012
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والدم الحار، والدم البارد؛ قاتلة الكايغي وملكة الكايغي، شينوبو، سُلب وجودها بواسطتي، وقُيّد اسمها على يد أوشينو ميمي، وفقدت معظم مهاراتها القتالية. لكن، في واقع الأمر، فإن استعادة تلك المهارات أمر في غاية السهولة بالنسبة إليها.
يمكنها استعادتها متى شاءت.
كل ما عليها فعله هو امتصاص دمي.
وبذلك وحده تستطيع شينوبو العودة إلى مصاصة الدماء التي كانت عليها، والتحرر من هيئتها الطفولية التي لم تكن ترغب فيها.
ويمكنها من جديد أن تتربع على عرش أقوى مصاصة دماء لا تُقهر.
لكن، وكما هو بديهي، فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى نتيجة جانبية، أو لنقل أثر جانبي لا مفر منه؛ إذ سأتحول أنا أيضًا إلى مصاص دماء… ما لم تمتص شينوبو دمي حتى آخر قطرة، وتقتلني تمامًا، بالطبع.
وعلى العكس من ذلك، إذا رفضتُ إعطاء شينوبو دمي، فإنها ستموت ببساطة. صحيح أنها تتلقى حاليًا الطاقة مباشرة من ظلي، ولذلك لم تعد بحاجة إلى الدم بالوتيرة السابقة، لكنها ستموت بسهولة لا تتناسب إطلاقًا مع كونها كانت خالدة في يوم من الأيام.
أما الأثر الجانبي في هذه الحالة، فهو أنني سأعود إلى إنسان حقيقي بالمعنى الحرفي، من دون أن تبقى في جسدي أي آثار جانبية أو عواقب. لقد كانت تلك إمكانية خالصة، ظل أوشينو يسخر مني بشأنها مرارًا وتكرارًا.
عودة شينوبو إلى مصاصة دماء.
وعودتي أنا إلى إنسان.
إنهما أمران متلازمان، إلى حد يبعث على الحزن.
لكنني لا أرغب الآن في أيٍّ منهما؛ لا في التأثير ولا في الأثر الجانبي، لا في الفعل ولا في رد الفعل. لا أملك سبيلًا لمعرفة ما يدور في قلب شينوبو، لكن يبدو أنها تتفهم رغبتي، على الأقل في الوقت الراهن.
ولهذا السبب، كان عليّ أن أحرص على أن تكون كمية الدم التي أسمح لشينوبو بامتصاصها هنا معتدلة؛ لا قليلة أكثر من اللازم، ولا كثيرة أكثر من اللازم. مجرد تذوق محسوب.
كما فعلنا في المرة التي واجهنا فيها قرد كانبارو، أو إن أردنا العودة إلى الوراء أكثر، كما فعلنا عندما واجهنا قطة هانيكاوا.
كان علينا ضبط شينوبو أوشينو لتصبح وحشًا غير مكتمل.
وضبط أراراغي كويومي ليصبح وحشًا غير مكتمل.
كان علينا إجراء الضبط الدقيق، وتحسين الأداء.
وبما أننا لم نأتِ للتفاوض أو إجراء محادثات، فقد كان علينا الاستعداد للقتال بأقصى درجات الحذر. وإلا فلن تكون النتيجة سوى تكرار المعركة التي خضناها أمام مدخل المنزل مرارًا وتكرارًا، وما ينتظرنا في نهاية ذلك الطريق سيكون مؤلمًا إلى درجة لا يمكن معها اعتباره مجرد نتيجة حتمية للأحداث.
أنا أيضًا لا أرغب في أن أُطوى عدة مرات في اليوم الواحد. وحتى خدعة شينوبو لن تنجح للمرة الثانية. بل إن نجاحها في المرة الأولى كان أشبه بفوزها بأصوات التعاطف.
وفوق ذلك، فإن خصمنا أونميوجي متخصص في الكايغي الخالدة.
لا يمكن أن يكون الاستعداد مفرطًا مهما بالغنا فيه؛ بل يمكن القول إن كل ذلك الاستعداد قد يكون بلا جدوى أصلًا.
أخذت أنا وشينوبو نكرر العض على أعناق بعضنا، ونتبادل دماءنا ذهابًا وإيابًا مرارًا وتكرارًا، حتى وصلنا إلى توازن مثالي بالكاد…
وبعد ذلك.
جهزنا أنفسنا بأفضل صورة ممكنة.
وانطلقنا بكل ما أوتينا من عزم.
وبعد أن أزلنا كل العقبات الممكنة، اقتحمنا مبنى مدرسة التقوية المهجور لمواجهة كاغينوي يوزورو وأونونوكي يوتسوغي.
«يبدو أننا ضيوف غير مرغوب فيهم، ها؟ لو كان أوشينو الصغير هنا، لربما استقبلنا بعبارة من قبيل: “أوه، لقد تأخرتم. كدت أموت من طول الانتظار”. لكنني لست منفتحة على الآخرين إلى ذلك الحد».
الطابق الرابع من المبنى المهجور.
كانت تلك إحدى قاعات الدراسة التي اعتاد أوشينو استخدامها مكانًا للنوم أكثر من غيرها؛ القاعة الواقعة في أقصى اليسار، إذا نظرنا إليها من جهة الدرج، من بين القاعات الثلاث الموجودة في الطابق الرابع.
حتى ذلك السرير المؤقت الذي صنعه من خلال لصق طاولات الدراسة بعضها ببعض بشريط لاصق، كان لا يزال في مكانه.
وهي القاعة نفسها التي اختطفتني واحتجزتني فيها سينجوغاهارا، قبل أن تصلح من حالها، قبل أيام قليلة.
على الرغم من وصفهما لنا بأننا ضيوف غير مرغوب فيهم، فإن كاغينوي ويوتسوغي كانتا تنظران نحونا بالفعل حين فتحنا باب القاعة، وكأنهما توقعتا قدومنا مسبقًا.
يبدو أن القيد المفروض على كاغينوي هو ألا تطأ قدماها الأرض فحسب؛ إذ يبدو أن أرضيات المباني لا تدخل ضمن ذلك القيد، ولذلك كان نعل حذائها يلامس أرضية القاعة المصنوعة من اللينوليوم، والتي تقشّر جزء كبير منها.
حين رأيتها واقفة بثبات على قدميها الاثنتين، فهمت قليلًا ما كانت كارين تحاول قوله.
طريقة وقوف هذه المرأة غير طبيعية.
بل إن النظر إليها يبعث على شعور غريب بالانزعاج.
محور جسدها…
كان مستقيمًا بصورة مرعبة.
لم يكن فيه أي أثر للانحناء.
حتى لو اندفعت نحوها بدراجتي، وهي واقفة على تلك الحال، أظن أن الدراجة وحدها هي التي ستُقذف بعيدًا، بينما لن تتحرك كاغينوي قيد أنملة.
الأمر لا يتعلق بتوازنها الجيد بقدر ما يتعلق بكونها ثابتة كالصخرة.
…وليس الأمر مجرد وضعية جسدها؛ فأنا أرفع الآن نسبة مصاص الدماء في جسدي، وربما كان اقتراب المسافة بيننا كافيًا لأدرك، ولو قليلًا، مدى قوتها.
لكن ما إن شعرت بذلك حتى راودني إحساس بأنه كان ينبغي لي أن أكتشفه قبل هذا الوقت بوقت طويل.
هذه المرأة…
هذه الأخت الكبرى التي تبدو طيبة وودودة…
لم أكن أتخيل أنها تنشر حولها كل هذا القدر من نية القتل.
دراماتورغي.
إبيسود.
غيوتين كاتر.
إنها نية قتل هائلة، لا تقل شيئًا عن تلك التي امتلكها ثلاثي صائدي مصاصي الدماء، بل ربما تفوقهم جميعًا…
«…أوشينو».
أجبت كاغينوي، محاولًا ألا أسمح لها بملاحظة ارتباكي الداخلي، بل متظاهرًا بجرأة لا تعرف الخوف.
«أوشينو لم يُظهر مثل هذه النية القتالية ولو مرة واحدة، منذ البداية».
«همم؟ كاكاكا، هذا صحيح. أوشينو الصغير هكذا فعلًا، إنه من ذلك النوع. لكن يا أخي الشيطاني، الأمر سيّان بالنسبة إلينا، أليس كذلك؟ أنتما أيضًا أتيتما مستعدين للقتال إلى أقصى حد، فهل كنتما تتوقعان حقًا أن نستقبلكما بحفاوة؟»
قالت كاغينوي ذلك، ثم ضحكت مستمتعة.
وبدت وكأنها سعيدة حقًا لمجرد أن اسم شخص تعرفه قد ذُكر في الحديث.
«وخاصة مصاصة الدماء التي بجانبك… هارت أندر بليد السابقة الصغيرة، لقد تغيرت كثيرًا، أليس كذلك؟»
قالت كاغينوي ذلك، وأشارت إلى شينوبو الواقفة بجانبي.
وكانت محقة.
شينوبو أوشينو، التي امتصت من دمي كمية قاربت الحد الأقصى، لم تعد في هيئة طفلة في الثامنة من عمرها؛ لم تعد تلك الفتاة الشقراء الصغيرة.
لكنها لم تعد بعد إلى هيئتها البالغة الكاملة أيضًا. لم يكن بوسعنا إعادتها إلى تلك المرحلة. وإذا أردت وصف مظهرها، فهي تبدو الآن في الثامنة عشرة تقريبًا، أي في مثل عمري.
على الرغم من قولها أنها تستطيع تذكر الأسماء، لكنها لا تستطيع التمييز بين البشر، يبدو أن الصورة التي انطبعت في ذهنها عندما تلقيت ضربًا مبرحًا من كارين قبل أيام، أو بالأحرى الضرر الذي شعرت به بالتزامن معي عبر الظل، قد ترك أثرًا واضحًا في نفس شينوبو أوشينو. فقد كان شعرها مربوطًا على هيئة ذيل حصان، تمامًا مثل تسريحة كارين حتى صباح اليوم.
وكانت ملابسها تشبه البدلة الرياضية إلى حد ما.
لكن بسبب ماضيها بوصفها نبيلة سابقة، كانت بدلتها الرياضية فاخرة بلا داعٍ، وتفوح منها مسحة من الفخامة التي توحي بأنها من علامة تجارية راقية.
والأمر نفسه ينطبق على حذائها الرياضي.
كانت شينوبو أوشينو تحدق بهدوء في كاغينوي ورفيقتها بعينيها الذهبيتين.
بهدوء.
بل كانت تحدق فيهما بنظرة حادة.
«يا لها من إطلالة أنيقة. إنها تضاهي مظهري في شبابي يا هارت أندر بليد السابقة الصغيرة. أما قوتها الحقيقية، فلا أستطيع الجزم بها. يبدو أنك انشغلت بصنع المظهر الخارجي أولًا. أهي لبدة الأسد، أم ريش الطاووس… أم قرن السرعوف؟»
«همف. قرن السرعوف يليق بتلك الصغيرة التي بجانبك. أنصحك بألا تتفوهي بكلام كبير أمامي الآن، أيتها الأونميوجي. لم أستعد مهاراتي وقوتي إلى هذا الحد منذ مواجهتي لتلك القطة المزعجة. وبصراحة، أنا الآن في حالة هياج شديد؛ خليط من الإثارة والجوع. لا أعرف ما الذي قد يدفعني إلى قتلكما».
