لماذا أزداد شبهًا بسيد الشياطين مرة أخرى؟
———
خارج طائفة شينشياو، وسط بحر شاسع من السحب، وقفت مزارعة فاتنة ترتدي ثوبًا أبيض، معلّقة في السماء، وفي يدها مرآة ذهبية ثمينة.
«إن لم تخطئ مرآة مراقبة السماء الثمينة، فلا بد أن ذلك الشخص ما زال هنا.»
وبينما كانت المزارعة غارقة في أفكارها، أضاءت المرآة فجأة، وظهر على سطحها انعكاس هيئة بشرية. فغمرتها الفرحة، وسارعت إلى إرسال رسالة صوتية تطلب فيها لقاء صاحبها.
لكن كلماتها لم تكد تنتهي حتى رأت الشخص المنعكس في المرآة يرفع رأسه فجأة، كأنه استشعر شيئًا، ويلتقي بنظرتها عبر سطحها.
ارتجفت المزارعة من شدة المفاجأة.
وفي اللحظة التالية، انشق الفراغ أمامها، وخرج منه لو يانغ، الذي كان يسيطر على جسد سو نو، بخطوات هادئة حتى وقف قبالتها.
«إثيريال تحيي كبير طائفة القديس البدائي!»
انحنت المزارعة على الفور دون أدنى تردد، وقالت باحترام:
«مضت قرون عدة منذ آخر زيارة لأحد كبار الطائفة إلى البحر المضطرب. وإن حضورك اليوم ليشرّف هذه البقاع المتواضعة.»
«قرون عدة؟»
تحرك شيء في قلب لو يانغ عند سماع ذلك، لكن ملامحه ظلت ساكنة.
«ما أسرع استجابتكم. أنا سيد قمة إصلاح السماء في طائفة القديس البدائي، وقد جئت بتكليف من الطائفة لتفقّد الأوضاع.»
وما إن أنهى كلامه حتى أخرج لوح إصلاح السماء.
فقد غادر لو يانغ قبل رحيله بسرعة البرق، ولم يمنح السيدة رووشيانغ فرصة للتصرف، ولذلك أخذ معه اللوح الذي كان يُفترض أن يتركه خلفه.
ولم يكن ثمة ما هو أنسب منه لإثبات هويته الآن.
«إذًا فأنت سيد إحدى قمم طائفة القديس البدائي!»
ألقت الجنية إثيريال نظرة على اللوح في يد لو يانغ، ثم انحنت بعمق دون أن تنطق بكلمة أخرى.
لكن رد فعلها أثار الشك في نفسه.
«هذا ليس طبيعيًا.»
كان سيد قمة إصلاح السماء شيطانًا عتيقًا ذائع الصيت في طائفة القديس البدائي منذ سنوات طويلة. ولو كان هؤلاء تابعين للطائفة حقًا، فكيف يُعقل ألا يعرفوا عنه شيئًا؟
حتى إن جهلوا الأحداث الأخيرة التي شهدتها الطائفة، فلا بد أن يستطيعوا تمييزه من سيد القمة الحقيقي.
وفي مثل هذا الموقف، كان ينبغي لهم على الأقل أن يطرحوا سؤالًا واحدًا.
لكن الجنية إثيريال لم تستفسر عن شيء، بل قبلت هويته فورًا.
وفي لمح البصر، برزت فكرة في ذهن لو يانغ.
«هل تحاول خداعي؟»
«أتكون تنوي إيذائي؟»
«من يبادر بالضرب يحظَ بالأفضلية!»
وفي اللحظة التالية، رفعت الجنية إثيريال رأسها مذهولة، فرأت 【قصر ياما】 يهبط من السماء، وقد انفتحت أبوابه على مصراعيها، ليبتلعها ويحبسها في داخله!
تبدلت ملامحها تبدلًا جذريًا.
«أين انكشف أمري؟»
والحقيقة أنها لم تكشف عن نفسها بوضوح. كل ما في الأمر أن لو يانغ ساورته الشكوك، وكانت طريقته في التعامل مع المشتبه بهم مباشرة للغاية.
«ما دمت قادرًا على هزيمتهم، فاضربهم أولًا، ثم تحدّث معهم لاحقًا!»
دويّ!
