“تخمينات بلا أساس، ونشر للضلال لتضليل العامة!” أطلق تسانغهونغ شخيرًا باردًا.
أضاءت عينا تشنيي فجأة. وبينما كان يرسل نقلًا صوتيًّا إلى تشين سانغ، أجاب: “لمَ الغضب؟ فبما أن الداوي تيانتشنغ سيتعافى بعد بعض الوقت، فحين يظهر في ساحة المعركة ستتضح الحقيقة بطبيعة الحال. ونستطيع أن ننتظر إلى ذلك الحين. وإن كان الداوي تيانتشنغ سالمًا معافى، فسأعتذر له نيابة عن الداوي تشين…”
فمنذ بدء المفاوضات، كان تسانغهونغ هجوميًّا، يطرح شرطًا مغريًا تلو الآخر مرارًا.
ومن دون بذل أدنى جهد، كانوا قد حصلوا بالفعل على الكثير، ومنه أهم سرّ يخص الشيطان العجوز يي.
ولو واصلوا التفاوض وأجبروا تسانغهونغ على الموافقة على بضعة شروط أخرى، لكانت النتيجة مقبولة بالكاد.
وقد عانت هاوية الخطيئة اضطرابًا عظيمًا فجأة، وكانت حريصة على التفاوض على السلام، وهذا مفهوم. وقد جرّهم تسانغهونغ طوال الوقت، ولم يفكر أحد منهم في الأمر تفكيرًا عميقًا لبرهة.
ولو كان تيانتشنغ قد اغتاله الشيطان العجوز يي فعلًا، فلن يبقى لهاوية الخطيئة سوى تسانغهونغ خبيرًا أوحد في القمة، يكافح وحده. وفوق ذلك، سيظل من تناولوا حبوب الأصل الذابل يعانون المخاطر الخفية، ولن تزداد قوة هاوية الخطيئة إلا ضعفًا.
“لقد عرفنا بالفعل شروط هاوية الخطيئة. ويصعب اتخاذ قرار الآن، ولا حاجة إلى مواصلة الحديث اليوم. وداعًا!” أدّى الجميع تحية القبضة والكف، واستداروا، وطاروا هابطين من منصة السحاب، تاركين أعضاء هاوية الخطيئة بوجوه رمادية.
قال تشنيي بصوت خافت: “إن طائفة شينغهنغ هي الطائفة الأولى في هاوية الخطيئة. وقد زرعت جاسوسًا فيها أيضًا. ومكانته دون مكانة الداوي تشيو بكثير، لكنه إن حدث شيء في طائفة شينغهنغ فلا يزال قادرًا على معرفته. وتسانغهونغ متلهف للسلام. وأظن أن خبر موت تيانتشنغ غير المتوقع لم يكن ممكنًا إخفاؤه. وبعد بعض الوقت، سنعرف الحقيقة…”
***
قصر إله الخطيئة.
عالم خفي مجهول يكتنفه الظلام. وهنا لا يستطيع المرء أن يرى يده أمام وجهه. وكان الصمت مطبقًا. وعلق في الهواء رائحة عفنة متحللة.
وفجأة، توهجت في الظلام كتلة من ضوء الدم، واختفت في لحظة، وابتلعها الغسق من جديد.
وما تلاها كان صوت خطوات خافت، شبه حقيقي وشبه وهمي، كأن أحدهم يمشي ببطء نحو أعماق الظلام.
حفيف… ازدادت الخطوات وضوحًا أكثر فأكثر، وكانت الفترة بين كل خطوة وأخرى متطابقة تمامًا.
وبينما اقترب هذا الشخص ببطء، دوّت فجأة تنهيدة خافتة من أعماق الظلام.
“كم سنة مضت؟ لقد جئت أخيرًا…” كان الصوت أجش، كاحتكاك صفيحتين حديديتين، كصوت من تاه في الصحراء وجفّ حلقه إلى أقصى حد.
