الجار المزعج
تتكون القوانين الفيزيائية لوادي الموت من 3 أصول ثابتة: المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، والموتى لا يحتاجون لتأمين صحي على الرئتين، والتنانين السوداء لا تعترف بحدود الملكية العقارية.
التفت التنين بجسده الهائل قليلاً مما أدى إلى انهيار جزء آخر من القرميد وسقوطه في الفناء السفلي.
أشارت الساعة إلى 4:30 صباحاً عندما اهتزت الشمعدانات النحاسية في سقف قاعة العرش، ثم تبعها انهيار رزين لكتلة صخرية يبلغ وزنها نصف طن سقطت بدقة متناهية فوق حافة مكتب ألكسندر الخشبي.
“ماذا… تريد؟” زمجر التنين بصوت خافت يتردد فيه تحذير خطير يعكس استنفاد صبره وموازنته لخياراته.
تطاير غبار الكلس الأبيض في الأرجاء مغطياً ملفات “التقييم السنوي لأداء الأشباح” ومغرقاً فنجان القهوة الساخن – الذي لم يكد يرشف منه رشفة واحدة – ثم جاء الصوت.
“يا سيدي!” قاطعه جورج الخباز وهو يرفع رغيف الخبز المحترق نحو وجه ألكسندر “انظر إلى هذا! الحرارة الصادرة من البرج الغربي رفعت درجة حرارة أفراني المجاورة بمقدار 300 درجة! العجين لا يختمر إنه يتحول إلى حمم بركانية قاسية قبل أن أضع القشرة! الموتى في المطبخ يهددون بإلقائي في الفرن لأن الخبز أصبحت له رائحة شواظ تنين!”.
ووووووووووووووووووووش-بوم.
المرحلة الأولى: الضوضاء البيروقراطية الهادفة.
لم يكن صوتاً مجرداً بل موجة تضاغطية محسوسة. شخيرٌ ينبعث من جوف كائن يزن 50 طناً يرتطم بسقف البرج الغربي للقلعة، فيرسل ترددات منخفضة تجعل عظام الفك لدى الهياكل العظمية في القبو السفلي تصطدم ببعضها البعض كمعازف الخشب المكسورة.
تنفس ألكسندر ببطء وطأطأ رأسه ثم وضع يده على جبهته.
سمع بعدها صوت شخير بطيء مع تدفق مستمر لدخان كبريتي أسود كثيف، يتسرب من فتحات التهوية لينزل على القاعة كغيمة كئيبة تجعل الرؤية معدومة على بعد مترين.
“كم بلغت تكلفة هذه العملية حتى الآن يا تيموثي؟” سأل ألكسندر وهو يرشف رشفة شاي.
في غضون ثوانٍ انطلقت تعاويذ الإنذار السحرية.
“ما هذا الدخان الخانق؟!” صرخ التنين وهو يسعل بشدة وعيناه تدمعان “هل تحاولون قتلي اختناقاً؟!”.
طاااااااانغ! طااااااااانغ! طااااااااانغ!
وقف ألكسندر خلف مكتبه. تقطر الماء من نهايات شعره الأسود مع قطعة من الغبار الكلسي تجلس فوق كتفه الأيسر كأنها وسام استحقاق. اتسعت حدقتا عينيه بنوع من الذهول العاطفي الذي يصل إليه المرء عندما يتجاوز مرحلة الغضب إلى مرحلة الاستسلام المطلق للكون.
بدأت الأجراس السحرية المثبتة في الأركان ترن بأعلى صوت ممكن، معلنة عن “هجوم ناري من الدرجة الأولى” بينما يرتطم الدخان بالسقف ليطلق رشاشات المياه السحرية المعلقة لحالات الطوارئ. في لحظات تحولت قاعة ألكسندر إلى مزيج من الغبار والدخان الكبريتي والماء البارد الذي بدأ يبلل ملفات الميزانية.
ووووووووووووووووووووش-بوم.
وقف ألكسندر خلف مكتبه. تقطر الماء من نهايات شعره الأسود مع قطعة من الغبار الكلسي تجلس فوق كتفه الأيسر كأنها وسام استحقاق. اتسعت حدقتا عينيه بنوع من الذهول العاطفي الذي يصل إليه المرء عندما يتجاوز مرحلة الغضب إلى مرحلة الاستسلام المطلق للكون.
أااااااااطشو!.
“إيزابيلا…” قال ألكسندر بصوت هادئ جداً لدرجة مرعبة.
“الدم والسحر مكلفان يا تيموثي” قال ألكسندر وهو ينزع النظارة الشمسية “أما الضغط الاقتصادي والتهديد بالاستنزاف… فهو لغة تفهمها حتى الوحوش الأسطورية”.
انبثقت السيدة إيزابيلا من الجدار الخفي خلفه. لم تكن مبللة لأن المياه تمر عبر جسدها الشفاف لكن ملامح وجهها تحمل كرهاً إدارياً لا مثيل له. أمسكت بمنديل روحي محاولة التخلص من بقعة دخان وهمية على قفازها الأبيض.
“أنا هنا يا صاحب السعادة” قالت ببرود “وأود أن أبلغك رسمياً بأنني تسلمت حتى الآن 48 شكوى مكتوبة. سُجلت الأولى في الساعة 4:31”.
“أنت… تتحدث… عن… الملكية؟” زمجر التنين وارتفعت حرارة جبهته لتجعل الهواء يتوهج “أنا إغنيس المشتعل! حارق الممالك! مبتلع الملوك! الأرض التي أضع عليها جسدي تصبح ملكي بقوة النار والدم!”.
“من الذي يسكن فوقنا يا إيزابيلا؟” سأل ألكسندر بينما يمسح قطرة ماء سقطت على مقدمة أنفه “هل قرر أحد أبطال النور استخدام منجنيق صخري لإيقاظي؟”.
أااااااااطشو!.
“لا يا سيدي، إنه السيد ‘إغنيس المشتعل’. تنين أسود قديم من السلالة الأولى”.
“قسم ‘الجرذان العظمية’ يبدو أنها أصيبت بالبرد السحري وهي الآن تصدر صفيراً عالياً يمنع كالدور من دهن عظامه بالزبدة”.
“وماذا يفعل السيد إغنيس المشتعل فوق برجي الغربي؟”.
بدأت الخطة في تمام الساعة 6:00 صباحاً.
