عاد يانغ جيان إلى الغرفة وجلس، ثم قال: «أقول لك يا شياو شان، ابن خالك هذا فيه جبن.»
حتى وهو يسنده، لم يجرؤ على فعل شيء بآفي وشلته، واكتفى بأن طلب منهم اعتذارًا وإقرارًا بالخطأ ثم تركهم يمضون.
رأى يانغ جيان في ذلك أن شانغ قوان يون بالغ في طيبته.
لو كان مكانه لما ترك آفي ورفاقه يخرجون دون أن يأخذ منهم شيئًا.
«وبهذا الحال أرسله والداك ليرافقك ويرعاك؟ أرى أن تقترحي عليهما أن يستبدلاه، وأحل أنا محله، ما رأيك؟ أضمن لك أن أرعاك رعاية كاملة من كل جانب.»
احمر وجه ميو شياو شان ورمقته بنظرة عتاب: «لا تقل كلامًا فارغًا. عندك وانغ شانشان، ثم تأتي لتمازحني؟ إن فعلت ذلك مرة أخرى فلن أكلمك.»
قال يانغ جيان: «بيني وبينها ودّ زمالة وعون واجب، وأين هي من ست سنوات قضيناها معًا؟»
جلست وانغ شانشان شاحبة الوجه لا تتحرك، هادئة، وليس على وجهها أي تعبير.
قالت ميو شياو شان وقد علت وجهها اللطيف حمرة: «سأذهب بعد قليل للدراسة في مقاطعة أخرى، فكفّ عن التفكير فيّ.»
لم يحتمل تشانغ وي الجالس بجانبها ما يسمع، فطرق الطاولة وقال بجدية: «الزميلة ميو شياو شان، انتبهي إلى ألفاظك. يبدو لي أنك تحاولين استمالة يانغ جيان. هو ملك للجماعة لا لك وحدك. وعيك الفكري ما زال يحتاج إلى تطوير، فاكتبي عند عودتك تقريرًا نقديًا من خمسة آلاف كلمة وأرسليه لي غدًا.»
قالت ميو شياو شان وهي تدير عينيها نحوه: «لا أريد أن أتحدث معك.»
قال تشانغ وي: «ولا تقبلين أيضًا؟ لا بد أنك شعرت بالذنب. يا يانغ جيان، قلت لك إن لها نية نحوك. حين دعوتها إلى اللقاء لم ترد عليّ، وما إن قلت إنك ستأتي حتى هرعت. لو علمت أنها جافية الوفاء هكذا لما ساعدت في إنقاذ ابن خالها.»
قالت ميو شياو شان: «السبب أن غناءك قبيح جدًا.»
قال تشانغ وي: «غنائي قبيح؟ انظري إلى حنجرتي، إنها ترتجف حين أغني، وهذه موهبة لا يملكها إلا أسطورة الغناء.»
ورفع عنقه بثقة تامة: «يا تشاو لي، ما رأيك في غنائي؟»
قال تشاو لي: «ينتصب له شعر الرأس.»
قال تشانغ وي: «ترون؟ لقد أثّر فيه صوتي.»
قالت ميو شياو شان: «لن أكلمك، سأتحدث مع يانغ جيان. بالمناسبة يا يانغ جيان، ماذا كنت تفعل في الخارج قبل قليل؟ من حسن الحظ أنك وصلت في الوقت المناسب، وإلا لوقع ابن خالي في ورطة.»
اتكأ يانغ جيان على الأريكة وقال ببطء: «شجاركم أنساني الأمر تقريبًا. خرجت لأسأل النادل عن سبب إرساله سبع زجاجات بيرة إلينا ونحن ستة.»
قال تشانغ وي: «وهل هذا غريب؟»
قالت ميو شياو شان: «ألا يُعطى كل شخص زجاجة بيرة في هذا العرض؟ هل أخطأ النادل؟»
هز يانغ جيان رأسه وقال: «لا. قال النادل إننا لسنا ستة بل سبعة، ولذلك أرسل سبع زجاجات. أي أن بيننا شخصًا زائدًا.»
«شخصًا زائدًا؟»
وما إن سمعوا ذلك حتى تجمد الجميع.
«حدث الشيء نفسه أثناء الطعام. كان على الطاولة طقم زائد من الصحون والعيدان، وكنا نحن الذين نأكل حينها أربعة، أنا ووانغ شانشان وتشانغ وي وتشاو لي، والأطقم خمسة.»
قال يانغ جيان: «استغربت، وخشيت أن تقع حادثة خارقة في ذلك الفندق، فجعلتكم تغادرون قبل الأوان. لكن يبدو الآن… أن ذلك الشخص الزائد لم يظهر في الفندق وحده، بل كان يلازمنا. وإن لم يحالفنا الحظ فهو ربما في هذه الغرفة الآن.»
ما إن قال ذلك حتى سرت في ظهور الجميع قشعريرة باردة، وتبادلوا النظر بعيون متسعة وقد أخذهم خوف غامض.
عاد إليهم الخوف الذي خلّفته المدرسة.
قال تشاو لي وقد وقف فجأة من شدة الفزع وكاد يهرب: «تقصد أن بيننا شبحًا؟ فماذا ننتظر؟ لنهرب بسرعة.»
لكن يانغ جيان بقي جالسًا في مكانه: «لا تهرب الآن. لا فائدة من هروبك، وإلى أين ستذهب؟ الشبح ظهر بوضوح مع واحد منا، ولا ندري هل سيبدل هدفه بعد اللقاء. فإن خرجت من هنا ولم يحدث لك شيء فهذا حسن.»
