الفصل المئة وسبعة عشر: تسع رنات
«لننتظر ونرَ أولًا.»
ظلت فانغ تشينغياو مترددة.
همست وصيفتها: «كفى ترددًا! ألم تري أن صاحب السمو فانغ قد التحق هو الآخر بإحدى طوائف الخالدين؟ إذا سلكتِ طريق الزراعة الخالدة أيضًا، فستتاح لك فرصة أن تكوني أقرب إليه في المستقبل.»
احمر وجه فانغ تشينغياو، ونظرت إلى وصيفتها بعتاب قائلة: «ما الذي تهذين به؟»
ضحكت الوصيفة وقالت: «يا سيدتي الشابة، لا تلوميني على صراحتي، لكن صاحب السمو فانغ لم يأتِ إلى قاعة الرحمة طوال هذه الفترة، ومع ذلك، فأنتِ تسرحين قليلًا كل يوم. ترى، فيمن تفكرين؟»
«كفى حديثًا عن هذا! لقد حان دور الخالدة يو شيانزي لاختبار موهبتها الروحية.»
حوّلت فانغ تشينغياو الحديث إلى موضوع آخر.
تعلقت أنظار الجميع بيو شيانزي، فمثل فانغ تشين، كانت شهرتها في العاصمة ذائعة إلى حد يكاد معه ألا يجهلها أحد.
حتى المسؤولون المدنيون والعسكريون في البلاط كانوا قد سمعوا بها؛ فهي الأولى بين جميلات قارب اليشم الخالد على نهر شيا العظمى.
وقفت يو شيانزي أمام جرس قياس الموهبة الروحية، وألقت نظرة على فانغ تشين، ثم رفعت ذراعها البيضاء كجذع اللوتس، وشدت قبضتها ووجهت ضربة إلى الجرس!
«طن!»
رن الجرس.
واصلت يو شيانزي ضربه.
«طن!»
«طن!»
«طن!»
تتابعت الرنات دون انقطاع.
«أربع رنات!»
استولى الحماس على الحاضرين. فهذا يعني أن يو شيانزي أصبحت مؤهلة للانضمام إلى إحدى طوائف الخالدين، وستغدو من الآن فصاعدًا خالدة بالمعنى الحقيقي للكلمة!
وأخذت نساء كثيرات من عامة الناس، ممن ينتمين إلى الوسط نفسه الذي جاءت منه يو شيانزي، ينظرن إليها بحسد خفي.
«طن!»
«طن!»
ست رنات!
أخذت ملامح الحاضرين تزداد جدية.
حتى الشيخ جيننان والآخرون لم يستطيعوا منع أنفسهم من إلقاء نظرات أخرى على يو شيانزي. فست رنات نتيجة جيدة للغاية، وتدل على موهبة متوسطة مرتفعة.
وخلف الخالدة سحابة النار، قبضت الأميرة السادسة يديها بقوة، وراحت تحدق في يو شيانزي بوجه قاتم.
لماذا تتفوق عليها امرأة من عالم اللهو والترف حتى في الموهبة؟!
«طن!»
دوّت رنة أخرى!
موهبة عليا!
ساد الصمت بين الحاضرين. لقد أصبحت يو شيانزي صاحبة الموهبة العليا الثالثة التي تظهر في هذا الاختبار، ولم يتوقع أحد أن تكون هي صاحبة هذه الموهبة!
قال الشيخ جيننان بصوت عميق: «ستكون من نصيب طائفة تياننان.»
لكن ما إن أنهى كلامه حتى دوّت رنة أخرى.
«طن!»
ثماني رنات!
تجمد الحاضرون من شدة الذهول. فهذه أول مرة منذ بدء اختبار الموهبة الروحية يظهر فيها شخص يحقق ثماني رنات!
موهبة تفوق الموهبة العليا!