“ينام” أجابت إيزابيلا ببساطة “لقد خاض معركة ضد تنين أحمر في الإقليم الشمالي قبل 3 أيام حول منطقة نفوذ ويبدو أنه شعر ببعض الإجهاد في العضلات. وجد أن منحنيات قبة برجنا الغربي تتطابق بدقة مع انحناءة عموده الفقري فقرر الاستقرار هناك لأخذ قيلولة خفيفة”.
“ماذا… تريد؟” زمجر التنين بصوت خافت يتردد فيه تحذير خطير يعكس استنفاد صبره وموازنته لخياراته.
“قيلولة خفيفة…” كرر ألكسندر الكلمة محدقاً في الفتحة الضخمة بالسقف والتي يطل منها ذيل أسود يتدلى منه جزء من القرميد المكسور “وكم تستغرق القيلولة الخفيفة لدى التنانين السوداء يا إيزابيلا؟”.
“شكراً على هذا التفاؤل الميداني يا كالدور” رد ألكسندر بتهكم.
“تقول المراجع التاريخية في الأرشيف إن أقل قيلولة مسجلة لسلالته استمرت 48 عاماً وأطولها 150 سنة”.
ووووووووووووووووووووش-بوم.
سقط القلم الأزرق من يد ألكسندر ليرتطم بالماء المتجمع على سطح المكتب بفرقعة خفيفة.
“48 عاماً…” همس ألكسندر “أنتم تريدون مني أن أعيش تحت شخير يهدد البنية التحتية ودخان يطلق إنذارات الحريق لمدة نصف قرن؟”.
“أيها اللورد ألكسندر…” قال كالدور بصوت يخرج من بين فكيه كأنه احتكاك سلاسل صدئة في قاع سفينة غارقة “الاهتزازات الصادرة من القمة أزالت زبدة التشحيم عن مفصلي الأيمن بالكامل. أنا الآن لا أستطيع الالتفات إلى اليسار دون أن أصدر صوتاً يماثل صراخ طائر العندليب الممحون، جيشي العظمي يخسر هيبته! الجنود يظنون أنني أمتلك مشاعر داخلية لأن المفاصل ‘تبكي’ من الاحتكاك!”.
قبل أن تتمكن إيزابيلا من الرد، فُتح الباب الرئيسي ليقتحم القاعة وفدٌ غاضب يتكون من 3 أطراف لا تجمعهم في العادة أي رابطة إنسانية أو روحية.
في المقدمة تيموثي الساحر الشاب المساعد مرتدياً نظارة حماية بلاستيكية فوق عينيه ووجهه ملطخ بالرماد الأسود حاملاً ملفاً منكمشاً بسبب المياه، خلفه اللورد كالدور الذي يجر قدمه اليمنى المليئة بالصدأ مصدراً صريراً يماثل صوت تقطيع الحديد، ومعه جورج الخباز حاملاً رغيف خبز محترق يتصاعد منه الدخان.
انبثقت السيدة إيزابيلا من الجدار الخفي خلفه. لم تكن مبللة لأن المياه تمر عبر جسدها الشفاف لكن ملامح وجهها تحمل كرهاً إدارياً لا مثيل له. أمسكت بمنديل روحي محاولة التخلص من بقعة دخان وهمية على قفازها الأبيض.
“سيدي!” صرخ تيموثي ملوحاً بالأوراق “هذا مستحيل! الدخان الكبريتي ينزل عبر قنوات التهوية مباشرة إلى القبو الثاني! الأرشيف السري يحترق بطريقة غير مباشرة! اللعنات القديمة المكتوبة على ورق البردي بدأت تتفاعل مع الكبريت!”.
جلس التنين الأسود إغنيس المشتعل فوق البرج الغربي واضعاً براثنه الأمامية فوق أذنيه. إرتجفت حراشفه بوضوح ليس خوفاً بل من استنزاف هائل للطاقة والتوتر. جروحه التي لم تلتئم بعد بدأت تؤلمه بشدة مع الاهتزازات المستمرة ودخان النخالة أعاق تعافي جهازه التنفسي بشكل حرج. جلس ألكسندر في الفناء السفلي يشرب كوباً من الشاي الذي أعده جورج بينما يقف تيموثي بجانبه ممسكاً بآلة حاسبة خشبية.
“يا سيدي!” قاطعه جورج الخباز وهو يرفع رغيف الخبز المحترق نحو وجه ألكسندر “انظر إلى هذا! الحرارة الصادرة من البرج الغربي رفعت درجة حرارة أفراني المجاورة بمقدار 300 درجة! العجين لا يختمر إنه يتحول إلى حمم بركانية قاسية قبل أن أضع القشرة! الموتى في المطبخ يهددون بإلقائي في الفرن لأن الخبز أصبحت له رائحة شواظ تنين!”.
“أنا سأحرقك وأحرق ملفاتك إذا لم تبتعد عن وجهي وتدعني أنام!” زمجر التنين مغلقاً عينيه مجدداً محاولاً العودة إلى النوم.
أما اللورد كالدور فقد تقدم خطوتين ورفع يده العظمية نحو السقف، الشخير القادم من الأعلى جعل درعه الفولاذي يهتز بأسلوب جعله يبدو وكأنه يعزف على آلة إيقاعية رديئة.
عطس التنين عطسة هائلة أدت إلى انطلاق شعلة نارية ضخمة أحرقت 3 أشجار جافة في الوادي وجعلت جسده بالكامل يرتجف.
“أيها اللورد ألكسندر…” قال كالدور بصوت يخرج من بين فكيه كأنه احتكاك سلاسل صدئة في قاع سفينة غارقة “الاهتزازات الصادرة من القمة أزالت زبدة التشحيم عن مفصلي الأيمن بالكامل. أنا الآن لا أستطيع الالتفات إلى اليسار دون أن أصدر صوتاً يماثل صراخ طائر العندليب الممحون، جيشي العظمي يخسر هيبته! الجنود يظنون أنني أمتلك مشاعر داخلية لأن المفاصل ‘تبكي’ من الاحتكاك!”.
أما اللورد كالدور فقد تقدم خطوتين ورفع يده العظمية نحو السقف، الشخير القادم من الأعلى جعل درعه الفولاذي يهتز بأسلوب جعله يبدو وكأنه يعزف على آلة إيقاعية رديئة.
رفع ألكسندر كفيه في الهواء ليوقف هذه الملحمة العبثية.
دخل ألكسندر إلى القلعة وفي الخلفية أصوات صفير الجرذان العظمية تبدأ في الارتفاع لتعلن عن بداية أزمة إدارية جديدة.