قالت شينوبو ذلك بفخر.
ولم يكن صوتها طفوليًا أو متلعثمًا كما كان حين اتخذت هيئة الطفلة. لقد جعلتني أتذكر مجددًا، بعد زمن طويل، أن الهيئة الجسدية لا تعني شيئًا لمصاصي الدماء.
«لا ينبغي لي قتلكما، لذا لا تمنحاني سببًا لذلك. لا تمنحاني دافعًا. فأنا لا أريد بعدُ… خيانة هذا الرجل».
قالت شينوبو، مشيرة إليّ بإبهامها.
إليّ أنا، الشخص الذي لا تريد خيانته.
لقد أشارت إليّ بتلك الطريقة.
«أرجوكما، لا تجبراني على إظهار قوتي الحقيقية. لا تجبراني على إظهار طبيعتي الحقيقية. لا تجبراني على إظهار غرائزي الحقيقية… وعندها سأكتفي بامتصاص بعض الدماء لتأديبكما».
«…لا ينبغي لك قتلهما؟»
لكن أونونوكي هي التي تفاعلت مع كلمات شينوبو، بل إنها كانت أكثر تفاعلًا مني.
«هل أتيت إلى هنا وأنت لا تملك سوى هذا القدر من العزم؟ هذا مضحك حقًا. أليس كذلك يا أختي؟ نحن هنا مستعدون للقتل بكل ما أوتينا من حماس… أنا قلت ذلك بملامح واثقة».
وكالعادة، لم تصنع ملامح واثقة على الإطلاق.
كان وجهها خاليًا من التعبير، كسطح ماء ساكن لا تحركه الرياح.
لكن يبدو أنه من المؤكد أن أونونوكي شعرت باستياء شديد من كلمات شينوبو، تمامًا كما قالت.
«مهلًا، مهلًا، لا تقولي ذلك يا يوتسوغي. إنهما لا يفهمان شيئًا فحسب».
كان تدخل كاغينوي بهذه الطريقة دليلًا كافيًا على ذلك.
«أجل، أنتما لا تفهمان شيئًا على الإطلاق؛ لا قسوتنا ولا انعدام رحمتنا. لا تدركان مطلقًا إلى أي حد تجاوزنا كل الحدود، وإلى أي مدى صرنا خارجين عن الطريق».
«………….»
بل أفهم.
أفهم ذلك القدر على الأقل.
أنتما…
لقد هاجمتما أراراغي تسوكيهي دون أي إنذار أو نقاش، ومن دون حتى أن تحاولا استجوابها، وهاجمتما معها المنزل الذي تعيش فيه.
ومن يفعل شيئًا كهذا، يمكن معرفة طبيعته البشرية بسهولة.
وكذلك طبيعته بوصفه كايغي.
أنتما العدالة.
ولا شيء سوى ذلك.
«حسنًا، وماذا سنفعل الآن؟»
سألتني كاغينوي، بنبرة خفيفة للغاية، وكأنها تستفسر عن وجود قواعد محلية خاصة قبل أن نجلس جميعًا للعب لعبة دايفوغو بالورق.
«نحن أيضًا لا نمانع القتال في الأساس. إنه أسلوب واضح ومباشر، وأنا أؤيد العنف. ولحسن الحظ، لدينا ثنائي من البشر والكايغي في كلا الطرفين… فهل يناسبك أن تكون المواجهة بيني وبينك، وبين هارت أندر بلاد السابقة ويوتسوغي؟»
«………….»
«همم؟ أهذا لا يعجبك؟ إن أردت، يمكننا تبديل الفرق؛ أنا مع هارت أندر بليد السابقة، ويوتسوغي معك. فهي التي نفذت الهجوم على أختك، وإن كانت أختك مزيفة».
«…لا».
هززت رأسي موافقًا على التشكيلة الأولى.
بل إنني أرحب بها.
كان أكثر ما يشغلني هو كيفية اقتراح ذلك، لكن كاغينوي قدمت العرض وكأنها قرأت ما يدور في ذهني.
هل كانت واثقة إلى هذا الحد؟
أم كانت تقصد منحنا أفضلية؟
في كلتا الحالتين، لم يكن لدينا أي سبب لرفض العرض؛ بل لم يكن ذلك واردًا أصلًا.
«حسنًا. إذن، أيتها الصغيرة، سننزل إلى الأسفل. توجد في الطابق الثاني قاعة مناسبة لمعركتنا. فلنتقاتل هناك كما نشاء، وسأريك الفرق بيننا في الخبرة والعمر».
حقًا، إنها تعرف هذا المبنى المهجور كما تعرف كف يدها. دعت شينوبو أونونوكي إلى النزول معها بهذه الطريقة.
خمنت أن القاعة التي تقصدها شينوبو هي على الأرجح القاعة نفسها التي قاتلت فيها قرد كانبارو. وبالفعل، لا شك أن تلك القاعة قادرة على تحمل قتال بين كايغيين.
«…حسنًا، موافقة. كنت مستاءة أصلًا من تلك الحيلة الشبيهة بالغش التي استخدمتها لتجعلي أختي تتراجع، حين تظاهرت بأنك اتخذتني رهينة. ولا تسيئي فهم الأمر؛ حتى بعد استعادة كل تلك القوة، ما زلتِ أدنى مني. لم يحن موعد يوم احترام المسنين إلا بعد شهر تقريبًا، لكن إن كنتِ مستعدة لإرهاق عظامك العجوز كي تثبتي لي الفرق بيننا في الخبرة، فسأرافقك بكل سرور، أيتها العجوز… أنا قلت ذلك بملامح واثقة».
حين سمعت شينوبو رد أونونوكي، خُيّل إليّ أنني سمعت صوت عرق ينفجر في رأسها. لكن لا يمكن لومها كثيرًا؛ فقد كانت شينوبو هي من مهدت الطريق لتلقي مثل هذه الإهانات، حين أثارت موضوع الفارق في الخبرة والعمر من تلقاء نفسها.
«كـ… كائن غريب تافه من أقصى الشرق، لا تكاد توجد له سجلات أو مراجع تُذكر! سأجعلك عاجزة عن صنع تلك الملامح الواثقة إلى الأبد!»
لا، أعني… أونونوكي لم تصنع تلك الملامح أصلًا، بل قالت ذلك بالكلمات فحسب. على أي حال، قالت شينوبو ذلك بحقد، ثم اتجهت نحو باب القاعة.
بعد أن حصلت شينوبو على بطارية من الدماء، لم تعد مقيدة بظل أراراغي كويومي. صحيح أنها لم تكن قادرة على الابتعاد مسافة كبيرة، لكن المسافة بين الطابقين الثاني والرابع، ما داما في المبنى نفسه، تقع ضمن النطاق المسموح به تمامًا.
يمكنك أن تتخيل الأمر على أنه يشبه العلاقة بين السفينة الحربية الفضائية ناديسيكو ووحدات إستيڤاليس.
«حسنًا، سأذهب لأتطوع قليلًا في رعاية المسنين يا أختي… أنا قلت ذلك بملامح واثقة».
ردت كاغينوي على كلمات أونونوكي قائلة:
«حسنًا، أعتمد عليك».
فمالت أونونوكي برأسها متسائلة:
«تعتمدين عليّ؟»
ثم قالت:
«لا تقولي ذلك وكأنك تثقين بي يا أختي… أنا قلت ذلك بملامح واثقة».
وبعد أن قالت ذلك فحسب…
استدارت أونونوكي نحوي فجأة، وكأنها اهتمت بي للتو، وقالت:
«مهلًا، يا أخي الشيطاني».
«ماذا؟» سألتها.
«ما رأيك في العالم؟»
ثم تابعت، من دون أن تمنحني فرصة للرد:
«أنا أرى أن هذا العالم المليء بالمزيفات يستحق أن يهلك، يا أخي الشيطاني… قلت ذلك بملامح واثقة».
هكذا أعلنت استنتاجها.
قالت ذلك من دون أن تصنع ملامح واثقة.
وبنبرة حازمة للغاية، وبطريقة قاطعة إلى حد لا يُصدق، ثم لحقت أخيرًا بشينوبو، وخرج الكايغيان الاثنان من القاعة.
«………….»
لا شك أن القتال حتى الموت الذي سيخوضه هذان الكائنان سيكون أبعد من أن يتصوره عقل بشري. لا مجال للتشكيك في قوة شينوبو بعد أن استعادت هذا القدر من عافيتها، لكن أونونوكي تظل مجهولة القدرات.
فعلى الأقل، فإن المهارة التي أظهرتها حين حطمت مدخل منزلنا، وحين دمرت جسد تسوكيهي، لا تقل عن أي كايغي رأيته حتى الآن.
وإذا كان الأمر كذلك، فهل يا ترى ستتمكن شينوبو…
«أليس هذا وقتًا مناسبًا للتحديق في الفراغ؟»
قالت كاغينوي ذلك.
ففي اللحظة القصيرة التي وجهت فيها نظري إلى الباب الذي أغلقته أونونوكي خلفها، استغلت الفرصة واقتربت حتى صارت أمام جسدي مباشرة، على مسافة تكاد أنفاسي أن تلامس أنفاسها.
«ماذا…؟»
«المعركة بدأت بالفعل. بيني وبينك، منذ اللحظة التي صرخنا فيها صرختنا الأولى عند الولادة…»
لم أتمكن حتى من إعادة نظري إليها في الوقت المناسب.
ففي اللحظة التالية، كانت كاغينوي قد ركلت ركبتي.
ركلتها واخترقتها، بالمعنى الحرفي للكلمة.
لا، عذرًا.
حتى كلمة «اخترقتها» لا تكفي لوصف ما حدث.
فهي توحي وكأن الضرر الذي تلقيته لم يتجاوز تحطم صابونة الركبة أو كسر العظم.
كلام مضلل، ومبالغ فيه، ومربك.
الوصف الصحيح هو أن كاغينوي وجهت ضربة مباشرة إلى ركبتي بكعب قدمها اليمنى، وبقوة الركلة وحدها قطعت ساقي من أسفل الركبة، مع سروالي الجينز، كما لو أنها تستخدم مشرطًا كهربائيًا.
كما لو أنها كسرت غصنًا صغيرًا.
أو قطعت ساق حشرة.
«غـ…!»
كان الشعور بالدهشة أقوى من الألم.
الذهول سبق الألم المبرح.
لقد سمحت لها بالاقتراب بسبب إهمالي فحسب. وكان من الطبيعي أن أدفع ثمن انشغالي بتلك المخاوف غير الضرورية، وأن أتلقى ضربة واحدة على الأقل. يمكن القول إن ذلك أمر لا مفر منه.
لكن أن تكون الضربة مدمرة إلى هذا الحد؟
حتى لو ركل إنسان ركبة إنسان آخر، فلن يحدث شيء كهذا. وفوق ذلك، فإن جسدي الآن معزز إلى أقصى حد تقريبًا!