اشتعلت عينا المرأة الريفية التي تحمل الدجاجة بحماسة، وقالت بلهجة حازمة: «يا جيننان، ستكون هذه الفتاة من نصيبي بلا شك! ما زلت أفتقر إلى تلميذة أخيرة أتولى تدريبها بنفسي، وإذا نافستني عليها فسأضطر إلى مواجهتك اليوم!»
تبادل الداوي الغراب والآخرون النظرات، وارتسمت على وجوههم أمارات الأسف. فلم يكن بوسعهم منافسة طائفة تياننان ووادي الروح الوحشية، ولم يكن أمامهم سوى مشاهدة هذه الموهبة النادرة وهي تقع في أيدي غيرهم.
أما الشيخ جيننان، فبدا عليه الذهول الشديد. فالموهبة التي أظهرتها الرنات الثماني تضاهي موهبة اثنين من بذور الخلود اللذين ظهرا حين برز النخاع الروحي في مملكة اللهب المشتعل!
تمتم فانغ تشين قائلًا: «هذه الفتاة موهبتها جيدة حقًا.»
لكن الشيخ جيننان لم يعد يكترث بشيء آخر، فاعترض على المرأة الريفية فورًا، وأخذ يجادلها في أحقية ضم يو شيانزي إلى طائفته.
وبينما كان الاثنان يتجادلان بحماسة، دوّت رنة جديدة.
«طن!»
تجمد الجميع في أماكنهم.
حتى المتجادلان صمتا، وأخذا يحدقان في يو شيانزي بذهول.
«تسع… تسع رنات! لم أرَ في حياتي أحدًا يملك موهبة تتيح له إحداث تسع رنات! منذ كم سنة لم تظهر مثل هذه الموهبة في مملكة اللهب المشتعل ثلاثمئة سنة أم خمسمئة؟»
تمتم الداوي الغراب في ذهول.
وبعد لحظات من الصدمة، انفجر الحاضرون بالهتاف. لم يكن عامة الناس يفهمون كثيرًا من أمور الداو، لكنهم كانوا يعرفون أن يو شيانزي تنتمي إلى شيا العظمى، ففرحوا لها، وفرحوا لبلادهم أيضًا.
«واصلي… واصلي!»
تلعثم شيا يو وهو يحثها على المتابعة.
«لم أتوقع أن تكون موهبتي بهذه الجودة.»
تمتمت يو شيانزي في نفسها، ثم وجهت ضربة أخرى إلى الجرس.
لكن هذه المرة، لم يصدر الجرس أي صوت.
نهض الشيخ جيننان وقال: «تسع رنات هي الحد الأقصى وفق هذا الاختبار. ومن يستطيع إحداث تسع رنات، فهو من أصحاب المواهب التي تُعد من بين الأرفع في العالم. أيتها الفتاة، هل تقبلين الانضمام إلى طائفة تياننان؟»
نهضت المرأة الريفية بدورها وقالت: «لا شيء مميز في طائفة تياننان. تعالي إلى وادي الروح الوحشية، وسأتخذك تلميذة أخيرة أتولى تدريبها بنفسي.»
أما شيا يو، فقد اشتعلت عيناه حماسة، وكأنه فكر في أمر ما، فسارع إلى الكلام:
«يا خالدة يو شيانزي، أنا أيضًا في طائفة تياننان. إذا انضممتِ إليها، فسيكون بوسعنا مساعدة بعضنا بعضًا.»
لكن يو شيانزي لم تكلف نفسها عناء الرد عليه، بل التفتت إلى فانغ تشين وسألته:
«يا صاحب السمو، في رأيك، إلى أي طائفة ينبغي لي الانضمام؟»
أصيب الحاضرون بالدهشة، وتبدلت تعابيرهم إلى شيء من الغرابة. أما شيا يو، فنظر إلى يو شيانزي ثم إلى فانغ تشين، وكأنه ابتلع شيئًا مقززًا، فشعر بالغثيان.