اندفعت موجات عاتية من التشي الشرير ذي الطبيعة الينية، واهتزت راية الأرواح العشرة آلاف، فخرج منها عدد هائل من جنود العالم السفلي وقادة الأشباح، واندفعوا نحو الجنية إثيريال وسط صيحات القتل.
لكنها لم تفزع حين رأت هذا المشهد، بل استعادت هدوءها سريعًا.
ظهر في يدها شريط حريري طويل، وما إن بسطته حتى تدفقت السحب المباركة، وانبعثت منها أشعة متلألئة بألوان شتى، فأحاطت بجسدها وحمته من التشي الشرير الذي تسلل من كل صوب.
«يا رفيق الداو، لقد أسأت فهمنا.»
واصلت الجنية إثيريال الحديث وهي تتصدى للهجوم:
«لا نضمر لك أي سوء. كل ما أردناه هو لقاء أحد كبار طائفة القديس البدائي. ونرجو منك أن تتكرم بالعفو عنا.»
كان صوتها واهنًا، يفيض بالضعف والاستعطاف.
ألقى لو يانغ نظرة عليها، فرأى امرأة رقيقة كالماء، تتلألأ عيناها الجميلتان بالدموع، وعلى وجهها مسحة مظلومة توحي بأنها تحمل في صدرها شكوى لا تجرؤ على البوح بها.
كان منظرًا يثير الشفقة في النفس دون إرادة.
لكن لسوء حظها، لم يكن لو يانغ ممن يأبهون لجمال النساء.
وفي اللحظة التالية، شبك جسده الحقيقي، الذي كان على بُعد آلاف الأميال، أصابعه مشكّلًا أختامًا يدوية.
تألقت قدرة إلهية بنور ساطع، وانطلقت 【تحديد القرب والبعد】 فجأة!
وش!
ظهر ضوء أبيض، واختفت سو نو من موضعها في طرفة عين، وتبعها بطبيعة الحال 【قصر ياما】 الذي أنشأته.
غير أن الجنية إثيريال كانت لا تزال محبوسة داخله، تكافح عبثًا للخروج.
وهكذا سحبتها سو نو معها، واختفت الاثنتان من المكان!
«…اذهبي!»
كانت حركات لو يانغ خاطفة.
فما إن استعاد سو نو عبر الفراغ حتى لوّح بيده، فسقطت عشرات التعويذات الخاتمة، بل قرابة المئة منها، مباشرة على قصر ياما.
«أبقِ على حيا…»
لم يكد صوت الجنية إثيريال يخرج حتى أسكته لو يانغ، وقضى على محاولتها للاستغاثة قبل أن تكتمل.
ثم ومض جسده واختفى من عالم الزراعة.
في قلب البحر المضطرب، حيث تتوسط الجزر المئة والثماني، يقع المقر الرئيسي لتحالف الخالدين.
داخل قاعة عظيمة، دوّت أصوات متلاحقة.
«اختفت هالة إثيريال؟»
«حتى مرآة مراقبة السماء الثمينة عاجزة عن تعقّبها؟»
«كانت تعمل قبل لحظات، لكنها لم تعد تستجيب الآن. سرعة هروب الطرف الآخر هائلة، فقد اختفى في لحظة واحدة. وعلى الأرجح أنه غادر حدود البحر المضطرب بالفعل.»
«هذا…»
ظهرت في القاعة إحدى عشرة هيئة، تحيط بكل منها هالة غامضة يصعب سبر أغوارها.
تبادل أصحابها النظرات في حيرة، ورأى كل واحد منهم في عيون الآخرين أثرًا واضحًا من الخوف.
«مهما يكن، فقد بلغت إثيريال عالم الاتحاد بالداو، وحصلت على 【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】. ووفقًا لما ورد في السجلات القديمة، لا ينبغي أن تقل قوتها عن قوة داوي عادي من عالم التأسيس. فكيف أُسرت من أول مواجهة دون أن تملك حتى القدرة على المقاومة؟»
ثم أضاف أحدهم:
«أيعقل أن القادم الجديد لم يبلغ عالم التأسيس المبكر فحسب، بل تجاوز ذلك؟»
احتدم النقاش بين الحاضرين، وتسرب القلق إلى أصواتهم.
