كان شانغ قوان يون قد انتهى من غسل وجهه.
وكاد الدم ينقطع عن أنفه. نظر في المرآة مرة أخرى، فتجمد فجأة وبدت في عينيه صدمة.
فالمرآة التي أمامه لم يظهر فيها وجهه.
«ما هذا؟»
نظر إلى المرآة ولوّح بيده وخطا خطوات يمنة ويسرة.
لكن مهما فعل لم يظهر شكله في هذا السطح الزجاجي الضخم أمامه.
كأنه غير موجود في المرآة أصلًا.
«مستحيل.»
استغرب شانغ قوان يون. نظر إلى الصنبور والحوض وحتى طاولة الغسيل، وكلها تظهر في المرآة، إلا هو.
المرآة فارغة، ولا أثر لوجوده فيها.
«أهي هلوسة من فقدان الدم، أم أصابني مسّ؟»
فرك رأسه. ربما ضغط العمل كبير هذه الأيام، فهل عليه أن يزور طبيبًا؟
«لا بأس، لنعد. ربما هو مقلب من أحدهم.»
مع أن الأمر غريب لم يعطه كبير اهتمام.
استدار وهمّ بالخروج.
ولا باب لدورة المياه هذه.
لكنه ما إن انعطف ليخرج حتى تجمد.
لم يجد أمامه الطريق المألوف الذي جاء منه، بل ظلامًا، ليس ظلام الليل، بل ظلامًا كأنه جدار من حبر كثيف انتصب أمامه بغرابة وسدّ طريقه.
وأحس أنه إن خطا فيه فسيسقط في هاوية لا عودة منها.
«ما هذا بالضبط؟» ارتبك شانغ قوان يون تمامًا في تلك اللحظة.
أن لا يرى وجهه في المرآة أمر يمكن احتماله، أما أن يصير الخارج هكذا فلا.
أيكون الأمر مسًّا فعلًا؟
كان شانغ قوان يون ماديًّا راسخًا يؤمن بالعلم منذ صغره، ويسخر من كل كلام عن الأشباح، ولا يصدقه أبدًا. فهذه أشياء تخدع الأطفال الجهلة فحسب، ومن دخل المجتمع وعمل فمن يصدقها؟
لكن ما أمامه زعزع قلبه الصلب.
وإذا اهتز الاعتقاد اندفع الخوف من تلقاء نفسه واحتل الجسد.
بدأ يخاف، وأول ما خطر له أن يبلّغ الشرطة.
لكنه توقف حين أخرج هاتفه.
أبلّغ؟ وكيف؟
أيقول إنه محبوس في دورة مياه كاريوكي ولا يستطيع الخروج؟
أم يقول إنه أُصيب بمسّ؟
لو قال ذلك لسخروا منه.
«سأتصل بابنة خالتي وأسألها عما يجري، ولا بد ألا أذعر ولا أخيف نفسي بنفسي.» أجبر نفسه على الهدوء واتصل بميو شياو شان.
«ألو، يا شياو شان، أنا ابن خالك.»
قالت ميو شياو شان في الهاتف بانفعال: «يا ابن الخال، هل هذا أنت حقًا؟ الحمد لله أنك بخير.»
وحين رأى يانغ جيان، وهو في طريقه إلى دورة المياه، أن ميو شياو شان ترد على اتصال شانغ قوان يون، ذهل.
أما زال شانغ قوان يون حيًّا؟
هذا لا يمكن.
لقد استولى الشبح على هوية شانغ قوان يون، فلماذا ما زال حيًّا؟
قال يانغ جيان محذرًا: «ميو شياو شان، تأكدي أولًا هل هو ابن خالك. وإن لم تتأكدي فأغلقي الخط فورًا. لا يجوز الرد على المكالمات هكذا في مثل هذا الوضع، وأنتِ تعرفين العاقبة.»
تجمدت الفرحة على وجه ميو شياو شان.
تذكرت ذلك الاتصال المرعب الذي يبدأ بالرقم 138 في المدرسة.
فقد جاء ذلك الاتصال يومها واجتذب شبح طرق الباب، وكادوا يموتون جميعًا عند بوابة المدرسة.
جاء صوت شانغ قوان يون من الهاتف مرة أخرى: «يا ابنة خالتي، أنا الآن في دورة المياه، وفيها شيء غير طبيعي. الأفضل أن تأتي أنتِ وزملاؤك لتروا. وإن حدث طارئ فبلّغوا الشرطة بسرعة.»
انتزع يانغ جيان الهاتف وقال مباشرة: «أي شيء غير طبيعي؟ أخبرني.»
قال شانغ قوان يون: «أهذا يانغ جيان؟ الأفضل أن تأتوا لتروا. اكتشفت أن مخرج دورة المياه كأنه مسدود، والخارج مظلم تمامًا ولا أعرف ما السبب. ثم إنني لما نظرت في المرآة قبل قليل لم أرَ فيها صورتي. أظن أن كلامكم صحيح وأنني أُصبت بمسّ. فماذا أفعل الآن؟ أيمكنك أن تجد طريقة لمساعدتي؟»
الخارج مظلم تمامًا؟
قطّب يانغ جيان جبينه حين انتبه إلى هذه المعلومة.