في تلك اللحظة، انطلق صوت بارد:
«ولماذا تسألين مجرد فانٍ؟ ما الذي يمكنه أن يعرفه؟ ومع ذلك، فإن موهبتك تؤهلك بالفعل للانضمام إلى طائفتي.»
رفع الحاضرون رؤوسهم تلقائيًا نحو مصدر الصوت، فرأوا امرأة ترتدي ثوبًا بنفسجيًا، تقف على سيف طائر في قلب الفراغ، وعيناها تتقدان ببريق حاد.
الطيران على السيف!
أصيب الجميع بالذهول مرة أخرى. لقد شاهدوا في هذا اليوم ظواهر غريبة كثيرة، لكنهم لم يتصوروا أن يروا بأعينهم ما سمعوا عنه في الحكايات والكتب القديمة: مزارعًا يطير على سيفه!
كان وقع هذا المشهد عليهم أشد حتى من ظهور طيف الداوي يون هي!
تغير وجه الشيخ جيننان، وقال: «أيتها الرفيقة الداوية.»
لم يكن الطيران على السيف حكرًا على خبراء تأسيس الأساس؛ فحتى مزارعو تنقية التشي يستطيعون فعله. ويتوقف الأمر أساسًا على مستوى الزراعة وجودة السيف الطائر، لذلك لم يره الشيخ جيننان أمرًا يستحق أن يخدعه أو يرهبه.
لكن المرأة ذات الثوب البنفسجي ألقت عليه نظرة، ثم سألته ببرود:
«من التي تناديها بالرفيقة الداوية؟»
وفي اللحظة التالية، اجتاحت المكان هالة تشي هائلة انطلقت منها.
سقط الشيخ جيننان على ركبتيه بصوت مدوٍّ، وعجز عن تحريك جسده!
«النواة الذهبية!»
«آه!»
استنشقَت المرأة الريفية والآخرون نفسًا باردًا، وأخذوا ينظرون إلى المرأة ذات الثوب البنفسجي بحيرة وقلق.
أما الشيخ جيننان، فقد أدرك الأمر أيضًا، وشحب وجهه قليلًا.
«إذن… أنتِ سلف من أصحاب النواة الذهبية!»
ضحكت المرأة ذات الثوب البنفسجي بخفة، ثم سحبت هالتها.
«هكذا ينبغي أن يكون الكلام.»
استعاد الشيخ جيننان قدرته على الوقوف، لكنه لم يكد يفتح فمه حتى تابعت المرأة حديثها:
«قولك إن تسع رنات هي الحد الأقصى صحيح، لكن جرس قياس الموهبة هذا لا يفي بالغرض، والموهبة التي يكشفها ليست دقيقة بالضرورة. إن كنت تجهل حتى هذه الأمور، فلا تضلل من تتولى تعليمهم.»
وبعد أن وبخته، التفتت إلى يو شيانزي وابتسمت قائلة:
«أيتها الفتاة الصغيرة، هل تقبلين أن أتخذك تلميذة لي؟»
تحركت عينا يو شيانزي قليلًا. فقد أدركت أن مستوى زراعة المرأة يفوق مستوى الشيخ جيننان والآخرين، بل يفوقهم بمراحل كثيرة.
لكن…
التفتت إلى فانغ تشين، وحين رأته يومئ برأسه إيماءة خفيفة، انحنت بأناقة وقالت:
«تقبل تلميذتكم.»
«حسنًا، تعالي معي إذن.»
لوحت المرأة ذات الثوب البنفسجي بيدها برفق، فالتفت القوة الروحية حول يو شيانزي ورفعتها مباشرة إلى جوارها. ثم وقفتا معًا على السيف الطائر.
أصاب هذا المشهد الحاضرين بالذهول من جديد.
«أيتها الكبيرة، تمهلي قليلًا.»
ضم فانغ تشين قبضتيه أمامها وقال ذلك باحترام.
نظرت إليه المرأة بوجه خالٍ من التعبير.