العظام واللحم…
بل حتى الجلد، يمكن القول إنه مغطى بطبقة سميكة من المطاط!
«هل ظننت أنني سأستهدف نقاط ضعف مصاص الدماء؟ هل توقعت أن أهاجم جهازك التنفسي؟ أو أستهدف أعضاءك الداخلية؟ هل ظننت أنني سأخرج صليبًا أو ماءً مقدسًا؟ أم أنك تخيلت أنني سأرش عليك ماءً مقدسًا بمسدس مائي؟»
قالت كاغينوي ذلك، ثم أطلقت قبضتها اليسرى، المقابلة قطريًا لساقها التي ركلتني بها، نحو ذقني بسرعة لا تستطيع العين تتبعها.
وفقًا لكارين، فإن قبضة كاغينوي تملك قوة كافية لتفعيل الوسادة الهوائية في السيارة. لكن يبدو أن علينا تعديل تقييم كارين لقوتها قليلًا.
تلك الفتاة متساهلة في تقييمها على نحو غير متوقع.
وسادة هوائية؟ بل إن ضربة كهذه كفيلة بتحطيم سيارة صغيرة وإرسالها إلى الخردة.
تطاير فكّي السفلي كما لو أن كرة سريعة ألقاها لاعب في الدوري الأمريكي للبيسبول قد أصابتني من مسافة قريبة. لم يكن الأمر مجرد ضربة إلى الفك تهز الرأس وتسبب ارتجاجًا في الدماغ، أو شيء من هذا القبيل.
بل إن دماغي لم يهتز إطلاقًا، بينما اختفى الجزء السفلي من فكي وحده، بدقة متناهية.
«يا لسوء حظك. أنا أول أونميوجي مقاتلة في اليابان! لا شأن لي بالتعاويذ الصغيرة أو المعلومات المعقدة المملة. لا يهمني شيء من ذلك. كل ما أفعله هو أن أتعامل مع الكايغي، تلك الكائنات الغامضة التي لا يفهمها أحد، بهذه الطريقة، وبكل حماس!»
كانت الضربة التالية بكعب يدها.
استخدمت كاغينوي يدها اليمنى التي كانت تنتظر دورها، ووجهت ضربة بكعب الكف، مدمرة بصورة غير معقولة، وبزاوية غريبة، لكنها أصابت كتفي الأيمن في خط مستقيم.
عند مفصل الكتف، أبقت على الجزء العلوي من عظم العضد فوق العنق التشريحي، بينما انتزعت ذراعي اليمنى من مكانها.
لم تمسك بها، ولم تلْوِها.
مجرد ضغط بكف اليد…
كان كافيًا لانتزاعها.
حتى صفعة أعظم مصارع سومو في التاريخ لن تكون بهذه القوة.
قوة خالصة…
وتركيز لتلك القوة.
القدرة والمهارة.
والنتيجة…
دمار هائل.
تدمير كاغينوي يوزورو.
حين طوتني كاغينوي مثل قطعة ورق أمام منزل عائلة أراراغي، تساءلت عن الآلية التي استخدمتها لتنفيذ حركة إخضاع كهذه، لكنني كنت مخطئًا تمامًا. لم تفعل سوى تثبيت جسدي بالقوة الغاشمة. كان الأمر أشبه بإجباري على ممارسة تمارين تمدد قسرية.
مجرد قوة غاشمة.
لكن تلك القوة الغاشمة…
كانت الآن تنطلق بلا أي ضبط للنفس.
ومع ذلك، هل يمكن لإنسان عادي، لا يمتلك أي صفة من صفات الكايغي، أن يفعل هذا بكايغي؟ لا، لا داعي لإضاعة الوقت في ترديد مثل هذه التساؤلات الفارغة. هذه المرأة ليست أونميوجي ولا أي شيء من هذا القبيل!
لقد جُردت تمامًا من كل مهاراتها البشرية، باستثناء القتال!
لهذا السبب كانت شينوبو تتحدث عنها بعبارات مبهمة.
لا توجد صفة يمكن أن تصف هذه المرأة…
«هاه… كـ…!»
لم أعد أحتمل، فتراجعت إلى الخلف. قفزت بكل ما أستطيع باستخدام ساقي اليمنى المتبقية، مبتعدًا عن كاغينوي.
لم تحاول كاغينوي ملاحقتي.
لا أظن أنها عاجزة عن ذلك، لكن عدم اندفاعها وراء خصمها بحماس زائد جعلني أدرك مجددًا أنها محترفة بالفعل.
المحترف لا يحتاج إلى الحماس في مواجهة هدف هاوٍ.
ولهذا لم تتصرف بشجاعة متهورة، ولم تندفع نحوي بضربات متلاحقة.
كانت تبدو مرحة وغير مبالية، لكنها في الواقع تتطلع بهدوء إلى نتيجة مؤكدة…
«هف… هف… هف».
لكنني كنت محظوظًا. لقد كانت قوة كاغينوي التدميرية هائلة إلى درجة أن ذلك أنقذني، على نحو غريب.
الألم شديد إلى درجة أنه لم يعد ألمًا.
كان الأمر غير واقعي، ولم أستطع تقبله.
فالضرر الذي يتجاوز حدود الإحساس بالألم يرفض الدماغ استقبال إشاراته العصبية. وفي أثناء ذلك، بدأ جسدي، الذي يحمل خاصية الخلود الخاصة بمصاصي الدماء، بالتجدد تلقائيًا.
ساقي المقطوعة.
فكي السفلي الذي اختفى.
ذراعي اليمنى المنتزعة.
كلها عادت إلى حالتها الأصلية…
كما لو أن نظامًا آليًا أعاد تركيبها.
بالطبع، لم تكن سرعة تجددها مماثلة لما كانت عليه حين كنت مصاص دماء كاملًا؛ فلم تعد الأمور تحدث في لمح البصر. ومع ذلك، كان كل شيء قد عاد إلى وضعه الطبيعي قبل أن أنتهي من نطق حروف الأبجدية اليابانية.
وبالنسبة إليّ، وعلى خلاف شينوبو، فإن الملابس الممزقة لا تدخل ضمن نطاق التجدد، لأنني لا أمتلك مهارة خلق المواد من العدم؛ فالملابس التي أرتديها مجرد ملابس عادية. ولهذا انتهى بي الأمر بمظهر يشبه أزياء البانك قليلًا.
لكن الضرر النفسي الناتج عن تعرض جسدي للتنكيل بهذه الصورة لم يتعافَ هو الآخر.
«هاه… هاه…»
اهدأ. كن متزنًا… بل تحمس!
هذه الأمور غير المتوقعة كانت ضمن توقعاتي.
إنه أمر يمكنني تحمله.
إذا فكرت في أنني سأتمكن من مواصلة لمس صدري أختيّ كما أشاء ابتداءً من الغد، فإن هذا الثمن زهيد للغاية.
على أي حال…
بهذا نبدأ من جديد.
«كاكاكا… يا فتى».
بدت كاغينوي مستمتعة.
حتى وهي في خضم القتال، لم يتغير سلوكها الودود والعفوي على الإطلاق. بل…
إذا فكرت في الأمر، فمن الطبيعي ألا يتغير سلوك امرأة تقول إن القتال بدأ منذ لحظة ولادتها.
إنها ليست مجرد حالة تأهب دائم للقتال.
فحتى حين وقفت فوق صندوق البريد وسألتني عن الطريق، كانت قد دخلت ساحة المعركة منذ زمن بعيد.
«هل تعرف لماذا أتخصص في الكايغي الخالدة؟»
فتحت كاغينوي فمها على اتساعه، وأخرجت لسانها في حركة مقززة وهي تلعقه.
«لأنه لا يوجد شيء اسمه المبالغة في ذلك».
«…!»
كانت تلك الكلمات كافية لتحطيم معنوياتي، حتى بعد أن حاولت استجماع نفسي والبدء من جديد.
ما هذه المرأة؟
بل ما هذا العالم الواسع…
لم يخطر ببالي قط أن هناك إنسانًا بهذه الدرجة من القوة.
بالطبع، أتيت إلى هنا وأنا أنوي القتال، لكنني كنت أتوقع معركة بين قدرات خارقة وأخرى خارقة.
لم أكن أشك في كلمات كارين التي أكدت لي قوة كاغينوي، لكنني ظننت أنني، بعد أن أصبح أكثر من نصف جسدي مصاص دماء، سأكون على الأقل ندًا لها.
ومع ذلك…
ما هذا القتال الجسدي الذي خضته للتو؟
ما هذه القوة الغاشمة؟
لقد سحقت أونميوجي كيوتو هذه الكايغي بالقوة وحدها.
«هاه، هاه، هاه، هاه…»
حاولت كبح خفقان قلبي العنيف، وتنظيم أنفاسي، بينما كنت أفكر.
لا، تذكر.
تذكر جيدًا.
هذا صحيح…
إن الشخص الذي سكن هذه القاعة من قبل، ذلك الرجل الخفيف الذي يرتدي قميص هاواي، أوشينو ميمي، كان قادرًا على فعل شيء فظيع كهذا لو أراد.
لكنه لم يفعل فحسب.
أجل، أظن أنه كان قادرًا على ذلك.
حتى شينوبو في أوج قوتها كانت تكنّ احترامًا خاصًا لأوشينو. سواء أكان الأمر يتعلق بالسلطعون أو الحلزون أو القرد أو الأفعى، كان أوشينو قادرًا على تطهير الكايغي والتخلص منها بطريقة أبسط بكثير. أما الكايغي التي عجز أوشينو عن التعامل معها حقًا، فلم تكن سوى تلك القطة التي ظهرت في قضية هانيكاوا.
أوشينو…
«كاغينوي… ما طبيعة علاقتك بأوشينو؟»
لم أكن أحاول كسب الوقت.
بل إنني كنت أعتقد أن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها لهاوٍ مثلي مواجهة محترف هي حسم المعركة بسرعة. ومع ذلك، كان هناك أمر واحد لا بد أن أسأل عنه.
وإلا فلن أتمكن من القتال براحة.
وسيظل الأمر يشغل بالي.
«هل تعرفين ذلك الرجل الذي يرتدي قميص هاواي… أوشينو ميمي؟»
«هاه؟»
مالت كاغينوي برأسها أمام سؤالي المفاجئ.
«ماذا؟ أوشينو الصغير؟ هل ما زال يرتدي قمصان هاواي؟ ظننت أنها مجرد صورة يصنعها لنفسه، لكن إذا استمر في ذلك إلى هذا الحد، فربما يكون وراء الأمر إيمان قوي بشيء ما».
«………….»
«لا، ليس الأمر بهذه الأهمية. نحن مجرد أصدقاء قدامى. أنا وأوشينو الصغير وكايكي الصغير كنا زملاء في الجامعة».
ماذا؟
أوشينو، لا بأس…
لكن كايكي؟
كايكي؟
كايكي أيضًا؟
«كايكي… تقصدين كايكي ديشو؟»
«أجل، كايكي الصغير. كنا في القسم نفسه، وفي النادي نفسه. وكان معنا طالب أكبر منا، وكنا كثيرًا ما نلعب شوغي رباعيًّا معًا».
