تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل02

الفصل الثاني

المشاهدات نشر في تاريخ نوفمبر 7, 2026
Laith shoman
ترجمة ورفع الفصل Laith shoman
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

بشخصية كيريتو –مبارز السبريجان – خطوتُ داخل غرفة المعيشة في كوخنا الخشبي الصغير، المتواري في أحضان غابة الطابق الثاني والعشرين من قلعة أينكراد الحديثة العائمة فوق سماء ألفهايم، ولئن كان نهار هذا العالم أقصر من نهار الواقع، إذ لا يتجاوز ست عشرة ساعة، إلا أن تزامنًا عجيبًا جعل الوقت هنا يوافق أواخر الظهيرة أيضًا، فتسللت خيوط الشمس الذهبية عبر النافذة، لترسم ظلالًا دافئة على جدران الغرفة.

ورغم أن منزلنا غدا بمرور الأيام ملتقى لأصدقائنا وملاذًا لضحكاتهم، إلا أنه كان في تلك اللحظة غارقًا في صمت مطبق، ومفتقرًا إلى أي حركة. فأسونا أخبرتني مسبقًا أنها ستقضي نهارها مع عائلتها حتى المساء، وسوغوها لم تعد بعد من تدريب الكيندو. وكنت أتوقع أن أجد يوي في انتظاري على أقل تقدير، لكنها هي الأخرى لم تكن هنا، ولم تَحْوِ غرفة المعيشة المغمورة بالسكون سوى أيقونة رسالة واردة، تومض في الطرف الأيمن من مجال بصري.

كانت الرسالة من ليزبيث، المحاربة القزمة البارعة في استخدام الهراوة، وما إن لمست الأيقونة حتى انبثقت أمامي نافذة تزدحم بالرموز التعبيرية الملونة.

“أنا وسيليكا نرفع مهاراتنا في الطابق الخامس والأربعين، فتعال وساعدنا حين تنتهي من فروضك. آه، بالمناسبة… استعرنا يوي.”

أدركت حينها سبب غياب ابنتي، وانقشع عني لغز اختفائها.

تُصنف يوي داخل هذا العالم كجنية ملاحية، وهي فئة من المساعدين تحظى بقدرات فائقة لمساندة اللاعبين؛ إذ يمكنها تحليل المناطق، ورصد الوحوش المحتمل ظهورها وتحديد سرعة تكاثرها، وتلك ميزة بالغة الأهمية أثناء جلسات التدريب المكثف لرفع المستوى. ووفقًا لنظام اللعبة، تُعد يوي ملكية خاصة بي، فلا تظهر إلا حين أكون متصلًا وأستدعي اسمها. إلا أنها بدأت مؤخرًا تتجسد من تلقاء نفسها متى ما كان أحد أصدقائي متصلًا بالشبكة، وهو أمر لم أجرؤ يومًا على سؤالها عن سببه.

وعلى الرغم من أن قدراتها المتطورة تتيح لها التواجد في مكانين أو عشرة، بل أو حتى مئة مكان في آن واحد، إلا أنها كانت ترفض ذلك رفضًا قاطعًا.

فالهوس بالتفرد والتمسك بخصوصية الوجود، سمة تشترك فيها جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي صممها أكيهيكو كايابا. وحتى مغنية الواقع المعزز يونا، التي كانت محور حادثة أوردينال سكيل قبل نصف عام، لم تكن استثناءً من تلك القاعدة؛ إذ كادت تدمر نفسها حين حاولت وكالتها نسخ برنامجها.

تمتمت متسائلًا عما ينبغي لي فعله الآن، وأنا أُغلق رسالة ليزبيث.

كنت قد غصت في هذا العالم لأتحدث مع ليزبيث وسيليكا، وأُجري بعض الأبحاث الخفية حول الهدايا التي قد تبهج أسونا، لكن لم يكن من اللائق إزعاجهما وهما منغمستان في اللعب.

راودتني فكرة الانضمام إليهما لمجرد المتعة، إلا أن تذكير ليزبيث لي بضرورة الانتهاء من فروضي أولًا، شكّل رادعًا نفسيًا لا يُستهان به؛ فلا يزال في ذمتي تقرير قصير عن تجربة في علوم الحاسوب يجب تسليمه غدًا، ولم أفرغ منه بعد.

لم يكن بوسعي تجاهل واجباتي المدرسية ببساطة، لكنني كنت في الوقت عينه متأخرًا في رفع مستوياتي داخل اللعبة، ولأن الشائعات كانت تتناقل قرب الإعلان عن معركة ضخمة ضد زعيم طابق جديد، فقد أردت استعادة لياقتي القتالية قبل حلول ذلك الموعد.

نُقلت قلعة أينكراد الحديثة إلى عالم ألفهايم أونلاين في مايو الماضي، حيث أُتيحت طوابقها العشرة الأولى للعب، ثم أعقبه تحديث سبتمبر ليضيف الطوابق من الحادي عشر إلى العشرين، وفي يناير اتسع نطاق العالم ليشمل الطابق الثلاثين، وتوالت التحديثات المنتظمة حتى فُتحت أبواب الطابق الخمسين في مطلع هذا الشهر. وكان جليًا أن فريق التطوير في شركة يومير يبذل قصارى جهده في تصميم الزعماء؛ إذ غدوا أكثر شراسة وضراوة مع كل تحديث، لدرجة أنه حتى هذا اليوم، السابع والعشرين من سبتمبر، لم يفلح أي لاعب في تجاوز الطابق السادس والأربعين.

كانت ليزبيث تتوق بشدة إلى إعادة افتتاح متجرها عند الطابق الثامن والأربعين في مدينة ليندارث، تمامًا كما فعلت في عالم سور آرت أونلاين الأصلي، أما إغيل فقد أعلن عزمه على تأسيس متجر عام في مدينة الغيد على الطابق الخمسين، لكن وفقًا لوتيرة التقدم البطيئة هذه، فلن نبلغ الطابق الثامن والأربعين قبل الشهر القادم، بينما قد يستغرق الوصول إلى الطابق الخمسين حتى نهاية العام.

كنت أطمح إلى رد الجميل لهما على كل ما بذلاه لأجلي خلال مغامرتي في العالم السفلي، وهو ما تطلب مني تقوية شخصيتي داخل اللعبة، إلا أنني تمكنت بشق الأنفس من كبح خطواتي التي كادت تندفع نحو الباب؛ فلا يُعقل لشاب على وشك إتمام عامه الثامن عشر بعد عشرة أيام، أن يتجاهل تقريرًا دراسيًا ليقضي وقته في اللعب.

كانت بيانات التجربة بحوزتي، لذا كان من المفترض أن أُنجز كل شيء في غضون ساعة، أو هكذا تأملت على الأقل.

جلست إلى طاولة الطعام الافتراضية، ومن داخل اللعبة ولجت إلى حاسوبي المنزلي، فاستدعيت التقرير غير المكتمل مع جميع بياناته، ثم استعنت بكوب الشاي السحري الخاص بأسونا، وهو مكافأة حصلت عليها من إحدى المهام تتيح الاختيار العشوائي بين تسعة وتسعين نوعًا من الشاي بمجرد لمسه، فارتشفت جرعة مما بدا وكأنه شاي بنكهة الشوكولاتة والنعناع، وشرعت أكتب على لوحة المفاتيح، محفزًا نفسي على إنجاز التقرير في خمس وأربعين دقيقة.

طوال حياتي، وحتى في أشد فترات ولعي بالألعاب، لم أسمح يومًا بتراكم واجباتي المدرسية أو تأخرها عن موعدها، لكن أصعب فترة مررت بها كانت خلال عطلة الصيف المنصرمة؛ إذ كنت بالنسبة للعالم الخارجي غارقًا في غيبوبة تامة لشهر كامل.

فقد تعرضت لهجوم وحُقنت بمادة ساكسينيل كولين القاتلة على يد جوني بلاك، العضو في فريق الاغتيالات سيئ السمعة في آينكراد المعروفة باسم التابوت الضاحك، وأحد العقول المدبرة وراء حادثة مسدس الموت، كانت تلك المادة كفيلة بإحداث سكتة قلبية، ووقع ذلك في أواخر يونيو بعد فترة وجيزة من بدء العطلة.

ورغم نجاتي بأعجوبة، إلا أن وعيي لم يَعُد إليّ حتى شهر أغسطس، وبعد خضوعي لفترة من إعادة التأهيل الجسدي، سُمح لي أخيرًا بالعودة إلى المنزل في السادس عشر من الشهر ذاته.

بعبارة أخرى، تبخر ثلثا عطلة الصيف الممتدة لأربعين يومًا قبل أن أستعيد حرية وقتي، مما جعل تراكم الواجبات أمرًا حتميًا، وربما كان بوسعي طلب إعفاء جزئي منها، لكن ذلك كان يستلزم أن أشرح لإدارة المدرسة أسباب دخولي في تلك الغيبوبة.

قد يصدقون فكرة تعرضي لهجوم في الشارع انتهى بي في المستشفى، لكنني كنت موقنًا أن أحدًا في هذا العالم لن يصدق القصة الحقيقية.

فكيف لي أن أقنعهم بأنني اختُطفت من المستشفى بسيارة إسعاف مزيفة، ثم نُقلت جوًا بمروحية إلى سفينة أبحاث بحرية قابعة في أقاصي المحيط، حيث وُضعت داخل آلة غامضة قادرة على النفاذ إلى روح الإنسان، لأُرسل بعدها إلى عالم غريب يُدعى العالم السفلي؟ وكيف سأخبرهم أنني قضيت أيامي هناك أقطع شجرة أرز عملاقة، ثم التحقت بأكاديمية لفنون السيف، وصولًا إلى خوضي معركة طاحنة ضد حاكمة ذلك العالم، لينتهي بي المطاف في غيبوبة أخرى هناك أيضًا؟

في النهاية لم أجد أمامي خيارًا سوى التسلح بالصبر وتحمل العبء، متكئًا على دعم أصدقائي لإنجاز كل شيء، وبينما كنت أكتب تقريري، تذكرت ذلك الأسبوع الأخير الجحيمي من العطلة الصيفية، فنفّست عن إحباطي بتذمر مسموع، ساخطًا على ذلك الرجل الذي كان بوسعه، كأقل تقدير قبل أن يختفي، أن يصدر أمرًا بإعفائي من هذه الواجبات المدرسية.

بالطبع لم يكن هناك من يرد على تذمري؛ فقد كنت وحيدًا تمامًا في المقصورة الخشبية وسط الغابة، فضلًا عن أن الرجل الذي كنت أوجه إليه خطابي لم تطأ قدماه عالم ألفهايم منذ أكثر من شهر.

فاللاعب الذي كان يتحكم في شخصية الساحر كريسهايت من عرق الأندين، لم يكن سوى سيجيرو كيكوكا، المسؤول في قسم الواقع الافتراضي بوزارة الشؤون الداخلية والاتصالات، والذي اختفى أثره تمامًا عن كلا العالمين، الواقعي والافتراضي، منذ ما يربو على شهر.

باتت إدارة شركة راث، الواجهة الوهمية التي كان يديره كيكوكا، في عهدة الدكتورة رينكو كوجيرو، بينما برز دور تاكيرو هيغا بصفته كبير المسؤولين التقنيين ليصبح شخصية أكثر أهمية من أي وقت مضى. ورغم وجود بوادر تدعو للتفاؤل بشأن مستقبل العالم السفلي، حتى وإن كانت تتحقق ببطء شديد، إلا أن اختفاء كيكوكا ترك في داخلي إحساسًا غامضًا بالخسارة.

فإذا كنت أنا شخصيًا أشعر بهذا الفراغ، رغم كل المتاعب والمخاطر التي جرّني إليها، فلا شك إذن أن طاقم راث غارقون الآن في بحر من الكآبة.

*لقد كان مصدر إزعاج حقيقي حتى اللحظة الأخيرة*… راودتني هذه الفكرة، لكنني تداركتها مسرعًا، مذكرًا نفسي بأنه لم يمت في الواقع.

لطالما تظاهر كيكوكا بأنه مجرد موظف بيروقراطي عادي في الوزارة، لكنه كان في الحقيقة مقدمًا في قوات الدفاع الذاتي البرية، وقد توارى عن الأنظار بالتزامن مع اختفاء عدد من كبار المسؤولين في وزارة الدفاع، الذين تبين لاحقًا تورطهم مع شركة دفاع أمريكية مسؤولة عن الهجوم على قاعدة سلحفاة المحيط 

على الأرجح، لم يعد موجودًا في اليابان على الإطلاق في هذه اللحظة.

ولم أكن أعلم إن كانت الأقدار ستمنحني فرصة رؤيته مجددًا، لكن هنا في منزلي الثاني، وبعيدًا عن العالم السفلي، بدت حتى قصص كيكوكا المزعجة عن أغرب وأنتن الأطباق الفاخرة حول العالم، وكأنها ذكرى تثير الحنين.

وربما بسبب شرودي في هذه الأفكار غير المعتادة، لم ألحظ صوت تسجيل أحدهم الدخول إلى اللعبة، ولم أدرك وجود ذلك الشخص إلا عندما توقفت خطواته المرتدة خلفي مباشرة.

دفعت النافذة الهولوجرافية التي تعرض تقريري شبه المكتمل نحو وسط الطاولة، ثم استدرت إلى الخلف.

“كنت أظن أنكِ نائمة يا أسـ”

قطعت كلماتي قبل أن أكمل جملتي.

الشخصية الأنثوية الواقفة خلفي لم تكن أسونا، بجمالها المعهود كأندين ذات شعر أزرق، بل كانت كايت سيث تعتلي رأسها أذنا قطة مثلثة، إلا أن مظهرها لم يكن يشبه أيًا من أفراد هذا العرق بلطافتهم المعتادة.

شعرها الذهبي اللامع المنسدل حتى منتصف ظهرها، وبشرتها الشاحبة لدرجة تكاد تكون شفافة، وعيناها الزرقاوان العميقتان كحجر الياقوت الأزرق… كانت ملامحها مذهلة إلى حد يخطف الأنفاس، وأقرب ما تكون إلى هيئتها الحقيقية؛ ليس في العالم الواقعي، بل في العالم السفلي.

“أهلًا أليس… مساء الخير.”

رفعت يدي محييًا، لكن أليس التركيب الثلاثين، لكن الفارسة المتكاملة اكتفت بإطلاق زفرة خفيفة، بينما رفت أذناها بانزعاج.

“يبدو أنك محبط لأنني لست أسونا!.”

Vol_21_-_025

“لا، لا، لاااا! لم أفكر في ذلك على الإطلاق!” احتججت وأنا أهز رأسي بعنف، إلا أن نظرة الفارسة لم تزدد إلا برودًا.

ألقيت نظرة خاطفة إلى الأسفل، فأدركت أنها رغم تأخر الوقت، كانت ترتدي درعًا ذهبيًا وتحمل سيفًا طويلًا من الذهب فوق فستانها الأزرق.

“آه… هل أنتِ ذاهبة للصيد؟” سألتها.

لم يختف عبوس أليس، بل تحول إلى تعبير مختلف بعض الشيء، ثم أجابت: “نعم، لدي اتفاق مع ليزبيث، لكنني… سأعترف بأنني لست معتادة على هذا النوع من الصيد.”

سحبت الكرسي المجاور لي وجلست، ليتردد صدى ارتطام المعدن بالخشب. فنهضت على الفور وهرعت إلى المطبخ لإعداد بعض الشاي، وحين عدت كنت أحمل كوب شاي سحريًا آخر وصينية تضم معجنات مجهولة المصدر وجدتها في مخزن العناصر المشترك.

لاحظت أن أليس كانت تحدق باهتمام في نافذة تقريري التي لا تزال مفتوحة فوق الطاولة، وما إن رأتني قادمًا حتى رفعت بصرها وسألت: “هل هذا تكليف دراسي من الأكاديمية التي تدرس فيها؟”

“آه… نعم، هذا صحيح.”

“هممم… عندما كنت أتدرب في الكاتدرائية، كانوا يعطونني أكوامًا من مهام الفنون المقدسة.” تمتمت بها وفي شفتيها ابتسامة باهتة، بينما لاح في ملامحها مزيج من الحنين والأسى.

لم أكن أعرف إنسانًا مر بمصير غريب ومتقلب كأليس.

فقد وُلدت في قرية صغيرة في أقاصي الشمال البعيد من العالم السفلي، وعاشت هناك حتى بلغت الحادية عشرة من عمرها، لكن حين انتهكت قاعدة مؤشر المحظورات بدخولها أراضي الظلام المحرمة، جاء فارس من فرسان التوحيد واقتادها إلى معقل كنيسة العقيدة المطلقة، الكاتدرائية المركزية.