«ماذا تريد؟»
ابتسم فانغ تشين وسألها:
«هل لي أن أعرف اسم طائفتك؟»
ضحكت المرأة بخفة.
«وما الذي يؤهلك لمعرفة ذلك؟»
ثم همت بالمغادرة، لكن يو شيانزي سارعت إلى القول:
«أيتها الكبيرة، أرجو أن تخبري صاحب السمو فانغ.»
التفتت المرأة إليها، وتأملتها قليلًا، ثم هزت رأسها برفق.
«ألكِ به صلة؟»
ثم تابعت:
«مصيرك أن تصبحي خالدة سيف، ولن تعودي قادرة على الارتباط بأحد من عامة الفانين.»
وبعد أن قالت ذلك، ألقت نظرة على الشيخ جيننان والآخرين، وابتسمت ابتسامة خفيفة.
«ظهر النخاع الروحي في هذا المكان، فجئت خصيصًا لألقي نظرة. ولم أتوقع أن يحالفني الحظ إلى هذا الحد. يبدو أن هذه الفتاة هي أكبر المستفيدين من ظهور النخاع الروحي، لذا سأصطحبها وحدها، وأترك لكم البقية. إلى اللقاء.»
وما إن أنهت كلامها حتى تحولت هي ويو شيانزي إلى شعاع من الضوء، واختفتا في الأفق.
استمع الشيخ جيننان والآخرون إلى كلماتها، فازدادت وجوههم قتامة. كان الأمر أشبه بأن يسلبهم لصوص ما لديهم، ثم يسخروا منهم فوق ذلك!
«لقد ذهبت الخالدة يو شيانزي لتصبح خالدة حقًا.»
«ترى، هل ستتاح لنا فرصة رؤيتها مرة أخرى في المستقبل؟»
تنهد الجميع، وقد غمرهم الأسف.
«يا للخسارة.»
تنهد الداوي الغراب وقال:
«لو اختبرنا موهبتها الروحية في وقت أبكر، لما سبقتنا إليها امرأة أخرى.»
ازداد وجه الشيخ جيننان قتامة، وألقى نظرة على الداوي الغراب.
أما المرأة الريفية، فشخرت ببرود وقالت:
«هذا هو القدر.»
ثم غيرت مسار الحديث وأضافت:
«يبدو أن تلك المرأة تسلك طريق خالدة السيف. وبحسب ما نعرفه عن إمبراطوريات الرتبة السادسة، لا توجد بينها إمبراطورية تملك ميراثًا لطريق خالدة السيف. لا بد أنها جاءت من إمبراطورية من الرتبة الخامسة، بل ربما من الرتبة الرابعة!»
استنشق الخالدة سحابة النار والآخرون نفسًا باردًا.
فالإمبراطوريات من الرتبة الخامسة يحرسها خبراء من مرتبة النواة الذهبية.
أما الإمبراطوريات من الرتبة الرابعة فقد تضم خبراء الروح الوليدة الذين لا يُسمع عنهم إلا في الأساطير!
كانت هذه المرتبة أشبه بأسطورة بالنسبة إليهم. فمنذ أن دخلوا طريق الزراعة الخالدة، لم يروا قط خبيرًا بلغ مرتبة الروح الوليدة.
إمبراطورية من الرتبة الرابعة
تبادل شيا يو والأميرة السادسة وتشانغ بائع الفطائر وغيرهم نظرات غريبة عند سماع هذه الكلمات. فقد ارتقت شيا العظمى للتو إلى مرتبة الإمبراطوريات من الرتبة الثامنة، وما زالت المسافة بينها وبين إمبراطورية من الرتبة الرابعة شاسعة إلى حد لا يُتصور.
تمتم الداوي الغراب:
«لا بد أن عالم الزراعة في تلك الأماكن مثير للغاية. أراهن أن مزارعي تأسيس الأساس هناك في كل مكان، وأن خبراء النواة الذهبية لا يساوون شيئًا!»