«شوغي…»
الآن وقد فكرت في الأمر، كان ذلك الوغد كايكي قد تحدث معي ومع سينجوغاهارا عن الشوغي في مناسبات لم يكن لها أي صلة واضحة بالموضوع. وقد شعرت حينها أن تصرفاته لا تشبهه على الإطلاق…
«أما كايكي، فلم يكن من النوع الذي يسعى إلى الفوز، بل كان لاعبًا يسعى إلى تحقيق المكاسب. وكان يحب كثيرًا تشكيل حواجز من القطع».
«………….»
لماذا يصر ذلك الرجل على أن يكون نذير شؤم إلى هذا الحد؟
إنه ليس مجرد لاعب يخطط لألف حركة مسبقًا.
«أما أوشينو الصغير، فكان يحب مسائل الشوغي. كان سيئ الطباع، وكان يؤلف مسائل ذات ملكين ليضايقني. لم يكن يصل إلى مستوى مسألة ميكروكوسموس، لكنه كان يؤلف مسائل تحتاج إلى ما يقارب ألف حركة لحلها».
«هذا يوحي بأنه لم يكن يملك أصدقاء كثيرين…»
أكان هكذا منذ أيام الجامعة؟
كفى عبثًا.
«…لحظة، هل كان ذلك النادي نادي أبحاث الشوغي؟»
«لا، لا، كان نادي أبحاث الخوارق. لكن لم يكن أحد يأخذه بجدية سوى أوشينو الصغير والطالب الأكبر منا. وقد انشغلنا كثيرًا بلعب الشوغي حتى نسينا إعداد أعضاء جدد للنادي. لذلك أظن أنه أُغلق بعد رحيلنا. ومع أنني أقول رحيلنا، فإن أوشينو وكايكي انسحبا من الجامعة قبل التخرج، أما أنا فكنت الوحيدة التي تخرجت فعلًا».
«أ… أجل…»
الشخص الوحيد الذي لا يُتوقع منه التخرج هو من تخرج بالفعل.
حسنًا، لا يهم ذلك في حد ذاته…
لكن هل يعني هذا أن هذه المرأة تعرف أوشينو، بل وتعرف كايكي أيضًا منذ زمن بعيد؟
وبالتالي، فإن أوشينو وكايكي يعرف أحدهما الآخر منذ أيام الجامعة.
كان الأمر مفاجئًا، لكن في الوقت نفسه، شعرت بأنه منطقي. فعندما سألت كايكي عن كاغينوي وأونونوكي، كانت إجاباته غير طبيعية، إذا استعدت ما قاله جيدًا.
وهذا يعني أن ذلك المحتال أخذ المال من طالب في الثانوية مثلي، ثم لم يخبرني بالمعلومات الصحيحة.
«لا أصدق، لا بد أنك تخلط بين الأشخاص»، قال لي… و«لو عشت حياة مستقيمة، لكان التعامل مع هذين الشخصين أصعب بكثير من التعامل معي»، قال لي أيضًا…
أيها الوغد، أتسخر مني؟
لو كنت أعرف أنكما تعرفان بعضكما، لكان بإمكاني أن أسألك عن أشياء أخرى كثيرة!
«وبالمناسبة، كايكي الصغير هو من أخبرنا بلطف أن أختك فريستنا».
«كايكييييييي!»
أنت المسؤول عن كل شيء!
كل شيء من صنع يديك!
ذلك الوغد المشؤوم شرير لا أمل في إصلاحه حقًا!
«لقد ابتزنا بمبلغ ضخم كالعادة. جئنا إلى هنا ونحن نفترض أن معلوماته كاذبة، ونجرب حظنا فحسب، لكنني فوجئت حقًا حين اكتشفت أن كايكي يقول الحقيقة أحيانًا».
«أخذ المال من كاغينوي وأخذ المال مني أيضًا… يا له من ازدهار تجاري، يا كايكي ديشو! سأحضر لك بعض الخيزران في المرة القادمة!»
كنت أشعر أن الأمر مصادفة أكبر من أن يكون مجرد مصادفة!
لكن ما هذا الكلام الذي قاله لي: «المصادفة بالمعنى العام للكلمة أمر مخادع على نحو عجيب… ففي معظم الأحيان، تنشأ المصادفة من نوع من أنواع النية السيئة»؟
أليس من الواضح أن هذه المصادفة نشأت من نيتك السيئة أنت؟!
كيف تتجرأ على إلقاء تلك النظرة الفلسفية الجادة، وكأنك تقول شيئًا ذا معنى؟!
وبعد أن عرفت هذا، بدأت أشك حتى في المصادفة التي جمعتني أنا وشينوبو بكايكي في مطعم مستر دونات. صرت أشعر أن وراءها تدبيرًا متعمدًا… أو نية سيئة.
كايكي محتال، لكنه محترف. ربما كان قادرًا على توقع توقيت زيارتنا للمطعم، وربما كان ينتظرنا هناك، مستعدًا لكل شيء، وهو يأكل كعكة المافن، مثل أوشينو تمامًا…
وفوق ذلك، فإن عودته إلى المدينة في فترة عطلة أوبون، بينما كانت سينجوغاهارا تزور مسقط رأسها، تبدو مصادفة مدبرة أكثر مما ينبغي.
«اللعنة… لا أصدق هذا الوضع. أحقًا؟ تبًا!»
لا عجب أن سينجوغاهارا في سنتها الأولى بالثانوية قد عانت كثيرًا من هذا الرجل.
وليس غريبًا أن كارين وتسوكيهي، أو فاير سيسترز، لم تكونا ندًا له على الإطلاق.
لقد تلاعب بنا تمامًا.
الجميع، بمن فيهم كاغينوي وأونونوكي، كانوا يتحركون وفقًا لما يريده كايكي.
لقد كان الأمر متقنًا إلى درجة لا يسعني معها إلا الإعجاب به، حتى إنني لم أعد أشعر بأي رغبة في السخرية منه.
أعتذر لأنني وصفته بالشخص التافه.
إنه كارثة بمستوى الكوارث البيولوجية، كايكي ديشو.
كان من الطبيعي أن سينجوغاهارا لم تكن تريد إشراكي في الأمر. بل إنني أشعر مجددًا بإعجاب شديد بقوة إرادتها؛ فقد واجهت كايكي مرة أخرى بشجاعة لا تعرف الخوف، رغم أنه سبق أن ألحق بها أذى فادحًا.
«بل إن اسم عائلة يوتسوغي مستوحى من كايكي نفسه. لقد ربطت اسمها بكايكي حين اخترت لها اسم العائلة. حرف الخشب في أونونوكي هو نفسه الموجود في كايكي».
«هل هذا نوع من تقييد الكايغي بالاسم؟»
«أجل. أنا لا أمتلك الشجاعة التي امتلكها أوشينو الصغير لتقييد الكايغي باسمي الخاص».
أونونوكي…
إذن لم يكن الأمر مجرد تلاعب باسم أراراغي.
يا لها من شبكة علاقات مزعجة…
إذا كان الأمر كذلك، فإن المعركة التي تدور الآن في الطابق السفلي بين شينوبو أوشينو وأونونوكي يوتسوغي ليست سوى مواجهة بين طرفين تربطهما صلة ملتوية ومعقدة للغاية.
«لكن… أنا وكارين فقط من التقينا بكايكي، أما تسوكيهي، وهي محور المشكلة، فلم تواجهه مباشرة، أليس كذلك؟»
«كان كايكي خبيثًا وذكيًا للغاية. كانت لديه موهبة في رؤية ما وراء الأشياء. ولهذا، إذا رأى اثنين من الإخوة الثلاثة، فسيكون قادرًا على كشف حقيقة الثالث. حتى اليوم، لم أكن قد ربطت بين مصاصة الدماء التي اعتبرها أوشينو الصغير غير مؤذية، وبين طائر الشيدونو الذي أخبرني عنه كايكي. لكن كايكي، بخلاف ما حدث معي، كان يعرف أختك بوصفها أختك فعلًا، أليس كذلك؟»
«حسنًا… على الأرجح».
هذا صحيح.
لم يظن كايكي أن الأمر مجرد تشابه في اسم العائلة، كما فعلت كاغينوي. بل كان يعرف أن كارين أختي.
لا أظن أنه كان يعرف على وجه اليقين أننا ثلاثة إخوة، لكن ذلك ليس مستبعدًا أيضًا.
«أما إخفاؤه لهذه الحقيقة عني، فهذا ما يميز كايكي الصغير، فهو لا يترك شيئًا للصدفة. بل ربما لم يكتفِ بإخفائها، وإنما شجعني عمدًا على الاعتقاد بأنكما مجرد شخصين يحملان اسم العائلة نفسه. لقد أدخل التشويش في المعلومات عن قصد. ولا بد أنه فعل ذلك لأنه ظن أنه لن يتمكن من تحصيل المال من الطرفين بطريقة أخرى».
وأنا أتفق مع ذلك.
فليس من الطبيعي أن يظن المرء أن شخصين يحملان اسم أراراغي، وهو اسم عائلة نادر، لا تربطهما صلة قرابة. لا بد أن وراء ذلك تدبيرًا ونية سيئة.
لم تكن مصادفة.
«…كما تعرف، فإن اختصاص كايكي الأساسي هو الكايغي المزيفة. وطائر الشيدونو يقع ضمن مجال تخصصي، لكنه في الوقت نفسه يقع ضمن مجال تخصص كايكي أيضًا».
ثم ضحكت كاغينوي ضحكة صافية.
كانت تضحك من دون أي تحفظ، رغم أن شخصًا تعرفه منذ زمن قد خدعها.
«…لكن لا داعي للقول إن الأكثر تفوقًا بينهم جميعًا كان أوشينو الصغير. كان يحيط نفسه بالفتيات، ويتصرف بخفة ومرح أكثر من أي شخص آخر، مع أنه كان فتى مزعجًا بحق. لم يره أحد يدرس بجدية قط، ومع ذلك كانوا يعتبرونه عبقريًا لم يظهر مثله منذ تأسيس النادي. حتى كايكي كان يبدو وكأنه لا يرتاح لأوشينو الصغير…»
«………….»
أوشينو مذهل حقًا.
لقد ارتفعت مكانته في نظري.
لا يهمني إن كان متفوقًا أو عبقريًا، لكنني أحترمه حقًا لأنه جعل كايكي يشعر بالرهبة منه.
…لكن، هل كان يحيط نفسه بالفتيات؟
لا أستطيع تخيل ذلك.
لا أريد أن ألومه على ما فعله في شبابه، لكنني أعتقد أن على الرجل أن يكون صادقًا ومخلصًا في تعامله مع النساء.
يا له من شخص مزعج.
«…ههه. ما زلت أستطيع التواصل مع كايكي بصعوبة، لكنني نادرًا ما أتمكن من لقاء أوشينو الصغير. لذلك جئت إلى هذا المبنى أولًا، رغبةً مني في استعادة ذكريات صديقي القديم».
«إذن، كان كايكي يعرف بوجود أوشينو في هذه المدينة، خلال الفترة التي كان يستقر فيها هنا…»
لكنه تعمد ألا يتعامل معه.