وهناك قامت الإدارية ذات السلطة المطلقة بإجراء طقوس التناغم عليها لتمحو كل ذكرياتها، وحين انطلقت أنا ويوجيو إلى الكاتدرائية عازمين على استعادتها، وقفت في طريقنا كأحد أقوى فرسان التوحيد، إلا أنها سرعان ما اكتشفت نفاق الكنيسة وقسوة البونتيفينكس المقدسة، فحطمت الختم الذي قيد حريتها وانضمت إلينا لتساندنا في إسقاط الإدارية.

وبعد ذلك غادرت الكنيسة واستقرت في الغابة القريبة من قرية روليد، لترعاني طوال نصف عام بينما كنت غارقًا في غيبوبة دماغية، إلى أن بلغتنا الأنباء بقرب اشتعال الحرب الحتمية ضد إقليم الظلام.

قاتلت بضراوة في معركة البوابة الشرقية كعاصفة هائجة، لكنها وقعت في النهاية أسيرة في قبضة الرجل الذي قاد الهجوم على قاعدة سلحفاة المحيط، ومع تضحية القائد بيركولي تمكنت من التحرر، ثم بإرشاد من أسونا خرجت من النظام عبر وحدة التحكم المركزية، لتغدو الآن مالكة لجسد ميكانيكي صممه تاكيرو هيغا، مما أتاح لها العيش في العالم الحقيقي.

 

وسواء شئت أم أبيت، كانت أليس أول ذكاء اصطناعي عام وحقيقي في تاريخ البشرية.

كانت حياتها حافلة بالمشاغل؛ إذ عملت جنبًا إلى جنب مع الدكتورة كوجيرو في نضالها لمنح الذكاء الاصطناعي حقوقه ككائن واعٍ، ورغم ذلك، بدا أنها تختلس الوقت لتسجيل الدخول إلى عالم ألفهايم أونلاين كلما احتاجت إلى قسط من الراحة، فربما كان هذا العالم الخيالي أكثر ألفة لها من ذلك العالم المادي الغريب الذي وجدت نفسها فيه.

“نعم، كان لدينا الكثير من الفروض في أكاديمية حِرف السيف أيضًا، ولا زلت أتذكر تعاويذ الفنون المقدسة.” قلتها بينما كنت أصغر نافذة واجباتي المدرسية نحو زاوية الطاولة، قبل أن أضع الكوب والصحن أمامي.

اهتزت أذنا أليس القططيتان قليلًا، قبل أن ترمقني بنظرة حادة وتسأل: “حسنًا، لنختبرك إذن… ما هي التعويذة اللازمة لإنشاء كرة صغيرة مجوفة من الفولاذ مملوءة بالماء، وتسخينها باستخدام عنصر النار من الخارج؟”

تجمدت للحظة، قبل أن أتمتم بتردد: “هـ-هاه؟ حسنًا… القاعدة العامة هي إنشاء العناصر الأكثر استقرارًا أولًا، لذا سأبدأ بتوليد العنصر المعدني… لا، انتظري، الكرة الفولاذية يجب أن تحيط بالماء، إذن… هل عليّ استدعاء عنصر الماء أولًا؟”

أطلقت أليس زفرة طويلة مرهقة، وكأنني تفوهت بحماقة لا تُغتفر، مما دفعني للرد بعناد: “لـ-لا بأس! عندما تكون لديكِ قدراتي، لن تحتاجي إلى نطق التعاويذ أصلًا، فالتجسيد ينجز الأمر على الفور!”

“هذه ليست الفكرة!” قاطعتني بحدة، حملت حركتها التالية لمسة من الألفة، إذ نقرت بأصابعها على حافة الكوب، ثم رفعت المشروب الوردي الباهت إلى شفتيها وارتشفت منه بهدوء لتقول: “همم… هذا شاي جيد.”

كان جليًا من تعابير وجهها أنها اعتادت المجيء إلى هنا لاحتساء الشاي مع أسونا، أو ربما لأمر آخر. وتسائلت في قرارة نفسي بذهول إن كان هذا ما يحدث حقًا، بينما كنت أتكئ إلى الخلف وأقرع برفق على حافة كوب الشاي الخاص بي.

ارتفع منه سائل أرجواني داكن، وما إن تذوقته حتى اجتاح لساني طعم حامض لاذع، وكأنني تناولت خوخًا مخللًا مطحونًا، حاولت إنقاذ الموقف فالتقطت إحدى المعجنات بسرعة وأخذت منها قضمة كبيرة، ولحسن الحظ، كانت مجرد فطيرة فواكه عادية تمامًا.

بدت أليس بدورها راضية عن هذا الاختيار، فأخذت لقمة، ثم أتبعتها بأخرى مستخدمة الشوكة.

تجرعت رشفة أخرى من ذلك الشاي الحامض الذي لا يُطاق، قبل أن أتنحنح وأسألها: “إذن… كنتِ تتحدثين عن شيء يتعلق بشأن كلمة الصيد؟”

“آه… نعم فعلت.” قالتها أليس وهي تهز رأسها مؤكدة، ثم حولت عينيها الزرقاوين نحو الظلام الذي يعم الأرجاء خارج النافذة وأردفت: “بالنسبة لي، وربما بالنسبة لبقية سكان عالم البشر، الصيد هو قتل حيوان بري من أجل الطعام مع شكر الإلهة تيراريا على بركتها، لكن الناس في هذا العالم – هؤلاء اللاعبين – يقتلون أعدادًا لا تحصى من الحيوانات والوحوش لمجرد رفع مستوى سلطتهم، لا أعني أن هذا عمل شرير؛ ففي معركة البوابة، قتلت أنا أيضًا المئات، إن لم يكن الآلاف من الكائنات شبه البشرية القادمة من إقليم الظلام، لكنني… لا استطيع أن أسمي ذلك صيدًا.”

 

“فهمت..” قلتها ببطء وأنا أومئ برأسي.

 

كانت أليس تدرك تمامًا أن ألفهايم هو عالم مخلوق ضمن العالم الحقيقي، إلا أنها واجهت صعوبة في استيعاب مفهوم الألعاب الجماعية عبر الواقع الافتراضي، وما يعنيه حقًا أن تلعب لعبة.

ولم أكن لألومها على ذلك؛ فمن حيث كونه عالمًا افتراضيًا، لم يكن يختلف عن العالم السفلي الذي نشأت فيه، وكما هو الحال مع عالمها، كان ألفهايم مجرد مكان آخر بالنسبة لها، لذا لم يسعها أن تشاركني أنا وبقية لاعبي الواقع الافتراضي الفهم ذاته بأن هذه الأماكن مجرد محطات مؤقتة.

فحين اصطحبت أليس لأول مرة من أينكراد إلى ألفهايم، وصادفنا مجموعة من لاعبي عرق السالاماندر يشنون هجومًا في الغابة القديمة بالقرب من أراضي السيلف، تحولت الأمور إلى مشهد بالغ الإثارة، إذ تعرضت سيليكا لأضرار إثر هجوم مفاجئ، فاستشاطت أليس غضبًا لدرجة أنها انهالت على لاعبي السالاماندر بالتوبيخ القاسي ولعنتهم، حتى تملكهم رعب شديد دفعهم للاعتذار لسيليكا وترك بعض المال تعويضًا لها، ولم أكن قد سمعت بحدوث أمر كهذا من قبل قط.

وبين الثلة القليلة من اللاعبين الذين كانوا يعلمون أن أليس، تلك الفارسة ذات الأذنين القططيتين في عالم ألفهايم، هي ذاتها الذكاء الاصطناعي أليس الذي قُدم في المؤتمر الصحفي الصاخب الشهر الماضي، بات هذا الحادث يُعرف بأسطورة السيدة أليس التي وبخت اللاعبين القتلة حتى أبكتهم. وعلى أي حال، لم أملك سوى أن أتمنى مجيء اليوم الذي تتعلم فيه أليس كيف تستمتع بعالم ألفهايم كلعبة، تمامًا كما صُمم ليكون.

 

في تلك الأثناء كنت قد انتهيت من تناول حصتي من فطيرة الفواكه وابتلعت ثلث كوب الشاي تقريبًا، قبل أن ألتفت أخيرًا إلى تلك الفارسة الفخورة القادمة من عالم آخر لأقول: “أوافقكِ الرأي في أن كلمة الصيد التي تسمعينها في ألعاب الواقع الافتراضي قد ابتعدت كثيرًا عن معناها الأصلي، لكن الحقيقة هي أن غالبية سكان اليابان الحديثة يفتقرون إلى أي تجربة حقيقية مع الصيد، وأنا من ضمنهم، فحين تتغير الأزمان والأماكن، تتغير الكلمات معها، وأنا واثق من أن هذه الظاهرة قد حدثت في العالم السفلي أيضًا.”

 

“……”

 

التزمت أليس الصمت في البداية، وهي تمضغ آخر قضمة من فطيرتها وتتبعها بما تبقى في كوب الشاي.

 

“حسنًا، لقد انقضى مئتا عام منذ أن عشت في العالم السفلي، لذا أعتقد أن ثمة تغييرات جذرية قد طرأت، ولم تقتصر على اللغة فحسب، بل شملت الثقافة بوجه عام، وأيًا كان هذا التغيير فعلي أن أتقبله… فشيء واحد يمكنني الجزم به، هو أن وجود هذا التغيير بحد ذاته يمثل دليلًا قاطعًا على أنك حميت العالم السفلي وحرصت على الحفاظ عليه…” وإلى جانب تعابيرها الهادئة، نظرت مباشرة في عينيّ ورسمت ابتسامة صغيرة جعلتني أرتبك للحظة.

 

إلا أنني أنكرت ذلك بدافع العادة، فقلت: “لكن… لم يكن الأمر مقتصرًا علي وحدي؛ فأسونا، وسوغوها، وسينون… في الواقع، كان هناك الآلاف من لاعبي ألفهايم الذين هبوا إلى العالم السفلي لحمايته.”

 

“نعم، هذا صحيح…” قالتها أليس وقد أعادت بنظراتها نحو النافذة؛ إذ لم تكن تحدق في الغابة الصنوبرية، بل في عالم آخر يقبع بعيدًا ورائها.

فعلى متن قاعدة سلحفاة المحيط، التي كانت لا تزال راسية في البحر ولكن معطلة بأيدي قوات الدفاع الذاتي، كان التجمع العنقودي لمكعبات الضوء الذي يحتضن العالم السفلي ونواة النظام لا يزالان قيد التشغيل، إلا أن الوضع كان متقلبًا للغاية.

فقد فقدت الفصائل المحافظة المناهضة لشركة راث داخل وزارة الدفاع سلطتها مؤقتًا بفضل التضحية التي أقدم عليها كيكوكا. لذا لن يُلغى مشروع العالم السفلي على الفور في الوقت الراهن، لكن هذا الوضع قد يتبدل سريعًا بناءً على ما ستسفر عنه صراعات السيطرة والنفوذ.

المترجم: حرق 🔥

بلمح لأرك حرب الذكاءات War of Intelligence

..

وفي صباح الثامن عشر من أغسطس، غصتُ أنا وأسونا وأليس إلى العالم السفلي من فرع شركة راث في روبونجي، انتابنا الذعر للحظات حين وجدنا أنفسنا في الفضاء الخارجي بدلًا من اليابسة، لكن بفضل مساعدة فارستي النزاهة الشابتين، أو بالأحرى طيارتي النزاهة اللتين التقينا بهما وهما يحلقان بتنينيهما الآليين، تمكنا من العودة بسلام إلى عالم البشر.

إلا أنني كنت أعيش صراعًا داخليًا عميقًا حيال فكرة دخولنا إلى الكاتدرائية المركزية. فمما لا شك فيه، ومهما تكن الأحداث التي عصفت في المئتي عام الماضية، فقد بتنا نُعرف الآن بملك النجوم وملكة النجوم، ووفقًا للمعلومات المتداولة، فقد أُعلنت وفاتنا منذ ثلاثين عامًا. فلو اقتحمنا الباب الأمامي وألقينا التحية ببساطة، لانقلبت الكاتدرائية وربما العالم بأسره في فوضى وجودية عارمة، لذلك أجمعنا أمرنا على السماح للطيارة التي تُدعى لوراني باصطحابنا إلى منزلها في مدينة سينتوريا، كان ذلك المبنى عتيقًا يمتد عمره لأكثر من أربعمائة عام، ويبعث في نفسي شعورًا غريبًا بالألفة، وهناك تكفلت الطيارتان بإطلاعنا على الوضع الراهن للعالم السفلي، وقدما لنا وجبة طعام.

قبل غوصنا في العالم السفلي، حذرتنا الدكتورة كوجيرو من أنها ستعمد إلى إيقاظنا قسرًا بمجرد انقضاء خمس ساعات – ولحسن الحظ كان هناك هناك ساعات في العالم السفلي الآن – فودعنا الطيارين على أمل لقاءٍ قريب، وسجلنا خروجنا.

ولأصدق القول كنت أتوق إلى العودة على الفور، لكن الدكتورة كوجيرو وهيغا أحبطا مسعاي؛ إذ حظرا علينا الغوص مجددًا حتى يفرغا من تقييم المعلومات التي جلبناها، وقياس مدى تأثيرها على استقرار المحاكاة.

لم يكن عسيرًا علي تفهم دوافع الكبار وقلقهم، فطالما ظلت هوية المجهول الذي سرب لنا عنوان بروتوكول الولوج طي الكتمان – ورغم الشكوك الغامضة التي كانت تساورني حول هويته – بقي الحذر واجبًا، ناهيك عن أن المسار الذي سيتخذه العالم السفلي مستقبلاً سيحدد مصير خطة تأمين التجمع العنقودي لمكعبات الضوء، وسيحسم الجدل القائم حول حقوق الذكاء الاصطناعي.

كانت وتيرة الزمن داخل العالم السفلي متزامنة الآن مع الواقع، مما بدد مخاوفنا القديمة من قضاء عقود في الداخل خلال جلسة غوص واحدة، ورغم ذلك فقد انقضى شهر كامل هناك بالفعل؛ مدة كفيلة بجعل لوراني وستيكا تشعران بالضجر، وكنت أتحرق شوقًا لسماع أخبارهما، موقنًا في الوقت ذاته بأنهما…

“…ريتو. كيريتو، هل تستمع إليّ؟”

لكزتني الفارسة ذات الأذنين القططيتين برفق في مرفقي، فانتزعتني من شرودي.

“آه! نعم، آسف. كنت أفكر في العالم السفلي…”

هدأت ملامح أليس قليلًا وتلاشت نظرة التوبيخ من عينيها، وأقرت بأنها هي الأخرى تفكر فيه مرارًا كل يوم.

“نعم… أرغب في العودة قريبًا.”

وافقتها الرأي متنهدًا بحنين. فمهما بلغ شوقي لذلك المكان، فإنه لا يُقاس بعمق حنين أليس إلى وطنها. وكانت تسعى جاهدة لتحقيق هدفين واضحين؛ أولهما إحياء تنينيها أماغوري وتاكيغوري، اللذين أعدتهما إلى طور البيض قبل المعركة الأخيرة ضد غابرييل ميلر. أما الهدف الثاني، فكان إيقاظ شقيقتها سيلكا زوبرغ القابعة في سبات جليدي عميق في الطابق الثمانين من الكاتدرائية المركزية.

ولم تكن أي من تينك الغايتين يسيرة، لا سيما الأخيرة؛ إذ يتعين عليها إقناع الحكومة الحالية لعالم البشر بأنها ليست سوى الفارسة الأسطورية أليس سينثيسيس ثيرتي التي اختفت قبل أكثر من مئتي عام.

إلا أنني كنت موقنًا من قدرتها على بلوغ مسعاها، وعازمًا على بذل كل ما في وسعي لمساعدتها؛ فأنا أيضًا كنت أتوق لرؤية سيلكا مجددًا.

وقبل أن أغرق في بحر أفكاري عن العالم السفلي مرة أخرى، سحبني صوت أليس إلى الواقع وهي تخبرني أن الدكتورة كوجيرو تركت لي رسالة.

“آه… رسالة؟ ألم يكن بوسعها إرسال بريد إلكتروني فحسب؟”

“يبدو أنها لم ترغب في ترك أي آثار على الشبكة.” قالتها بنبرة هادئة.

تجهم وجهي؛ فالخطوط التي تستخدمها شركة راث محصنة بأنظمة أمان بالغة التعقيد. وإذا كانت الدكتورة كوجيرو تفضل إيصال أخبارها شفهيًا داخل عالم ألفهايم لتجنب السجلات والبريد، فهذا يعني أن المعلومات التي تحملها بالغة الأهمية.

وبينما كنت متسمرًا في مكاني، أخبرتني أليس بمحتوى الرسالة: “في التاسع والعشرين، الساعة الخامسة عشرة في متجر الكعك الفاخر.”

“ماذا؟…”

“هذا كل شيء.”

بقيت صامتًا أحلل الكلمات، فاليوم هو السابع والعشرون، أي أن الموعد بعد يومين في تمام الثالثة عصرًا، كان ذلك واضحًا. لكن أين يقع متجر الكعك الفاخر هذا؟ طوكيو تعج بالأماكن التي تطابق هذا الوصف، بل وكنت واثقًا من قدرتي على إيجاد متجر أو اثنين في مدينة كاواغوي بمحافظة سايتاما حيث أقطن.