كان هناك فعلًا شخص آخر هنا، وكان من الواضح أنه محبوس في هذا المكان زمنًا طويلًا جدًّا.
همم! ارتجف الفراغ فجأة.
وبعد ذلك مباشرة، انفجر وهج أزرق خافت. وكان مصدر الوهج طبقة من حاجز قديم، وكان المتكلم مختومًا في داخله. فقد ضرب الشخص الغامض الختم، فحرّك قوة الحاجز القديم.
توقف الشخص عند حافة الحاجز القديم. وأضاء الوهج الأزرق الخافت نصف وجهه الشاحب، بينما بقي النصف الآخر مخبأ في الظلام، مما جعله يبدو مخيفًا للغاية. كان الشيطان العجوز يي!
كان تنفس الشيطان العجوز يي متقطعًا. وكان رداؤه الداوي ممزقًا ملطخًا بالدم. ولم تكن مطاردة تسانغهونغ له سهلة، وكانت إصاباته بالغة.
ومع ذلك، كان تعبيره هادئًا كعادته، ونظرته لا مبالية. ولم يعر إصاباته أي اهتمام، واكتفى بخفض رأسه لينظر إلى الحاجز القديم.
وفي داخل الحاجز القديم كان هناك أيضًا ظلام لا نهاية له، ولا يمكن رؤية شيء.
وصار الشخص الغامض داخل الختم متهيجًا للغاية فجأة، وصاح بصوت حاد: “أين الشيء الذي أردته؟ هل حصلت عليه؟”
لم يقل الشيطان العجوز يي شيئًا وألقى جسمًا.
بانغ! سقط هيكل عظمي على الأرض. لم يكن سوى الهيكل اليشمي ذي جلد الديباج.
لقد أحضره الشيطان العجوز يي معه أيضًا.
“احذر!” صرخ الشخص الغامض بجزع.
بدا أنه يفحص الهيكل اليشمي ذا جلد الديباج. وبعد لحظة صمت، انفجر ضاحكًا. “كما توقعت! لا بد أن أخي الأصغر ذاك سيزرع هذه التقنية السرية ليبقى حيًّا ويصقل جسده اللحمي بنفسه! يا للأسف، يا للأسف. ومن دون قرابين دموية، كان لا يزال بخطوة واحدة عن الهدف وأخفق في صقل نفسه إلى هيكل يشمي حقيقي. ومع ذلك فهذا الجسد كافٍ بالفعل لمساعدتي على تحمّل الختم والهرب! هل رأيته؟ هل أخبرته أنني أنا من قادك إلى هناك؟”
تباهى الشخص الغامض، وإن كان مجهولًا أي ضغينة بينهما.
خفض الشيطان العجوز يي رأسه ونظر إلى القدم اليسرى للهيكل اليشمي ذي جلد الديباج.
كان إصبع القدم الصغير في القدم اليسرى في غير موضعه تمامًا مقارنة ببقية الهيكل اليشمي. فلم يكن يشميًّا، بل أحمر دموي.
“حين دخلت، كان وعيه قد هلك بالفعل،” قال الشيطان العجوز يي وهو يهزّ رأسه. “غير أنه كان يبحث بلا كلل عن قرابين دموية. ولو كان قد التهم بضعة رضعان روحية أخرى، لما كان قتله سهلًا على الأرجح.”
“أكان ميتًا بالفعل؟” هبطت نبرة الشخص الغامض فجأة. وبعد صمت قصير، قال: “هذا الهيكل اليشمي وحده لا يكفي. أين الباقي؟ لم يبقَ كثير من الوقت! وبالحكم على مظهرك البائس، لست مصابًا إصابة بالغة فحسب، بل قُتل حتى تجسيدك الدموي. لا تقل لي إنك أخفقت. ففي ذلك الوقت، كنت عنيدًا وحذرًا مني في كل خطوة، ومع ذلك كانت نبرتك متعجرفة جدًّا!”
ومضى في عيني الشيطان العجوز يي أثر من الازدراء. وبتلويحة من كمّه، طارت خطوط من الضوء المتدفق من فتحة كمّه.