لا، ربما كان قد تعامل معه في مكان لا أعرفه.
ربما التقى الصديقان القديمان بالفعل.
فأسرة غايين، وهي أسرة كانبارو من جهة أمها، كانت متورطة في ذلك المجال، وكان أوشينو يعرف هذا. أما كايكي، فقد كان أول لقاء له معي أمام منزل كانبارو.
وفوق ذلك، قال أوشينو شيئًا سخيفًا عن أنه منع حربًا كبرى بين الكايغي من الاندلاع في هذه المدينة.
كما أن رحيله عن المدينة حدث مباشرة بعد أن وقعت سينغوكو في طرف من مخطط كايكي.
إذا كان الأمر كذلك…
فربما حدث شيء ما بينهما.
بالطبع، حتى لو حدث شيء من هذا القبيل، فلا سبيل لي لمعرفة حقيقته. لم يخبرني أوشينو بأي شيء، ولم يخبرني كايكي بأي شيء أيضًا.
لم يمضِ نصف يوم حتى منذ لقائي بكايكي ديشو في مستر دونات وقت الظهيرة، لكن من المرجح أنه غادر المدينة هذه المرة بالفعل. فقد نجحت عملية الاحتيال التي نفذها ضدي، والتي بدت كأنها انتقام شخصي مني… لا، ربما لم يكن لديه أي شعور بالانتقام أصلًا، وربما اكتفى ببساطة بأخذ المال ممن يستطيع أخذ المال منه.
حقًا…
إنه أشبه بمن يعطي اللص مكافأة إضافية على سرقته.
«على أي حال، هل يمكن القول إن هذا المكان موقع ذو طاقة خاصة؟ أشعر حقًا أن هذه القاعة هي المكان الذي عاش فيه أوشينو الصغير براحة».
أدارت كاغينوي رأسها وحده لتنظر إلى السرير المؤقت المصنوع من طاولات الدراسة خلفها، ثم قالت:
«وأنت أيضًا. إن انشغالك بالحديث عن الذكريات القديمة في خضم المعركة، وتصرفك بهذه السذاجة، يجعلانك تبدو فعلًا كإنسان أنقذه أوشينو الصغير».
«…أنقذني، هاه».
«”أنا لا أنقذ أحدًا. أنت تنقذ نفسك بنفسك”… أليس هذا مما قد يقوله أوشينو الصغير؟ لكن يا أخي الشيطاني…»
ثم غيرت كاغينوي تعبيرها، وكأنها بدلت تركيزها فجأة، وألقت عليّ نظرة جانبية هادئة.
«أظن أن حتى أوشينو الصغير، مهما بلغت قدرته على كشف ما يخفى على الآخرين، لم يكن يعرف أن أختك مزيفة. ما رأيك؟ لو عرف أوشينو الصغير تلك الحقيقة، فماذا كان سيقول لك حينها؟»
«…أوشينو».
خلال الأشهر الثلاثة التي أقام فيها في هذه المدينة…
لم يتواصل أوشينو مع فاير سيسترز مطلقًا.
بل إنني لا أذكر حتى إن كنت قد تحدثت أمامه عن أختيّ من قبل… لا، على الأرجح لم أفعل.
مهما كان أوشينو رجلًا يبدو وكأنه يرى ما وراء الأشياء، فإنه لا يستطيع معرفة أمور لم أخبره بها.
ربما كان احتكاك كايكي بي أحد أسباب اكتشافه حقيقة تسوكيهي، لكن الأرجح أن احتكاكه بكارين كان العامل الأكبر.
فاير سيسترز.
فأختا أراراغي تأتيان دائمًا كحزمة واحدة.
وبما أنه كان يستهدف طلاب المرحلة الإعدادية بالاحتيال، فلا بد أن أخبار هاتين الفتاتين اللتين تتظاهران بأنهما «حارستا العدالة» قد وصلته بطريقة أو بأخرى.
لكن، على سبيل الافتراض…
لو أن أوشينو ميمي عرف بأمر أراراغي تسوكيهي خلال إقامته في هذه المدينة، ولو أنه اكتشف وجود طائر الشيدونو…
فكيف كان سيتصرف؟
وماذا كان سيقول لي؟
أسلوب أوشينو ميمي.
ذلك الرجل الخفيف الذي يرتدي قميص هاواي، والذي يحرص دائمًا على البقاء محايدًا، ولا يبذل جهده إلا للحفاظ على التوازن، ولا يتردد حتى في أن يصبح جاسوسًا مزدوجًا…
«…لا أعرف».
أجبت كاغينوي، ثم سألت نفسي السؤال نفسه، وبعد ذلك اتخذت وضعية الاستعداد.
انتهى وقت الدردشة.
لقد سألت كل ما أردت سؤاله، ولم يعد هناك مجال بالطبع لأي فقرة كوميدية.
فلننتقل ببساطة إلى فقرة القتال.
«لا يهم ما سيقوله أوشينو. إذا تعارضت آراؤنا، فسأجعل أوشينو خصمي، لا أكثر».
لم أعد أنوي التظاهر بأنني أناصر العدالة.
بل إنني لم أعد أبالي بأن أصبح عدوًا لأي شيء، لا العدالة وحدها.
وإذا أردت قول ذلك، فقد كنت أضع نفسي في مواجهة نفسي منذ اليوم الأخير من عطلة الربيع.
منذ ذلك الحين، لم يمر يوم واحد…
ولا مرة واحدة، مهما كان الشخص الذي أتحدث إليه…
سمحت فيها لنفسي بأن أسامح نفسي!
«كاغينوي. أنا في صف أختي».
«لكن أختك مزيفة».
قالت كاغينوي إنها ليست أختي الحقيقية، ثم فتحت ذراعيها كما لو كانت تؤدي حركة استعراضية بغرض استفزازي، من دون أن تكترث مطلقًا لأنني اتخذت وضعية الاستعداد.
«وفوق ذلك، إنها طائر الشيدونو، من بين كل الكايغي. إنها كايغي وطائر غريب. يا لها من مصادفة مضحكة أن يكون طائر الوقواق هو ما يتعلق بأراراغي! لقد ظللت مخدوعًا من كائن غير بشري لأكثر من عشر سنوات، أليس كذلك؟»
«…وماذا في ذلك؟»
«صحيح أن سوء أدائنا، أو بالأحرى إخفاء كايكي لعلاقتكما وصلة الأخوة بينكما، هو ما جعلك تكتشف حقيقة طائر الشيدونو. كان ذلك فشلًا ذريعًا وخطأ فادحًا من جانبنا. لكن… ما رأيك؟»
ألقت كاغينوي عليّ سؤالًا بنبرة ماكرة، وكأنها تختبرني عمدًا.
«بعد أن عرفت أن الأخت التي كنت تظنها حقيقية ليست سوى مزيفة، هل تستطيع أن تحبها كما كنت تحبها من قبل؟»
«بالطبع أستطيع. بل سأحبها أكثر من ذي قبل».
أجبت فورًا، من دون أي تردد، كما فعلت كارين.
ثم خفضت جسدي قليلًا، وانطلقت بسرعة صاروخية، رافعًا يديّ على هيئة مخالب، واندفعت نحو كاغينوي.
صرخت…
«الأخت غير الشقيقة مثيرة للاهتمام فحسب، أليس كذلك؟!»
صرخت بكل ما أملك من قوة، حتى نفد صوتي.
اندفعت نحو كاغينوي.
ثم أرجحت ذراعيّ بقوة، وكأنني أحاول إحاطتها من الجانبين وسحقها بينهما. لم يكن لدي أدنى مجال للتفكير في تخفيف قوة الضربة.
تدمير خالص، بلا تفكير.
أردت أن أرد على التدمير بالتدمير، وأن أقدم تدميرًا يسبق التدمير نفسه.
منذ الصباح حتى المساء.
أردت أن أقدم عرضًا لا يتوقف عن التدمير…
لكن…
«…حسنًا، فهمت».
قالت كاغينوي ذلك.
فقد أوقفت ذراعيّ من الأمام، لا بالمراوغة ولا بالتفادي، بل بقبض يديّ من معصميهما.
أوقفتني بالقوة.
أوقفت اندفاعي بالقوة.
كبحت هجومي بالقوة.
حتى إنني شعرت بأن مرفقيّ قد يتحطمان بفعل الزخم الزائد الذي لم أستطع إيقافه.
أهذا معقول؟
ليس الهجوم وحده…
حتى دفاعها يفوق الحدود؟
هل يمكن أن يكون الدفاع بهذه القوة الغاشمة؟
إنها قوة مصاص الدماء، أقوى الكايغي على الإطلاق، حتى وإن كانت قد انخفضت إلى النصف! إنها قوة تابع قاتل الكايغي!
ومع ذلك، أوقفت ذراعيّ بيد واحدة لكل منهما؟
وفوق ذلك، وهي تتحدث معي، من دون أن تضغط على أسنانها حتى؟
«فهمت رأيك. وفهمت مشاعرك أيضًا. ومن الطبيعي أن أحترمها، من وجهة نظر شخص مثلي، من حماة العدالة».
قالت كاغينوي ذلك، ثم شددت قبضتها على معصميّ أكثر. كانت قوة قبضتها مرعبة، وكأنها تضغط عليّ بقوة ألف رجل، حتى إنني شعرت بأن معصميّ سيتحطمان في لحظة، مثل الحلوى المطاطية.
«أمام اللامعقول، لا مكان للمنطق. لقد تخليت عن محاولة إقناعك. أنا مختلفة عن أوشينو الصغير وكايكي الصغير في النهاية… لا أستطيع التحدث إلا بقبضتي».
«…!»
«لكن… ماذا عن الآخرين؟! أنت قد تكون بخير، لكن ماذا عن بقية أفراد عائلتك؟!»
وبينما كانت في الوضعية نفسها، رفعت كاغينوي أصابع قدمها ووجهت إليّ ركلة متتابعة. تمكنت بالكاد من إمالة الجزء العلوي من جسدي إلى الخلف، لكن ذلك لم يمنعها من كشط جزء من وجهي.
ولأنني تفاديت الضربة جزئيًا، شعرت بالألم الحقيقي بوضوح. وبالطبع، لم يكن ذلك نهاية هجوم كاغينوي؛ فقد تابعت قدمها حركتها، وأنزلتها إلى الأسفل كما في ركلة نيري تشاغي.
كانت الضربة تسير في المسار نفسه تمامًا الذي تلقيته من كارين ذات مرة، لكن سرعتها وقوتها، وحتى طريقة عكس اتجاه الحركة العمودية، كانت مختلفة تمامًا عن ركلة كارين.
أردت إرجاع جسدي إلى الخلف أكثر، لكن معصميّ كانا مثبتين بإحكام، فلم أتمكن حتى من ذلك.
اقتُلعت عضلات كتفي مع عظمة الترقوة.
وبحلول ذلك الوقت، كان الجزء الذي كُشط من وجهي قد بدأ يتعافى قليلًا، لكن كاغينوي وجهت إليّ ضربة بالرأس مباشرة.
نطحة.
أسلوبها في القتال مثالي؛ إنه أسلوب شجار خالص.