«ماذا نفعل الآن؟»
«مضت ثلاثة آلاف سنة! ثلاثة آلاف سنة كاملة! واليوم الموعود يقترب. إن لم نجد وسيلة لإنقاذ أنفسنا، فأخشى أن نموت جميعًا في هذا المكان الملعون!»
«وإن تسببنا في تعطيل مخططات ذلك السيد، فأخشى أننا…»
«كفى!»
أخيرًا، لم يتمالك أحد كبار المزارعين من عالم الاتحاد بالداو نفسه، فزجرهم بصوت منخفض:
«لقد اتخذت قراري. سنستخدم 【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】 لتحديد موقع إثيريال.»
«هل بلغ بنا الأمر حد الاضطرار إلى استخدامه؟»
«لماذا لا نحاول تشغيل مرآة مراقبة السماء مرة أخرى؟»
بدا التردد على وجه أحد كبار المزارعين من عالم الاتحاد بالداو، وقال:
«ففي كل مرة نستخدمه، تضعف قوتنا قليلًا. وأخشى أن يؤدي ذلك إلى تسريع عملية صقلنا بالكامل داخل هذا الشيء.»
«ومع ذلك، فهو خير من انتظار الموت!»
كان المتحدث من كبار المزارعين في عالم الاتحاد بالداو، وقد أحاطت به هالة من الوهن والاضمحلال.
اقترب عمره من ألف سنة، وكان أرفع الحاضرين مكانة وأكثرهم هيبة.
ولذلك، وبعد جولات عدة من النقاش، قرر خبراء الاتحاد بالداو التعاون فيما بينهم.
خارج البحر المضطرب.
رغم مغادرة لو يانغ، فإنه لم يبتعد كثيرًا.
بل ظل قريبًا من الحدود، حتى عثر على كهف في أعماق البحر، فوسّعه وهيّأه ليكون مقرًا للزراعة، ثم أخرج راية الأرواح العشرة آلاف.
«حان الوقت لأستجوبك كما ينبغي.»
فك لو يانغ الأختام عن 【قصر ياما】، ومد يده وأمسك بالجنّية إثيريال، التي كانت قد فقدت قوتها وأصبحت عاجزة عن المقاومة.
ورغم أن مستواها الحقيقي لم يتجاوز عالم صقل التشي، فإنها كانت تشغل مقام عالم التأسيس بصورة زائفة.
وبعبارة أدق، كانت قوتها مقاربة لقوة سو نو.
ومع ذلك، فحتى لو كان مقامها زائفًا، فإنها تستطيع إحكام حماية بحر وعيها. وبمستوى زراعة لو يانغ الحالي، لن يتمكن من تفتيش روحها، ولن يجني من المحاولة شيئًا.
ويبدو أن الجنية إثيريال كانت تدرك ذلك جيدًا، ولهذا حافظت على هدوئها وقالت:
«لن أخبرك بشيء.»
«بل ستخبرينني.»
كان لو يانغ هادئًا بدوره.
صحيح أن تفتيش روحها لم يكن ممكنًا، لكنه بعد توليه مؤقتًا منصب سيد قمة إصلاح السماء، استطاع الحصول على النسخة الكاملة من 【الكتاب الحقيقي لإصلاح السماء】.
«إن تعذّر تفتيش الروح، فلا بأس. سأستخلص ما أريده عبر الزراعة المزدوجة!»
فبفضل 【الكتاب الحقيقي لإصلاح السماء】، إلى جانب موهبته 【عبقري الزراعة المزدوجة】، كان قادرًا على انتزاع جميع المعلومات التي يريدها من الجنية إثيريال!
وعندما خطرت له هذه الفكرة، لم يستطع لو يانغ منع نفسه من التنهد مجددًا.
لقد جاء إلى ما وراء البحار هذه المرة عازمًا على تحسين صورته، وأن يصبح إنسانًا صالحًا.
لكن لماذا، كلما مضى في أفعاله، ازداد شبهًا بسيد الشياطين مرة أخرى؟
«آه… لقد أفسدتني طائفة القديس البدائي!»
ومع ذلك، لم يكن بيده حيلة.
فقد كان لو يانغ واثقًا من أن قلب الداو لديه صلب كالحديد، وأن جمال النساء لم يغره يومًا.
لكن في سبيل طلب الداو والارتقاء بزراعته، لم يكن أمامه سوى أن يشد عزيمته ويمضي في الأمر رغمًا عنه.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.