وبين الأضواء كانت كرة بلّورية مستديرة، هي نواة برج بلّور العالم السفلي. أما البقية فكانت الرضعان الروحية التي أسرها الشيطان العجوز يي أحياءً.
وكانت هذه الرضعان الروحية مفعمة بكراهية سامة، كأنها تتمنى أن تأكل لحمه وتنام على جلده. غير أنها كلها قُيّدت، ولا قوة لديها للمقاومة. وكان الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله هو لعن الشيطان العجوز يي بأشرس اللعنات.
وعند رؤية الكرة البلّورية والرضعان الروحية، تغيّرت نبرة الشخص الغامض فورًا. فنقر بلسانه إعجابًا. “جيد! جيد! لم أتخيل قط أنك ستفعلها حقًّا. تتلاعب بالجميع، وقاسٍ حقًّا! كما هو متوقع ممن استطاع التحرر من سيطرتي والتآمر عليّ بدلًا من ذلك!”
بقي الشيطان العجوز يي غير متأثر. ولم يظهر على وجهه أدنى أثر للفخر. بل سأل: “لقد جُمعت كل الأشياء التي أردتها. فماذا نفعل بعد ذلك؟”
“ما العجلة؟ التوقيت لم يحن بعد. وما دمت تساعدني على مغادرة هذا المكان الشبحي اللعين، فسأخبرك بكل شيء بطبيعة الحال دون إخفاء أي تفصيل.”
وميض الحاجز القديم بلا انقطاع. وقد نفد صبر الشخص الغامض إلى حد ما. “كل شيء جاهز. ينقصنا الشيء الأخير فقط! لماذا لم ترمِ الهيكل اليشمي وتساعدني على الهرب؟”
تجاهل الشيطان العجوز يي تمامًا إلحاح الشخص الغامض. وجلس متربعًا وقال بهدوء: “بما أن التوقيت لم يحن، فسأخرجك حين يحين.”
“أنت!” استشاط الشخص الغامض غضبًا.
اهتز الحاجز القديم مرة بعد مرة، لكن الشيطان العجوز يي أغمض عينيه لينظّم أنفاسه وتجاهل الأمر تمامًا.
وبعد أن فرّغ غضبه، استعاد الشخص الغامض هدوءه. وفجأة، أطلق عدة ضحكات باردة، ونبرته ساخرة. “إن ساعدتني على التحرر من الختم الآن، فأستطيع استغلال هذا الوقت لاستعادة جزء من قوتي، فتكون فرصنا أكبر. هناك فرصة واحدة فقط. لقد خططت لهذا بجهد جهيد قرابة ألف سنة. فإن فوّتّ هذه الفرصة، فهل تستطيع قبول ذلك حقًّا؟ مم تخاف؟ لقد أقسمت لك بالفعل قسمًا مهيبًا بأنني لن أؤذيك أبدًا، بل أستطيع أن أدعك تضع حاجزًا عليّ. قسم شيطان القلب، وقسم الكارما… أقسمت بها جميعًا.”
رفع الشيطان العجوز يي جفنيه وفتح عينيه أخيرًا.
“على حد علمي، فإن قسم شيطان القلب لا يستحيل كسره. أما قسم الكارما…” توقفت نبرته.
مسح الشيطان العجوز يي بنظره الرضعان الروحية الطافية حوله، واستقرت نظرته أخيرًا على أبرزها. كان تيانتشنغ.
وعلى خلاف الآخرين، لم يكن تيانتشنغ هستيريًّا. ولم يُظهر رعبًا ولا استياءً. وجلس رضيعه الروحي متربعًا، ينتظر بهدوء المصير الذي سيأتي.
نظر الشيطان العجوز يي إلى تيانتشنغ نظرة عميقة، ثم قال بحسم: “لم أؤمن بالكارما قط!”
أضاء الحاجز القديم، ثم خفت تدريجيًّا. وعاد الصمت من جديد.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.