«لكن ماذا لو تبعك الشبح إلى بيتك؟ حينها يزداد الأمر تعقيدًا.»
وما إن سمع تشاو لي ذلك حتى تجمدت خطواته وهو على وشك الهرب.
فإن تبعه شبح إلى بيته، فمجرد تخيل ما سيحدث يكفي لإرعابه.
قال تشانغ وي بقلق: «كيف يظهر شبح هكذا فجأة؟»
قال يانغ جيان ضاحكًا: «وما أدراني؟ أليس ظهور الأشباح أمرًا عاديًا؟ لا مقدمات ولا أسباب، ومن يصادفه فهو سيئ الحظ.»
سألت ميو شياو شان: «وماذا نفعل الآن؟»
قال يانغ جيان بجدية بعد تفكير قصير: «أن نتأكد مع من ظهر هذا الشبح بالضبط، ثم يغادر الباقون كي لا ينجرّوا إلى الأمر، وأحاول بعدها حل المسألة.»
فلو لم يساعدهم، لمات واحد منهم حتمًا.
قال تشانغ وي وهو يربّت على فخذه متأثرًا: «بسبب هذه الجملة صار لا بد أن أناديك أخي. أخ الساق.»
قال تشاو لي بحماسة وهو ينظر إليه: «أخ الساق.»
قالت ميو شياو شان بحرج: «أ… أخ الساق.»
أمام الشبح الشرس لا يبقى شيء عصيًّا على التخلي.
لكن يانغ جيان فرد يديه وقال: «وإن لم أجد ذلك الشبح، أو لم أقدر عليه، فلا أملك إلا أن أعتذر. الأمر قاسٍ، لكن لا بد أن أخبركم مسبقًا لتتهيؤوا نفسيًا لترتيب ما بعد الموت.»
قال تشانغ وي وقد أحس أنه سيبكي: «لا تقل هذا يا أخ الساق، لا بد أن عندك حلًا، أليس كذلك؟»
قال يانغ جيان: «يصعب أن أثق بحل أمور كهذه. بالمناسبة، أين ابن الخال الكبير؟ إلى أين ذهب؟»
قالت ميو شياو شان: «ذهب إلى دورة المياه.»
كان شانغ قوان يون في دورة المياه فعلًا.
كان مصابًا.
لكمة في أنفه ما زال ينزف منها.
«يا لسوء حظي، ضربتني شلة صعاليك لم ينبت لهم شارب بعد.» خفض رأسه وهو يغسل وجهه وقلبه يغلي.
لكن منظر آفي ذاك وهو يتوسل بوقاحة جعله لا يعرف كيف يرد له الصاع.
فقد دسّ يانغ جيان مسدسًا في يده، ولم يجرؤ على استعماله.
فإطلاق النار على إنسان، حتى لو لم يُحكم عليه بالإعدام فسيكون ظهره قويًا جدًا. لا يدري ماذا يعمل زميل ابنة خالته هذا ليحصل حتى على مسدس، وكأن أولئك الصعاليك سبق أن ذاقوا على يده، وزملاؤه يحترمونه كثيرًا.
إنه بلا شك من زعماء الصف.
«أيكون هذا الولد يريد التودد إلى ابنة خالتي اللطيفة؟» خطر في باله.
أمام حوض الغسيل مرآة ضخمة. وفي أثناء غسل شانغ قوان يون وجهه لم يلحظ أن شخصًا ظهر في المرآة بصورة غريبة.
أما في دورة المياه فلم يكن أحد غيره.
كأن ذلك الشخص لا وجود له إلا في المرآة، ولا يوجد في الواقع إطلاقًا، أو كأنه إلى جانبك لكنك لا تراه إلا عبر المرآة.
اقترب الشخص الذي في المرآة ببطء من شانغ قوان يون وهو يغسل وجهه.
لم يكن يمشي بطيئًا، لكن المسافة التي تُظهرها المرآة كانت أبعد مما يُتخيل، وأطول من حجم دورة مياه.
غير أن شانغ قوان يون لم يلاحظ ذلك. عاد أنفه ينزف، وفتح الصنبور وخفض رأسه يغسله.
وسرعان ما.
وصل ذلك الشخص إلى المرآة، وكبر جسده شيئًا فشيئًا حتى غطى المرآة كلها تقريبًا.
«دخل الماء في عيني.» رمش شانغ قوان يون بعينيه ومدّ يده بسرعة نحو حافة الحوض.
كان يذكر أن المناديل الورقية موضوعة هناك.
لكنه لم يجدها بعد عدة محاولات، وكأن أحدهم حرّك المناديل عن موضعها.
ثم لمس فجأة منديلين، فظن أن شخصًا طيبًا ناوله إياهما.
قال شانغ قوان يون: «شكرًا.»
لم يرد الشخص.
وسرعان ما.
جفف شانغ قوان يون الماء وفتح عينيه ونظر في المرآة.
لكن وجهه في المرآة بدا شاحبًا وعيناه فارغتين بلا بريق.
«هم؟» لمس شانغ قوان يون وجهه.
هل وجهه سيئ إلى هذا الحد؟
وما إن رفع رأسه حتى سال الدم من أنفه من جديد، فخفض رأسه بسرعة وسحب منديلين وضغط بهما.
لكنه وهو يخفض رأسه ليمسح الدم، بقي هو في المرآة واقفًا في مكانه ولم يخفض رأسه معه، بل أدار رأسه قليلًا ونظر إلى شانغ قوان يون بطريقة غريبة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.