ساد الصمت المكان فور سماع هذه الكلمات.
نظر إليه الشيخ جيننان بوجه قاتم وقال:
«إذا كان خبراء النواة الذهبية لا يساوون شيئًا، فماذا نكون نحن إذن؟»
لوح الداوي الغراب بيده على عجل وقال:
«كنت أضرب مثلًا فحسب، فلا تأخذ كلامي على محمل الجد.»
ثم سارع إلى تغيير الموضوع.
«لنواصل اختبار الموهبة الروحية. لدي اقتراح: ما رأيكم في أن يُخرج كل منا جرس قياس الموهبة الخاص به؟ بهذه الطريقة، ستتسارع وتيرة الاختبار.»
فكر الحاضرون بضع لحظات، ثم أومؤوا موافقين.
صحيح أن إجراء الاختبارات سيستهلك الأختام الروحية الموجودة في الأجراس، لكنهم لم يجدوا خيارًا أفضل إذا أرادوا تسريع العمل وتجنب تكرار ما حدث للتو.
بعد ذلك، أخرج الجميع أجراس قياس الموهبة الروحية الخاصة بهم. واختلفت الأجراس في أشكالها وأحجامها.
استؤنف الاختبار، ومنذ تلك اللحظة تسارعت وتيرته بصورة ملحوظة، إذ صار عشرات الأشخاص يخضعون للاختبار في الوقت نفسه.
تحركت أفكار فانغ تشين، فالتفت إلى الشيخ جيننان وسأله:
«يا شيخ جيننان، كم يبلغ ثمن جرس قياس الموهبة من هذا النوع؟»
تفاجأ الشيخ جيننان قليلًا، ثم سأله بحذر:
«أيها الرفيق الداوي فانغ، هل تفكر في شراء جرس قياس موهبة لشيا العظمى أيضًا؟»
أومأ فانغ تشين برأسه.
تبادل المزارعون النظرات بتعابير مختلفة. فشيا العظمى لم تشهد ظهور هذا العدد من أصحاب المواهب المناسبة للزراعة الخالدة إلا بسبب ظهور النخاع الروحي. وبعد أن تضمهم طوائف الخالدين، لن يبقى هذا المكان سوى منطقة عادية.
أما ظهور دفعة أخرى من أصحاب المواهب القادرة على سلوك طريق الزراعة الخالدة، فسيكون احتمالًا ضعيفًا للغاية.
قال الشيخ جيننان:
«لا بد أنك تعرف أن قوة الكنز السحري تُحدَّد بحسب عدد أختامه الروحية. لكن لتسهيل الحديث عن هذه الكنوز، توجد طريقة أخرى لتصنيفها، وهي درجات السماء والأرض والغموض والأصفر.
فالكنز السحري الذي يحمل أقل من اثني عشر ختمًا روحيًا يُعد من المستوى الأصفر المنخفض، أما الذي يحمل أقل من ستة وثلاثين ختمًا روحيًا فيُعد من المستوى الأصفر المتوسط، وهكذا دواليك.»
ثم تابع:
«أما جرس قياس الموهبة الخاص بطائفة تياننان، فهو كنز سحري من المستوى الأصفر المتوسط، ويحمل اثنين وثلاثين ختمًا روحيًا كاملًا. اشتراه زعيم طائفتنا من أحد الأسواق التجارية، وكان في الأصل ملكًا لطائفة كبرى في إمبراطورية من الرتبة الخامسة.
لقد استُخدم هذا الجرس سنوات طويلة، وأصبحت أختامه الروحية متراخية بعض الشيء. ومع ذلك، كلفنا تسعمئة حجر روح منخفض الدرجة.»
ثم أضاف:
«أجراس قياس الموهبة باهظة الثمن. ولا أرى ضرورة لأن تشتري واحدًا لشيا العظمى.»