“يكفي! اخرسوا!” صرخ ألكسندر.
الصعود إلى سطح البرج الغربي يماثل الصعود إلى فوهة بركان نائم على وشك الانفجار.
توقف الجميع حتى إنذارات الحريق السحرية توقفت لثانية لأن سحرها استشعر أن طاقة ألكسندر العصبية أشد خطورة من النيران.
“سيدي!” صرخ تيموثي ملوحاً بالأوراق “هذا مستحيل! الدخان الكبريتي ينزل عبر قنوات التهوية مباشرة إلى القبو الثاني! الأرشيف السري يحترق بطريقة غير مباشرة! اللعنات القديمة المكتوبة على ورق البردي بدأت تتفاعل مع الكبريت!”.
“تيموثي” قال ألكسندر محدقاً في الساحر الشاب “أنت مستحضر أرواح من المفترض أن تتلقى تدريباً على التعامل مع الكائنات القديمة… ألم تدرسوا في الأكاديمية كيفية التعامل مع التنانين؟”.
لم يكن صوتاً مجرداً بل موجة تضاغطية محسوسة. شخيرٌ ينبعث من جوف كائن يزن 50 طناً يرتطم بسقف البرج الغربي للقلعة، فيرسل ترددات منخفضة تجعل عظام الفك لدى الهياكل العظمية في القبو السفلي تصطدم ببعضها البعض كمعازف الخشب المكسورة.
“أجل يا سيدي” عدّل تيموثي نظارته البلاستيكية بمرارة “الفصل 5 من كتاب ‘الكائنات العظمى’. يتلخص البروتوكول في نقطتين: الأولى هي الهرب بسرعة 80 ميلاً في الساعة والثانية هي كتابة وصيتك الأخيرة أثناء الهرب”.
تم منح “نقابة الأشباح المنسية” إجازة رسمية لإقامة “ورشة تدريبية على العويل الهوائي” حول رأس التنين مباشرة. تجمع نحو 80 شبحاً ينوحون عن الرطوبة ومشاكلهم القديمة. لم تكن هذه الأصوات مؤذية جسدياً ولكنها تمنعه بشكل قاطع من الدخول في السبات العميق المطلوب لاستشفائه السحري.
“رائع! تعليم أكاديمي ممتاز” قال ألكسندر ثم التفت إلى إيزابيلا “ما هي مطالب الأشباح المعتادة؟”.
توقفت المطارق العظمية وتشتت دخان الملفوف في الهواء كما توقفت الأشباح عن العويل. وقف تيموثي بجانب ألكسندر وعيناه متسعتان تماماً محدقاً في النقطة التي اختفى فيها التنين.
“يطالبون بتوفير أجهزة تنقية هواء روحية وتغيير مسار قنوات التهوية وصرف تعويضات عن ‘التلوث الصوتي’ الذي يمنعهم من العويل المنتظم في ساعات الليل” رفعت إيزابيلا مذكرة مبللة وقرأت ببرود “كما أن نقابة الأرواح المنسية هددت بترك القلعة والانتقال للعيش في مقبرة القرية المجاورة إذا لم يُحل الموضوع قبل الغروب”.
ووووووووووووووووووووش-بوم.
“والقرية المجاورة ستعتقد أنني أرسلت جيشاً لغزوهم وسيرسلون لي فرسان نور آخرين بحبال وسلاسل…” زمجر ألكسندر بينما يمسح وجهه بيده “حسناً، سنحل هذا الموضوع بأسلوب الإدارة المباشرة. كالدور اتبعني، تيموثي أحضر معك ملف العقارات والمخطط الهيكلي للقلعة”.
“حوالي 12 قطعة ذهبية يا سيدي” أجاب تيموثي محدقاً في التنين بذهول “معظمها صُرف على حطب الملفوف وزيت المفاصل”.
الصعود إلى سطح البرج الغربي يماثل الصعود إلى فوهة بركان نائم على وشك الانفجار.
“تيموثي” قال ألكسندر متجهاً نحو القلعة بخطوات ثقيلة.
اهتز الدرج الحلزوني الحجري مع كل شخير وانبعثت من جدران القلعة حرارة قوية جعلت الهواء يتلألأ، عندما وصل ألكسندر وطاقمه إلى الباب المؤدي إلى السطح وجدوه قد ذاب جزئياً وتحول إلى طبقة من الفحم النباتي، دفع ألكسندر الباب بقدمه وخرج إلى الهواء الطلق حيث أصبح المشهد أسطورياً بالمعنى الحرفي.
“حوالي 12 قطعة ذهبية يا سيدي” أجاب تيموثي محدقاً في التنين بذهول “معظمها صُرف على حطب الملفوف وزيت المفاصل”.
تمدد تنين أسود هائل طوله أكثر من 40 متراً والتف بأسلوب محكم فوق السقف القرميدي للبرج الغربي، امتصت حراشفه السوداء الضوء كأنها ثقوب سوداء صغيرة وتدلى ذيله من فوق الحافة متذبذباً بإيقاع منتظم مع كل عملية تنفس، استقر رأسه الضخم المزود بقرنين ملتويين كقرون الكبش فوق القبة الحجرية وأنفه يرسل نفاثات من الدخان الأسود والشرار البرتقالي مع كل شخير.
نظر ألكسندر إلى السماء المظلمة ثم إلى ملفات الميزانية المبللة في يده قبل أخذ نفس عميق.
ووووووووووووووووووووش-بوم.
“بما أن البرج الغربي فقد قرميده بالكامل خلال هذه العملية فإن المياه الناجمة عن إنذارات الحريق السحرية تسربت إلى القبو الثالث”.
العصف الهوائي الناتج عن الشخير أطاح بعباءة ألكسندر إلى الخلف وكاد يطير نظارة تيموثي البلاستيكية لولا أنه أمسك بها في اللحظة الأخيرة.
“التنانين السوداء القديمة لا تأكل الكائنات الصغيرة إلا إذا أصبحت متبلة جيداً” قال كالدور بثقة تاريخية “غالباً سيتجاهلنا ويطحننا تحت ثقله”.
“إنه… إنه ضخم جداً يا سيدي…” همس تيموثي مختبئاً خلف درع كالدور الصلب “هل تعتقد أنه سيأكلنا إذا أيقظناه؟”.
“تقول المراجع التاريخية في الأرشيف إن أقل قيلولة مسجلة لسلالته استمرت 48 عاماً وأطولها 150 سنة”.