كدت أرسل للدكتورة كوجيرو مستفسرًا، لكني تراجعت؛ فالتواصل معها من طرفي سيهدم كل جهودها للحفاظ على سرية الرسالة 

وبينما كنت أراجع أفكاري، هزت أليس رأسها بحسد متحدثة عن تنوع الكعك في العالم الواقعي، وعن الأشياء التي لم تتذوقها في سينتوريا، وكيف أن مجرد النظر إلى صورها يثير شهيتها.

“آه… نعم، أعتقد ذلك… لكني أحببت حقًا الحلويات التي كنت أشتريها في سينتوريا، أتذكرين تلك الفطائر المحلاة بالعسل؟ كانت القطع الثلاث تُباع بعشرة شيا فقط، وتملأ حقيبة كاملة…”

“هل الكعك هنا غالي الثمن؟” سألتني بفضول.

“حسنًا، لطالما قدرت أن عملة الشيا الواحدة تعادل عشرة ينات، لذا قد يبيع متجر المعجنات الفاخر القطعة الواحدة بأربعين شيا ربما؟”

“هذا يبدو غاليًا…” قالتها أليس بدهشة واتساع في عينيها.

ابتسمت وأخبرتها بوجود أماكن أشد فخامة، كمتجر في غينزا يبيع قطعة الكعك بمئة وستين شيا… ثم توقفت فجأة وقد أدركت الحقيقة، فالدكتورة كوجيرو لم تكن من النوع الذي يستخدم الشفرات الغامضة، إنها رسالة موجهة إليها، نقلتها عن شخص آخر في راث، ولم يخطر ببالي سوى شخص واحد يميل إلى صياغة رسائل كهذه.

أرخيت كتفي وأطلقت تنهيدة، فنظرت إلي أليس بحيرة تسألني عما بي.

“آه… لا شيء. فهمت الآن مغزى الرسالة، شكرًا لكِ على إيصالها أليس.”

كنت على وشك القول إنها كانت مهمة يسيرة، لولا أن أليس حركت أذنيها بخفة، ورسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة وكأنها تخطط لأمر ما، لتقترح علي مساعدتها في التدريب إذن.

“ماذا؟ آه… تقصدين زيادة كفاءة مهاراتكِ؟”

لم يكن هناك سوى سبب واحد لاختيارها شخصية كايت سيث ذات الأذنين والذيل؛ وهو سهولة وصول هذا العرق إلى فئة فرسان التنانين، لكن ذلك لم يعنِ سهولة المهمة، فركوب التنين يستلزم مستويات عالية في مهارتي الترويض والأسلحة، ولتحسينهما معًا، كان عليها خوض معارك طاحنة لتفعيل محفزات كفاءة الأسلحة، وإنفاق النقاط المكتسبة على مهارة ترويض الوحوش.

فكرت في الأمر، ثم أعدت نافذة الواجبات المدرسية إلى حجمها الأصلي وسط الطاولة.

“أمهليني ثلاثين دقيقة إذن! بمجرد أن أُنهي هذا، يمكننا الذهاب للقاء ليزبيث وبقية الفريق والعمل على كسب نقاط المهارة من أجل…”

لكن صوتًا خافتًا أشبه بالهمس قطع حديثي. 

كان ذلك صوت تسجيل دخول لاعب، ولم يكن هناك سوى شخص واحد يملك صلاحية الظهور مباشرة داخل الكوخ، درت في مقعدي بسرعة، ونهضت أليس بحركة سلسة، بينما تجسدت شخصية ممشوقة القوام أمام الباب، فتاة ذات شعر أزرق شاحب طويل، ترتدي فستان معركة يطغى عليه اللون الأبيض، ويتدلى من خصرها سيف فضي رفيع؛ إنها ساحرة الأندين أسونا.

وما إن تعرفت علي وعلى أليس، حتى تبدلت ملامحها تدريجيًا إلى الدهشة.

“أهلًا… بعودتكِ يا أسونا.” قلتها وأنا أقف على قدمي.

ابتسمت أخيرًا ولوحت بيدها محيية. “مساء الخير يا كيريتو، أهلًا بكِ أليس.”

“أعتذر عن المقاطعة يا أسونا.” ردت أليس بابتسامة مماثلة.

ربما كان مجرد تهيؤات، لكني شعرت وكأن حرارة الغرفة قد ارتفعت بضع درجات، وعلى أي حال كان لدي تقرير دراسي يجب أن أُنهيه. تنحنحت محاولًا كسر التوتر وتحدثت مجددًا.

“أممم.. يجب عليّ إنهاء هذا التقرير، لذا إن لم تمانعا، يمكنكن المضي للقاء ليزبيث…”

وقبل أن أُتم جملتي، اجتاح أرضية الكوخ اهتزاز عنيف، واندلع دوي عميق أشبه بالرعد طغى على كل ما عداه.

صرخت الفتاتان، فاندفعت بغريزتي قابضًا على يد أليس بيمنى ويد أسونا بيسراي، وأجبرتهما على الانخفاض، وما هي إلا لحظات حتى تلا ذلك دوي انفجار آخر، وأخذت العوارض الثقيلة في السقف تئن، وتساقطت الأكواب عن الطاولة.

المنطق البارد في عقلي كان يدرك تماما ان الزلازل ظاهرة مستحيلة في العوالم الافتراضية، وحتى إن حدثت في عالم ألفهايم، فلا تأثير لها على قلعة أينكراد العائمة، فضلًا عن أن اهتزاز القلعة لن يؤدي إلى انهيار الكوخ، ورغم أن عقلي كان يعي ذلك تمامًا، إلا أن غريزتي تولت القيادة، فصرخت بهما أن تخرجا فورًا.

اندفعت عبر الأرض المتموجة ساحبًا أسونا وأليس حتى بلغنا الباب، وما إن دفعته واندفعنا نحو الفناء الخارجي حتى ضربتنا الهزة الثالثة والأعنف، لنسقط جميعًا على درجات السلم.

لم نفقد أي نقاط حياة من هذا، لأن الفناء كان مكسو بالعشب.

كدت أنشر جناحي الجنيين ظنًا مني أن التحليق سيقيني شر الاهتزاز، لولا أن أسونا قبضت على يدي بكل قوتها.

“كيريتو… انظر…” همست بصوت لاهث.

كانت يدها المرتجفة تشير نحو السماء الزرقاء القريبة من الحافة الخارجية، فأدركت الأمر في لحظتها، الوقت في عالم ألفهايم لا يتزامن مع الواقع، فكان لا يزال عصرًا، إلا أن الأفق كان يكتسي الآن بلون أحمر قانٍ. زحف ذلك اللون الدموي بسرعة مرعبة حتى ابتلع سماء أينكراد بأكملها.

“هذا ليس غروبًا…” همست أليس وهي لا تزال متشبثة بيدي الأخرى.

لقد مضى وقت طويل منذ ذلك الحين، وتحديدًا منذ السادس من نوفمبر عام 2022، أي قبل نحو أربعة أعوام.

ففي تمام الخامسة والنصف مساءً، يوم إطلاق لعبة سورد آرت أونلاين، أول لعبة تقمص أدوار جماعية للواقع الافتراضي بتقنية الغوص الكامل في العالم، نُقل عشرة آلاف لاعب قسرًا إلى ساحة مدينة البدايات، حيث أخذ شكل سداسي أحمر يلتهم السماء.

حينها هبط مدير اللعبة العملاق من السماء، وقال بصوته العميق والمرعب “أهلًا بكم في عالمي، أيها اللاعبون الأعزاء.”

ومنذ تلك اللحظة، علقنا أنا وأسونا وآلاف اللاعبين غيرنا في لعبة مميتة سُلبنا فيها حق تسجيل الخروج، ولم نتمكن من الفرار منها إلا بعد عامين كاملين من الزمن الواقعي.

تسائلت في فزع إن كانت تلك المأساة على وشك أن تتكرر، لكنني سرعان ما استبعدت هذا الاحتمال. فأسونا وأنا نرتدي جهازي أموسفير، المزودين بطبقات متعددة من الأمان، لا جهاز نيرف جير القديم، أما أليس فلا تحتاج أصلًا إلى أي واجهة اتصال لتسجيل الخروج من عالم ألفهايم، وحتى لو اختفى زر تسجيل الخروج من القائمة، فسيظل بإمكاننا النجاة ما دام في وسع أحدهم نزع الجهازين عن رأسينا في العالم الحقيقي.

فما الذي تنذر به هذه السماء الحمراء إذن؟

حاولت إقناع نفسي بأنه لا يعدو كونه حدثًا مفاجئًا داخل اللعبة، لكن تصديق هذا الاحتمال كان عسيرًا. فمن سابع المستحيلات أن تتسبب شركة يومير الصغيرة، في كارثة تحاكي ما حل بعالم سورد آرت أونلاين وأودى بحياة أربعة آلاف شخص.

خطرت لي فكرة تعرض الخادم لاختراق خارجي، ومع أن التلاعب بنسيج السماء قد يكون أمرًا يسيرًا، فإن زعزعة قلعة أينكراد بأكملها على هذا النحو بدت مستحيلة؛ فلا سحر في هذا العالم، ولا يملك أي عنصر تقني القدرة على إحداث تأثير بهذا الحجم.

وما إن خطرت لي هذه الفكرة، حتى ضربتنا الهزة الرابعة.

تموجت أرض الطابق الثاني والعشرين كما لو كانت سائلة، وتشقق البساط العشبي الأخضر الذي يغطي المكان، وانبعثت من عوارض الكوخ الخشبي خلفنا أصوات مروعة من التصدع والتحطم، فيما تشبثت أسونا بدرابزين الشرفة بكل ما أوتيت من قوة، وأصابعها تقبض عليه بإحكام.

لكننا نحن الثلاثة لم نكن لنصمد أمام هذا الدمار الجارف، فحتى لو اجتمع مئة لاعب لما استطاعوا تغيير مصيرنا المحتوم، كانت أرض أينكراد، الممتدة على مسافة ستة أميال، ترتج تحت أقدامنا ككائن حي يتنفس بعنف، وكأنها ترفض وجودنا فوق سطحها.

 

“آه…” تلاشت صرخة أسونا الخافتة وسط دوي انفجار جاف وعميق ملأ الأجواء، فابتلع معه كل صوت آخر. وانشطر السقف المثلث الذي يعلو الشرفة إلى نصفين، وبدا أن الكوخ بأكمله لن يلبث أن ينهار إن استمر الزلزال على هذا المنوال.

كانت صلتي بهذا الكوخ وثيقة، لكن تعلق أسونا به فاق كل تصور، فهذا هو الكوخ الذي قضينا فيه أسبوعين سعيدين بوصفنا زوجين في آينكراد الأصلية، قبل أن يُدمَّر عقب انتهاء اللعبة المميتة، أما الكوخ الذي ظهر في آينكراد بعد مرور نصف عام على نقلها إلى عالم ألفهايم، فكان نسخة طبق الأصل من ذلك الموجود على خادم سورد آرت أونلاين القديم بكل تفاصيله الدقيقة، من نقوش الألواح الخشبية إلى العقد المحفورة في العوارض الحاملة.

حتى قلعة آينكراد نفسها في الخادم القديم، تمكن البروفيسور تاموتسو شيغيمورا، معلم أكيهيكو كايابا السابق، من استعادتها سرًا. لكن ذلك الخادم أصبح الآن شاهد قبر لابنته الوحيدة يونا، التي أنقذت أرواحًا لا تُحصى خلال حادثة أوردينال سكيل في أبريل الماضي، ويقبع الخادم في الطابق الخامس من مبنى أرغوس المحظور، في مكان يصعب الوصول إليه ولا أرغب في زيارته، أما هذا الكوخ فقد كان ملاذي أنا وأسونا، والمكان الذي احتضن ذكرياتنا الثمينة وتراكمت فيه.

وبينما كنت أستحضر تلك الذكريات العزيزة، غرست أصابعي في الجدار الخشبي، ضاغطًا عليه بكل قوتي

في تلك اللحظة تنفست الصعداء ظانًا أن الأسوأ قد مر… لكنني سرعان ما أدركت خطئي، صحيح أن الهزات العنيفة قد خفتت، إلا أن الأرض نفسها أخذت تميل ببطء إلى الأمام، دافعة إيانا نحو الحافة الخارجية للقلعة العائمة.

“ما هذا…؟” تمتمت، وقد استولى علي شعور قاتم، ثم استدرت على عجل.

وعندها، عجزت عن النطق.

لم تفصلنا عن السور المحيط بساحة الكوخ سوى خطوات قليلة… وهناك، انتهت الأرض فجأة.

لقد انشقت أرض أينكراد الحديثة، وانفصل جزء من الطابق الثاني والعشرين عن بقية القلعة. صرنا نقف فوق جزيرة صغيرة معلقة في الهواء، بل كانت تهوي نحو الأسفل، ولهذا توقف الاهتزاز.

 

وفي اللحظة التالية، أدركت أسونا وأليس الحقيقة ذاتها، فانطلقت صرخاتهما المرتجفة:

“كيريتو… الأرض!”

“الكوخ يسقط يا كيريتو!”

كنت أعلم ذلك جيدًا، لكن عقلي أبى استيعاب ما يحدث، ولم أستطع فعل شيء سوى التحديق في المشهد المروع، عاجزًا عن الحركة.

كانت القطعة التي تحمل الكوخ هائلة، إذ تجاوز عرضها مئة ياردة، مما منحها مقاومة هوائية كبيرة جعلت سقوطنا يبدو أبطأ مما هو عليه في الحقيقة. فلو كنا في حالة سقوط حر تام، لانفصلت أقدامنا عن الأرض منذ اللحظة الأولى، لكنني كنت لا أزال قادرًا على المشي، وإن كان الشعور بالجاذبية قد أصبح أقل وضوحًا.

حاول جزء مني التمسك بأمل واهن في أن ينجو الكوخ عند الارتطام، لكنني سرعان ما بددت ذلك الأمل، فأينكراد تحلق على ارتفاع ثلاثين ألف قدم فوق عالم ألفهايم، وحتى لو أسهم الهواء الافتراضي في إبطاء سقوطنا، فإن هذه الجزيرة الصغيرة ستتحطم تمامًا عند اصطدامها بالأرض، ولن تخلف ورائها سوى حفرة هائلة.

ربما تظل الأرض نفسها سليمة، باعتبار أن تضاريس الواقع الافتراضي غير قابلة للتدمير، لكن نقاط حياتنا ومتانة الكوخ ستتبخر في لحظة.

انتظر… يمكننا النجاة. فلدي أنا وأسونا وأليس أجنحة الجنيات، وكل ما علينا فعله هو بسطها والتحليق بعيدًا عن هذا المصير المروع، لكنني لم أكن واثقًا من أن أسونا ستختار ذلك.

كانت تدرك أننا نسقط، ومع ذلك ظلت متشبثة بسور الشرفة، وقد ابيضت أصابعها من شدة قبضتها، دون أن تُبدي أي نية للتخلي عنه.

راقبت القلعة العائمة وهي تبتعد عنا تدريجيًا، بينما ظلت يدي تضغط على جدار الكوخ.

لم تكن المسألة مجرد جزر متفرقة تتساقط… بل بدا أن القلعة بأكملها تهوي نحو الأسفل، لم أكن أعلم ما الذي حل بأينكراد، لكن لم يكن ثمة أدنى شك في أن كارثة غير مسبوقة كانت تتكشف أمام أعيننا.

تحت السماء المتوهجة بحمرة شاحبة، مال الشكل المخروطي الضخم نحو الجنوب وواصل هبوطه، بينما أخذت جزر صخرية، بحجم الجزيرة التي نقف عليها، تنفصل عن الطوابق السفلية واحدة تلو الأخرى.

كان القلق على ليزبيث وسيليكا ويوي، اللواتي كن يرفعن مستوياتهن في الطابق الخامس والأربعين ينهشني، لكن الأولوية الآن كانت لإنقاذ هذا الكوخ.

وفقًا لما قرأته سابقًا، فإن الشخص الذي يسقط من ارتفاع ثلاثين ألف قدم، إذا بسط أطرافه لزيادة مقاومة الهواء، يستغرق نحو ثلاث دقائق حتى يبلغ الأرض، وهذا يعني أن أمامناوعلى الأرجح نحو ثلاث دقائق قبل أن تصطدم هذه الجزيرة الصغيرة بألفهايم، لكننا في عالم افتراضي، لذا قد تكون مدة السقوط أقصر أو أطول.

وسط زئير الرياح العاتية التي كادت تبتلع أصواتنا، صرختُ بأعلى ما في صدري: “اللعنة! لو كنا في العالم السفلي الآن، لرفعتُ هذه الصخرة اللعينة بقوة التجسيد!”

