إصابة الهدف
بالطبع، إذا أرادت حقًا معرفة ما يفعله، فهناك دائمًا خيار “إخفاء النرد في راحة اليد”. كانت جونو قد استخفت بها ووصفتها بالمجنونة لمجرد التفكير في ذلك، لكن ماذا كان عليها أن تفعل غير ذلك مع نرد استجاب أخيرًا لمستها؟ إذا أبقته في العالم لفترة طويلة جدًّا، فقد يتحطم أو يُسرق. على الأقل في راحة يدها، يمكنها الحفاظ عليه آمنًا — مهما كان عدد الاستخدامات المتبقية له. لكن حتى هي شعرت ببعض الاشمئزاز من فكرة الارتباط بشيء مجهول تمامًا. وكان هناك ما قرأت عنه بشأن “الخفاء في راحة اليد” مما جعلها تتردد. زحف بوكيت على ذراعها ليشمها بحذر. “رائحتها مختلفة”، قال. لم تستطع سيفن إلا أن تطلق ضحكة خفيفة. “هل يمكنك شم رائحتها؟” “فقط أيام الثلاثاء.” دفعته جانباً ودارت ذلك الشيء الصغير بين كفّيها في حالة من عدم التصديق. أول نرد لها منذ وصولها إلى LMC. أول نرد لها منذ أن خسرت كل شيء. يا للحظ، لو كانت تعلم أن هذا موجود في جيبها، لربما لم تكن قد أغرت بزيارة إيميت على الإطلاق. لكانت عادت مباشرةً، وليذهب الاستحمام إلى الجحيم. ابتسمت له، وسمحت لنفسها بأن تحلم قليلاً. كان من الصعب ألا تفعل ذلك بعد كل هذا الوقت. ومع ذلك، كان هذا الشيء الصغير مشوه الشكل ورائحته تشبه قليلاً رائحة الفشار بالزبدة، لكنه كان ملكها. وربما كان تذكرتها للخروج من هذه الفوضى. مكافأة من الكون لأنها لم تدير ظهرها لشعبها. “هل سترمينه؟” سأل بوكيت، وعيناه الكبيرتان تراقبانها من خلف فنجانها. “بالطبع سأرميه.” ساد صمت لبرهة، ثم أضاف: “هنا؟” “أنا…” ترددت سيفن. كانت الفكرة بحد ذاتها سخيفة، بالطبع. جنونية. فقط كائن لزج قد يفكر في شيء كهذا… أوقفت الفكرة في مسارها. إلى أين ستذهب غير ذلك لترميها؟ الصالة المشتركة؟ حتى في هذا الوقت من الليل، سيكون هناك عمال مناجم آخرون. ستتعرض للسرقة أو تُوضع في خطة تحسين الأداء قبل أن تغادر النرد يديها أصلاً. ومن المرجح أن يكون إيميت في فراشه الآن. المناجم، ربما؟ ارتجفت سيفن. لقد سئمت ذلك المكان بما يكفي لمدى الحياة — وستعود إليه غدًا على أي حال من أجل نوبتها التالية. لكن هنا؟ نظرت سيفن إلى الجدران — أحدهما يلامس كتفها والآخر لا يبعد أكثر من خمسة أقدام. كان جارها يشخر بهدوء على الجانب الآخر، وشخيره يهز الجدار الملامس لكتفها. خارج باب غرفتها، كان عمال المناجم يضحكون أو يصرخون، وصوت الآلات لم يكن بعيدًا — من الواضح أنه منشأة معالجة تابعة لشركة LMC، على الرغم من أنها لم تستكشف المكان بما يكفي لتعرف أين تقع بالضبط. قريبة جدًا لدرجة لا تبعث على الارتياح، حقًا. كان نقلها إلى هنا جنونًا — مقامرة سخيفة لدرجة أنها هي نفسها لم ترغب في خوضها. لكنها كانت بحاجة إلى معرفة الحقيقة. كان عليها أن تعرف. إذا كان الأمر جيدًا، فقد يغير كل شيء — ليس فقط حظها السيئ، بل حظ كل عامل منجم آخر في LMC، إذا ما سارت الأمور كما تريد. وربما يمكن أن يوفر ذلك للجميع تذكرة للخروج من هذا المكان. “لا