“التنانين السوداء القديمة لا تأكل الكائنات الصغيرة إلا إذا أصبحت متبلة جيداً” قال كالدور بثقة تاريخية “غالباً سيتجاهلنا ويطحننا تحت ثقله”.
كانت الاهتزازات المستمرة تضغط بشكل مباشر ومدروس على كدمات التنين وعضلاته المتشنجة من معركته السابقة مع التنين الأحمر، مما جعل الراحة الجسدية واستعادة السحر أمراً مستحيلاً. كلما حاول إغنيس الإغفاء يرتطم مطرق عظمي بقطعة صخرية أسفل فخذه الأيسر المصاب.
“شكراً على هذا التفاؤل الميداني يا كالدور” رد ألكسندر بتهكم.
“إنه… إنه ضخم جداً يا سيدي…” همس تيموثي مختبئاً خلف درع كالدور الصلب “هل تعتقد أنه سيأكلنا إذا أيقظناه؟”.
تقدم ألكسندر بثبات فوق القرميد المكسور حتى أصبح على بعد 3 أمتار فقط من عين التنين المغلقة والتي بحجم درع قتالي كبير، أخذ نفساً عميقاً – متجاهلاً رائحة الكبريت التي كادت تحرق رئتيه – ثم نقر على جبهة التنين القاسية 3 ضربات متتالية.
“من الذي يسكن فوقنا يا إيزابيلا؟” سأل ألكسندر بينما يمسح قطرة ماء سقطت على مقدمة أنفه “هل قرر أحد أبطال النور استخدام منجنيق صخري لإيقاظي؟”.
طق. طق. طق.
“أنت كائن خبيث… تدير حرب استنزاف بدم بارد” قال التنين وهو يهز رأسه ببطء وعيناه تلمعان بتقدير خفي لخطورة هذا المدير البيروقراطي “استخدام سحري لتسويتك بالأرض سيعرض استشفائي للخطر. احتفظ بقلعتك الملعونة سأذهب للتعافي في فوهة بركان نشط لترميم سحري وحماية كنوزي لكن تذكر… التنانين لا تنسى ديونها” نفض التنين جناحيه الضخمين.
توقف الشخير فجأة.
ووووووووووووووووووووش-بوم.
ساد صمت مطلق في الوادي حتى الرياح الرعدية بدا وكأنها توقفت لتشاهد ماذا سيحدث للشخص الأحمق الذي يطرق على جبهة تنين أسود.
المرحلة الأولى: الضوضاء البيروقراطية الهادفة.
فُتحت العين اليسرى للتنين ببطء مظهرة حدقة صفراء فسفورية يقطعها خط أسود رأسي دقيق. انكمشت الحدقة لتلتقط صورة ألكسندر القزم الواقف أمامه، تحرك جفن التنين الثقيل وصدر من حنجرته صوت أشبه بجر صخرة ضخمة فوق قاع قاحل، صوت منخفض وعميق تجعل تردداته العظام تهتز داخل الأجساد.
“40 سنة…” قال ألكسندر ببطء “إذن أنت ترفض الإخلاء الطوعي؟”.
“من… القملة… الذي… يجرؤ… على… إزعاج… نومي؟” سأل التنين ومع كل كلمة تخرج من فمه تسقط قطعة من الصخر المذاب من بين أسنانه الحادة.
“عمل ممتاز يا سيدي” قالت إيزابيلا “غادر التنين والتهوية عادت لطبيعتها لكن…”.
وقف ألكسندر مستقيماً وعدل ياقة قميصه المبللة قبل الرد “أنا ألكسندر المالك المسجل لهذه القلعة والمساحة العقارية المحيطة بها في سجلات الوادي” شرح بصوت واضح ومرفوع “وأنت يا سيد إغنيس تشغل حالياً مساحة غير مرخصة وتتسبب في أضرار هيكلية للبرج الغربي ناهيك عن التلوث البيئي والصوتي الذي يضر بالسكان”.
سقط القلم الأزرق من يد ألكسندر ليرتطم بالماء المتجمع على سطح المكتب بفرقعة خفيفة. “48 عاماً…” همس ألكسندر “أنتم تريدون مني أن أعيش تحت شخير يهدد البنية التحتية ودخان يطلق إنذارات الحريق لمدة نصف قرن؟”.
رمش التنين بعينه الضخمة وقد بدا عليه الارتباك التام، خاض حروباً مع أبطال يرتدون دروعاً ذهبية، وواجه سحرة يلقون صواعق البرق، لكنه لم يسبق له في تاريخه الممتد لـ 3000 عام أن واجه شخصاً يلوح بوثيقة ملكية عقارية في وجهه.
“أنا هنا يا صاحب السعادة” قالت ببرود “وأود أن أبلغك رسمياً بأنني تسلمت حتى الآن 48 شكوى مكتوبة. سُجلت الأولى في الساعة 4:31”.
“أنت… تتحدث… عن… الملكية؟” زمجر التنين وارتفعت حرارة جبهته لتجعل الهواء يتوهج “أنا إغنيس المشتعل! حارق الممالك! مبتلع الملوك! الأرض التي أضع عليها جسدي تصبح ملكي بقوة النار والدم!”.
“من… القملة… الذي… يجرؤ… على… إزعاج… نومي؟” سأل التنين ومع كل كلمة تخرج من فمه تسقط قطعة من الصخر المذاب من بين أسنانه الحادة.
“كان هذا القانون سائداً في العصر الأوسط يا سيد إغنيس” قاطعه ألكسندر بنبرة جافة بينما يفتح الملف الذي يحمله تيموثي “ولكن منذ صدور ‘الميثاق العقاري المظلم’ قبل 100 عام فإن جميع الممتلكات المفتوحة تخضع لقوانين التنظيم الحضري. أنت لم تقدم طلب إشغال مؤقت ولم تدفع رسوم استخدام المجال الجوي والأهم من ذلك: سقف برجي الغربي ليس مصمماً ليتحمل حمولة حية تتجاوز 40 طناً!”.
“أنا لا أهتم بقوانينكم البشرية السخيفة!” زأر التنين وهذه المرة خرجت شعلة نار صغيرة من منخريه مرت بالقرب من رأس تيموثي الذي سقط على الأرض مرعوباً “أنا مصاب بإجهاد شديد في العضلات القطنية إثر معركة دامية! وقبتك الحجرية هي المكان الوحيد في هذا الوادي الملعون الذي يمنح ظهري زاوية انحناء 40 درجة! لن أتحرك من هنا قبل 40 سنة!”.