انتفضت الفارسة المتشبثة بسياج الشرفة، وارتجفت أذناها القططيتان استياءً وهي تصيح بي “كفّ عن محاولة حل كل مشكلة تعترضك بالتجسيد!”

“وهل هناك موقف يستحق استخدامه أكثر من هذه الورطة؟!”

“إنما تُختبر عزيمة الفارس الحقيقية في أشدّ المحن قسوة!”

عندها، استعادت أسونا رباطة جأشها، وقطعت جدالنا العقيم “حتى لو لم تسعفنا قوة التجسيد، لا يزال بإمكاننا فعل شيء!”

لمع في ذهني أمل خاطف؛ لعلها تستطيع استدعاء قوى الإلهة ستاسيا للتحكم بالتضاريس حتى في هذا العالم، لكن اقتراحها جاء مختلفاً تماماً عما توقعت.

“لندفع هذه الصخرة بأجنحتنا!”

“ماذا…؟! أتدركين استحالة رفع كتلة أرضية بهذا الحجم؟!”

هزّت أسونا رأسها نافية، وقاطعت احتجاجي “لا نحتاج لرفعها، يكفي أن نحرف مسار سقوطها! إذا نجحنا في توجيهها نحو مكان مناسب، فربما…!”

“آه… فهمتُ قصدكِ!” هتفتُ بحماسة مفاجئة بعدما التقطتُ الفكرة، “إذا أسقطناها في الماء، أو حتى فوق الرمال أو في مستنقع، فسيخفف ذلك من عنف الارتطام!”

تمتمت أليس وهي تومئ برأسها وتفرد جناحيها “فكرة معقولة…”

على الفور، قفزتُ أنا وأسونا مبتعدَين عن الكوخ، وألقينا بأنفسنا في الهواء ناشرين أجنحتنا، ولأننا كنا في حالة سقوط حر، لم يتطلب الأمر سوى رفرفات خفيفة لنعلو سريعاً فوق سطح الجزيرة الهاوية. 

وعلى ارتفاع مئة ياردة فوق سقف الكوخ، توقفنا عن الخفق، وثبتنا موقعنا في الجو بينما واصلت الجزيرة هبوطها السريع تحتنا. من ذلك الارتفاع، اتضحت لنا معالم الأرض التي نحاول إنقاذها؛ بدت أشبه بشريحة كعك عملاقة، يبلغ طول ضلعها الأقصر مئة ياردة، بينما يمتد ضلعها الآخر لنحو مئتي ياردة. 

ولأن كوخنا يقبع عند الطرف الأضيق، فقد كان هناك أمل في نجاته… بشرط أن نجعل الطرف الأعرض يرتطم بصفحة الماء أولاً. أو هكذا أردتُ أن أُمنّي نفسي.

أجلتُ بصري في الأفق البعيد، فامتدت الأرض تحتنا كغابة خضراء شاسعة لا يدرك البصر منتهاها، لم يكن في عالم ألفهايم غابات بهذه الكثافة سوى في أراضي السيلف والأوندين، لكن بريق الضوء المنعكس عن البحيرات المتناثرة هنا وهناك كالمرايا، قطع الشك باليقين؛ نحن نحلق في سماء الأوندين.

همستُ لنفسي: “هذا يصبّ في مصلحتنا…* فالقوة التي نستطيع نحن الثلاثة توليدها معاً تظل ضئيلة للغاية، لكن كثرة المسطحات المائية في الأسفل قد تمنحنا طوق نجاة.

كنا نهوي من ارتفاع يناهز أربعة آلاف ياردة، وفي حسبة سريعة، أدركتُ أنه مقابل كل عشرين ياردة نهبطها، علينا إزاحة الجزيرة ياردة واحدة إلى الجانب لنضمن توجيهها بسلام نحو مجرى النهر، كان تحريك هذه الكتلة الصخرية الهائلة ونحن نقف فوقها ضرباً من المستحيل، أما ونحن نحلّق في الهواء… فالأمر ممكن.

أسندتُ كفيّ إلى جانب الصخرة الداكن، وخفقتُ بجناحيّ بكل ما أوتيتُ من قوة، صارخاً: “هيا!”

انضمت إلي أسونا من اليمين، وتولت أليس الدفع من اليسار، وكلتاهما تبذل أقصى ما في وسعها.

“هيا بنا!”

“لنفعلها!”

كان غريباً أن تصدر هتافات طفولية كهذه عن فارسة مهيبة مثل أليس، لكن الموقف لم يكن يسمح بالتعليق على ذلك.

لو أننا خضنا هذه المجازفة في عهد إدارة (RCT Progress) لعالم ألفهايم، لنفدت طاقتنا في لحظات، ولهوينا عاجزين نحو حتفنا، أما في ظل الإدارة الجديدة التي تتولاها يومير، فقد أُزيلت كافة قيود الطيران، وبات بإمكاننا استهلاك طاقتنا بلا حدود.

بدت الجزيرة كجبل عنيد يستحيل زحزحته في البداية، لكنها ما لبثت أن رضخت لإصرارنا؛ فبدأت تستجيب ببطء، وأخذ مسار سقوطها ينحرف شيئاً فشيئاً عن وجهته الأصلية.

علا صوت أليس فوق هدير الرياح محذّراً: “لا تدفعوا بقوة تفوق الحد! إن أخطأنا المسار الآن، فلن تكون هناك فرصة ثانية لتصحيحه!”.

لكننا لم نكن نملك ترف التردد أو الحسابات الدقيقة.

كانت فرصتنا في إيصال الجزيرة إلى بر الأمان ضئيلة للغاية، لكنني صرختُ أشحذ عزيمتهما: “لا مجال للتراجع الآن! ادفعوا بكل قوتكم!”

هتفت أسونا بنبرة امتزج فيها اليأس بالأمل: “أنا أراهن على حظك يا كيريتو!”

لم أكن يوماً مؤمناً بأسطورة “حظي” تلك، لكن إن كان القدر قد ادّخر لي منه شيئاً طوال سنوات مغامراتي، فهذه هي اللحظة الحاسمة لاستدعائه.

واصلنا الدفع بضراوة لعشر ثوانٍ كاملة، نشق طريقنا ضد تيار الهواء العاتي، ونكافح بثبات لتوجيه تلك الكتلة الصخرية الجبارة نحو مسارها المنشود.

كانت الأرض تندفع نحونا بسرعة مرعبة؛ ألف ياردة… تسعمائة… ثمانمائة… حاولتُ أن أطلّ من فوق حافة الصخرة لاستطلاع الأسفل، لكن النهر لم يكن قد ظهر في مجال رؤيتي بعد، وبغريزة لا إرادية، وجدتني أركل الهواء بقدميّ كمن يحاول إضافة دفعة جديدة، مستنزفاً آخر ذرة طاقة في جسدي الافتراضي.

وفي تلك اللحظة الخاطفة، لمع بريق الماء في الأسفل.

صرختُ بأقصى ما تتسع له رئتاي: “إنه النهر! ادفعوا لخمس ثوانٍ أخرى ثم انفصلوا فوراً!”

بدأت أسونا العدّ التنازلي على الفور “أربعة… ثلاثة… اثنان… واحد… الآن!”

بكل ما فينا من عزم، بسطنا أجنحتنا فجأة لنكبح سقوطنا، قذفني القصور الذاتي إلى الخلف بعنف حتى كادت قدماي تفقدان تماسكهما مع الهواء، لكننا تشبثنا ببعضنا بعضاً لنستعيد توازننا المهتز.

اندفعت الكتلة الصخرية العملاقة -التي باتت تشبه قرصاً سميكاً هائلاً- نحو الماء ورأسها المدبب يتجه للأسفل، كان كوخنا الخشبي لا يزال متمسكاً بعناد بالطرف المدبب للجزيرة؛ ورغم أن الرياح قد اقتلعت أعمدة السقف وسياج الشرفة وذرّتها في الهواء، فإن الهيكل الرئيسي للمبنى ظل صامداً، يرفض الانهيار حتى اللحظة الأخيرة. تمنيتُ في أعماقي أن تمتص المياه وطأة الصدمة، وصلّيتُ لإله قد لا يكون له وجود حتى في هذا العالم الافتراضي، بينما كانت لحظة الحسم تطبق علينا بلا رحمة.

مرت ثلاث ثوانٍ فقط، ثم لامست قاعدة الجزيرة صفحة النهر؛ فانفجر ستار مائي أزرق هائل، متصاعداً نحو السماء عند الطرف البعيد، جرت العادة في العوالم الافتراضية على تبسيط حركة المياه لتوفير طاقة المعالجة، لكن المحاكاة الواقعية المذهلة لتدفق الماء هنا حبست أنفاسي؛ لم أصدق أن محرك ألفهايم قادر على تجسيد هذه التفاصيل الفيزيائية بمثل هذا الإتقان، ارتدّت الجزيرة عدة مرات فوق السطح، ومع كل ارتطام جديد، كان يصدر عن الكوخ أنين خشبي موجع، يشبه صوت عظام تتهشم.

تمتمتُ في داخلي متوسلاً *تماسكي…* لكن الصخرة بدت وكأنها تسخر من رجائي؛ إذ انشطرت فجأة إلى نصفين متباعدين، قذفتها المياه بعنف مرة أخرى، ولم يتحمل الجزء المتبقي -الذي انتصب الآن بشكل شبه عمودي- ذلك الضغط الهائل، فانفجر إلى أشلاء.

أطلقت أسونا صرخة مذعورة وهي تشدّ على يدي المرتجفة. انفصل الطرف الذي يحمل كوخنا عن الجزء الخلفي المدبب، وطار في الهواء أمام أعيننا كدمية مكسورة. كان النهر ينعطف في تلك البقعة بحدّة شديدة، فأدركنا فوراً أن مساحة الماء المتاحة لامتصاص الصدمة كانت أضيق مما ينبغي، ومن خلفها مباشرة كانت تمتد غابة كثيفة وموحشة. 

في ومضة خاطفة، هوت الكتلة الصخرية في قلب الغابة، فتطايرت الأشجار العملاقة في الهواء كأعواد الثقاب، تلتها سحابة كثيفة من الغبار والتراب اندفعت نحو السماء، لتحجب عنا الرؤية تماماً. 

أخيراً، تلاشى الضجيج مخلفاً وراءه دوياً عميقاً هزّ الأرجاء، ثم خيم صمت غريب وثقيل يبعث القشعريرة في الأوصال.

وجدتُ نفسي ممزقاً بين رغبة ملحة في معرفة مصير الكوخ، وخوف يجمد الدم في العروق من رؤية أحلامنا وقد تحطمت بالكامل. لم تنطق أسونا ولا أليس بكلمة واحدة، وبقينا معلقين هناك في الفراغ، نحدّق في سحابة الغبار المتصاعدة بقلوب واجفة.

فجأة قفز إلى ذهني مصير بقية قلعة آينكراد التي كانت تهوي معنا هي الأخرى. هممت بالالتفات لأتفقد حال القلعة العائمة، لكن حدثين متعاقبين قطعا حبل أفكاري. أولهما أن الرسائل التحذيرية الحمراء، ذات الأشكال السداسية، التي كانت تغطي السماء أخذت تتلاشى وتنحسر نحو الأفق بالسرعة المباغتة نفسها التي ظهرت بها، تاركة ورائها سماء زرقاء صافية.

 ثم اختفت القوة التي كانت تدعمني بالهواء

“ماذا؟!” صرخت مذهولًا.

حاولت رفرفة جناحيّ بكل ما أوتيت من قوة، لكنهما لم يستجيبا. عجزت عن رفع جسدي ولو مليمترًا واحدًا. وتعالت صرخات الفتاتين من حولي، فيما أخذنا نهوي جميعًا بسرعة جنونية نحو سطح النهر، الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى ثلاثمئة قدم تقريبًا.

ظننت في بادئ الأمر أن خللًا تقنيًا قد أصاب نظام الطيران لدي. رفعت يدي اليسرى محاولًا استدعاء قائمة المساعدة، لكن أصابعي لم تقبض إلا على الفراغ. لم يكن بوسعي كبح سقوطنا، ومن هذا الارتفاع كان الارتطام بالماء – حتى مع تفعيل خاصية تخفيف الضرر – كفيلًا بإلحاق أضرار جسيمة بنا، بل وربما قاتلة.

عندها داهمني هاجس مرعب؛ فنقطة الإحياء الخاصة بي وبالفتاتين مسجلة داخل ذلك الكوخ الخشبي! ماذا لو دُمّر الكوخ أو اختفى تمامًا؟ أين سنُبعث حينها؟ أفي المدينة المجاورة، أم عند نقطة الإحياء القديمة في مدينة يغدراسيل؟ والأدهى من ذلك أن الكوخ يضم جميع مقتنياتنا الثمينة، بما فيها ذكرياتنا التي لا تُقدر بثمن. فإن تحطم، فما مصير كل تلك الأغراض؟ وهل سنتمكن من استعادتها إن أُعيد إحياؤنا في مكان بعيد؟ كان علي – بأي ثمن – أن أحمي حياتنا وأحافظ على ملاذنا ذاك.

“تكوّرا على نفسيكما، أنتما الاثنتان!” ففي عالم ألفهايم، تمامًا كما كان الحال في سور آرت أونلاين، يتوقف مقدار الضرر الناجم عن السقوط على وضعية الجسد لحظة الارتطام. فلو كانت أرض صلبة تنتظرنا في الأسفل، لكان الهبوط على القدمين الخيار الأمثل، أما في مواجهة مياه مجهولة العمق، فتظل وضعية التكور الدفاعية الأكثر أمانًا. ضممت ساقي بقوة إلى صدري، ورفعت ذراعي لحماية رأسي، ثم حبست أنفاسي تأهبًا للاصطدام.

وقع الارتطام المروع، وشعرت بنصف نقاط صحتي تتبخر في جزء من الثانية، مر في ذهني تساؤل عابر حول طبيعة هذا الضرر، لكنني لم أملك ترف التوقف عنده؛ إذ طغت غريزة البقاء على كل ما عداها. تصاعدت الفقاعات من فمي، بينما أحاطت بي المياه الزرقاء الباردة من كل جانب، وأخذت أغوص في الأعماق بسرعة مخيفة. حاولت تحريك أطرافي لمقاومة الغوص، لكن محاولاتي ذهبت أدراج الرياح، وظلت المياه تسحبني إلى الأسفل بوحشية لا ترحم.

وأخيرًا شققت طريقي إلى السطح، واندفعت منه وأنا ألهث بشدة.

“بواه!”

ما إن برز رأسي فوق سطح النهر حتى تدفق الهواء البارد إلى رئتي المتألمتين. وبعد لحظات وجيزة، ظهرت أسونا وأليس على السطح أيضًا، وقد بدا جليًّا من ملامحهما أنهما تكبدتا القدر نفسه من الضرر الجسيم.

غير أن البقاء في الماء بهذه الحال، ونحن لا نملك سوى نصف نقاط صحتنا، كان مجازفة خطيرة. لم أكن خبيرًا بجغرافية أراضي الأندين، لكن الأنهار الكبرى من هذا النوع غالبًا ما تعج بالتماسيح العملاقة والسلاحف المفترسة والثعابين المائية، فضلًا عن شتى الوحوش الفتاكة. كان علينا بلوغ الضفة بأقصى سرعة ممكنة، قبل أن تستشعر تلك المخلوقات ضعفنا وتطبق بفكوكها على أطرافنا.

تمتمت أليس بصوت خافت، وهي تلتفت إلى ظهرها بذهول: “لم نعد قادرين على الطيران…”

فقد اختفى جناحاها تمامًا دون أن يتركا أي أثر. والعجيب أن أذنيها القططيتين ظلتا في مكانهما، في حين اختفت أذنا أسونا الطويلتان المدببتان، اللتان تميزان عرق الجنيات، وحلّ محلهما زوج من الأذنين البشريتين المألوفتين. ولعل أذني أنا أيضًا قد شهدتا التغيير ذاته دون أن أنتبه.

شعرت بقبضة القلق تشتد حول صدري، لكن الموقف لم يكن يحتمل الاستسلام للهواجس؛ فسلامتنا كانت الأولوية القصوى في تلك اللحظة.

قلت محاولًا ضبط نبرة صوتي وإخفاء ارتجافي الداخلي: “ليس أمامنا سوى السباحة.”

أومأت أسونا وأليس بصمت مطبق، مدركتان أن هذا هو خيارنا الوحيد المتبقي في هذا العالم الذي انقلب رأسًا على عقب.

ولحسن حظنا، لم يظهر أي وحش من أعماق النهر، وتمكنا بشق الأنفس من السباحة نحو الضفة اليمنى، باتجاه الموقع الذي هوى فيه كوخنا الخشبي. بلغنا اليابسة أخيرًا، وقد ابتلت ملابسنا تمامًا، فتوقفنا لالتقاط أنفاسنا اللاهثة. كان تنفس أسونا مرهقًا ومتقطعًا على نحو يتجاوز مجرد الإجهاد المعتاد، فمددت يدي لأسندها، محاولًا أن أرفع عنها بعض العبء.