أومأت المرأة الريفية موافقة.
تفاجأ فانغ تشين قليلًا وسأل:
«ألا يوجد في مملكة اللهب المشتعل أحد قادر على صناعة أجراس قياس الموهبة؟»
كما أثار السوق التجاري الذي ذكره الشيخ جيننان فضوله.
تبادل المزارعون نظرات غريبة، ثم هز الشيخ جيننان رأسه وابتسم ابتسامة مريرة.
«الأختام الروحية الموجودة في أجراس قياس الموهبة بالغة التعقيد والغموض. فمن أين لمملكة اللهب المشتعل بخبير في صقل الأدوات يستطيع صنع شيء كهذا؟ بل إنني أشك في وجود خبير قادر على صنعها حتى في الإمبراطوريات من الرتبة الخامسة.
جميع أجراس قياس الموهبة تأتي من إمبراطوريات أقوى، من الرتبة الرابعة أو حتى الثالثة. لكنني لا أستطيع الجزم بذلك، لأنني لم أزر تلك الأماكن قط.»
حين سمع شيا يو والآخرون هذا الكلام، اتضحت لهم الصورة. لم تكن طوائف الخالدين قادرة على كل شيء كما تخيلوا؛ فحتى جرس قياس الموهبة الذي يستخدمونه لا يستطيعون صنعه بأنفسهم في مملكة اللهب المشتعل، بل يضطرون إلى شرائه من الخارج.
تحدثت رئيسة الدير تشو يوي ببطء:
«وفوق ذلك، قد لا تتمكن من شراء جرس قياس الموهبة حتى لو امتلكت ما يكفي من حجارة الروح. فلا يمكننا شراء هذه الأجراس إلا عندما يُعقد سوق تجاري ونتلقى خبرًا بموعده. عندئذ، نستطيع شراء بعض الكنوز السحرية والحبوب الطبية التي استغنت عنها الطوائف الكبرى في الإمبراطوريات من الرتبة الخامسة.»
سألها فانغ تشين:
«يا رئيسة الدير تشو يوي، ما المقصود بهذا السوق التجاري؟»
أجابت:
«إنه سوق ينظمه بعض التجار العاملين في عالم الزراعة الخالدة، فإذا أراد تجار إحدى إمبراطوريات الرتبة الخامسة إقامة سوق تجاري، أرسلوا الأخبار إلى إمبراطوريات الرتبة السادسة التي تربطهم بها علاقات. وعندها، يمكننا شراء بعض الأشياء التي لا تتوفر إلا في إمبراطوريات الرتبة الخامسة.
وبالمثل، يشتري تجار إمبراطوريات الرتبة الخامسة كثيرًا من بضائعهم من إمبراطوريات الرتبة الرابعة. ولا تقتصر هذه الأسواق على تداول ما يحتاج إليه المزارعون في زراعتهم، بل تشكل أيضًا فرصة يتبادل فيها كبار المزارعين فهمهم للداو ويناقشون مسائله.»
ثم وصل صوتها إلى أذن فانغ تشين وحده:
«إذا كنت تريد جرس قياس موهبة، فإن دير يانيُوي يملك جرسًا إضافيًا يمكنني بيعه لك.»
نظر فانغ تشين إلى رئيسة الدير تشو يوي، ثم أومأ برأسه إيماءة خفيفة.
كان الداوي الغراب ينظر إلى جرس قياس الموهبة الخاص به بألم واضح، وقال:
«بعد استخدامه هذه المرة، أخشى أن تكون أختامه الروحية قد تلفت تقريبًا.»
قال الشيخ جيننان بتعبير معقد:
«ولست وحدك من سيخسر شيئًا.»
فبسبب فانغ تشين، لم تضعف الأختام الروحية الموجودة في جرس طائفة تياننان فحسب، بل ظهرت فيه أيضًا بعض الشقوق. وسيكلف إصلاحه مبلغًا كبيرًا آخر.