هذا أشبه بتعذيبي بالمبرد، بل وأكثر من اللازم.
«حتى لو كنت أنت بخير، فماذا عن بقية أفراد عائلتك؟!»
أخيرًا، تركت كاغينوي معصميّ، ثم انتقلت إلى الهجوم دفعة واحدة، كما لو أن سدًا قد انهار.
وجهت إليّ ضربة كاسحة بساقها تشبه المنجل، فارتفع جسدي في الهواء، ثم انهالت على جذعي ضربات متتالية لا حصر لها، كأنها ألعاب نارية تنفجر واحدة تلو الأخرى. شعرت وكأنني طبل تايكو ياباني.
تطايرت الشرارات أمام عينيّ.
حتى المؤثرات الصوتية بدت وكأنها مرئية.
«أنت لا بأس بك. لديك خلفية تهيئك لتقبل الأمر. لقد تحولت أنت نفسك إلى كايغي في الماضي، وتحمل ذلك الشعور بالذنب. لقد كنت خالدًا ذات يوم. لذلك ربما تستطيع تقبل فكرة أن تكون أختك كايغي خالدة ومزيفة… وهذا مفهوم! لكن ماذا عن بقية أفراد عائلتك، الذين لا علاقة لهم بالكايغي من قريب أو بعيد؟!»
«………….!»
«مثلًا، كارين، أليس كذلك؟ هل تستطيع أختك الأخرى أن تقول الشيء نفسه الذي قلته، بعد أن تعرف أن أختها كايغي؟! وماذا عن أمك؟! هل تستطيع أن تقول الشيء نفسه بعد أن تعرف أن الطفلة التي حملتها في بطنها وولّدتها وحش؟! وماذا عن أبيك؟!»
كان الأمر أشبه بتقطيع سمكة الهامو، تلك السمكة التي تتطلب إزالة عظامها الدقيقة واحدة تلو الأخرى.
شعرت بأن أضلاعي تتحطم جميعًا، ومعها اللحم المحيط بها. بل كان الأمر أشبه بأن أحدهم وضع خلاطًا يدويًا على جسدي، وخلط كل شيء حتى تحول إلى عصير ناعم.
كان جسدي لا يزال معلقًا في الهواء، وكانت سلسلة ضربات كاغينوي مستمرة.
ومع ذلك، لو كانت هذه لعبة قتال، لكان شريط طاقتي قد نفد منذ زمن. وعلى شاشة كاغينوي، لا بد أن عبارة «YOU WIN» قد ظهرت بالفعل.
«ثم ماذا عن صاحبة الشأن نفسها؟! هل تستطيع أختك المزيفة، بعد أن تعرف أنها كايغي، أن تواصل العيش كما كانت من قبل؟! هل تستطيع أن تظل أختك كما كانت؟!»
الأخت.
أراراغي تسوكيهي.
الحقيقية…
والمزيفة.
«في الوقت الحالي، لا بأس لأنها لا تدرك حقيقة نفسها. لكن عندما تعرف ذلك، ألن تتأذى؟! لا يمكن لوحش خالد أن يتكيف مع بيئته البشرية! وأنت أكثر من يعرف ذلك، أليس كذلك؟!»
«………….!»
«أم أنها ستسعى إلى أن تصبح حامية للعدالة رغم أنها ليست بشرًا؟! فاير سيسترز، أليس كذلك؟ لكنك أكثر من يعرف إلى أي حد يمكن لوحش خالد أن يكون متعجرفًا وقاسيًا تجاه البشر!»
أنا أعرف.
أنا…
أعرف سلف شينوبو أوشينو.
أعرف حقيقتها كاملة.
أعرف تمامًا مقدار العدالة غير المعقولة والمشتعلة التي يمكن أن يمارسها وحش خالد إذا قرر السعي وراء العدالة.
أعرف ذلك.
«وظيفتنا هي التخلص منها قبل أن يحدث ذلك! هل يمكن إنقاذ النار بحمل الحطب إليها؟! إذا لم تنطفئ النيران المتأججة، فكيف يمكن إخمادها؟! إن لم يصيح الوقواق، فاقتلوه! أليس هذا هو المطلوب؟! كل ما تقوله هو رأيك ومشاعرك الشخصية! لا تظن أن الجميع متسامحون مثلك! لك مطلق الحرية في امتلاك أي قيم أو إحساس بالعدالة تريده، لكن لا تفرض مثلك العليا على الآخرين!»
لم تكن كاغينوي غاضبة بالقدر الذي توحي به نبرة صوتها؛ فكل ما كانت تفعله هو رفع صوتها لتزيد من القوة التي تضعها في ضرباتها.
ومع ذلك…
من المؤكد أن شيئًا واحدًا على الأقل من كلماتي قد أثارها.
لكن أي شيء كان؟
لم يكن أمامي سوى التخمين.
ففي الواقع، كانت كاغينوي التي تقود أونونوكي، وهي كايغي ووحش، تحمل في داخلها تناقضًا.
أونونوكي خادمة سحرية، وشِكيغامي.
لكنها في الوقت نفسه أختها أيضًا.
ثنائي يعمل معًا.
أخت غير شقيقة.
«شو… ريو… كن!»
لقد قلتها فعلًا…
قبضة شو ريو كن!
وكأنها تنهي سلسلة ضرباتها، قفزت كاغينوي قليلًا، ثم وجهت لكمة صاعدة نحو قلبي. وبما أنني لم أكن أملك موطئ قدم في الهواء، فقد تحطم قلبي، واندفع جسدي إلى الأعلى بفعل قوة الضربة، حتى اصطدم جسدي كله بالسقف.
لقد ترك جسدي أثرًا في خرسانة السقف، حتى إن شكلي انطبع عليها.
كدت أظن أنني سأخترقها وأخرج من الجهة الأخرى.
«غـ… أ…»
آآآه…
ظل جسدي ملتصقًا بالسقف لبعض الوقت، لكنه سقط في النهاية نحو الأرض، خاضعًا لقانون الجاذبية الكونية.
لم يكن بوسعي أن أهبط بأناقة بالطبع، فسقطت على ظهري هذه المرة، وارتطم جسدي كله بالأرض بقوة.
شعرت وكأنني شُويت من الجانبين.
وكأنني حُشرت بين شريحتي خبز ساخنتين.
«لا تشعر بالاطمئنان! لم تنتهِ المعركة بعد!»
لم أكن مطمئنًا أصلًا، لكنها لم تمنحني حتى الوقت الكافي لأشعر بالقلق. فقد امتطت كاغينوي جسدي الممدد على ظهره، واتخذت وضعية السيطرة من الأعلى، المعروفة باسم وضعية الماونت.
«بدأت أشعر بالقلق على يوتسوغي أيضًا… فلنذهب لإلقاء نظرة عليها!»
إلقاء نظرة؟
لم أستطع فهم ما قصدته كاغينوي بكلماتها، لكنني أدركت المعنى بعد لحظات.
فهمته بجسدي.
اختبرته بنفسي.
بل شعرت به قبل أن أتمكن من استيعابه حدسيًا.
ما إن قالت ذلك حتى بدأت كاغينوي تضربني ضربًا مبرحًا؛ ضربات مدمرة بقبضات مدمرة.
وكانت تضرب الأرضية خلف ظهري أيضًا.
كانت قبضاتها تخترق جسدي، أو بالأحرى اللحم والعظام، كما لو أن ذلك أمر بديهي، وتضرب الأرضية مباشرة من خلالي…
ثم…
كانت تحطم الأرضية كما لو كانت آلة ثقيلة.
أعتذر حقًا عن الحديث عن الأنمي في مثل هذا الوقت، لكن أليس غويمون إيشكاوا الثالث عشر، الذي يظهر في لوبين الثالث، يشق الأرضية بسيفه زانتيتسوكن على هيئة دائرة نظيفة، ثم ينزل إلى الطابق السفلي؟
كان الأمر شبيهًا بذلك.
لكنها لم تكن نظيفة ولا دائرية؛ بل كانت فوضوية وقسرية وخشنة، وكانت شظايا الأرضية تتناثر حولها كما لو أن مثقابًا ضخمًا يحفر فيها، تاركةً وراءها فتحة متعرجة ومسننة.
لقد اخترقت كاغينوي يوزورو أرضية المبنى المهجور.
أرضية الطابق الرابع، ثم أرضية الطابق الثالث، واحدة تلو الأخرى.
وهكذا صار المبنى المهجور أكثر خرابًا مما كان عليه.
بل إنني أظن أن كاغينوي قادرة على تفكيك هذا المبنى بأكمله بيديها العاريتين. يمكنها تحويله إلى أرض خالية من دون الحاجة إلى عمال أو معدات.
إنها إنسانة، لكنها تجاوزت حدود البشر بالفعل.
هذا أشبه بفن قتالي خالص؛ نوع من القتال اليدوي الحقيقي، يهدف إلى التدمير بكل أشكاله، ومختلف عن الكاراتيه الشامل الذي تمارسه كارين، والذي يجمع مهارات متعددة في منظومة واحدة غايتها التدمير.
لقد أصبح جسدي أشبه بمنشفة جافة توضع فوق كومة من القرميد لتخفيف الصدمة عند كسرها. كنت أشعر بوضوح بأن لحمي يمتزج بالأرضية.
لم يكن لدي وقت للتعافي.
بل إن الأمر بدا وكأنها تنفذ ضربة تدميرية جديدة قبل أن تكتمل آثار الضربة السابقة…
لا بد أنني الآن أشبه بمخفوق ماكدونالدز بنكهة الفراولة.
وبعد…
وبعد رحلة المصعد العبثية تلك، توقفت يد كاغينوي أخيرًا، وابتعدت عني بعدما حطمتني بالأرضية. بلغ عدد اللكمات التي تلقيتها منها حتى تلك اللحظة نحو خمسمئة لكمة؛ فقد بدأت أعدها بعد فترة، لأنني لم أجد شيئًا آخر أفعله.
لقد وصلنا إلى الطابق الثاني.
الطابق الثاني، موقع المعركة…
«…كنت أتساءل منذ قليل عن سبب شعوري بأن الجزء العلوي من جسدي يتلقى ضربات متتالية، فإذا بك أنت السبب. ماذا تفعل يا سيدي؟ لا تعرقل طريقي، يا سيدي. إذا طال جسدك أكثر من هذا، فسيصبح الأمر مزعجًا حقًا».
مصاصة دماء شقراء ذات عينين ذهبيتين…
وجدت شينوبو أوشينو تنظر إليّ من الأعلى، وكأنها تنظر إلى شيء يبعث على الاشمئزاز.
بالطبع، وبالنظر إلى كلمات كاغينوي السابقة، لا بد أنها كانت تقصد ذلك منذ البداية. فالقاعة التي سقطنا فيها معًا في الطابق الثاني كانت هي نفسها ساحة المواجهة بين الكايغيين، شينوبو وأونونوكي.
بأقصر مسافة ممكنة…
اجتمعنا نحن الأربعة مجددًا.
…ومع ذلك، فإن استمرار مشاركة شينوبو إحساساتي رغم ابتعادها عن ظلي، يدل على أن فقدانها لخصائص مصاصة الدماء ليس أمرًا عاديًا على الإطلاق.