بدت الغابة أمامنا أشبه بساحة معركة مروعة؛ إذ تناثرت أشجارها العملاقة صريعة في كل اتجاه، وكأن إعصارًا هائلًا اقتلعها من جذورها. كانت سحب الغبار قد انقشعت تمامًا، لكن الجزيرة الصخرية التي تحمل كوخنا لم يكن لها أثر في مجال رؤيتنا؛ فإما أن التضاريس الوعرة قد حجبتها عن أعيننا، وإما أنها تحطمت وتلاشت بالكامل من شدة الارتطام.

همست أسونا وهي تتحامل على نفسها للنهوض، وعيناها تجولان في المكان بحثًا عن أي أثر لمأوانا: “أنا بخير… علينا أن نعرف ما الذي حلّ ببيتنا.”

اقتربت أليس منا وهي تحاول نفض الماء عن ثيابها المبتلة، وقالت بنبرة حاولت أن تبث فيها الثقة: “أنا واثقة من أنه بخير.” ثم رفعت يدها إلى أذنها المثلثة ومسحتها بظهر كفها، وأردفت ببطء واستغراب: “إنها لا تجف…”

وبالفعل، كانت قطرات الماء لا تزال تتساقط من خصلات شعري وأطراف معطفي الأسود. فوفقًا لبرمجة النسخة المعتادة من عالم ألفهايم، كان من المفترض أن تتلاشى آثار البلل فورًا، وأن يجف الشعر والملابس بمجرد الخروج من الماء، حفاظًا على سلاسة التجربة البصرية للاعبين.

أدركت حينها أن هذا السقوط الكارثي والتعطّل المفاجئ لقدراتنا لم يكونا مجرد حادث عارض أو خلل برمجي بسيط، بل كانا دليلًا على أمر أكبر، أكثر تعقيدًا وأشد قتامة. اجتاحتني موجة جديدة من القلق، فرفعت يدي تلقائيًا لاستدعاء نافذة القائمة الرئيسية وتفقّد تجهيزاتي، لكنني لم أجد أمامي سوى فراغ مخيف.

“مهلًا… يستحيل أن يكون هذا حقيقيًا…”

صُدمت، وعيناي معلقتان بيدي الفارغة. حركت إصبعي السبابة والوسطى في الهواء بحركتي المعتادة، لكن لم يصدر أي صوت ولم ينبثق أي ضوء. كررت المحاولة بيدي اليمنى، دون جدوى. تسائلت في أعماقي برعب: أيعقل أننا على وشك مواجهة كابوس ذلك اليوم المشؤوم من جديد؟ وسرت قشعريرة باردة على امتداد عمودي الفقري، كادت تجمّد الدم في عروقي.

وفي تلك اللحظة، تناهى إلى سمعي رنين خافت وغريب، وانبثقت نافذة صغيرة للغاية أسفل يدي اليمنى المرفوعة. ألقيت عليها نظرة خاطفة، وقرأت العبارة المكتوبة فيها بخط دقيق: نصيحة لفتح نافذة القائمة: ارسم دائرة في الهواء بإصبعي السبابة والوسطى ليدك اليمنى باتجاه عقارب الساعة.

“دائرة؟…”

تمتمت بحيرة واستغراب، كان الأمر غريبًا وغير مألوف، لكنني قررت اتباع التعليمات حرفيًا، فرسمت في الهواء بحركة مترددة دائرة صغيرة لا يتجاوز قطرها أربع بوصات.

وفجأة انبثقت نافذة قائمة جديدة مصحوبة بنغمة رقمية تختلف تمامًا عما ألفته آذاننا، وكانت تتوهج بلون أرجواني هادئ. غمرتني موجة ارتياح عابرة، لكنها لم تلبث أن تبددت بمجرد أن وقعت عيناي على محتواها، حتى إننا شهقنا جميعًا، أنا وأسونا وأليس، في اللحظة نفسها.

كانت واجهة العرض مختلفة جذريًا عن التصميم المألوف في سورد آرت أونلاين وألفهايم؛ إذ ظهرت في هيئة دائرة مركزية تحيط بها أيقونات بسيطة ومنظمة، فيما يُعرف بنظام “القائمة الدائرية”. لم يكن هذا التصميم نادرًا في الألعاب الأخرى، لكنني لم أسمع قط أن إدارة ألفهايم قررت تغيير واجهتها الأساسية على هذا النحو الجذري والمباغت.

بدافع الدهشة، أخذتُ أحرك أصابعي حول النافذة. كانت كل أيقونة تزداد حجمًا لتظهر عليها تسميات بالأبجدية الإنجليزية. بدءًا من الأعلى وباتجاه عقارب الساعة، كانت الأيقونات تمثل: الحالة، المهارات، المعدات، التخزين، المهام، الخريطة، الاتصال، والنظام. كانت مجموعة مألوفة في ألعاب تقمص الأدوار الجماعية (MMORPG)، لكن حتى هذه الألفة المعتادة كانت تبعث في نفسي شعورًا بالغرابة والبرودة في تلك اللحظة.

شرد ذهني للحظة، ثم لمستُ أيقونة النظام في الزاوية العلوية اليسرى بإصبع متصلب. دارت الأيقونات الدائرية وتكاثرت، كاشفةً عن العديد من القوائم الفرعية: إعدادات الرسومات، والصوت، وواجهة المستخدم… وأيقونة على شكل باب لتسجيل الخروج.

“أوه…” همسنا أنا وأسونا في آنٍ واحد، ثم تنفسنا الصعداء معًا. أما أليس، فقد بدت عليها الحيرة في البداية، لكنها سرعان ما أدركت سبب ارتياحنا.

“آه، كنتما تفكران في سورد آرت أونلاين.”

“نعم…” أجابت أسونا بابتسامة مريرة، وأضافت: “لقد صُمم جهاز الأموسفير بأعلى معايير الأمان، لذا يستحيل أن يتكرر ما حدث في الماضي… ولكن، كلما وقع أمر غير متوقع في عالم افتراضي، لا يسعني إلا أن أشعر بالتوتر.”

“يبدو هذا رد فعل طبيعيًا”، قالت الفارسة بتعبير دافئ نادر، وإن كان وصفه بالنادر قد يبدو فظًا بعض الشيء. ثم هزت رأسها وعادت إلى نبرتها الجادة المعتادة: “لكنني عاجزة عن فهم هذا الرجل المدعو كايابا؛ يموت أكثر من مئة ألف إنسان يوميًا في العالم الحقيقي، فلماذا يحبس الشباب في هذا العالم الافتراضي الذي يُفترض أن يكون آمنًا، ويجبرهم على المخاطرة بحياتهم والقتال ضد الوحوش والبشر الآخرين؟ ما الذي سيجنيه من وراء ذلك؟”

لم نتمكن لا أنا ولا أسونا من الإجابة عن هذا السؤال المباشر للغاية، ماذا كان يريد أكيهيكو كايابا؟ لطالما شغل هذا السؤال تفكيرنا لما يقارب أربع سنوات، دون أن نقترب قيد أنملة من فهم دوافعه.

“… إن أردتِ المعرفة حقًا، أعتقد أن عليكِ سؤاله مباشرة. رغم أنني أشك في أنه سيعطيكِ إجابة صريحة”، قلتُ ذلك وأنا أغلق أيقونة النظام.

من منظور الأمان البحت، كان يتوجب علينا المغادرة أولًا، لكنني أردت قبل ذلك التحقق من حالة الكوخ الخشبي. بل في الواقع، كان هناك أمر آخر أكثر إلحاحًا يجب التثبت منه أولًا؛ ماذا حلّ ببقية آينكراد التي كان من المفترض أن ترتطم بالأرض بعد سقوط الكوخ بقليل؟ لم أستطع تخيل أن صرحًا بهذا الحجم الهائل قد يتحطم دون أن يترك أثرًا. وربما تعرض اللاعبون العالقون بداخله لأضرار ناجمة عن السقوط بعد هبوطهم من تلك الارتفاعات الشاهقة.

أردت إرسال رسالة إلى ليزبيث، التي توجهت إلى الطابق الخامس والأربعين لرفع مستوى مهاراتها برفقة سيليكا، فمددت يدي نحو أيقونة الاتصال، لكنني توقفت. كانت هناك طريقة أسرع للقيام بذلك بدلًا من النقر على لوحة المفاتيح الهولوغرافية.

“يوي، هل أنتِ هناك؟” ناديتُ في الهواء، ثم انتظرت. وشخصت أبصار كل من أسونا وأليس في الفضاء الفارغ أيضًا.

كانت يوي، وهي ذكاء اصطناعي وُلد في لعبة SAO، مسجلةً في نظام ALO كجنية التوجيه الشخصية الخاصة بي. وعلى عكس الجنيات الأخريات، كان بمقدورها التحرك بمفردها في أماكن أخرى، ولكن بمجرد أن أناديها، تستطيع الظهور فورًا في محيطي بغض النظر عن موقعها على خريطة العالم.

هذا تحت الظروف الطبيعية، بطبيعة الحال.

“…….”

انتظرتُ طويلًا، لكن شيئًا لم يحدث. في كل مرة كنت أفعل فيها ذلك سابقًا، كانت تظهر على الفور في الهواء بالقرب مني.

“كيريتو، ماذا حدث ليوي؟” تمتمت أسونا بقلق.

حاولت أن أسيطر على ذعري المتصاعد، وقلت: “لقد كانت مع مجموعة ليز في الطابق الخامس والأربعين، أنا متأكد من ذلك…”

“إذن، لا بد أنها متصلة بـ ALO”، قالت أسونا. ترددتُ قليلًا، وكنت على وشك الموافقة على كلامها، حين تقدمت أليس ورفعت بصرها نحو السماء التي استعادت زرقتها من جديد.

“ربما السؤال هو… هل ما زلنا في (ألفهايم) أصلًا؟”

“هاه؟ ماذا تعنين؟” تلعثمتُ قائلًا.

حوّلت أليس عينيها الزرقاوين نحو الغابة الممتدة خلفنا وقالت: “رغم أنك قد لا تكون أدركت ذلك يا كيريتو، إلا أن تنوع النباتات في ألفهايم كان محدودًا للغاية مقارنة بالعالم السفلي، وكذلك مقارنةً بالعالم الحقيقي. لم يكن هناك سوى نحو ثلاثين نوعًا من الأشجار فقط، ما بين نفضية ومخروطية… اما هذه الغابة فتضم أنواعًا كثيرة من الأشجار لم أرها قط في ألفهايم.”

“نعم… الآن بعد أن ذكرتِ ذلك…” همست أسونا. شاركتها التحديق في خضرة الغابة؛ بدت التفاصيل المتعلقة بالتضاريس دقيقة للغاية، لكنني عجزت عن تمييز أنواع الأشجار. أما أسونا، التي كانت مهتمة بالأشجار النادرة والأثاث الخشبي، فبدا أنها توافقها هذا التقييم.

ثم التفتت إليّ وقالت: “أليس على حق، توجد هنا أنواع كثيرة من الأشجار لم تكن موجودة في الفهايم علاوة على ذلك… شعرتُ بشيء آخر غريب.”

“غريب؟ كيف؟”

“توجد العديد من البحيرات في منطقة (الأوندين) في ألفهايم، لكنها تتصل عادةً من خلال خزانات جوفية. ولا توجد أنهار كبيرة هناك كهذا النهر.”

الآن بعد أن أشارت إلى ذلك، بدا لي أنها على صواب. لكنني كنت أعلم أنني قبل نصف ساعة فقط، قد دخلتُ إلى ALO من جهازي، ولم تكن هناك خرائط تضاريس في اللعبة سوى ألفهايم، ربما أُضيفت عوالم أخرى من الأساطير الإسكندنافية كحدث مفاجئ، مثل أسغارد عالم الإيسير، أو فاناهايم موطن الفانير، إلا أن هذا المشهد بدا أعنف وأكثر فوضوية من أن يكون شيئًا كهذا.

“لكننا بالتأكيد ما زلنا في ALO، وهذا يعني أنه يجب على يوي أن ترد على استدعائنا”، قلتُ ذلك وكأنني أحاول إقناع نفسي. مددت يدي مجددًا نحو القائمة الحلقية، وفتحت أيقونة الحالة في أعلى الدائرة. تدحرجت الأيقونة الدائرية وتوسعت، ثم انقسمت إلى أربعة أجزاء، مفسحةً المجال لظهور نافذة مستطيلة.

“انظرا، ها هي كل بيانات شخصيتي، كما توقعتُ تمامًا…” لكن كلماتي تلاشت في الهواء، وكأنها تبخرت.

في أعلى النافذة، ظهر اسمي في اللعبة: (كيريتو). غير أن هذا كان الجزء الوحيد الذي تعرفتُ عليه من بيانات شخصيتي.

إلى يمين اسمي، برز نص لامع يقول: “المستوى 1”. وأسفله، اصطفت أربعة أشرطة ملونة؛ كانت مخصصة بالترتيب لـ: الصحة (HP)، والمانا (MP)، والطاقة (TP)، والطاقة الخاصة (SP). فوق شريط الصحة كُتب الرقم (98/200)، بينما كانت الأشرطة الأخرى (MP وTP وSP) تتوهج باللون الأبيض وتشير إلى (100/100).

كانت دلالتا الصحة والمانا واضحتين، لكن ماذا عن الطاقة والطاقة الخاصة؟ والأدهى من ذلك كله… “المستوى 1…”.

سمعتُ أسونا وأليس تتنهدان وتنظران إليّ، ثم لوّحت كل منهما بيدها في حركة دائرية في الهواء لفتح قائمة النظام. وبمجرد أن طالعتا نافذة البيانات الخاصة بهما، هتفتا في آنٍ واحد:

“مكتوب أنني في المستوى 1 أيضًا!”

“وأنا كذلك!”

“ما الذي يحدث هنا؟!”

“ما معنى هذا؟!”

التفتتا نحوي، لكنني لم أملك سوى أن أهز رأسي يمينًا ويسارًا وأنا أرتجف.

“أنا… لا أدري لمَ تسألانني… فأنا مذهول تمامًا مثلكما… لكن الأمر الغريب حقًا هو أن لعبة (ALO) لا يُفترض أن تتضمن نظام المستويات أصلًا…”

وقفزت إلى ذهني بغتةً صورة ذلك التاجر الأصلع وهو يبتسم لي ويرفع يده بتلك الإشارة الشهيرة. شعرتُ بالانزعاج، فطردتُ تلك الصورة من مخيلتي كي أتمكن من التفكير بهدوء.

إذا لم يقتصر التغيير على واجهة المستخدم فحسب، بل طال نظام المستويات والمهارات الذي يُعد حجر الأساس لتقدم اللاعبين، فهذا يعني أن ما نمر به الآن ليس مجرد تحديث عابر. كان جليًا أن هذا العالم لم يعد (ألفهايم أونلاين) الذي كنتُ أعرفه.

أشحتُ بنظري عن بيانات الشخصية التي تُظهر أنني في المستوى الأول، ووجهتُ بصري نحو الأشرطة العلوية في زاوية مجال رؤيتي. كان شريط الصحة بالكاد قد تحرك من نقطة المنتصف التي تراجع إليها بعد سقوطي في النهر. وأسفل منه استقر شريط المانا الأخضر، وتحتهما ظهرت أسطوانتان جديدتان؛ إحداهما زرقاء، وهي على الأرجح مخصصة للطاقة (TP)، والأخرى صفراء، وهي مخصصة للطاقة الخاصة (SP).

لعل السبب الذي جعل شعورًا غريبًا ينتابني حين لمحتُ شريط الصحة أثناء سقوطي، هو إدراكي اللاواعي لوجود عناصر إضافية وغير مألوفة في شاشة العرض.

“أعتقد أن اللحظة التي اختفت فيها أجنحتنا وهَوينا… هي اللحظة ذاتها التي تغير فيها النظام…” تمتمتُ بذلك.

تحسست أسونا أذنيها القصيرتين وقالت: “لا يمكن أن يكون هذا تحديثًا عاديًا طالما أنهم أعادوا ضبط بيانات شخصياتنا بالكامل، كما أن الواجهة تبدو أكثر سلاسة وإتقانًا من أن تكون نتاج خطأ برمجي أو خلل عابر…”

“هذا صحيح”، قلتُ وأنا أحرك إصبعي حول القائمة. فقد كانت طريقة تمدد الأيقونات وتقلصها في غاية السلاسة، ومن الواضح أن جهدًا كبيرًا قد بُذل في برمجتها.

لم أرَ أيقونة تُنبه بوجود رسائل واردة، لكنني ظننتُ أنني قد أجد إشعارًا من فريق التطوير يومير، لذا نقرتُ على أيقونة “الاتصال”. انبثقت أمامي أيقونات فرعية لـ “الفرقة”، و”الأصدقاء”، و”الرسائل”. فاخترتُ الخيار الثالث.