بد لي من ذلك”، أجابت في النهاية. “ماذا لو كان أمرًا جيدًا؟” “ماذا لو كان معيبًا؟” اقترح بوكيت، وهو ينظر إليه بريبة. وقد تحول لونه إلى شاحب وأخضر مريض. “يمكن أن ينفجر ويأخذ نصف المجمع معه. على الرغم من أن هذا سيحل مشكلة ديونكِ، على الأقل”. شخرت سفين ساخرة رغماً عنها: “تفاؤلك ملهم بالتأكيد”. لكن بوكيت كان على حق. حتى لو كان معيبًا، فإن الفشل لن يغير وضعها تقريبًا. لقد وقعت متنازلة عن سبعة وأربعين عامًا من حياتها لشركة تفرض فوائد على مجرد التنفس، وكادت أن تختنق تحت الجبل في يومها الأول، وتعرّضت للاعتداء من قِبل عامل مناجم آخر، وشاهدت شخصًا حاول الهروب وهو يحترق حتى الموت. الآن كانت تجلس في غرفة أصغر من معظم زنزانات السجون مع ديون ستلاحقها إلى القبر. ما الذي تشكله مخاطرة أخرى إذن؟ وإذا كان القفز من جدار بارتفاع طابقين لم يترك لها سوى كاحل مصاب، فبكل تأكيد سيكون لديها بعض الحصانة مما قد يفعله حجر النرد هذا. بالإضافة إلى ذلك، فإن روح المقامرة في داخلها —التي كانت السبب في إقحامها في هذه الفوضى منذ البداية— كانت تضج بالفضول حرفيًا. متى كانت آخر مرة راهنت فيها على شيء مجهول تمامًا؟ كانت رهاناتها عبارة عن مخاطرات مدروسة، تتخذها بعد الكثير من الحسابات الذهنية للاحتمالات. لكن هذا النرد كان من المستحيل الحكم عليه حقًا. ورغم أنه آلمها الاعتراف بذلك، فقد تسارعت نبضاتها بقليل من الإثارة المشوبة بالرهبة. قالت: “سيكون من الأذكى إخفاؤه:”، رغماً عن أنها بمجرد خروج الكلمات من فمها، عرفت أنها لن تفعل ذلك. “الاحتفاظ به آمنًا. واكتشاف ماهيته أولاً”. “متى كانت آخر مرة فعلتِ فيها أي شيء ذكي؟” “كل يوم ثلاثاء”. أصدر بوكيت صوت همهمة صغير يدل على الرضا عن المزحة، لكن سفين انحنت إلى الأمام، وضغطت على النرد بين أصابعها التي لا تزال ملطخة بالدماء. سأل بوكيت بصوت منخفض: “ماذا لو كان خطيرًا؟” “ماذا لو كان جيدًا؟” “ماذا لو فرّخ وحوش خيميرا؟” “ماذا لو فرّخ شطائر بانكيك؟” “ماذا لو— بانكيك؟” تحول لون بوكيت إلى نوع من الذهبي المتحمس، وهو يراقبها بانتباه. أدارت سفين النرد بكسل في راحة يدها. كان النرد يتوسل حرفيًا ليتم رميه. وحسنًا، لقد سئمت من اللعب بأمان. فكرت في دين إيميت، وفي لوكا، وفي التلال الممتدة حتى الأفق. وعن عامل المنجم في النفق اليوم الذي حاول سرقتها —وما هو أسوأ. وعن قسوة “روك المدور” المبتهجة وجبل الديون الذي كان ينمو باطراد حول أذنيها، ويسحقها تمامًا مع مرور كل يوم. وعن ضحكة منافستها من الجانب الآخر من الطاولة قبل كل تلك السنوات. إذا كان هذا النرد يستطيع تغيير وضعها، فستقبل هذا الرهان. ما الذي بقي لتخسره؟ همست: “ليتولاني الحظ”، وقبل أن تتمكن من التشكيك في نفسها مرة أخرى، قبضت على النرد بـيدها ذات الندوب، وقبّلته كفأل خير، وتركته ينزلق من بين أصابعها. ارتطم بالأرضية المتربة بصوت رقيق يشبه صوت الكريستال في حفلة عشاء فاخرة، وتدحرج عبر الألواح الخشبية غير المستوية مع بضع قفزات، متوهجًا بخفوت وسط الداخل المظلم لغرفتها. لثانية واحدة، كادت سفين أن تختنق وهي تراه يقترب من ثقب في أحد ألواح الأرضية، لكنه نجا بصعوبة من الضياع، متنقلاً عبر سلسلة متوهجة من الألوان. وعندما اعتقدت أنه سيتوقف، دار النرد في شكل حلزوني. وتدحرج. وتدحرج. واستمر في التدحرج. قطبت حاجبيها وهي تراقبه. لم ترَ قط نردًا يتصرف بهذه الطريقة من قبل. لكن هذا النرد أخذ يكتسب سرعة، وينطلق حول غرفتها مثل مذنب صغير، ويزداد سطوعًا مع كل دورة. كان الضوء ساطعًا جدًا، في الواقع، لدرجة أن سفين روعت برؤية الأوساخ الفعلية في غرفتها، وقامت بتدوين ملاحظة ذهنية لفعل شيء حيال ذلك. قال بوكيت، وهو يراقب من خلف كوبها: “آه”، وقد تحول توهجه إلى نوع من اللون البنفسجي والأحمر المنذر بالخطر. “هل من المفترض أن يفعل ذلك؟” بدأ الهواء في الغرفة يطن. وصل بعض من ذلك الطنين إلى أذنيها، لكن معظمه كان شيئًا شعرت به سفين أكثر مما سمعته. نوع من الطاقة. القوة. سحر من نوع لم تره من قبل. ثم، ودون سابق إنذار، توقف النرد. سقط من الهواء، وتلقفته سفين في راحة يدها. حبست أنفاسها ونظرت إلى النتيجة. واحد. ضحكت سيفين، وكادت أن تنهار على السرير من الارتياح وخيبة الأمل المريرة معًا. ولكن بعد ذلك ومض شيء ما في رؤيتها —آلاف الشظايا الصغيرة مثل تلك التي أمضت ساعات في تعدينها خلال نوبتها. خام يتوهج مثل ضوء النجوم في رؤيتها، على مد البصر. وجلست من شدة الصدمة. بقوة. طالب بوكيت: “ماذا هناك؟ بانكيك؟ خيميرا؟” همست: “شظايا، آلاف منها. المنجم بأكمله، إذا كان عليّ التخمين”. “يمكنكِ… رؤيتها؟” أومات برأسها، وقد جف فمها. أطلق بوكيت زفيرًا يشبه تنهيدة خيبة أمل. “حسنًا، إنه بالتأكيد ليس بانكيك”. وأصرت وهي تجمع النرد في يدها: “إنه أفضل من البانكيك”. كان التوهج قد تلاشى قليلاً، وهو أمر يثير القلق، لكنه لم يتحطم. ولم يبهت لونه كما يفعل كل نرد آخر تلمسه. قالت مجددًا: “بوكيت، هل تعرف ماذا يعني هذا؟” » واقترح قائلاً: “أننا على وشك أن نصبح أثرياء جدًا أو أمواتًا جدًا؟” هزت رأسها وعقلها يتسابق. إذا كان هذا النرد —هذا نرد المستكشفين— يمكنه العثور على جيوب الخام، فإن رسم خرائط الأنفاق ل إيميت سيكون أسهل من أي وقت مضى. تتبع المناجم المنطق الجيولوجي، وعلاوة على ذلك، ستكون قادرة على العثور على أفضل عروق شركة “إل إم سي” بواسطته. إن حصصهم، وديونهم، وسيطرتهم —كل ذلك بلا معنى إذا لم يتمكنوا من التحكم في الحصص من خلال الندرة. أمسكت بالنرد الصغير في يدها مع الشظايا، وكلها تتوهج بخفوت. وأجابت في النهاية: “هذا يعني، أننا نستطيع تغيير اللعبة بأكملها”. ابتسمت للنرد الصغير الذي لا يزال ينبض بخفوت. في غضون دقائق قليلة، تحول من مجرد ظاهرة غريبة تثير الفضول إلى أقوى سلاح حملته على الإطلاق. وتأملت وهي تقلب النرد بين أصابعها ذات الندوب: “الكازينو يربح دائمًا، لكن هذا صحيح فقط عندما يكون الكازينو هو من يدير اللعبة”.
