بلغ الاضطراب داخل أطلال الهاوية أشد ذروته. ولم يكن يُرى فيها أحد.
مزّق خط من ضوء مراوغة بلون الدم أطلال الهاوية، سريعًا كالبرق، وغاص في بحر شاسع من الضباب.
وبعد وقت قصير، وصلت أربعة خطوط أخرى من ضوء المراوغة الواحد تلو الآخر. كانوا تسانغهونغ والجنية تشيوتشي والآخرين. أما ضوء المراوغة الدموي الذي أمامهم فلم يكن لغير الشيطان العجوز يي، الذي فرّ طوال الطريق إلى هنا.
“هدفه قصر إله الخطيئة!”
كان مدخل قصر إله الخطيئة يقع في أعماق بحر الضباب.
“أسرعوا!”
لم يجرؤ الأربعة على التردد واندفعوا إلى بحر الضباب. وفجأة، انفجر دويّ رعدي من أعماق بحر الضباب، يصمّ الآذان إلى حد يهزّ الروح.
ارتجفت قلوبهم بعنف. وبعد ذلك مباشرة، اجتاحت موجة طاقة مرعبة إلى الخارج، تحمل ضغطًا لا حدود له ملأ المنطقة كلها.
هدير… انحدر بحر الضباب إلى الفوضى التامة. وتصادمت تيارات عنيفة لا تُحصى بجنون في كل الاتجاهات، وكان في كل تيار منها قوة تدميرية مذهلة.
كان هذا المكان دائمًا مصدر اضطرابات أطلال الهاوية.
أما الآن فقد صار الاضطراب أشد عنفًا. ومع أن الأربعة كانوا جميعًا خبراء أعلين، فقد شعروا بأنفاسهم تضيق. وبذلوا كامل قوتهم لتثبيت أنفسهم، خشية أن تجرفهم تيارات الضباب فيضيعوا إلى الأبد في الضباب اللامتناهي.
ثم توقف الأربعة جميعًا فجأة. وحدّقوا أمامهم بذهول.
ففي وسط الضباب الكثيف، في أعماقه، برز ببطء الخط الخافت لبوابة سماوية.
كانت البوابة السماوية شاهقة بين السماء والأرض، واسعة إلى ما لا يُقاس. وفي اللحظة التي ظهرت فيها، تجلّت حولها ظواهر غريبة لا تُحصى.
ومع ذلك، لم يحمل أي منها مهابة الخالدين. بل كانت تشبه مشاهد من طبقات الجحيم الثماني عشرة، صورًا لعقاب لا ينتهي، جبالًا من النصال، وبحارًا من النار، وبرقًا سماويًّا، وبرك دماء. كل عذاب مروّع يمكن تخيّله ظهر هناك في تتابع لا ينتهي.
وتلوّت الأرواح المعذَّبة في ألمها، تغرق إلى الأبد في المعاناة. ومع أن الجميع كانوا يعلمون أنها أوهام، فإن المنظر ملأهم رعبًا.
وبقيت البوابة السماوية مغلقة بإحكام. وفي مركزها تمامًا، كان هناك حرف واحد قديم أحمر دموي: “الخطيئة”.
وبين تلك الرؤى المروّعة، بدا ذلك الحرف الدموي قرمزيًّا بلا نظير!
وفي اللحظة التالية، ارتجفت البوابة. وتحت أنظار الأربعة المصعوقة، انفتحت ببطء عن شق ضيق. لكن لم يكن هذا وقت ظهور قصر إله الخطيئة بعد. فانغلقت البوابة بدويّ مرة أخرى. ومع ذلك، في تلك اللحظة العابرة، مرّ ظل دموي خافت بوميض وانطلق عبر البوابة.
“لقد دخل الشيطان العجوز يي!” صاح المزارع الذي يحمل لقب شان فزعًا.
تجمد الآخرون في أماكنهم. ولم يفهموا إلا الآن لماذا تجرأ الشيطان العجوز يي على ارتكاب مثل هذه الجرائم الفاضحة. فقد كان قد أعدّ ملاذًا للتراجع، ملاذًا آمنًا تمامًا!