لم تكن هناك أي رسالة جديدة في النافذة التي ظهرت؛ بل في الواقع، كان صندوق الوارد فارغًا تمامًا. والأدهى من ذلك، أن قائمة أصدقائي كانت خالية هي الأخرى. والآن، لم أعد قادرًا حتى على إرسال رسائل إلى مجموعة ليز وسيليكا.

“إذن، لقد مُسحت بياناتنا بالكامل، ومعها قائمة أصدقائنا أيضًا…” قلتُ ذلك وأنا أتنهد بعمق.

هزت أليس رأسها، فتمايل شعرها الأشقر مع حركتها، وقالت: “لكننا لم نفقد كل شيء، أليس كذلك؟ ما زلنا نملك هذه.”

رفعت يدها اليسرى ونقرت على القفاز الذهبي الذي كان لا يزال يكسو يدها. وفي الحقيقة، كنتُ أنا وأسونا لا نزال نرتدي دروعنا أيضًا. كانت معداتنا إما مصنوعة خصيصًا لنا على يد ليزبيث باستخدام مواد عالية الجودة، وإما غنائم حصلنا عليها من خلال اجتياز دهاليز صعبة في آينكراد. لذا، إن كان هناك ما سيبقى معنا، فهو معداتنا على الأقل، وقد بدأ الماء الذي تشربته يجف أخيرًا.

وطالما أن دروعنا لا تزال هنا، فلعلي أجد الأسلحة التي لم نكن نرتديها موجودة أيضًا… هكذا فكرتُ، وقررتُ التحقق من قائمة التخزين.

شمل التجديد تصميم قائمة العناصر أيضًا؛ إذ كانت الأيقونات المربعة تعرض كل عنصر بشكل مرئي ومنظم، مما سهّل التعرف عليه دون الحاجة إلى إخراجه. كان العرض الجديد أكثر راحة، لكن المشكلة تمثلت في أن شبكة التخزين الضخمة الخاصة بي لم تكن تحتوي إلا على أيقونتين صغيرتين فقط.

كان السيفان المتبقيان من النوع الذي يُحمل بيد واحدة؛ الأول هو بلاركفيلد، وهو تحفة صنعتها لي ليزبيث في ورشتها، والآخر هو السيف المقدس إكسكاليبر الذي ظفرتُ به في جوتنهايم، أما بقية العناصر التي كانت تعج بها قائمتي، فقد اختفت دون أن تترك أثرًا.

“لم يتبقَّ لدي سوى سيفيّ…” تمتمتُ وأنا أتنهد.

وفي تلك الأثناء، رفعت أسونا وأليس أنظارهما عن شاشاتيهما وقالتا معًا: “وأنا أيضًا، ليس لدي سوى سيفي ورمحي.”

“الأمر ذاته بالنسبة لي، لم يتبقَّ سوى سيفي ودرعي.”

“همم… أنا متأكد من أنني كنتُ أملك أسلحة أخرى هناك أيضًا. فلماذا لم يبقَ سوى المفضلة لدي…؟” تسائلت

هزت أليس كتفيها وأجابت: “ربما لأنها المفضلة لديك تحديدًا؟ لعل النظام احتفظ بالعناصر التي استخدمتها لأطول فترة، في حين اختفت البقية…”

“فهمت. في هذه الحالة… لا بد أن هذه الظاهرة من صنع إنسان؛ إذ يستحيل لأي خلل برمجي أو حادث عشوائي أن ينتقي معداتك المفضلة ويتركها لك دون غيرها.”

ولكي أُخرج سيفي من القائمة، لمستُ أيقونة سيفي المعتاد بلاركفيلد، واخترتُ أمر “تجهيز” من القائمة الفرعية. اختفت أيقونة السيف، وشعرتُ بوزنٍ مألوف يستقر على ظهري…

“آوووه…؟!”

لكن في حقيقة الأمر، كان الثقل أكبر بكثير من مجرد شعور مريح؛ بدا الأمر وكأن قضيبًا حديديًا ضخمًا قد رُبط إلى ظهري. ارتجفت ركبتاي، ولتفادي السقوط بشكل غير لائق على مؤخرتي، مددتُ ذراعيّ وأمسكتُ بأول ما طالته أصابعي.

“إيييك!”

“ماذا تفعل؟!”

على إثر صراخنا جميعًا، رفعتُ رأسي لألاحظ أن يدي اليمنى كانت متشبثة بحزام سيف أسونا، بينما أمسكت يدي اليسرى بحزام سيف أليس. كان تصرفي هذا أبعد ما يكون عن اللباقة، لكنني لو أفلتُّهما لكنتُ سأسقط حتمًا على حصى ضفة النهر.

“أ-أنا آسف، تمسّكا قليلًا فقط!” رجوتهما بينما واصلت كلتاهما الصراخ.

وأخيرًا، تمكنتُ بصعوبة من رفع نفسي بما يكفي لتلامس ركبتاي الأرض بدلًا من مؤخرتي. تركتُ حزامي السيفين، ووضعتُ يديّ على الأرض لأتمكن من دعم الجزء العلوي من جسدي.

لقد نجوتُ من السقوط بأعجوبة، غير أن وطأة السيف ظلت ثقيلة للغاية، حتى إنني عجزتُ عن النهوض. وبجانب شريط الصحة الخاص بي، ظهرت أيقونة على شكل ثِقَل معدني تومض باللون الأحمر. لم يسبق لي أن رأيتها من قبل، لكن معناها كان واضحًا: لقد تجاوزتُ الحد الأقصى للحمولة. ولكن… لماذا؟

جاءت الإجابة عن سؤالي من أسونا، وقد بدا وجهها محمرًا وهي تشدّ حزامها: “آه، الآن فهمت… بما أن جميع إحصائياتنا قد أُعيد تعيينها، فإن وزن المعدات التي يمكننا التجهز بها قد انخفض. هذا هو السيف الأخير الذي صنعته لك ليز، أليس كذلك؟ من الطبيعي أن يصعب عليك رفعه بإحصائياتك الأساسية.”

 

Vol_21_-_066

 

“آه، أتمزحون معي…؟ أيتركونه لي، ثم لا أستطيع حتى استخدامه…؟” تمتمتُ وأنا أتفحص شاشة الحالة التي كانت لا تزال مفتوحة أمامي. ظهر هناك مقياسان مرتبطان بالحمولة؛ كُتب على العلوي منهما “وزن التجهيز”، بينما كُتب على السفلي “وزن الحمل”. كان الأمر واضحًا إلى حد ما؛ فمقياس وزن الحمل، الذي يُفترض أنه يعكس سعة المخزون بشكل عام، كان ممتلئًا حتى ثلثه فقط، في حين كان مقياس وزن التجهيز يتوهج باللون الأحمر وممتلئًا تمامًا حتى حافته اليمنى. وبعبارة أخرى، فإن امتلاء ما يقارب ثلث مقياس وزن الحمل بسبب وجود سلاح واحد فقط في المخزون -حتى وإن كان إكسكاليبر الأسطوري- كان أمرًا مقلقًا للغاية.

“يا إلهي… إذا لم تكن لدينا أسلحة قابلة للاستخدام، فلن نقوى على مواجهة أي وحوش قد تهاجمنا الآن”، قلتُ ذلك وأنا أحدق في شاشتي.

أومأت أسونا برأسها وقد اكتست ملامحها بالقتامة، وقالت: “هذا صحيح. وأعتقد أن مهاراتنا السحرية قد أُعيد تعيينها… أيضًا…” توقفت فجأة عن الكلام، فرفعتُ بصري عن شاشة الحالة ونظرتُ إليها. كان وجهها خاليًا من أي تعبير، وكأن روحها قد فارقت جسدها. ثم في لحظة، استفاقت وبدأت تدير القائمة الحلقية بسرعة مذهلة. واستنادًا إلى حركة أصابعها، خمنتُ أنها تفتح قائمة المهارات وتتفحصها.

“ماذا حدث يا أسونا؟” سألتها وأنا لا أزال جاثيًا على ركبتيّ.

لم تجب أسونا على الفور، بل لمست جزءًا من النافذة بإصبعها المرتجف، وبعد بضع ثوانٍ، زفرت بارتياح عميق.

“ماذا حدث؟” كررتُ سؤالي من موضعي.

نظرت إليّ أسونا بابتسامة واهنة وقالت: “كنتُ أخشى أن نكون قد فقدنا مهاراتنا في استخدام السيف… وكل المهارات التي تعلمناها. ولكن… رغم اختفاء مهارات السحر ومزج الجرعات، لا تزال مهارة سيف الشيش (الرابير) الخاصة بي موجودة، ومهارات السيف لدي ما زالت كما هي.”

حينها فهمتُ أخيرًا؛ فقد كان هناك شيء آخر تعتز به أسونا ولا يقل قيمة عن ذلك الكوخ الخشبي. إنها مهارة السيف الأصيلة (الأم روزاريو) التي ورثتها عن يوكي، المحاربة الأقوى التي رحلت عنا وخلدت إلى النوم الأبدي قبل نصف عام فقط. ولحسن الحظ، كانت تلك المهارة وجميع التقنيات الأخرى التي تعلمتها لا تزال محفوظة.

قالت أليس: “هممم… أنا أيضًا ما زلتُ أحتفظ بمهارة السيف ذي اليد الواحدة. يبدو أنه، تمامًا كما حدث مع الأسلحة، قد تم الإبقاء على المهارة ذات الكفاءة الأعلى فقط.” كان من المرجح أنها على صواب، وهذا يعني أن مهارتي في استخدام السيف بيد واحدة في أمان أيضًا.

التفتُّ إلى أسونا وسألتها: “أمم… إذن يا أسونا، هل يعني هذا أن كفاءة مهارة الرابير لديكِ كانت أعلى من مهارة سحر الماء…؟”

رمقتني بنظرة غاضبة وسألت: “وهل في ذلك مشكلة؟”

هززتُ رأسي بسرعة قائلًا: “لا، لا، إطلاقًا! كنتُ أفكر فقط في لقبكِ… المعالجة الهائجة…”

أشاحت أسونا بوجهها بانفعال وقالت: “الآن وقد فقدتُ مهارات السحر، سأتخلى عن هذا اللقب.” ثم نظرت إليّ مجددًا وأضافت: “وإلى متى ستظل على هذا الوضع يا كيريتو؟ لا جدوى من التمسك بسيف تعجز عن رفعه، أعده إلى مخزونك.”

“ح-حسنًا، حسنًا…” ولكن في محاولة أخيرة للمكابرة، حاولتُ أن أستقيم واقفًا على قدميّ وسيف بلاركفيلد على ظهري. غير أن النتيجة الوحيدة كانت ارتجاف ركبتيّ وعجزي التام عن النهوض. تأوهتُ وأنا أبذل جهدًا مضنيًا، فلم أقابل سوى بتنهدتين يائستين من أسونا وأليس.

إلا أن جهدي لم يذهب سدى.

فقد تناهى إلى سمعي صوت خفيف وكأن شيئًا ما يتحرك، ثم انبثقت نافذة صغيرة أمام عينيّ. رمشتُ بعينيّ مرارًا وأنا أقرأ الرسالة: «تم اكتساب مهارة الجسد. ارتفعت الكفاءة إلى 1».

إذن، يبدو أن هذا العالم يتبع النظام نفسه القائم على المهارات كما في (ALO)؛ فعندما تستوفي أفعال اللاعب شروط تفعيل الكفاءة، تُحتسب فرصة اكتساب مهارة جديدة أو رفع مستوى كفاءتها. لم يسبق لي أن رأيتُ هذه المهارة من قبل، لكنها كانت على الأرجح شبيهة بمهارة توسيع حد الحمولة في (SAO)؛ فكلما ارتفعت كفائتي، زادت قدرتي على حمل الأوزان الثقيلة.

وبعبارة أخرى، إذا واصلتُ تحمّل وطأة سيفي الثقيل، فستزداد كفاءة مهارة الجسد تدريجيًا إلى أن تختفي أيقونة الحمولة الزائدة الحمراء، لكنني لم أكن أدري كم سيستغرق ذلك من الوقت، أبالساعات يُقاس أم بالأيام. لذا، كان من الأجدر بي أتباع أمر أسونا، فعدتُ إلى شاشة معداتي، وسحبتُ أيقونة بلاركفيلد من الخانة المخصصة لليد اليمنى وأفلتُّها في مساحة المخزون.

زال الثقل عن ظهري في الحال، فوثبتُ واقفًا على قدمي، مططتُ جسدي وحركتُ عضلاتي المتيبسة -وإن كان ذلك مجرد إيحاء ذهني بطبيعة الحال- ثم تطلعتُ نحو الاتجاه الذي سقط فيه الكوخ. حذت الفتاتان حذوي ونظرتا بصمت عبر النهر. “لنذهب”، تمتمتُ، فأومأت كلتاهما برأسيهما. كنتُ مترددًا في التوغل داخل الغابة عُزّلًا من السلاح، لكن لم يكن بوسعنا المكوث هنا على ضفة النهر والانتظار إلى ما لا نهاية.

كانت ضفة النهر مفروشة بالحجارة الكبيرة والصغيرة. وفجأة، خطر ببالي أمر ما، ففتحتُ القائمة الدائرية، واخترتُ “الاتصال”، ثم “الفرقة”، وأخيرًا نقرتُ على أيقونة “دعوة” لأوجه دعوة الانضمام إلى كل من أسونا وأليس. وما إن قبلتا الدعوة حتى ظهرت أشرطة جديدة في الزاوية العلوية اليسرى من مجال رؤيتي. كانت هذه الوظيفة الأساسية مطابقة تمامًا لما هو موجود في (ALO) و(GGO) و(SAO)، مما قادني إلى استنتاج أننا، على أقل تقدير، في عالم افتراضي (VRMMO) يعتمد على محرك (البذرة – Seed).

تسائلت أسونا ونحن نسير: “لقد فهمتُ ماهية شريطي الصحة (HP) والمانا (MP)، ولكن ما عساها تكون أشرطة (TP) و(SP) هذه…؟” كانت الأشرطة ممتلئة عن آخرها ولم يطرأ عليها أي تغيير، لذا تعذر علينا تحديد وظيفتها في الوقت الراهن.

قالت أليس، التي كانت تشاطرني التفكير ذاته: “أعتقد أن الأمر سيتضح حين تبدأ في التناقص.” ابتسمت أسونا وأضافت: “أظنكِ على صواب.”

حدثتُ نفسي قائلًا *قد تنسجمان معًا أكثر مما تتصوران*، لكنني لم أجرؤ على البوح بذلك بصوت عالي 

واصلنا السير بحذر فوق الصخور المتناثرة، نتسلق بعضها ونتخطى بعضها الآخر. وبعد قرابة خمسين قدمًا، اعترض طريقنا حاجز من جذوع الأشجار يحيط بالمكان، ويعادل ارتفاعه طول قاماتنا. كان بمقدورنا التحليق فوقه بسهولة لو كنا نملك أجنحتنا، أما الآن، فلم يكن أمامنا خيار سوى تسلقه.

“هيا بنا…” ما إن بدأتُ بالتسلق حتى راودتني ذكريات طفولتي حين كنتُ ألعب مع أختي سوغوها في مضمار المغامرات بحديقة (إيسانما) في مسقط رأسي بمدينة (كاواغوي). وبينما كنتُ في منتصف طريقي نحو قمة الحاجز، هتفت أسونا: “آه… ماذا لو…؟”

دفعتْ الجذع الذي كانت تستند إليه قدمي اليمنى، وفجأة انبثقت نافذة تدور في الهواء مصحوبةً بمؤثر صوتي خفيف يشبه التذبذب.

“آها! كنتُ محقة! يُعدّ هذا الجذع من المواد الخام، وأعتقد أنه سينتقل إلى مخزوننا إذا اخترناه.”

صرختُ متلعثمًا: “ت-توقفي! ليس قبل أن أبتعد عن—”، لكن الجذع الضخم تحت قدمي توهج فجأة باللون الأزرق ثم تلاشى. “نوااااه!!”

شعرتُ بقدمي تهوي في الهواء، ومع فقداني لما أستند إليه، سقطتُ مباشرة على مؤخرتي، لتنهال بعدها عدة جذوع أخرى متدحرجةً نحوي بعد اختفاء الجذع الذي كان يثبتها.

“آه، آسفة!”

“أعتذر يا كيريتو.”

أمسكت أسونا وأليس بياقة قميصي من الخلف وسحبتاني بعيدًا عن مسارها. لو تأخرتا ثانيةً واحدة، لكانت الجذوع قد تدحرجت فوقي وسحقتني.

وعلى الرغم من أنني كدتُ ألقى حتفي، إلا أن أسونا اكتشفت طريقة يسيرة لإزالة العوائق التي تسد طريقنا، لذا اعتبرتُ ما جرى مجرد حادثة عابرة. شرعنا جميعًا في النقر على الجذوع وسحبها إلى مخزوننا، وفي غضون ثوانٍ معدودة، تلاشى الجدار الخشبي، لكن مؤشر “وزن الحمل” لدينا تجاوز نسبة الـ 90%. وهكذا، تعيّن علينا الاعتماد على بعض الحركات الرياضية لتجاوز العقبات من هنا فصاعدًا.