ابتسمت المرأة الريفية وقالت:
«ما قيمة بعض حجارة الروح إذا كان المقابل هو العثور على أصحاب المواهب الجيدة؟ لقد اشترينا أجراس قياس الموهبة لهذا الغرض أصلًا.»
أومأ الآخرون موافقين. وكان الداوي الغراب يتفق معها تمامًا، لكنه ظل يشعر بالألم كلما فكر في الخسارة.
ظن الجميع أن فانغ تشين قد تخلى عن فكرة شراء جرس قياس الموهبة بعدما سمع تكلفته، فانتهى الحديث عن الأمر سريعًا.
لكن فانغ تشين وجه نظره فجأة إلى امرأة تقف أمام أحد الأجراس استعدادًا للاختبار. كانت تبدو قلقة ومترددة.
«طن!»
«طن!»
«طن!»
«طن!»
«طن!»
«طن!»
«طن!»
سبع رنات أخرى!
اتجهت أنظار الجميع إلى المرأة، حتى إن الأشخاص الذين كانوا يخضعون للاختبار بالقرب منها أصابهم الذهول، وكادوا ينسون أنهم ما زالوا ينتظرون نتائجهم، لولا أن شيا يو زجرهم وأعادهم إلى رشدهم.
صحيح أن يو شيانزي سبقت الجميع وأظهرت موهبة استثنائية، لكن بعد اختبار هذا العدد الكبير من الأشخاص، لم يكن قد ظهر سوى شخصين حققا سبع رنات: شيا يو وتشانغ بائع الفطائر.
والآن، ظهرت صاحبة موهبة ثالثة مماثلة، فاستولى الذهول والحسد على الحاضرين من جديد.
«يا سيدتي الشابة! لقد حققتِ سبع رنات! موهبتك من الدرجة العليا!»
هتفت إحدى الوصيفات في الحشد بسعادة غامرة.
وسرعان ما انهالت التهاني من حول المرأة، وكان من بين المهنئين لي ماوتساي، الرجل الذي سبق أن أهدى فانغ تشين عصا إخضاع التنين!
كان لي ماوتساي في غاية الحماسة. فقد نجح في توطيد علاقته بفانغ تشين، والآن حظيت فانغ تشينغياو، التي تربطه بها علاقة طيبة، بفرصة ثمينة لدخول طريق الزراعة الخالدة أيضًا. كان الأمر باعثًا على فرح لا يوصف!
«أليست هذه الفتاة مرتبطة بقضية الكونت تشو شيو؟!»
تأمل عدد من المسؤولين المدنيين والعسكريين فانغ تشينغياو، ثم تبادلوا النظرات في حيرة، قبل أن يلتفتوا إلى فانغ تشين.
ففي الماضي، ارتكب الكونت تشو شيو مجزرة بحق قافلة تجارية تابعة لشيا العظمى. ولم يتوقف عن سفك الدماء حتى وصل إلى قاعة تشينغياو التي كانت فانغ تشينغياو تديرها، وهناك تدخل فانغ تشين وأوقفه.
ثم تفرعت عن تلك الحادثة أحداث كثيرة أخرى.
ولهذا السبب، سبق للمسؤولين في البلاط أن أرسلوا أشخاصًا للتحقيق في أمر فانغ تشينغياو. وما إن أمعنوا النظر فيها حتى تعرفوا إليها.
وقفت فانغ تشينغياو أمام جرس قياس الموهبة الروحية شاردة الذهن. لم تتوقع أن تكون هي الأخرى صاحبة موهبة عليا في الزراعة الخالدة، وظلت عاجزة عن استيعاب ما حدث لبرهة طويلة.
ولم تستعد انتباهها إلا حين بلغ أذنها الصوت الذي طالما اشتاقت إلى سماعه.
«فانغ تشينغياو، تهانينا.»
كان فانغ تشين يبتسم وهو يخاطبها.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.