كان قد رأى باب دورة المياه أمامه.
وكل شيء هنا طبيعي، ولا ظلام إطلاقًا، بل الأضواء مضاءة والمكان ساطع.
قال: «التقط صورة وأرسلها إليّ لأحللها.»
لم ينفِ كلامه مباشرة، فربما حدث لشانغ قوان يون أمر ما فعلًا، وهو لا يفهمه حتى الآن.
قال شانغ قوان يون: «حسنًا.»
وسأل يانغ جيان: «سنصل إلى دورة المياه الآن. هل أنت متأكد أنك فيها؟»
قال شانغ قوان يون: «متأكد طبعًا. أقف هنا وأكلمك، فأين سأكون إن لم أكن في دورة المياه؟»
قال: «حسنًا، فهمت.»
وبعد أن سأله أغلق الخط فورًا.
ثم.
دخل بالآخرين إلى دورة المياه.
لكن الواقع كان قاسيًا.
دورة المياه فارغة، ولا أثر لشانغ قوان يون.
قالت ميو شياو شان وقد عاد الذعر إليها: «لا أحد؟ ألم يقل ابن خالي قبل قليل إنه في دورة المياه؟»
قال تشاو لي: «هل يمكن أن يكون من اتصل ليس شانغ قوان يون… بل شبحًا أيضًا؟»
قال يانغ جيان: «غير مرجح. انفعالاته كانت كاملة ولا شيء غريب فيها. لا أستبعد تنكرًا بارعًا من الشبح، لكن الشبح الذي ظهر في الغرفة قبل قليل قد ظهر فعلًا، فلا ينبغي أن تكون هذه المكالمة مزيفة. أرى أن شانغ قوان يون لم يكذب.»
«هو بالفعل في دورة المياه.»
قال تشانغ وي: «لكن لا أحد هنا.»
تقدم يانغ جيان بخطوات واسعة وانعقد نظره، ونظر إلى المرآة الضخمة أمام أحواض الغسيل.
كان شانغ قوان يون في المرآة ممسكًا هاتفه يتصل بقلق، وينظر بين الحين والآخر نحو الخارج.
«لا أحد في دورة المياه، لأن الرجل في المرآة…»
دورة المياه خالية، لكن شانغ قوان يون ظهر بغرابة في مرآتها، وكأنه لم يعرف بعد حقيقة الأمر، وما زال يتصل طلبًا للمساعدة بقلق، ولا يجرؤ على الخروج من دورة المياه.
لم تعكس المرآة إلا دورة المياه نفسها.
أما ما وراء دورة المياه فلم يظهر في المرآة.
ولهذا بدا الخارج الذي ذكره شانغ قوان يون ظلامًا.
قالت ميو شياو شان وقد اجتمع فيها الخوف والقلق وهي تركض نحو المرآة وتضربها: «يا ابن الخال، ماذا بك؟ أنا هنا، أتراني؟»
لكن شانغ قوان يون في المرآة بدا كأنه لا يسمع، ولم يلتفت إلى ميو شياو شان.
فاتصل يانغ جيان بهاتف شانغ قوان يون من هاتف ميو شياو شان.
ولما سمع شانغ قوان يون في المرآة رنين الهاتف أجاب بسرعة: «ألو؟ يا ابنة خالتي؟ لماذا لم يأتوا بعد؟ مضت خمس دقائق. هل حدث شيء عندكم؟»
قال: «أنا يانغ جيان.»
قال شانغ قوان يون: «يا يانغ جيان، أخبرني بحال الخارج. ماذا يجري بالضبط في الخارج؟»
قال يانغ جيان: «الخارج بخير ولم يحدث شيء. الذي حدث له شيء هو أنت. لا تنظر إلى الخارج الآن، ولن يدخل أحد من هناك. التفت وانظر إلى المرآة، نحن كلنا هنا.»
التفت شانغ قوان يون تلقائيًا إلى المرآة خلفه، فانقبضت حدقتاه وفزع.
في المرآة كانت ابنة خالته ميو شياو شان تبكي وتضرب المرآة، لكنه لا يسمع أي صوت.
وبجانبها وقف تشاو لي وتشانغ وي وعلى وجهيهما شيء من الرعب.
أما يانغ جيان فكان يتحدث معه بالهاتف ونظره هادئ مصوّب نحوه.
«أنتم… لماذا أنتم كلكم في المرآة؟»
جاء صوت يانغ جيان من الهاتف: «لسنا نحن في المرآة، بل أنت في المرآة.»
في تلك اللحظة.
تجمد شانغ قوان يون، وظهر في عينيه رعب شديد، وانزلق الهاتف من يده من غير أن يشعر.
«طيط…»
انقطع الاتصال.
نظر يانغ جيان من خارج المرآة إلى الهاتف الذي سقط، وقطب جبينه.
هل تحطم الهاتف؟
لكنه لم يكن يهتم حينها بسلامة الهاتف، بل بأن الاتصال انقطع ولم يعد التواصل ممكنًا بعد ذلك.
ومما جرى يتبين أن من في داخل المرآة لا يسمع ما يقوله من في الخارج.
وكان يتساءل أيضًا لماذا دخل شانغ قوان يون المرآة… وأين ذهب الآن ذلك الشبح الذي اختفى؟
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.