لا يسعني إلا أن أقول إن أسلوب أوشينو مرعب حقًا. لكن لا بد أن فرض هذه الأحاسيس على شينوبو في خضم معركة جادة كان أمرًا مزعجًا لها أيضًا.
لكن…
هذا ما يليق بقاتلة الكايغي.
«كاكاكا! ما الأمر يا يوتسوغي؟ كنت تتحدثين بصوت عالٍ قبل قليل، لكن يبدو أنك تواجهين صعوبة كبيرة!»
كانت كلمات كاغينوي ساخرة، لكنها لم تكن مخطئة.
في تلك القاعة المعتمة، كانت أونونوكي تقف في الزاوية المقابلة لموقعي وموقع شينوبو. ولو لم يكن المشهد في مثل هذا الظرف، لكان من الصعب النظر إليها مباشرة.
أنا أيضًا لم أكن في حالة تسمح لي بانتقاد مظهر الآخرين، لكن أونونوكي كانت في حالة يرثى لها؛ ملابسها وشعرها، بل جسدها كله، ممزق وممزق بشدة.
كان واضحًا تمامًا أنها تعرضت للتعذيب بلا رحمة على يد شينوبو حتى هذه اللحظة.
فشينوبو لم يكن عليها خدش واحد.
لم تختل شعرة واحدة من شعرها الأشقر، ولم يعلق حتى غبار على بدلتها الرياضية.
هذا لا يتعلق باختلاف قدرتهما على التعافي.
إنه فارق بسيط في القوة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن أونونوكي ضعيفة بوصفها كايغي. وأنا أضمن ذلك بنفسي، بعدما اختبرت قوة كاغينوي؛ فلا يمكن أن تكون رفيقة كاغينوي كائنًا يسهل التغلب عليه.
وبما أنني لم أكن في هذه القاعة، فلا بد أن شينوبو لم تتمكن من استخدام نصل قاتلة الكايغي الذي نعرفه…
لقد جعلني ذلك أدرك مجددًا مدى الوحشية الساحقة التي تتمتع بها شينوبو أوشينو، مصاصة الدماء السابقة.
…وفوق ذلك، مدى ساديتها أيضًا.
فالوضع يبدو وكأنك كنت تستمتعين بتعذيب أونونوكي واللعب بها…
أونونوكي التي لا تُظهر أي تعبير عادةً، تكاد تبكي الآن.
ألم يكن بوسعك إنهاء الأمر بسرعة ثم القدوم لمساعدتي؟
ألم تشعري بما كنت أتعرض له؟
لا أعرف إلى أي حد أثار وصفها لك بالعجوز غضبك، لكن بحقك… إذا كنت قد اتخذت مظهر كارين، فكان عليك أن تكتسبي شيئًا من ميولها المازوخية أيضًا.
ثم إنك لا ينبغي أن تفعلي أشياء مضحكة في موقف جاد كهذا!
«كنت على وشك قلب الطاولة وتحقيق انتصار ساحق، فلا تتدخلي فيما لا يعنيك يا أختي… أنا قلت ذلك بملامح واثقة».
قالت أونونوكي ذلك بثبات في مواجهة كاغينوي التي كانت تقترب منها.
لا، وجهك يكاد يبكي!
بل إنك لا تصنعين ملامح واثقة أصلًا!
«حسنًا، حسنًا. لكن دعي أختك تتولى المشهد هذه المرة. هيا يا هارت أندر بليد السابقة، لنخض المباراة النهائية أنا وأنت».
ضحكت كاغينوي، وربتت على رأس أونونوكي عدة مرات، ثم وقفت أمامها كما لو كانت تحميها، وواجهت شينوبو مباشرة.
«تعالي يا هارت أندر بليد السابقة. فلنتقاتل».
لم تبدُ خائفة على الإطلاق.
لم تتراجع قيد أنملة أمام مصاصة الدماء الأسطورية.
متخصصة في الكايغي الخالدة.
المعروفة باسم مروّضة الكايغي…
كاغينوي يوزورو.
«ها».
في المقابل، ضحكت شينوبو بخفة.
«ها!»
كررت ضحكتها…
كما لو أنها تردد صدى صوتها.
«ها! هاها! هاهاها! هاهاهاها! هاهاهاهاها! هاهاهاهاهاها! هاهاهاهاهاهاها!»
ضحك الكايغي كما يليق بالكايغي.
ضحكة صاخبة، هائلة.
في مواجهة دعوة أونميوجي، كاغينوي يوزورو، كشفت شينوبو أوشينو عن أنيابها، وضحكت بوحشية وجشع وخروج عن المألوف، بروح قتالية لا تعرف الحدود…
«لا، لن أقاتل».
قالت ذلك، ورفعت يديها الاثنتين إلى الأعلى، كما لو كانت تستسلم.
بدت كاغينوي وأونونوكي متفاجئتين من رد فعلها غير المتوقع، لكن شينوبو لم تُظهر أي اهتمام بنظراتهما، بل ساعدتني على النهوض، رغم أنني كنت لا أزال ملقى على الأرض، ولم يكن جسدي قد استعاد شكله البشري بالكامل بعد.
«لقد بالغت في التنكيل بتلك الصغيرة، ويبدو أن سيدي قد بدأ ينفر مني قليلًا. لا أريد أن أفعل شيئًا يجعلني مكروهة أكثر من ذلك».
ثم قالت:
«وفوق ذلك، مباراة نهائية؟ لا تقولي كلامًا سخيفًا أيتها البشرية. سيدي لم يخسر أمام شخص مثلك بعد. أليس كذلك يا هذا؟»
«…أجل».
أجبت.
واستجبت لذلك الطلب التعجيزي…
واستجبت لتلك الحماسة التي أشعلتها فيّ، واستعنت بكتف شينوبو كي أنهض. وبالطبع، فإن شينوبو في هيئة فتاة في الثامنة عشرة أطول مني، ولذلك كان كتفها مرتفعًا للغاية، لكنني بذلت جهدي.
«لم أخسر بعد. لم أخضع لك بعد. لا أمام قبضاتك، ولا أمام كلماتك. أنا لا أوافقك الرأي مطلقًا».
«…لقد قلت لك».
قالت كاغينوي ذلك، وكأن حماسها قد فتر.
وكررت في الطابق الثاني الكلمات نفسها التي قالتها في الطابق الرابع.
«لك مطلق الحرية في امتلاك أي قيم أو إحساس بالعدالة تريده، لكن لا تفرض مثلك العليا على الآخرين».
«…إنهم ليسوا آخرين».
أنا…
رغم أن مظهري الخارجي قد عاد إلى حالته الطبيعية، فإنني لم أكن قادرًا على الوقوف باستقامة من دون أن تمسكني شينوبو. كان جسدي من الداخل ممزقًا إلى أشلاء، كما لو أن إعصارًا قد اجتاحه. ومع ذلك، ومن دون أن أتمكن من تحريك أي جزء من جسدي، بذلت أقصى جهدي لأبدو ثابتًا، ورددت على كاغينوي.
لقد فكرت في الأمر قبل قليل أيضًا.
آخرون؟
هذا…
هذا وحده…
لا يمكنني تجاهله.
«إنهم عائلتي».
«………….»
«أنا أفرض مثلي العليا على عائلتي».
ثم…
واصلت بصعوبة، وأنا أتشبث بشينوبو في وضعية غير متزنة. كنت ألمس صدرها دون قصد تقريبًا، لكن حتى ذلك لم يعد يشغل بالي الآن.
كانت سينجوغاهارا هيتاغي قد اختارت في الماضي، على سبيل المثال، ألا ترفض المصيبة التي حلت بها، بل أن تتحملها بنفسها، وأخفت حقيقتها عن عائلتها.
مهما بلغ قلق والدها عليها، لم تفتح له قلبها؛ فقد ابتلعت الأمر باعتباره مسؤوليتها الشخصية.
حتى بعد أن خدعها خمسة محتالين.
لم يتزعزع تصميمها.
وكانت كانبارو سورغا، على سبيل المثال، لا تزال تحمل كايغي في ذراعها اليسرى. صحيح أنه ليس شديد الضرر، لكنه ليس عديم الضرر في أي وقت أيضًا. ومع ذلك، فإن عائلتها لا تعرف شيئًا عن تلك الذراع. لا شك أن جدتها الطيبة التي تجيد الطبخ ستساعدها لو علمت بالأمر، لكن كانبارو تتعمد ألا تكشف لها الحقيقة بالتفصيل. أظن أن ذلك نوع من الاهتمام الذي تبديه تجاهها.
لا بد أنها ترغب حقًا في إخبارها، وربما ترغب في استشارتها أيضًا. لا بد أن إخفاء الأسرار عن أفراد العائلة أمر مؤلم.
لكن كانبارو…
تملك إرادة صلبة تجعلها تواصل إخفاء الأمر.
ليس من أجل نفسها، بل من أجل عائلتها.
أنا أحترم هاتين الفتاتين، ثنائي فالهالا، من أعماق قلبي.
«كاغينوي، لا يمكن أن يوجد أخ يفضح الأسرار المحرجة لأخته. لن أذهب وأشي بأختي في كل مرة يحدث فيها شيء».
«………….»
ولو أردنا التعبير عن ذلك بأسلوب هاشكوجي مايوي، فهو…
شجاعة الاحتفاظ بالأسرار.
«نحن عائلة، ولذلك نكذب أيضًا. ونخدع بعضنا. ونتسبب لبعضنا في المتاعب، ونثقل كاهل بعضنا. قد نكون مدينين لبعضنا، وقد نعجز عن رد الجميل أحيانًا. لكنني أرى أن هذا لا بأس به».
لا بأس بذلك.
أعتقد أن هذا هو معنى العائلة.
«كاغينوي… يا حامية العدالة».
كنت أريد قول هذه الكلمات وأنا أتخذ وضعية بطولية، وألقي خطابًا يبدو رائعًا، لكن جسدي لم يكن قد استعاد قدرته على الحركة بعد. لم يكن أمامي سوى أن أترك نفسي بين ذراعي شينوبو، وأواصل بصوت خافت.
«إذا كان كونها مزيفة شرًا، فسأتحمل أنا ذلك الشر. وإذا كان التزييف أمرًا سيئًا، فلا بأس بأن أكون شخصًا سيئًا».
إذا كان حكمي نفاقًا…
وإذا كان قراري نفاقًا…
فإذا كانت مشاعري تجاه أراراغي تسوكيهي نفاقًا، فسأصبح بكل سرور منافقًا لا يصل حتى إلى مرتبة الشرير…
لن أكون أوشينو ميمي.
ولا كايكي ديشو.
ولا كاغينوي يوزورو.
وبالطبع، لن أكون فاير سيسترز ولا ثنائي فالهالا.
أراراغي كويومي…
هو أراراغي كويومي.
«لا أريد أن يحبني الناس. لا بأس بأن أكون أسوأ إنسان».
قلت ذلك…
بوجه واثق.
«أخي».
إذا كانت ستناديني بذلك…
فكل شيء…
كل شيء سيكون على ما يرام.