ولحسن الحظ، لم تواجهنا أي حواجز أخرى شاهقة تتطلب التسلق، فكان القفز والانحناء كافيين لمواصلة التقدم. وبعد دقائق معدودة، انفرجت الأشجار عن مساحة أكثر اتساعًا أمامنا.

“آه…” تنهدت أسونا. وفي الوهلة الأولى، لم أستطع الجزم ما إذا كانت تنهيدتها تلك نابعةً من الارتياح أم من هول الصدمة.

كان الكوخ الخشبي، الذي يختزن الكثير من ذكرياتنا، يقبع في وسط فسحة صغيرة داخل الغابة، وقد لحقت به أضرار جسيمة.

صحيح أنه نجا من الدمار الشامل، لكنه كان أبعد ما يكون عن السلامة؛ فقد امتص جداره الأيسر الصدمات المتتالية جراء السقوط حتى تهشم بالكامل، كما تعرض السقف والهيكل الأوسط للكوخ لتشوهات بالغة. وتهشمت جميع النوافذ الزجاجية، وبدت الشرفة والدرج الأمامي وكأن آلهة جوتنهايم قد دهستها وسحقتها.

ولكن، بالنظر إلى أن الكوخ قد هوى من ارتفاع آلاف الأقدام، فقد كان احتفاظه بهيئته كمنزل معجزةً بحد ذاته. ولعل الفضل في ذلك يعود إلى النهر الذي امتص الصدمة الأولى، فضلًا عن العديد من الأشجار التي ضُحّي بها لإبطاء سقوطه بعد ارتداده فوق سطح الماء.

انطلقت أسونا راكضةً نحوه، فتبعتُها أنا وأليس.

توقفتْ أسونا عند الشرفة المنهارة، وأخذت تتأمل الكوخ في صمت.

همّت أليس بقول شيء لتخفف عن أسونا حزنها، لكنها عدلت عن الفكرة، والتفتت إليّ بدلًا من ذلك قائلة: “كيريتو… هل من طريقة لإصلاح هذا المنزل؟”

“إصلاح؟… المشكلة أن المنازل المملوكة للاعبين يُفترض أن تكون غير قابلة للتدمير… فهي في الأصل لا تمتلك قيمة للمتانة”، قلتُ ذلك وأنا أقترب من أسونا. لمستُ السياج الملتوي في الشرفة، وحين انبثقت نافذة الفحص، ذُهلتُ مما رأيت.

في لعبة (ALO)، عند فحص خصائص منزل خاص بأحد اللاعبين، لم يكن يظهر سوى إشعار يفيد بملكيته للاعب. أما هذه النافذة الكبيرة، فقد تصدرتها عبارة «كوخ من خشب السرو» في الأعلى، تليها في السطر التالي أسماء المالكين -أسونا وأنا- ثم شريط ملون بدا وكأنه يمثل مستوى المتانة.

أظهرت الأرقام على الشريط (4,713 / 12,500)؛ ولا شك أن هذه هي نقاط صحة الكوخ (HP). ومقارنةً بنقاط صحتي التي كانت دون المئة، بدا الرقم المتبقي الذي يناهز خمسة آلاف ضخمًا، غير أن متانة الكوخ قد تراجعت إلى ما يقارب ثلث قيمتها القصوى. بل وحتى أثناء مراقبتي له، انخفض الرقم تدريجيًا ليصبح (4,712). بدا أن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية للكوخ قد تسببت في استنزاف مستمر وبطيء لمتانته؛ إذ كانت تتناقص بمعدل نقطة واحدة كل عشر ثوانٍ، مما يعني أن أمامنا 47,100 ثانية فقط قبل أن يصل الرقم إلى الصفر. وبقسمة ذلك على ستين، يتبقى لدينا 785 دقيقة، أي ما يزيد قليلًا عن ثلاث عشرة ساعة.

كانت الساعة في الزاوية اليمنى السفلية تشير إلى الـ 5:32 مساءً من يوم 27 سبتمبر. وإذا لم نحرك ساكنًا، فإن هذا الكوخ الخشبي سيفقد متانته بالكامل بحلول الساعة الـ 6:30 من صباح الغد، وسيتلاشى إلى الأبد.

توصلت أسونا إلى الاستنتاج ذاته وهي تحدق في نافذة الخصائص، فهمست قائلة: “بحلول صباح الغد…”. ولكن مرة أخرى، أسهمت ملاحظة أليس الهادئة في تبديد ذعرنا المتصاعد حين تساءلت: “أليس ذاك زر إصلاح في أسفل النافذة؟”

“آه!” نظرتُ إلى الأسفل فرأيتُ صفًا مكونًا من أربعة أزرار: (معلومات)، (معاملة)، (إصلاح)، و(تفكيك).

“أوه…” تمتمتُ وقد غمرني شعور بالارتياح، ثم لمستُ زر “إصلاح”، متجنبًا بحذر شديد لمس زر “تفكيك” المجاور له.

وللأسف، لم يتوهج المنزل المحطم بضوءٍ إعجازي ليعود إلى حالته الأصلية أمام أعيننا، بل استقبلتنا بدلًا من ذلك رسالتان قاسيتان… إذ انبثقت نافذة جديدة تحمل النص التالي: «مهارة النجارة للمبتدئين مطلوبة لإصلاح هذا الهيكل»

تنقصك المواد اللازمة لإصلاح هذا الهيكل. لإتمام الإصلاح، تحتاج إلى:

– جذع خشب منشور × 162

– لوح خشب منشور × 75

– صفيحة حديد × 216

– مسمار حديد × 463

– زيت الكتان × 30

– لوح زجاج × 24»

“مئة… واثنان وستون… جذعًا…” تمتمتُ بذهول.

وتسائلت أسونا بدهشة: “وما هي مهارة النجارة هذه؟ أيعني ذلك أنه بمقدورنا بناء منزلنا بأنفسنا؟” تبادلنا النظرات، ثم أومأتُ برأسي بحرج.

“أظن… نعم. ليس من الغريب وجود هذا النظام في الألعاب التي تتيح للاعبين امتلاك منازل، غير أن (ALO) و(SAO) لم تتضمنا هذه الميزة قط. وهذا يعني…”

قاطعتني أليس بحزم: “أن علينا اعتبار هذا العالم لعبةً مختلفةً تمامًا.” ثم صفقت بيديها وأردفت: “لكن هذا يمنحنا الآن فكرة واضحة عما يتوجب علينا فعله. فإذا جمعنا المواد المذكورة هنا، وتعلمنا مهارة النجارة، فسنتمكن من إعادة بناء هذا المنزل. أعتقد أنه لا جدوى من إضاعة الوقت.”

“أجل… أنتِ محقة”، أجابت أسونا سريعًا. ورغم أنها بدت أكثر تأثرًا مني بما جرى، إلا أنها سرعان ما استعادت حماسها للعمل. نظرت إلى النافذة مجددًا، لحفظ أسماء المواد المطلوبة وأعدادها على ما يبدو، ثم قالت بنشاط وهي تشير إلى أكوام الأشجار الصنوبرية المتساقطة والمتكدسة كالصخور: “فيما يخص الجذوع الـ 162، أعتقد أننا سنتمكن من جمعها بسرعة، فهناك الكثير منها هنا.” كانت محقة في إمكانية الاستفادة منها، لكنني شعرتُ بأن ثمة عقبات ينبغي التعامل معها أولًا.

لذا بإمكاننا التفكير في ذلك لاحقًا، فقلتُ لأسونا: “إذن، علينا الإسراع في جمع المواد؛ فلا أظن أن هذه الجذوع ستبقى بحالة جيدة لساعات طويلة دون أن تتلف.”

فقالت: “نقطة وجيهة.”

وقبل أن تنطلق راكضة، أمسكتُ بمعصمها ونبهتها قائلًا: “أولًا، دعينا نفرغ الجذوع التي جمعناها للتو، كي نخفف من حمولتنا منذ البداية.”

ودون أن تنبس ببنت شفة، فتحت أسونا نافذتها بسرعة وباشرت العمل. هوت ثلاثة جذوع خشبية ضخمة محدثةً دويًا مكتومًا في الباحة الأمامية للمنزل، والتي كانت تكسوها في السابق حشائش مشذبة بعناية، قبل أن تغزوها الآن الشجيرات والأعشاب البرية. كانت الجذوع قد شُذّبت من الأطراف الحادة المهشمة والأغصان الزائدة تلقائيًا، غير أن لحاءها ظل خشنًا تمامًا كما كان قبل جمعها.

أفرغتُ أنا وأليس ما بحوزتنا من أخشاب في المكان ذاته، ثم أخرجنا أسلحتنا وأسندناها إلى الكومة. لم أكن مرتاحًا لفكرة ترك سلاحي مكشوفًا في العراء، لكن لم يكن هناك ما يدعو للقلق، إذ استبعدتُ وجود لاعبين آخرين في الجوار قد يحاولون سرقته.

وبمجرد أن أفرغتُ مخزوني، اندفعتُ عائدًا إلى حيث تساقطت الأشجار. لمستُ كل جذع على حدة، مختارًا نقله إلى مخزوني. ولم يتطلب الأمر سوى خمسة أو ستة جذوع حتى بلغتُ الحد الأقصى للحمولة، فاضطررتُ للعودة مسرعًا إلى الكوخ لتفريغ حمولتي قبل أن أكرر الكرّة من جديد.

وبعد خمس جولات من النقل، غصّت الساحة الأمامية للكوخ بجذوع الأشجار. وطالما أننا نقوم بهذا العمل، قررتُ انتهاز الفرصة لإزالة بعض الجذوع المتناثرة حول المبنى لإفساح مزيد من المجال. في العالم الحقيقي، يستحيل إنجاز عمل كهذا دون الاستعانة بمعدات ثقيلة متخصصة، أما هنا، فلم يتعدَّ الأمر كونه تمرينًا افتراضيًا لا يورث أي شعور بالإجهاد. واصلنا العمل في صمت، أنا وأليس وأسونا، وبعد مرور عشرين دقيقة، كانت جميع الأخشاب المتساقطة قد رُصّت بعناية في أكوام ضخمة ومنظمة.

التقطت أسونا أنفاسها، ثم رفعت يدها وشرعت في العدّ: “لنرَ… تضم الكومة الواحدة خمسة عشر جذعًا، ولدينا عشر أكوام، أي ما مجموعه مئة وخمسون… أتمزحون معي؟! كل هذا العناء وما زلنا بحاجة إلى المزيد؟!”

تمتمت أليس غير مكترثة: “ينقصنا اثنا عشر جذعًا”، ثم جالت ببصرها في الغابة المحيطة بنا وأردفت: “لكن لا بأس، فالغابة تعج بالأشجار هنا، ويمكننا سدّ هذا النقص بسهولة عن طريق قطع المزيد.”

فكرتُ في نفسي *حتى ذلك لن يكون بالأمر الهين…* قبل أن يخطر ببالي أمر آخر أكثر إلحاحًا.

“قبل أن نقدم على ذلك… أسونا، ما الاسم الدقيق لهذه الجذوع؟”

تسائلت: “همم…؟” ثم لمست جذعًا قريبًا بنظرة متفحصة، وحين ظهرت نافذة الخصائص، قرأت بصوت مسموع: “يُطلق عليها جذع صنوبر لولبي معتق… إذن، يبدو أن هذا النوع من الأشجار يُسمى الصنوبر اللولبي…”

سألتها: “وهل يوجد شجر كهذا في العالم الحقيقي؟”

أجابت فورًا: “لا!” بنبرة توحي باستيائها من مجرد طرح السؤال، ثم مررت راحة يدها على اللحاء الخشن وأضافت: “لكنه يبدو خشبًا ذا جودة عالية، وأراهن أنه سيغدو مثاليًا بعد معالجته.”

علقت أليس قائلة: “آه… كانت هناك أشجار مماثلة في غابة روليد”

شعرتُ بغصة حنين في حلقي عند سماع ذلك الاسم، لكنني كظمتُ مشاعري وركزتُ على ما أردتُ قوله: “حسنًا، أتذكران كيف أن اسم المادة المطلوبة في القائمة كان «جذع خشب منشور»؟ أعتقد أن هذه الأخشاب بحالتها الخام لا تزال غير صالحة لإصلاح الكوخ بعد؛ وسنحتاج أولًا إلى معالجتها وتحويلها إلى أخشاب منشورة ومصنعة.”

تسائلت أسونا: “مهلًا، معالجتها…؟ ولكن لا توجد مناشر آلية أو كهربائية في هذا العالم.”

لم يسبق لي أن سمعتُ بمصطلح المناشر الآلية من قبل؛ وفي الواقع، انتابني الفضول حول مدى شغف أسونا بالأثاث الخشبي حتى تكون ملمةً بمثل هذه الأمور، لكن ذلك لم يكن مهمًا الآن.

قلتُ: “لا، لا أظن أن مثل هذه الآلات الضخمة موجودة هنا أصلًا. لكن بمقدورنا تحويل جذوع الأشجار إلى ألواح خشبية باستخدام الأدوات اليدوية المناسبة. وأغلب الظن أن العملية لا تختلف كثيرًا عن حرفة الحدادة أو النجارة في (SAO).”

هتفت أسونا وقد استوعبت الفكرة: “أوه!” ثم نظرت إلى كومة الأخشاب المتراكمة أمامنا وأضافت: “إذن… كل ما يتعين علينا فعله هو تمرير الأداة المناسبة على الجذوع عدة مرات؟ وعليه، فإن السؤال الآن هو: ما هي هذه الأداة، وكيف السبيل للحصول عليها؟”

“بالضبط… آهٍ، لو كانت يوي معنا هنا!”

كنتُ أحاول ألا أفرط في الاعتماد على قدراتها الإرشادية طوال الوقت، لكن في مأزق كهذا، لم يكن هناك مجال للمكابرة. رمقتني أسونا بنظرة عاتبة للحظة، سرعان ما تحولت إلى قلقٍ واضح: “أما زلتَ عاجزًا عن التواصل معها؟”

“نعم… أعتقد أن نظام جنيات التوجيه في (ALO) قد أُزيل بالكامل. لكنني لا أستطيع الجزم ما إذا كانت يوي لا تزال برفقة مجموعة ليز، أم أن اتصالها بالخادم قد قُطع تمامًا…”

لاحظتُ أن ملامح أسونا تزداد كآبةً مع استرسالي في الحديث، فسارعتُ إلى طمأنتها قائلًا: “لكن لا تقلقي، فبيانات يوي الرئيسية محفوظة في وحدة التخزين الخاصة بحاسوبي في المنزل، لذا يستحيل أن يمسها أي سوء. وإن كان القلق يساوركِ، فبإمكاننا تسجيل الخروج والتحقق من الأمر…”

قالت أسونا “لا، لا داعي لذلك.” ثم أضافت “إن كانت برفقة ليز وسيليكا، فأنا أفضل أن تبقى معهما لمساعدتهما.” ثم ضربت الجذع المجاور لها براحة يدها وقالت: “علينا الاعتماد على أنفسنا الآن.”

ابتسمت أليس وقالت: “هذه هي أسونا التي أعرفها.” ثم مررت يدها المدرعة على سطح جذع الصنوبر اللولبي المعتق، وأردفت: “أنا لا أفقه الكثير في أعمال النجارة، لكن حين فررتُ من الكاتدرائية المركزية إلى غابة روليد، ساعدني العجوز غاريتا في بناء كوخي الخاص. كنتُ أقطع أشجار صنوبر شبيهة بهذه، وإن لم تكن بالحجم ذاته، ثم أشذب فروعها وأقشر لحائها لتحويلها إلى جذوع جاهزة للبناء. وأذكر أنني كنتُ أستعين بأداة ذات شفرة رفيعة ومسطحة، مزودة بمقبضين عند طرفيها لإزالة اللحاء.”

راقبتُ أليس وهي تحرك يديها في الهواء لتوضيح شكل تلك الأداة، وأدركتُ حينها مدى جهلي المطبق بأمور النجارة.

كنتُ قد سمعتُ بما جرى خلال الفترة التي أعقبت معركة أدمينستريتور وحتى اندلاع حرب العالم السفلي. فطوال ما يقارب نصف عام، تكفلت أليس برعايتي في كوخ صغير شيدته بيديها وسط الغابة خارج قرية روليد؛ إذ كان الفلوكتلايت الخاص بي -أي روحي- متضررًا بشدة، وظللتُ غائبًا عن الوعي طيلة تلك المدة. إن مجرد محاولة تخيل حالتي آنذاك، وما اضطرت أليس إلى تكبده للعناية بي، كان يثير في داخلي شعورًا غامضًا يعجز اللسان عن وصفه. لكنني أرغمتُ نفسي على تنحية تلك الهواجس جانبًا، فهذه ليست اللحظة المناسبة للاستغراق في مثل هذه الأفكار.