التفت التنين بجسده الهائل قليلاً مما أدى إلى انهيار جزء آخر من القرميد وسقوطه في الفناء السفلي.
“من الذي يسكن فوقنا يا إيزابيلا؟” سأل ألكسندر بينما يمسح قطرة ماء سقطت على مقدمة أنفه “هل قرر أحد أبطال النور استخدام منجنيق صخري لإيقاظي؟”.
“أنا لا أهتم بقوانينكم البشرية السخيفة!” زأر التنين وهذه المرة خرجت شعلة نار صغيرة من منخريه مرت بالقرب من رأس تيموثي الذي سقط على الأرض مرعوباً “أنا مصاب بإجهاد شديد في العضلات القطنية إثر معركة دامية! وقبتك الحجرية هي المكان الوحيد في هذا الوادي الملعون الذي يمنح ظهري زاوية انحناء 40 درجة! لن أتحرك من هنا قبل 40 سنة!”.
بدأت الأجراس السحرية المثبتة في الأركان ترن بأعلى صوت ممكن، معلنة عن “هجوم ناري من الدرجة الأولى” بينما يرتطم الدخان بالسقف ليطلق رشاشات المياه السحرية المعلقة لحالات الطوارئ. في لحظات تحولت قاعة ألكسندر إلى مزيج من الغبار والدخان الكبريتي والماء البارد الذي بدأ يبلل ملفات الميزانية.
نظر ألكسندر إلى كالدور ثم إلى إيزابيلا التي تطوف بجانبه بثبات.
“سيدي…” همس تيموثي بنبرة إجلال حقيقية “لقد أجبرت تنيناً أسود قديماً على التراجع الاستراتيجي… دون أن تريق قطرة دم واحدة أو تطلق تعويذة”.
“40 سنة…” قال ألكسندر ببطء “إذن أنت ترفض الإخلاء الطوعي؟”.
“الدم والسحر مكلفان يا تيموثي” قال ألكسندر وهو ينزع النظارة الشمسية “أما الضغط الاقتصادي والتهديد بالاستنزاف… فهو لغة تفهمها حتى الوحوش الأسطورية”.
“أنا سأحرقك وأحرق ملفاتك إذا لم تبتعد عن وجهي وتدعني أنام!” زمجر التنين مغلقاً عينيه مجدداً محاولاً العودة إلى النوم.
بإمكانه محاولة قتال تنين أسود لكن هذا سيتسبب في تدمير القلعة بالكامل وهو أمر لا تسمح به الميزانية الحالية، إضافة إلى أن التنين مرهق ومعركته معه ستكون استنزافاً بلا جدوى. لقد تعلم ألكسندر خلال أشهره الستة في إدارة الموتى أن: القوة الغاشمة ليست الحل أبداً عندما يمكنك استخدام البيروقراطية والتضييق الإداري. التفت إلى تيموثي وإيزابيلا بابتسامة صغيرة مظلمة وشديدة الإرهاق بدأت ترتسم على شفتيه.
تنفس ألكسندر ببطء وطأطأ رأسه ثم وضع يده على جبهته.
“ماذا… تريد؟” زمجر التنين بصوت خافت يتردد فيه تحذير خطير يعكس استنفاد صبره وموازنته لخياراته.
بإمكانه محاولة قتال تنين أسود لكن هذا سيتسبب في تدمير القلعة بالكامل وهو أمر لا تسمح به الميزانية الحالية، إضافة إلى أن التنين مرهق ومعركته معه ستكون استنزافاً بلا جدوى. لقد تعلم ألكسندر خلال أشهره الستة في إدارة الموتى أن: القوة الغاشمة ليست الحل أبداً عندما يمكنك استخدام البيروقراطية والتضييق الإداري. التفت إلى تيموثي وإيزابيلا بابتسامة صغيرة مظلمة وشديدة الإرهاق بدأت ترتسم على شفتيه.
المرحلة الثانية: التضييق البيئي الخانق.
“تيموثي…” همس ألكسندر.
“تيموثي…” همس ألكسندر.
“نـ… نعم يا سيدي؟” قال الساحر الشاب الذي يختبئ خلف حجر قرميدي.
توقف الشخير فجأة.
“أصدر أمراً فورياً لقسم الميكانيكا العظمية والمخبز. نحن سنبدأ بـ ‘عمليات الصيانة الشاملة’ للبرج الغربي”.
“أيها اللورد ألكسندر…” قال كالدور بصوت يخرج من بين فكيه كأنه احتكاك سلاسل صدئة في قاع سفينة غارقة “الاهتزازات الصادرة من القمة أزالت زبدة التشحيم عن مفصلي الأيمن بالكامل. أنا الآن لا أستطيع الالتفات إلى اليسار دون أن أصدر صوتاً يماثل صراخ طائر العندليب الممحون، جيشي العظمي يخسر هيبته! الجنود يظنون أنني أمتلك مشاعر داخلية لأن المفاصل ‘تبكي’ من الاحتكاك!”.
“صيانة؟ الآن؟”.
“والقرية المجاورة ستعتقد أنني أرسلت جيشاً لغزوهم وسيرسلون لي فرسان نور آخرين بحبال وسلاسل…” زمجر ألكسندر بينما يمسح وجهه بيده “حسناً، سنحل هذا الموضوع بأسلوب الإدارة المباشرة. كالدور اتبعني، تيموثي أحضر معك ملف العقارات والمخطط الهيكلي للقلعة”.
“بالضبط! إذا أصر السيد إغنيس على البقاء كـ ‘ضيف’ فنحن نملك الحق الكامل في إجراء تحسينات هيكلية على ملكيتنا أثناء وجوده”.
“ما هذا الدخان الخانق؟!” صرخ التنين وهو يسعل بشدة وعيناه تدمعان “هل تحاولون قتلي اختناقاً؟!”.
بدأت الخطة في تمام الساعة 6:00 صباحاً.
“علم ويُنفذ يا سيدي”.
لم يهاجم ألكسندر التنين أو يطلق عليه سهماً واحداً، بدلاً من ذلك قام بتفعيل أكبر وأبشع استراتيجية إزعاج تنظيمية تستهدف نقاط ضعف التنين المجهد.
“أنا هنا يا صاحب السعادة” قالت ببرود “وأود أن أبلغك رسمياً بأنني تسلمت حتى الآن 48 شكوى مكتوبة. سُجلت الأولى في الساعة 4:31”.