بالطبع، إذا أرادت حقًا معرفة ما يفعله، فهناك دائمًا خيار “إخفاء النرد في راحة اليد”. كانت جونو قد استخفت بها ووصفتها بالمجنونة لمجرد التفكير في ذلك، لكن ماذا كان عليها أن تفعل غير ذلك مع نرد استجاب أخيرًا لمستها؟ إذا أبقته في العالم لفترة طويلة جدًّا، فقد يتحطم أو يُسرق. على الأقل في راحة يدها، يمكنها الحفاظ عليه آمنًا — مهما كان عدد الاستخدامات المتبقية له. لكن حتى هي شعرت ببعض الاشمئزاز من فكرة الارتباط بشيء مجهول تمامًا. وكان هناك ما قرأت عنه بشأن “الخفاء في راحة اليد” مما جعلها تتردد. زحف بوكيت على ذراعها ليشمها بحذر. “رائحتها مختلفة”، قال. لم تستطع سيفن إلا أن تطلق ضحكة خفيفة. “هل يمكنك شم رائحتها؟” “فقط أيام الثلاثاء.” دفعته جانباً ودارت ذلك الشيء الصغير بين كفّيها في حالة من عدم التصديق. أول نرد لها منذ وصولها إلى LMC. أول نرد لها منذ أن خسرت كل شيء. يا للحظ، لو كانت تعلم أن هذا موجود في جيبها، لربما لم تكن قد أغرت بزيارة إيميت على الإطلاق. لكانت عادت مباشرةً، وليذهب الاستحمام إلى الجحيم. ابتسمت له، وسمحت لنفسها بأن تحلم قليلاً. كان من الصعب ألا تفعل ذلك بعد كل هذا الوقت. ومع ذلك، كان هذا الشيء الصغير مشوه الشكل ورائحته تشبه قليلاً رائحة الفشار بالزبدة، لكنه كان ملكها. وربما كان تذكرتها للخروج من هذه الفوضى. مكافأة من الكون لأنها لم تدير ظهرها لشعبها. “هل سترمينه؟” سأل بوكيت، وعيناه الكبيرتان تراقبانها من خلف فنجانها. “بالطبع سأرميه.” ساد صمت لبرهة، ثم أضاف: “هنا؟” “أنا…” ترددت سيفن. كانت الفكرة بحد ذاتها سخيفة، بالطبع. جنونية. فقط كائن لزج قد يفكر في شيء كهذا… أوقفت الفكرة في مسارها. إلى أين ستذهب غير ذلك لترميها؟ الصالة المشتركة؟ حتى في هذا الوقت من الليل، سيكون هناك عمال مناجم آخرون. ستتعرض للسرقة أو تُوضع في خطة تحسين الأداء قبل أن تغادر النرد يديها أصلاً. ومن المرجح أن يكون إيميت في فراشه الآن. المناجم، ربما؟ ارتجفت سيفن. لقد سئمت ذلك المكان بما يكفي لمدى الحياة — وستعود إليه غدًا على أي حال من أجل نوبتها التالية. لكن هنا؟ نظرت سيفن إلى الجدران — أحدهما يلامس كتفها والآخر لا يبعد أكثر من خمسة أقدام. كان جارها يشخر بهدوء على الجانب الآخر، وشخيره يهز الجدار الملامس لكتفها. خارج باب غرفتها، كان عمال المناجم يضحكون أو يصرخون، وصوت الآلات لم يكن بعيدًا — من الواضح أنه منشأة معالجة تابعة لشركة LMC، على الرغم من أنها لم تستكشف المكان بما يكفي لتعرف أين تقع بالضبط. قريبة جدًا لدرجة لا تبعث على الارتياح، حقًا. كان نقلها إلى هنا جنونًا — مقامرة سخيفة لدرجة أنها هي نفسها لم ترغب في خوضها. لكنها كانت بحاجة إلى معرفة الحقيقة. كان عليها أن تعرف. إذا كان الأمر جيدًا، فقد يغير كل شيء — ليس فقط حظها السيئ، بل حظ كل عامل منجم آخر في LMC، إذا ما سارت الأمور كما تريد. وربما يمكن أن يوفر ذلك للجميع تذكرة للخروج من هذا المكان. “لا