ومنذ القدم، لم يحدث هذا قط. فلا تظهر بوابة قصر إله الخطيئة وتنفتح إلا حين يظهر قصر زيوي. ولم يستطع أحد قط فتحها بقوته الخاصة.
كان الشيطان العجوز يي الأول! وقبل أن يظهر قصر زيوي مجددًا، لن يستطيع أحد الدخول لمطاردته.
وتلاشى ظل البوابة تدريجيًّا إلى وهم.
لعن الأربعة حظهم في سرّهم واندفعوا نحو الموضع الذي ظهرت فيه. لكن حين وصلوا، كانت البوابة قد اختفت. ولم يبقَ سوى دوامة هائلة من الضباب.
ووقفوا عند حافتها، وعلى كلٍّ منهم تعبير مختلف. ومع ذلك لم يجرؤ أحد على الخطو إلى الداخل. فقد كانت الدوامة مليئة بتيارات فوضوية قادرة على تمزيق المتسللين إربًا في لحظة.
وكان مدخل قصر إله الخطيئة، تلك البوابة السماوية، يبقى عادةً مخفيًّا في أعماق تلك الدوامة. ولا تظهر البوابة وتنفتح إلا حين يظهر قصر زيوي ويُزعج الحواجز القديمة.
“كيف فعلها الشيطان العجوز يي؟” تمتم تسانغهونغ بعدم تصديق.
وبدأ الأربعة يجرّبون كل أسلوب يعرفونه، محاولين إجبار البوابة السماوية على الظهور. لكن مهما استخدموا من تقنيات، لم تُظهر دوامة الضباب أي استجابة. ولم يكن هناك أثر للبوابة.
وخيّم عليهم شعور بالعجز. فقد جمع الشيطان العجوز يي ديونًا من الدم لا تُحصى، ومع ذلك لم يعد بوسعهم فعل شيء به الآن.
“لا تزال نوايا الشيطان العجوز يي غير واضحة. ويجب أن نحترس من عودته. لكن معركة مدينة يو عاجلة. فمع الداوي تشي والآخرين وحدهم، لا يضاهون السيد الداوي تشنيي.” ظهر أثر من الإرهاق بين حاجبي تسانغهونغ. ولم تضرب الكارثة الداخلية والخارجية معًا فعلًا إلا الآن. فلا يزال تيانتشنغ مصابًا إصابة بالغة، ولا يستطيع تسانغهونغ وحده أن يتوزع في كل الاتجاهات.
وبعد تأمل وجيز، أوعز تسانغهونغ: “أيها الداوي شان، ابقيا هنا أنتما الاثنان في الوقت الحالي وراقبا. أيتها الجنية، إن كنت أذكر جيدًا، فإن مصفوفة قفل الأصل بالشبكة السماوية في طائفتك تستطيع حبس الناس. انصبيها هنا. وإن حاول الشيطان العجوز يي شقّ طريقه إلى الخارج، فقد تكون إجراءً طارئًا. وبعد أن نرتب هذه الفوضى، سنضع ترتيبات أخرى.”
أومأت الجنية تشيوتشي. “سأجلب قرص مصفوفة قفل الأصل بالشبكة السماوية فورًا. أيها الداوي تسانغهونغ، عد سريعًا إلى مدينة يو وثبّت المعنويات. فالفوضى داخل المدينة لا يمكن إخفاؤها عن جواسيس تحالف النطاقين. ولن يفوّتوا بالتأكيد فرصة كهذه تأتي مرة كل ألف عام…”
ولأنهم خاضوا عواصف لا تُحصى، لم يفزعوا حتى أمام هذا الاضطراب غير المسبوق. وسرعان ما فرزوا الوضع المتشابك، وميّزوا العاجل مما يمكن تأجيله.
وبينما كان تسانغهونغ والجنية تشيوتشي يطيران خارج أطلال الهاوية، رأيا شابًّا من مزارعي النواة الذهبية يذرع المكان جيئة وذهابًا بقلق كنملة على مقلاة ساخنة، ووجهه مملوء بالذعر.
“أيها الكبيران، وقع أمر فظيع…” وما إن رآهما حتى أسرع إليهما وقال عدة كلمات بإلحاح.
تغيّر تعبير تسانغهونغ تغيرًا جذريًّا. واختفى كل هدوئه السابق دون أثر.