وأخيرًا، بدأ تعافي جسدي يلحق بالضرر الذي لحق به. في الواقع، لو لم أرفع مستوى خلودي، لكانت كاغينوي قد قتلتني قرابة ألف مرة خلال ما جرى حتى الآن.
هذا ليس مبالغة، ولا تهويلًا.
كل ضربة من ضرباتها كانت ضربة قاتلة بلا أدنى شك.
لم تكن هناك أي ضربات خادعة، أو ضربات تمهيدية، أو هجمات هدفها مجرد التشتيت؛ كان أسلوبها قائمًا بالكامل على الضربات المباشرة. بل إن دفاعها وحركات إخضاعها كانت أيضًا قائمة على الضربات المباشرة. يا له من أمر مرعب!
ومن المفترض أن يكون هذا النوع من الخصوم هو الأسهل لمصاصي الدماء في القتال…
ومع ذلك، بدت كأنها عدوهم الطبيعي.
ابتعدت عن شينوبو بصعوبة، بخطوات متعثرة تشبه خطوات غزال حديث الولادة. لم يكن يفصلني عن التعافي الكامل سوى خمس ثوانٍ.
لكن كم مرة ستتمكن كاغينوي من قتلي خلال تلك الثواني الخمس وحدها؟
«…نظرية الشر الفطري؟»
قالت كاغينوي بصوت خافت.
لم تندفع نحوي لتشن هجومًا جديدًا، كما لو كانت تعلن بدء الجولة الثانية، بل تنهدت وقالت ذلك.
بدا أن الأجواء الودودة التي كانت تحيط بها قد تلاشت قليلًا، وقد أثار ذلك استغرابي.
هل قلت شيئًا أثارها مجددًا بطريقة غريبة؟
نظرية الشر الفطري؟
ماذا تقصد؟
«ألا تعرفها؟ هذا موضوع كنا نتحدث عنه كثيرًا مع أوشينو الصغير وكايكي الصغير».
أدارت كاغينوي عنقها، فصدر صوت طقطقة من مفاصلها، ثم راقبت رد فعلي.
بدا الأمر كأنه حركة تهدئة بعد الإحماء، لا حركة استعداد للقتال.
«بما أنك طالب في الثانوية، فلا بد أنك تعرف نظرية الخير الفطري. إنها فكرة الفيلسوف الصيني منسيوس. يولد الإنسان وهو يمتلك طبيعة خيّرة. فالرحمة من صميم قلب الإنسان، والعدل هو الطريق الذي ينبغي للإنسان أن يسلكه. وتتمثل الطبيعة الخيّرة في المشاعر الأربع؛ وهي التعاطف، والشعور بالخجل من الشر، والتواضع والتنازل للآخرين، والتمييز بين الصواب والخطأ. ويمكن لهذه المشاعر الأربع أن تتحول إلى الفضائل الأربع: الإنسانية والعدل واللياقة والحكمة».
«…أمم».
حتى لو تحدثت بهذه السرعة…
أنا طالب يستعد للامتحانات، لكنني لم أختر مادة الفلسفة والأخلاق.
أظن أننا درسنا شيئًا من هذا في التاريخ العالمي…
أعرف اسم منسيوس فحسب.
«إذن… ما نظرية الشر الفطري؟»
«إذا كانت نظرية الخير الفطري مثالية، فإن نظرية الشر الفطري واقعية. إنها فكرة الفيلسوف شون تسي، الذي قال إن جوهر الإنسان هو الرغبة، وإن البشر خاضعون لرغباتهم. إنها فكرة صريحة لا تترك مجالًا للتجميل؛ فالإنسان يولد وهو يحمل طبيعة شريرة».
«يولد… شريرًا؟»
«أجل».
أومأت كاغينوي.
«ولهذا، إذا قام الإنسان بفعل الخير، فلا بد أن يكون ذلك عن طريق التزييف، لا عن طريق طبيعته الأصلية. هذا ما أعلنه شون تسي بوضوح. لا بد أن يكون الخير زيفًا، وأن يكون مزيفًا… أي لا بد أن يكون نفاقًا».
«النفاق…»
التزييف.
الزيف.
«الزيف… أي ما يصنعه الإنسان بيده».
ما يصنعه الإنسان، وما يتعمد فعله.
وهذا بالضبط هو معنى اللياقة…
ومعنى القواعد والمعايير.
فالتقويم المتعمد للطبيعة البشرية هو ما يقود الإنسان إلى الخير، ويوجه المجتمع نحو الأفضل.
«وعلى خلاف الحكم السياسي التقليدي القائم على الفضيلة، يُطلق على هذا مذهب الحكم باللياقة. فالخير، منذ البداية، ليس إلا زيفًا، ولهذا السبب تحديدًا… توجد فيه نية لأن يكون المرء صالحًا».
ثم قالت كاغينوي ذلك، وكأنها تلخص الأمر بمزاح.
وبعد ذلك…
«مهلًا، يا فتى».
سألتني:
«هذا سؤال افتراضي كان كايكي الصغير يطرحه كثيرًا في الماضي. أيهما أكثر قيمة في رأيك: الشيء الأصلي، أم نسخة مزيفة مطابقة له تمامًا، لا يمكن التمييز بينها وبينه؟»
الماس الطبيعي والماس الصناعي.
حتى لو تطابقت بنيتهما الذرية…
فإنهما يُعاملان على نحو مختلف.
حتى لو تعذر التمييز بينهما، يمكن للناس أن يصروا على التمييز.
مجرد كون أحدهما مزيفًا…
يكفي لرفضه.
ولإقصائه.
«الأصلي… والمزيف».
«كانت إجابتي بالطبع أن الأصلي أكثر قيمة. أما أوشينو الصغير، فأظن أنه قال إنهما متساويان في القيمة. لكن واضع السؤال قال إن الإجابتين خاطئتان. وقد قال كايكي ما يلي: المزيف أكثر قيمة بكثير من الأصلي».
واصلت كاغينوي كلامها، من دون أن تنتظر إجابتي.
«ما دام المزيف يملك إرادة أن يصبح أصليًا، فهو أكثر أصالة من الأصلي نفسه… كاكاكا. كان كايكي وغدًا صغيرًا لا أمل في إصلاحه، لكنه كان يقول أشياء رائعة. وإذا أردت أن أستخلص درسًا من هذه الحادثة، فربما يكون هذا هو الدرس… وإن كان درسًا استغرق عشر سنوات حتى يصل إليّ».
ضحكت كاغينوي بهذه الطريقة، ثم استدارت نحوي وأدارت ظهرها لي.
وبعد ذلك، قالت لأونونوكي، التي كانت في حالة يرثى لها، وقد أصابها الإنهاك الشديد:
«سنعود. لقد خسرنا».
أعلنت انتهاء فقرة القتال فجأة، ومن دون أي تمهيد، وبقرار من طرف واحد.
القوس في جعبته، والسيف في غمده.
بمعنى…
بمعنى ماذا…؟
«ماذا… أ… كاغينوي؟»
«لقد فقدت الحماسة. سنعود. صحيح أنني كنت أتطلع إلى القتال مع هارت أندر بلاد السابقة، لكن بعد أن جعلتماني أشعر بهذا المزاج الغريب، لم تعد لدي رغبة في تبادل الضربات».
أمسكت كاغينوي بيد أونونوكي وبدأت تمشي، ساحبة إياها خلفها. ثم بدا أنها قررت أن ذلك سيكون صعبًا عليها، فحملتها على ظهرها واتجهت نحو باب القاعة.
«مـ… مهلًا!»
أوقفتها من دون تفكير.
كنت قد تعافيت بالفعل أثناء استماعي إلى شرحها للفلسفة الصينية، لكن ملابسي لم تعد كما كانت، بل أصبحت أشبه بملابس شخص شبه عارٍ.
ومع ذلك، لم يكن لدي سبب لإيقاف كاغينوي ومواصلة القتال.
لكنني أوقفتها دون تفكير.
«ماذا؟ هل ستعطيني شيئًا؟»
استدارت كاغينوي بصورة طبيعية تمامًا، كما لو أن أحدهم أوقفها في طريق عودتها فحسب.
ابتسامتها الودودة هي نفسها، ابتسامة شخص يعيش في حالة استعداد دائم للقتال.
«لـ… لا، أعني… إلى أين ستذهبين؟»
«إلى ساحة المعركة التالية. هناك عدد لا يحصى من الكايغي الخالدة؛ فهي خالدة، كما تعلم. ولذلك لا بد أن هناك واحدًا منها قد فاتنا. “قاعدة الاستثناءات أكثر من القواعد (كتاب القواعد اللامحدود)”… لا تأخذ الطائر، بل خذ العش أيضًا. سأعتبر أختك استثناءً من عدالتنا. أما أنت، بما أنك مرشد بطبيعتك، فابذل قصارى جهدك في توجيهها».
قالت ذلك، ثم أضافت كأنها مستاءة:
«لكن هذا يعني أن المال الذي دفعناه لكايكي الصغير قد ذهب سدى».
كانت تبدو مستاءة بالفعل، لكن بدا عليها أيضًا شيء من المرح.
«…وبالمناسبة، يا فتى، لم تكن جادًا تمامًا في قتالك معي منذ البداية، أليس كذلك؟»
«ماذا… لم أكن جادًا؟»
«لم أشعر منك بنية القتل على الإطلاق. لا أظن أنك كنت تتعمد تخفيف ضرباتك، لكن… بصراحة، هذا جعلني أفقد حماستي أيضًا».
«…إذا».
بعد أن قالت كاغينوي ذلك، خرج ما كنت أفكر فيه من فمي كما هو. في الحقيقة، لم أكن واعيًا به إلا في أعماق نفسي، ولم أفكر فيه بوضوح حتى أثارت هي الموضوع.
لم أكن أتعمد التهاون في القتال…
«إذا لم تشعري مني بنية القتل، فذلك لأنك عاملتني كإنسان يا كاغينوي».
«هاه؟»
«لقد قلتِ ذلك بنفسك، أليس كذلك؟ إننا ثنائي من البشر والكايغي. أنت أول شخص، باستثناء أوشينو، يصفني بأنني إنسان في حالتي هذه».
ولهذا…
إذا كنت قد فقدت حماستي، فقد كنت أنا أيضًا قد فقدت حماستي بسبب ذلك.
لقد جعلتني أشعر بشعور غريب.
وفقدت الرغبة في مواصلة القتال.
تمامًا كما حدث حين كنت أتعامل مع ذلك الرجل الذي يرتدي قميص هاواي…
شعرت بأن الانفعال والقتال معه أمر سخيف إلى حد ما.
«…هاه. يبدو أنني، من دون قصد، تشابهت في أسلوبي مع أوشينو الصغير. يا لها من سقطة. حسنًا، سأختم حديثي بجملة لا يمكن أن يقولها أوشينو الصغير أبدًا…»
ثم قالت كاغينوي يوزورو، بنبرة يغلب عليها الحنين:
«وداعًا».
قالتها بنطق طبيعي وطليق…
ومن طريقة نطقها، يبدو أنها لم تكن من سكان كيوتو الأصليين بالضرورة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.