المرحلة الأولى: الضوضاء البيروقراطية الهادفة.
ووووووووووووووووووووش-بوم.
أمر بجلب 60 هيكلاً عظمياً من قسم الصيانة الحجرية وزودهم بمطارق حديدية صلبة، تم توزيعهم على طول السقف أسفل بطن التنين مباشرة ليبدؤوا في القيام بعملية “إزالة الصدأ والتكلس من حجارة البرج”.
“تقول المراجع التاريخية في الأرشيف إن أقل قيلولة مسجلة لسلالته استمرت 48 عاماً وأطولها 150 سنة”.
طق! طق! طق! جرررررررر! طق! طق!.
“عمل ممتاز يا سيدي” قالت إيزابيلا “غادر التنين والتهوية عادت لطبيعتها لكن…”.
كانت الاهتزازات المستمرة تضغط بشكل مباشر ومدروس على كدمات التنين وعضلاته المتشنجة من معركته السابقة مع التنين الأحمر، مما جعل الراحة الجسدية واستعادة السحر أمراً مستحيلاً. كلما حاول إغنيس الإغفاء يرتطم مطرق عظمي بقطعة صخرية أسفل فخذه الأيسر المصاب.
“أنا سأحرقك وأحرق ملفاتك إذا لم تبتعد عن وجهي وتدعني أنام!” زمجر التنين مغلقاً عينيه مجدداً محاولاً العودة إلى النوم.
“أيها الحشرات الملعونون!” أخرج التنين رأسه من القبة وزأر بصوت هز القلعة “ماذا تفعلون؟!”.
جلس التنين الأسود إغنيس المشتعل فوق البرج الغربي واضعاً براثنه الأمامية فوق أذنيه. إرتجفت حراشفه بوضوح ليس خوفاً بل من استنزاف هائل للطاقة والتوتر. جروحه التي لم تلتئم بعد بدأت تؤلمه بشدة مع الاهتزازات المستمرة ودخان النخالة أعاق تعافي جهازه التنفسي بشكل حرج. جلس ألكسندر في الفناء السفلي يشرب كوباً من الشاي الذي أعده جورج بينما يقف تيموثي بجانبه ممسكاً بآلة حاسبة خشبية.
تقدم ألكسندر من الأسفل حاملاً مكبر صوت سحرياً خشبياً.
“حوالي 12 قطعة ذهبية يا سيدي” أجاب تيموثي محدقاً في التنين بذهول “معظمها صُرف على حطب الملفوف وزيت المفاصل”.
“نحن نقوم بأعمال صيانة دورية للمبنى يا سيد إغنيس!” صرخ ألكسندر بنبرة مهذبة ومستفزة “السقف يعاني من تصدعات بسبب وزنك وإذا لم نثبت الدعامات الصلبة الآن فقد تنهار القبة بك لتجد نفسك تسقط في قبو المخللات السفلي! نحن نفعل هذا من أجل سلامتك!”.
طق. طق. طق.
زمجر التنين بغضب محاولاً التغاضي عن الصوت وإغلاق عينيه مجدداً لكن ألكسندر لم يكن قد أنهى عمله بعد.
“نعم يا سيدي؟”.
المرحلة الثانية: التضييق البيئي الخانق.
“شكراً على هذا التفاؤل الميداني يا كالدور” رد ألكسندر بتهكم.
أمر ألكسندر جورج الخباز بنقل جميع أفرانه الحجرية ومداخنه وتوجيهها مباشرة نحو الجزء الشمالي من البرج الغربي. أمره بإحراق أردأ أنواع الحطب الرطب الممزوج بالنخالة والبهارات الرخيصة التي تطلق دخاناً أبيض ثقيلاً يخنق الأنفاس. ارتفع الدخان ليتصادم مع دخان التنين الأسود معيقا قدرته على تنفس الهواء النقي المطلوب لتعافي رئتيه المجهدتين من نفث النيران في معركته الأخيرة.
الصعود إلى سطح البرج الغربي يماثل الصعود إلى فوهة بركان نائم على وشك الانفجار.
أااااااااطشو!.
طق. طق. طق.
عطس التنين عطسة هائلة أدت إلى انطلاق شعلة نارية ضخمة أحرقت 3 أشجار جافة في الوادي وجعلت جسده بالكامل يرتجف.
نظر ألكسندر إلى السماء المظلمة ثم إلى ملفات الميزانية المبللة في يده قبل أخذ نفس عميق.
“ما هذا الدخان الخانق؟!” صرخ التنين وهو يسعل بشدة وعيناه تدمعان “هل تحاولون قتلي اختناقاً؟!”.
رفع ألكسندر كفيه في الهواء ليوقف هذه الملحمة العبثية.
“أوه، نحن نعتذر منك! هذا هو المطبخ الملكي!” أمسك ألكسندر بمكبر الصوت مجدداً “وبما أنك تسد مدخنتنا الرئيسية اضطررنا لتحويل قنوات التهوية نحو الأعلى! يرجى الاستمتاع برائحة حساء الكرنب!”.
“40 سنة…” قال ألكسندر ببطء “إذن أنت ترفض الإخلاء الطوعي؟”.
المرحلة الثالثة: التحريض الروحي المباشر.
“أيها اللورد ألكسندر…” قال كالدور بصوت يخرج من بين فكيه كأنه احتكاك سلاسل صدئة في قاع سفينة غارقة “الاهتزازات الصادرة من القمة أزالت زبدة التشحيم عن مفصلي الأيمن بالكامل. أنا الآن لا أستطيع الالتفات إلى اليسار دون أن أصدر صوتاً يماثل صراخ طائر العندليب الممحون، جيشي العظمي يخسر هيبته! الجنود يظنون أنني أمتلك مشاعر داخلية لأن المفاصل ‘تبكي’ من الاحتكاك!”.
تم منح “نقابة الأشباح المنسية” إجازة رسمية لإقامة “ورشة تدريبية على العويل الهوائي” حول رأس التنين مباشرة. تجمع نحو 80 شبحاً ينوحون عن الرطوبة ومشاكلهم القديمة. لم تكن هذه الأصوات مؤذية جسدياً ولكنها تمنعه بشكل قاطع من الدخول في السبات العميق المطلوب لاستشفائه السحري.
ساد صمت مطلق في الوادي حتى الرياح الرعدية بدا وكأنها توقفت لتشاهد ماذا سيحدث للشخص الأحمق الذي يطرق على جبهة تنين أسود.