لم أتمكن من تصور شكل الأداة التي كانت أليس تصفها، غير أن أسونا عرفتها على الفور قائلة: “آه، إنها السحّاجة؛ وتُستخدم في الغرب لتقشير لحاء الأشجار. أما في اليابان، فغالبًا ما يُستعمل مكشط خشبي طويل المقبض يشبه بعض الأدوات الزراعية.”

أومأت أليس بتأمل وقالت: “هممم… إذن يتعين علينا صنع هذه الأداة أو العثور على واحدة. لكن صناعتها ستتطلب أدوات ومواد أخرى بلا شك… ولم ألمح أي قرى أو بلدات بالقرب من موقع سقوطنا.” قطبت الفارسة ذات الأذنين القططيتين حاجبيها، وأخذت تخدش بأظافرها اللحاء المتعرج للصنوبر اللولبي، قبل أن تزمجر بضيق: “آه، انسوا أمر السحّاجة! فحتى سكين عادي سيفي بالغرض لكشط هذا اللحاء المزعج!”

ابتسمتُ رغمًا عني لفرط ثقتها، في حين شهقت أسونا فجأة وكأنها تذكرت أمرًا بالغ الأهمية. “انتظرا لحظة!” صاحت بذلك قبل أن تنطلق راكضةً نحو المنزل شبه المدمر. لكنها عادت بعد أقل من عشر ثوانٍ، وهي تهز رأسها بخيبة أمل قائلة: “لو كان مخزن المنزل سليمًا، لأخرجتُ سكينًا على الفور… لكنه فارغ تمامًا كمخازننا، حتى الأثاث وأدوات المائدة التي كانت موضوعة في الغرف قد اختفت هي الأخرى.”

تنهدتُ قائلًا: “هكذا إذن…”

كانت قطع الأثاث والزينة التي جمعتها أسونا لكوخنا الخشبي من أرقى المقتنيات التي انتقتها بعناية من شتى متاجر ألفهايم، ومجرد التفكير في أن كل ذلك الجهد قد تبخر في لحظة، لا بد أنه كان أشد وقعًا عليها مما أستطيع تخيله. هممتُ بالتوجه نحو أسونا لمواساتها، لكن فكرةً ما خطرت ببالي فجأة.

“لا، انتظرا لحظة… إذا كان السكين سيفي بالغرض، فربما…”

استدرتُ بسرعة نحو كومة الأخشاب، حيث كانت أربعة سيوف، وعصا، ودرع مسندةً إلى جانبها. اندفعتُ نحوها، وأطبقتُ يدي على مقبض سيف بلاركفيلد مكملًا حديثي: “سأتمكن بهذا من تقشير لحاء هذه الجذوع.”

تسائلت أليس بملامح يعلوها الإحباط: “قد يكون ذلك صحيحًا يا كيريتو، ولكن هل نسيتَ الفوضى التي أحدثتها بنفسك قبل قليل؟”

رمقتها بابتسامة ماكرة، ثم قلتُ بهدوء: “بالطبع لم أنسَ. لكنني تجاوزتُ حد الحمولة لأنني كنتُ أرتدي كامل معداتي. أما إذا خلعتُ بقية المعدات…” وأثناء حديثي، حركتُ يدي بسرعة لفتح القائمة الحلقية، ثم أدرتها وصولًا إلى قائمة المعدات. كان المجسم التوضيحي للشخصية هناك، تمامًا كما في أيام SAO، فضغطتُ على زر «إزالة جميع المعدات» المجاور له. وفي لمح البصر، أحاطت بجسدي حلقات من الضوء، فتلاشى معطفي وقميصي وسروالي وحذائي في الهواء، ولم يتبقَّ عليّ سوى سروالي الداخلي الأسود.

وفجأة، انفجرت الفتاتان صارختين: “م-ماذا تفعل؟!”

“لا تخلع ملابسك هكذا في العراء!”

لكنني لم أرغب في إضاعة الوقت في الاعتذار، فهتفتُ: “انظرا وحسب!”

صفقتُ بيديّ اللتين تجردتا من القفازين، ثم قبضتُ على مقبض بلاركفيلد، خفضتُ مركز ثقلي وركزتُ قوتي لرفع السيف بحركة سريعة… ولكن بدلًا من ذلك، خارت ركبتاي وسقطتُ على الأرض. ظل السيف مستندًا إلى الجذوع، وبدا وكأنه ملتصق بالأرض تمامًا. لو أنني حاولتُ فعل ذلك في العالم الحقيقي، لأصبتُ بتمزق في ظهري على الأرجح.

“هاه…؟! ولكن لماذا…؟”

كانت الدروع التي خلعتها مصنوعة في الأساس من الجلد والقماش، غير أنها كانت معدات رفيعة المستوى، لذا لا بد أنها ثقيلة الوزن؛ ومن غير المعقول أن يكون وزن كل تلك الملابس أقل من وزن سيف واحد.

حدقتُ في السيف وأنا جاثٍ على ركبتيّ، ثم خطرت لي فكرة مفاجئة.

“آه… أتعتقدان أن ذلك كان مجرد إجراء مساعد مؤقت؟”

سألت أسونا وقد ارتسمت على وجهها علامات الحيرة: “ماذا تعني بذلك؟”

رفعتُ بصري نحوها وشرحتُ تخميني: “حسنًا… لا أدري متى حدث ذلك بالضبط، لكننا حُوّلنا جميعًا إلى شخصيات من المستوى الأول مع إعادة ضبط إحصائياتنا، أليس كذلك؟ في البداية، ظننتُ أن عدم تجاوزي لحد الحمولة بسبب درعي يعود لكوني أرتدي الجلد والقماش فحسب… غير أن درع أليس يحتوي على الكثير من المعدن، كما أن كل من يلعب بدور المدافع (الدبابة) يرتدي عادةً دروعًا معدنية كاملة. وسيكون من الظلم المجحف أن يُصاب هؤلاء بالشلل التام فور إعادة الضبط بسبب تجاوز حد الحمولة.”

قالت أسونا بتردد: “أعتقد أنك على صواب…”

تابعتُ قائلًا: “لذا، أرجح أن هناك إجراءً مساعدًا قد فُعّل، بحيث يُخفف وزن المعدات التي كنا نرتديها لحظة إعادة الضبط، مما يتيح لنا الاحتفاظ بها دون أن تثقل كاهلنا. غير أننا كنا قد وضعنا أسلحتنا في مخزون العناصر، ولذلك…”

أدركت أسونا الفكرة سريعًا وأكملت: “لم يشمل هذا التأثير أسلحتنا… ولهذا نعجز عن التجهز بها الآن؟” ثم قطبت جبينها قليلًا وأضافت: “ولكن انتظر… إن كان كلامك صحيحًا… وقد خلعتَ للتو دروعك كلها…”

“نعم”، قلتُ ذلك وأنا أفتح نافذة المعدات مجددًا. ومن الجانب الأيمن للنافذة، سحبتُ معطف هارالد وهو درعي الرئيسي إلى خانة الجسد. ظهرت حلقات الضوء وتجسد معطفي الرمادي الداكن فجأة.

“آرررغ!”

رغم أنني كنتُ مستعدًا لذلك، إلا أنني عجزتُ عن تحمّل الثقل الهائل الذي جثم على جسدي. اضطررتُ إلى الاستناد بيديّ إلى الأرض؛ ولو انخفض رأسي أكثر من ذلك، لبدوتُ وكأنني أخرّ ساجدًا لأسونا طلبًا للصفح. وبشق الأنفس، رفعتُ يدي اليمنى، فانبثقت نافذة تقول: «ارتفعت كفاءة مهارة الجسد إلى 2». تمتمتُ في سري: “تبًا، اصمتي الآن”، ثم ضغطتُ على زر «إزالة جميع المعدات» مرة أخرى. تلاشى الوزن الثقيل فورًا، فتنفستُ الصعداء.

“هذا ما في الأمر”، قلتُ وأنا أرفع رأسي مبتسمًا ببلاهة.

وفجأة، دوى صوتٌ كالرعد فوق رأسي: “هل أنت أحمق تمامًا؟!”

صاحت أليس بغضب وهي تقف بجوار أسونا، وقد صلصل درعها الذهبي مع حركتها، ثم أشارت بإصبع الاتهام نحوي وأنا جاثٍ على ركبتيّ بملابسي الداخلية فحسب. وأردفت بصوت خفيض يقطر غضبًا: “لماذا لم تدرك ذلك قبل أن تتجرد من ملابسك كلها؟! الآن سيتعين عليك التجول بهذه الهيئة المزرية لفترة من الوقت!”

“حسنًا… أجل”، اعترفتُ بذلك وعلى شفتيّ ابتسامة ساخرة، ثم نهضتُ على قدميّ بتثاقل وأضفتُ: “لكن على الأقل، أنا الضحية الوحيدة هنا. فالأمر كان ليغدو كارثيًا لو أنكما خلعتما ملابسكما أيضًا.”

قالت أليس بصرامة: “لو حدث ذلك، لما سجلتُ دخولي إلى هذه اللعبة مجددًا حتى تحضر لنا ملابس جديدة.”

أثار كلامها موجة ضحك مفاجئة لدى أسونا، وقالت وهي تضحك وتهز رأسها: “أنتما الاثنان تتصرفان على هذا النحو دائمًا.”

كان ذلك كفيلًا بإخراج أليس من نوبة التوبيخ، غير أن المعضلة الماثلة أمامنا ظلت قائمة.

“إذن، لن تسعفنا السيوف… مما يعني…” عقدتُ ذراعيّ أمام صدري وأخذتُ أفكر في وضعنا الراهن.

لقد تراجعنا إلى المستوى الأول مع إعادة ضبط شاملة لإحصائياتنا، وفقدنا معظم ممتلكاتنا، بل إن التغيير طال واجهة المستخدم ذاتها. لكن على الأقل، ما زلنا داخل لعبة واقع افتراضي جماعية (VRMMO)؛ وتلك حقيقة لا يرقى إليها الشك. ومع ذلك، راودني شعور بأن الأحرف الأخيرة من هذا الاختصار يجب أن تتغير الآن؛ فقد انتقلنا من لعبة تقمص أدوار (VRMMORPG) إلى تصنيف مختلف تمامًا.

“ألعاب البقاء…” تمتمتُ بذلك، فنظرت إليّ الفتاتان بعينين يملؤهما التساؤل.

“ماذا قلتَ للتو؟”

“أعتقد أن هذه قد تكون لعبة بقاء (Survival)…”

سألت أليس، وقد بدا عليها العجز عن استيعاب مقصدي: “بقاء؟ ماذا تعني بذلك؟”

كانت الكلمة التي نطقتُ بها باللغة الإنجليزية، وهي اللغة التي تعرفها أليس باعتبارها «اللغة المقدسة» في العالم السفلي. ورغم أنها اكتسبت بعض الإلمام بالإنجليزية بفضل تجاربها الأخيرة، إلا أن هذا المفهوم كان جديدًا عليها.

أوضحتُ قائلًا: “إنه تصنيف من الألعاب. في البداية، كانت ألعاب البقاء تُمارس في العالم الحقيقي باستخدام البنادق الهوائية، وهي أسلحة مخصصة للترفيه. لكن في الآونة الأخيرة، ظهر نوع جديد من ألعاب الحاسوب يحمل الاسم ذاته، ويُطلق عليها البعض «ألعاب البقاء في العالم المفتوح». وهي أشد صعوبة من ألعاب تقمص الأدوار (RPG) التقليدية، حيث تكون شروط البقاء على قيد الحياة أكثر قسوة، والعقوبات فيها أشد وطأة.”

“وماذا تعني بشروط البقاء؟”

“على سبيل المثال، في لعبة (ALO)، لن تموت شخصيتك حتى لو لم تأكل أو تشرب شيئًا، أليس كذلك؟ أما في ألعاب البقاء، فتوجد مؤشرات للجوع والعطش، مما يعني أن نقاط الصحة (HP) ستأخذ في التناقص إن لم تشرب الماء أو تتناول الطعام… آه، الآن فهمت!”

أخيرًا، أدركتُ وظيفة الشريطين الإضافيين أسفل شريطي الصحة والمانا، فقلتُ: “ما بين شريط (TP) الأزرق وشريط (SP) الأصفر، لا بد أن أحدهما مخصص للجوع والآخر للعطش.”

قالت أسونا على الفور: “إذن، (TP) يعني نقاط العطش، و(SP) يعني نقاط الجوع أو التحمل.”

“آه، فهمتُ الآن.”

تمتمت أليس وهي تضع يدها الرقيقة على عنقها: “همم… ولكن رغم عدْونا ذهابًا وإيابًا لنقل تلك الأخشاب، لم أشعر بجوع أو عطش، ولم ينخفض أي من الشريطين على الإطلاق.”

قلتُ: “أعتقد أن هناك فترة سماح لذلك أيضًا، تمامًا كما هو الحال مع وزن المعدات.”

عقبت أسونا بصوت خافت: “هذا منطقي.”

ثم أضفتُ موضحًا: “فالقاعدة الأساسية في ألعاب البقاء هي أنك حين تموت، تسقط جميع معداتك في مكانك، ويتوجب عليك العودة لاستعادتها بعد إحياء شخصيتك من جديد. ولن يكون من العدل أن نُلقى في هذا العالم الغريب دون أي إرشادات، لنموت جوعًا على الفور ونفقد معداتنا… وأراهن أن شريط العطش (TP) سيبدأ في التناقص أولًا، وإن كنتُ لا أدري ما إذا كان سيصاحبه شعور فعلي بالعطش أم لا.”

وبينما كنتُ أشرح ذلك، شعرتُ وكأنني أغرق في مشاعر أعمق وأثقل. وضعتُ يديّ على خصري وتنهدتُ ببطء؛ ففي تلك اللحظة، كنتُ أقف بملابسي الداخلية فحسب، أعزلَ من السيف والدرع، ولم يبدُ أنني سأصمد طويلًا على هذا الحال.

لكنني سرعان ما خاطبتُ نفسي بصوت مسموع: “غير أن هذا لا يعني أنه يمكنني الاستسلام هنا. لا يمكنني ببساطة الاستسلام للموت دون أن أكتشف مَن يقف وراء تغيير هذا العالم برمته، ولماذا فعل ذلك. وعلاوة على هذا، يجب أن أعيد منزلنا إلى سابق عهده!”

“هذه هي الروح المطلوبة يا كيريتو!” قالت أليس بابتسامة جريئة، ثم مدت يدها وصفعتني على ظهري العاري.

لم تكن الضربة مؤلمة إلى ذلك الحد، لكنني صرختُ بشكل غريزي: “آررغ!”

تابعت أليس قائلة: “قد لا أعرف الكثير عن ألعاب البقاء هذه، لكنني خبرتُ الجوع والعطش جيدًا في العالم السفلي انظر حولك… هناك نهر يتدفق، والغابة تزخر بالثمار والوحوش. لو مات أحدهم جوعًا وسط كل هذه الوفرة، لَسخرت منه حتى عفاريت الأراضي المظلمة!”

“حسنًا، أعتقد أنكِ على حق…” لم أكن متأكدًا من إمكانية عقد مقارنة مباشرة بين الوضعين، لكن من الواضح أن هذه الغابة تبدو أكثر خصوبةً وثراءً بكثير مقارنةً بالبؤس الذي شهدته في الأراضي المظلمة بـ العالم السفلي. بل كان من الممكن أن يُلقى بكوخنا في صحراء إقليم السلمندر القاحلة في ألفهايم، لذا يُعد هذا الموقع نقطة بداية مريحة للغاية في لعبة بقاء.

شددتُ قامتي وتطلعتُ نحو السماء التي بدأت تتشح بلون الغروب الذهبي. وبعد برهة، أخذتُ نفسًا عميقًا وأعلنتُ:

“حسنًا… لا أعرف اسم هذه اللعبة، لكنني متأكد من أنها لم تعد لعبة تقمص أدوار (VRMMORPG) كما كانت، بل غدت لعبة بقاء في عالم افتراضي (VRMMO). وسألتهم الصخور إن كان ذلك ما يتطلبه البقاء على قيد الحياة، حتى أشيد إمبراطورية كيريتو على هذه الأرض!”

“أوووه!” هتفت الفتاتان بإعجاب شديد… لكن ذلك لم يحدث إلا في أحلامي. فسرعان ما تراجعتُ قائلًا: “حسنًا، أعتقد أنني سأكتفي بحماية منزلنا فحسب.”

رمقتني أليس بنظرة تفيض بالامتعاض إلى أقصى حد، ثم تنهدت وقالت: “صدقني، لا شيء مما تقوله سيبدو جريئًا أو ملهمًا كما تأمل وأنت ترتدي هذا الزي.”

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سورد آرت أونلاين

لا يوجد خزنة لهذه الرواية.