بد لي من ذلك”، أجابت في النهاية. “ماذا لو كان أمرًا جيدًا؟” “ماذا لو كان معيبًا؟” اقترح بوكيت، وهو ينظر إليه بريبة. وقد تحول لونه إلى شاحب وأخضر مريض. “يمكن أن ينفجر ويأخذ نصف المجمع معه. على الرغم من أن هذا سيحل مشكلة ديونكِ، على الأقل”. شخرت سفين ساخرة رغماً عنها: “تفاؤلك ملهم بالتأكيد”. لكن بوكيت كان على حق. حتى لو كان معيبًا، فإن الفشل لن يغير وضعها تقريبًا. لقد وقعت متنازلة عن سبعة وأربعين عامًا من حياتها لشركة تفرض فوائد على مجرد التنفس، وكادت أن تختنق تحت الجبل في يومها الأول، وتعرّضت للاعتداء من قِبل عامل مناجم آخر، وشاهدت شخصًا حاول الهروب وهو يحترق حتى الموت. الآن كانت تجلس في غرفة أصغر من معظم زنزانات السجون مع ديون ستلاحقها إلى القبر. ما الذي تشكله مخاطرة أخرى إذن؟ وإذا كان القفز من جدار بارتفاع طابقين لم يترك لها سوى كاحل مصاب، فبكل تأكيد سيكون لديها بعض الحصانة مما قد يفعله حجر النرد هذا. بالإضافة إلى ذلك، فإن روح المقامرة في داخلها —التي كانت السبب في إقحامها في هذه الفوضى منذ البداية— كانت تضج بالفضول حرفيًا. متى كانت آخر مرة راهنت فيها على شيء مجهول تمامًا؟ كانت رهاناتها عبارة عن مخاطرات مدروسة، تتخذها بعد الكثير من الحسابات الذهنية للاحتمالات. لكن هذا النرد كان من المستحيل الحكم عليه حقًا. ورغم أنه آلمها الاعتراف بذلك، فقد تسارعت نبضاتها بقليل من الإثارة المشوبة بالرهبة. قالت: “سيكون من الأذكى إخفاؤه:”، رغماً عن أنها بمجرد خروج الكلمات من فمها، عرفت أنها لن تفعل ذلك. “الاحتفاظ به آمنًا. واكتشاف ماهيته أولاً”. “متى كانت آخر مرة فعلتِ فيها أي شيء ذكي؟” “كل يوم ثلاثاء”. أصدر بوكيت صوت همهمة صغير يدل على الرضا عن المزحة، لكن سفين انحنت إلى الأمام، وضغطت على النرد بين أصابعها التي لا تزال ملطخة بالدماء. سأل بوكيت بصوت منخفض: “ماذا لو كان خطيرًا؟” “ماذا لو كان جيدًا؟” “ماذا لو فرّخ وحوش خيميرا؟” “ماذا لو فرّخ شطائر بانكيك؟” “ماذا لو— بانكيك؟” تحول لون بوكيت إلى نوع من الذهبي المتحمس، وهو يراقبها بانتباه. أدارت سفين النرد بكسل في راحة يدها. كان النرد يتوسل حرفيًا ليتم رميه. وحسنًا، لقد سئمت من اللعب بأمان. فكرت في دين إيميت، وفي لوكا، وفي التلال الممتدة حتى الأفق. وعن عامل المنجم في النفق اليوم الذي حاول سرقتها —وما هو أسوأ. وعن قسوة “روك المدور” المبتهجة وجبل الديون الذي كان ينمو باطراد حول أذنيها، ويسحقها تمامًا مع مرور كل يوم. وعن ضحكة منافستها من الجانب الآخر من الطاولة قبل كل تلك السنوات. إذا كان هذا النرد يستطيع تغيير وضعها، فستقبل هذا الرهان. ما الذي بقي لتخسره؟ همست: “ليتولاني الحظ”، وقبل أن تتمكن من التشكيك في نفسها مرة أخرى، قبضت على النرد بـيدها ذات الندوب، وقبّلته كفأل خير، وتركته ينزلق من بين أصابعها. ارتطم بالأرضية المتربة بصوت رقيق يشبه صوت الكريستال في حفلة عشاء فاخرة، وتدحرج عبر الألواح الخشبية غير المستوية مع بضع قفزات، متوهجًا بخفوت وسط الداخل المظلم لغرفتها. لثانية واحدة، كادت سفين أن تختنق وهي تراه يقترب من ثقب في أحد ألواح الأرضية، لكنه نجا بصعوبة من الضياع، متنقلاً عبر سلسلة متوهجة من الألوان. وعندما اعتقدت أنه سيتوقف، دار النرد في شكل حلزوني. وتدحرج. وتدحرج. واستمر في التدحرج. قطبت حاجبيها وهي تراقبه. لم ترَ قط نردًا يتصرف بهذه الطريقة من قبل. لكن هذا النرد أخذ يكتسب سرعة، وينطلق حول غرفتها مثل مذنب صغير، ويزداد سطوعًا مع كل دورة. كان الضوء ساطعًا جدًا، في الواقع، لدرجة أن سفين روعت برؤية الأوساخ الفعلية في غرفتها، وقامت بتدوين ملاحظة ذهنية لفعل شيء حيال ذلك. قال بوكيت، وهو يراقب من خلف كوبها: “آه”، وقد تحول توهجه إلى نوع من اللون البنفسجي والأحمر المنذر بالخطر. “هل من المفترض أن يفعل ذلك؟” بدأ الهواء في الغرفة يطن. وصل بعض من ذلك الطنين إلى أذنيها، لكن معظمه كان شيئًا شعرت به سفين أكثر مما سمعته. نوع من الطاقة. القوة. سحر من نوع لم تره من قبل. ثم، ودون سابق إنذار، توقف النرد. سقط من الهواء، وتلقفته سفين في راحة يدها. حبست أنفاسها ونظرت إلى النتيجة. واحد. ضحكت سيفين، وكادت أن تنهار على السرير من الارتياح وخيبة الأمل المريرة معًا. ولكن بعد ذلك ومض شيء ما في رؤيتها —آلاف الشظايا الصغيرة مثل تلك التي أمضت ساعات في تعدينها خلال نوبتها. خام يتوهج مثل ضوء النجوم في رؤيتها، على مد البصر. وجلست من شدة الصدمة. بقوة. طالب بوكيت: “ماذا هناك؟ بانكيك؟ خيميرا؟” همست: “شظايا، آلاف منها. المنجم بأكمله، إذا كان عليّ التخمين”. “يمكنكِ… رؤيتها؟” أومات برأسها، وقد جف فمها. أطلق بوكيت زفيرًا يشبه تنهيدة خيبة أمل. “حسنًا، إنه بالتأكيد ليس بانكيك”. وأصرت وهي تجمع النرد في يدها: “إنه أفضل من البانكيك”. كان التوهج قد تلاشى قليلاً، وهو أمر يثير القلق، لكنه لم يتحطم. ولم يبهت لونه كما يفعل كل نرد آخر تلمسه. قالت مجددًا: “بوكيت، هل تعرف ماذا يعني هذا؟” » واقترح قائلاً: “أننا على وشك أن نصبح أثرياء جدًا أو أمواتًا جدًا؟” هزت رأسها وعقلها يتسابق. إذا كان هذا النرد —هذا نرد المستكشفين— يمكنه العثور على جيوب الخام، فإن رسم خرائط الأنفاق ل إيميت سيكون أسهل من أي وقت مضى. تتبع المناجم المنطق الجيولوجي، وعلاوة على ذلك، ستكون قادرة على العثور على أفضل عروق شركة “إل إم سي” بواسطته. إن حصصهم، وديونهم، وسيطرتهم —كل ذلك بلا معنى إذا لم يتمكنوا من التحكم في الحصص من خلال الندرة. أمسكت بالنرد الصغير في يدها مع الشظايا، وكلها تتوهج بخفوت. وأجابت في النهاية: “هذا يعني، أننا نستطيع تغيير اللعبة بأكملها”. ابتسمت للنرد الصغير الذي لا يزال ينبض بخفوت. في غضون دقائق قليلة، تحول من مجرد ظاهرة غريبة تثير الفضول إلى أقوى سلاح حملته على الإطلاق. وتأملت وهي تقلب النرد بين أصابعها ذات الندوب: “الكازينو يربح دائمًا، لكن هذا صحيح فقط عندما يكون الكازينو هو من يدير اللعبة”.