بحلول الساعة 14:00 ظهراً تبلور المشهد بالفعل.
“أجل يا سيدي” عدّل تيموثي نظارته البلاستيكية بمرارة “الفصل 5 من كتاب ‘الكائنات العظمى’. يتلخص البروتوكول في نقطتين: الأولى هي الهرب بسرعة 80 ميلاً في الساعة والثانية هي كتابة وصيتك الأخيرة أثناء الهرب”.
جلس التنين الأسود إغنيس المشتعل فوق البرج الغربي واضعاً براثنه الأمامية فوق أذنيه. إرتجفت حراشفه بوضوح ليس خوفاً بل من استنزاف هائل للطاقة والتوتر. جروحه التي لم تلتئم بعد بدأت تؤلمه بشدة مع الاهتزازات المستمرة ودخان النخالة أعاق تعافي جهازه التنفسي بشكل حرج.
جلس ألكسندر في الفناء السفلي يشرب كوباً من الشاي الذي أعده جورج بينما يقف تيموثي بجانبه ممسكاً بآلة حاسبة خشبية.
جلس التنين الأسود إغنيس المشتعل فوق البرج الغربي واضعاً براثنه الأمامية فوق أذنيه. إرتجفت حراشفه بوضوح ليس خوفاً بل من استنزاف هائل للطاقة والتوتر. جروحه التي لم تلتئم بعد بدأت تؤلمه بشدة مع الاهتزازات المستمرة ودخان النخالة أعاق تعافي جهازه التنفسي بشكل حرج. جلس ألكسندر في الفناء السفلي يشرب كوباً من الشاي الذي أعده جورج بينما يقف تيموثي بجانبه ممسكاً بآلة حاسبة خشبية.
“كم بلغت تكلفة هذه العملية حتى الآن يا تيموثي؟” سأل ألكسندر وهو يرشف رشفة شاي.
أمر ألكسندر جورج الخباز بنقل جميع أفرانه الحجرية ومداخنه وتوجيهها مباشرة نحو الجزء الشمالي من البرج الغربي. أمره بإحراق أردأ أنواع الحطب الرطب الممزوج بالنخالة والبهارات الرخيصة التي تطلق دخاناً أبيض ثقيلاً يخنق الأنفاس. ارتفع الدخان ليتصادم مع دخان التنين الأسود معيقا قدرته على تنفس الهواء النقي المطلوب لتعافي رئتيه المجهدتين من نفث النيران في معركته الأخيرة.
“حوالي 12 قطعة ذهبية يا سيدي” أجاب تيموثي محدقاً في التنين بذهول “معظمها صُرف على حطب الملفوف وزيت المفاصل”.
ساد الهدوء الوادي مجدداً.
“استثمار ممتاز لتجنب استنزاف طاقتنا في معركة مكلفة” قال ألكسندر، ثم وقف وأخذ مكبر الصوت متجهاً نحو قاعدة البرج.
“نعم يا سيدي؟”.
“سيد إغنيس!” صرخ ألكسندر.
“إنه… إنه ضخم جداً يا سيدي…” همس تيموثي مختبئاً خلف درع كالدور الصلب “هل تعتقد أنه سيأكلنا إذا أيقظناه؟”.
رفع التنين رأسه ببطء شديد حيث بدت نظراته مثل كائن قديم وخطير يزن خياراته. أجرى إغنيس تقييماً سريعاً للموقف؛ حرق القلعة لإبادة هؤلاء المزعجين سيكلفه ما تبقى من طاقته السحرية التي يحتاجها بشدة للتعافي أو لصد التنين الأحمر في حال عودته.
وقف ألكسندر مستقيماً وعدل ياقة قميصه المبللة قبل الرد “أنا ألكسندر المالك المسجل لهذه القلعة والمساحة العقارية المحيطة بها في سجلات الوادي” شرح بصوت واضح ومرفوع “وأنت يا سيد إغنيس تشغل حالياً مساحة غير مرخصة وتتسبب في أضرار هيكلية للبرج الغربي ناهيك عن التلوث البيئي والصوتي الذي يضر بالسكان”.
“ماذا… تريد؟” زمجر التنين بصوت خافت يتردد فيه تحذير خطير يعكس استنفاد صبره وموازنته لخياراته.
أااااااااطشو!.
“أردت فقط أن أبلغك بأن مناوبة العمل الأولى ستنتهي بعد قليل، والمناوبة الثانية تتضمن استخدام مناشير سحرية تعمل بالبخار لتغيير أخشاب السقف بالكامل!” قال ألكسندر بنبرة عملية جافة، ثم سحب ورقة مطوية من جيبه ولوح بها في الهواء “كما أود لفت انتباهك إلى المادة 14 من الميثاق العقاري المظلم: الإشغال غير المرخص الذي يتسبب في أضرار هيكلية يمنح مالك العقار الحق القانوني في الحجز على كنوز الشاغل وممتلكاته لسداد رسوم الصيانة… وبناءً عليه أرسلنا بالفعل فريقاً متخصصاً لتقييم ومصادرة مقتنياتك في كهوف الشمال كدفعة أولى”.
وقف ألكسندر خلف مكتبه. تقطر الماء من نهايات شعره الأسود مع قطعة من الغبار الكلسي تجلس فوق كتفه الأيسر كأنها وسام استحقاق. اتسعت حدقتا عينيه بنوع من الذهول العاطفي الذي يصل إليه المرء عندما يتجاوز مرحلة الغضب إلى مرحلة الاستسلام المطلق للكون.
اتسعت حدقة التنين الفسفورية. لم يكن النواح أو الدخان الخانق هو ما حسم الأمر بل تلك الحسابات البراغماتية الباردة. هو يعلم مدى الضعف الذي وصل إليه والآن هذا الساحر البيروقراطي الماكر يهدد كنزة الذي أمضى قروناً في جمعه.
“أردت فقط أن أبلغك بأن مناوبة العمل الأولى ستنتهي بعد قليل، والمناوبة الثانية تتضمن استخدام مناشير سحرية تعمل بالبخار لتغيير أخشاب السقف بالكامل!” قال ألكسندر بنبرة عملية جافة، ثم سحب ورقة مطوية من جيبه ولوح بها في الهواء “كما أود لفت انتباهك إلى المادة 14 من الميثاق العقاري المظلم: الإشغال غير المرخص الذي يتسبب في أضرار هيكلية يمنح مالك العقار الحق القانوني في الحجز على كنوز الشاغل وممتلكاته لسداد رسوم الصيانة… وبناءً عليه أرسلنا بالفعل فريقاً متخصصاً لتقييم ومصادرة مقتنياتك في كهوف الشمال كدفعة أولى”.