***
مدينة يو.
اختفى اللوتس. وانكسرت مصفوفة حراسة المدينة!
قاد الداوي تشي قواته في تراجع، منكمشين إلى المدينة الداخلية.
وبعد أن تحملت لهيب الحرب، صارت المدينة الخارجية أرضًا خربة من الأطلال. ولم يبقَ أدنى أثر لازدهارها السابق. وفي الوقت نفسه، واصلت جيوش تحالف النطاقين الوصول الواحد تلو الآخر، متجمعة هناك بأعداد متزايدة.
ضغط جيش هائل على أسوار المدينة. وكانت المدينة الداخلية هي مدينة يو الأصلية. وفيها لا تزال مصفوفة قديمة دفاعية كاملة، وقد فعّلها الداوي تشي بالفعل.
والآن سطع ضوء ذهبي مبهر فوق المدينة. وشكّلت المصفوفة حاجزًا نصف كروي ذهبيًّا غطّى المدينة مقلوبًا كصدفة سلحفاة عملاقة، يحمي المدينة الداخلية بإحكام.
ولم يتعجل تحالف النطاقين الهجوم. بل اجتمع كل مزارعي الرضيع الروحي فيه لمناقشة خطوتهم التالية.
فقد قتل الصراع الداخلي في هاوية الخطيئة أو جرح أكثر من نصف خبرائها. وكان هزيمتها مسألة وقت. لكن كان عليهم مع ذلك الاحتراز من عدو محاصر يتخذ موقفًا أخيرًا يائسًا. فلم يرد أحد أن يسقط عشية النصر.
وفي داخل المدينة الداخلية.
كان مزارعو الرضيع الروحي في هاوية الخطيئة قد اجتمعوا هم أيضًا في القاعة الرئيسية. لكن على خلاف المعنويات العالية لدى تحالف النطاقين، كان الجو هنا ثقيلًا خانقًا. وبخاصة لدى من تناولوا حبة الأصل الذابل وعانوا ارتدادها. فقد كان جوهرهم وطاقتهم وروحهم لا تزال تنحدر ببطء. وعند التفكير في مستقبلهم غير المؤكد ومصير طوائفهم غير المؤكد، أظلمت وجوههم وعبست، ولم ينطق أحد بكلمة.
راقب الداوي تشي تعابيرهم بصمت. وكان يعلم بوضوح أن معنوياتهم قد هبطت إلى الحضيض. وكان يستطيع أيضًا تخمين ما يفكرون فيه.
ففي السابق، صنعوا الأعداء طواعية ودخلوا ساحة المعركة بأنفسهم لأنهم كانوا يسعون وراء حبة الأصل الذابل. أما الآن وقد علموا أنها فخ، فأي منفعة بقيت في مواصلة هذه الحرب؟
ومع ذلك فقد انقلب المدّ. وصار لتحالف النطاقين الآن زخم ساحق.
ولو انعكست مواقعهم، فبعد أن قُمعوا أكثر من مئة سنة، لأرادوا هم أيضًا تفريغ غضبهم. فإمكانية التفاوض على السلام لم تعد بيد هاوية الخطيئة لتقررها.
وسبب أن أحدًا لم يتكلم بعد هو أن الجميع كانوا ينتظرون أخبارًا من تسانغهونغ.
وظل بصيص أمل في قلوبهم. فلو استطاع تسانغهونغ قتل الشيطان العجوز يي، فربما بقي مجال لعكس الوضع، وربما كانت هناك طريقة لحلّ الخطر الخفي لحبة الأصل الذابل.
وبالطبع، فإن أسر الشيطان العجوز يي حيًّا وإجباره على كشف حقيقة مخططاته سيكون أفضل.
فقد دبّر الشيطان العجوز يي خططه مئات السنين، متآمرًا على الجميع. وكان مخططه بالغ العمق، وما يسعى إليه لا بد أنه هائل. ربما كان كنزًا أسمى لا يُتصور. أو ربما فرصة لاختراق المرحلة المتأخرة من عالم الرضيع الروحي والصعود إلى عالم أعلى.
وبالمقارنة مع أشياء كهذه، بدت نتيجة هذه الحرب فجأة أقل أهمية بكثير.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.