشان بالسيارة.
«يانغ جيان، مرحبًا، التقينا مرة أخرى.»
ما إن رأى وانغ بين يانغ جيان حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة مجاملة شديدة، وتقدم نحوه وصافحه بمبادرة منه.
حيّاه يانغ جيان بالمثل: «مرحبًا يا عمي وانغ.»
قال وانغ بين مبتسمًا: «سمعت أنكم تقيمون لقاء زملاء، ولم أطمئن إلى مجيء شانشان وحدها، فجئت معها، أرجو ألا تمانعوا.»
«بالطبع لا…..»
لم يُكمل يانغ جيان كلامه، إذ نظر إلى وانغ شانشان التي لم يرها منذ مدة، فانكمشت عيناه فجأة.
فقد كانت وانغ شانشان واقفة بهدوء في فستان، وجلد جسدها كله شاحب كأنه خلا من أي أثر للدم، ولولا أن عينيها ما زالتا تتحركان قليلًا وهي تنظر إليه لظن يانغ جيان أنها جثة بالفعل.
منذ حل أمر أثر الرضيع الشبحي إلى الآن، كم مضى من الوقت؟
لم يبلغ شهرًا كاملًا على الأرجح.
فتاة كانت في ريعان الشباب والجمال، كيف صارت هكذا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.