“أنت كائن خبيث… تدير حرب استنزاف بدم بارد” قال التنين وهو يهز رأسه ببطء وعيناه تلمعان بتقدير خفي لخطورة هذا المدير البيروقراطي “استخدام سحري لتسويتك بالأرض سيعرض استشفائي للخطر. احتفظ بقلعتك الملعونة سأذهب للتعافي في فوهة بركان نشط لترميم سحري وحماية كنوزي لكن تذكر… التنانين لا تنسى ديونها” نفض التنين جناحيه الضخمين.
–+–
أحدث اندفاع الهواء الصادر عن الجناحين عاصفة صغيرة أطارت بقبعة تيموثي وألقت بثلاثة هياكل عظمية في شجيرات الصبار. ارتفع إغنيس المشتعل في الهواء متجنباً إهدار طاقته الثمينة وتارکاً قبة البرج الغربي وهو يتنفس بصعوبة. اتجه بأقصى سرعة نحو الجبال الشمالية ليختفي بين الغيوم السوداء في ثوانٍ معدودة.
اهتز الدرج الحلزوني الحجري مع كل شخير وانبعثت من جدران القلعة حرارة قوية جعلت الهواء يتلألأ، عندما وصل ألكسندر وطاقمه إلى الباب المؤدي إلى السطح وجدوه قد ذاب جزئياً وتحول إلى طبقة من الفحم النباتي، دفع ألكسندر الباب بقدمه وخرج إلى الهواء الطلق حيث أصبح المشهد أسطورياً بالمعنى الحرفي.
ساد الهدوء الوادي مجدداً.
“تيموثي” قال ألكسندر متجهاً نحو القلعة بخطوات ثقيلة.
توقفت المطارق العظمية وتشتت دخان الملفوف في الهواء كما توقفت الأشباح عن العويل. وقف تيموثي بجانب ألكسندر وعيناه متسعتان تماماً محدقاً في النقطة التي اختفى فيها التنين.
عطس التنين عطسة هائلة أدت إلى انطلاق شعلة نارية ضخمة أحرقت 3 أشجار جافة في الوادي وجعلت جسده بالكامل يرتجف.
“سيدي…” همس تيموثي بنبرة إجلال حقيقية “لقد أجبرت تنيناً أسود قديماً على التراجع الاستراتيجي… دون أن تريق قطرة دم واحدة أو تطلق تعويذة”.
رفع ألكسندر كفيه في الهواء ليوقف هذه الملحمة العبثية.
“الدم والسحر مكلفان يا تيموثي” قال ألكسندر وهو ينزع النظارة الشمسية “أما الضغط الاقتصادي والتهديد بالاستنزاف… فهو لغة تفهمها حتى الوحوش الأسطورية”.
تنفس ألكسندر ببطء وطأطأ رأسه ثم وضع يده على جبهته.
التفت ألكسندر ليرى إيزابيلا تطوف ببطء نحوه وفي يدها مذكرة جديدة.
“أصدر أمراً فورياً لقسم الميكانيكا العظمية والمخبز. نحن سنبدأ بـ ‘عمليات الصيانة الشاملة’ للبرج الغربي”.
“عمل ممتاز يا سيدي” قالت إيزابيلا “غادر التنين والتهوية عادت لطبيعتها لكن…”.
“رائع! تعليم أكاديمي ممتاز” قال ألكسندر ثم التفت إلى إيزابيلا “ما هي مطالب الأشباح المعتادة؟”.
“ولكن ماذا يا إيزابيلا؟” تنهد ألكسندر ببطء.
رفع التنين رأسه ببطء شديد حيث بدت نظراته مثل كائن قديم وخطير يزن خياراته. أجرى إغنيس تقييماً سريعاً للموقف؛ حرق القلعة لإبادة هؤلاء المزعجين سيكلفه ما تبقى من طاقته السحرية التي يحتاجها بشدة للتعافي أو لصد التنين الأحمر في حال عودته.
“بما أن البرج الغربي فقد قرميده بالكامل خلال هذه العملية فإن المياه الناجمة عن إنذارات الحريق السحرية تسربت إلى القبو الثالث”.
“سيدي!” صرخ تيموثي ملوحاً بالأوراق “هذا مستحيل! الدخان الكبريتي ينزل عبر قنوات التهوية مباشرة إلى القبو الثاني! الأرشيف السري يحترق بطريقة غير مباشرة! اللعنات القديمة المكتوبة على ورق البردي بدأت تتفاعل مع الكبريت!”.
“وماذا يوجد في القبو الثالث؟”.
أحدث اندفاع الهواء الصادر عن الجناحين عاصفة صغيرة أطارت بقبعة تيموثي وألقت بثلاثة هياكل عظمية في شجيرات الصبار. ارتفع إغنيس المشتعل في الهواء متجنباً إهدار طاقته الثمينة وتارکاً قبة البرج الغربي وهو يتنفس بصعوبة. اتجه بأقصى سرعة نحو الجبال الشمالية ليختفي بين الغيوم السوداء في ثوانٍ معدودة.
“قسم ‘الجرذان العظمية’ يبدو أنها أصيبت بالبرد السحري وهي الآن تصدر صفيراً عالياً يمنع كالدور من دهن عظامه بالزبدة”.
“كم بلغت تكلفة هذه العملية حتى الآن يا تيموثي؟” سأل ألكسندر وهو يرشف رشفة شاي.
نظر ألكسندر إلى السماء المظلمة ثم إلى ملفات الميزانية المبللة في يده قبل أخذ نفس عميق.
“شكراً على هذا التفاؤل الميداني يا كالدور” رد ألكسندر بتهكم.
“تيموثي” قال ألكسندر متجهاً نحو القلعة بخطوات ثقيلة.
أما اللورد كالدور فقد تقدم خطوتين ورفع يده العظمية نحو السقف، الشخير القادم من الأعلى جعل درعه الفولاذي يهتز بأسلوب جعله يبدو وكأنه يعزف على آلة إيقاعية رديئة.
“نعم يا سيدي؟”.
التفت التنين بجسده الهائل قليلاً مما أدى إلى انهيار جزء آخر من القرميد وسقوطه في الفناء السفلي.
“أضف قطرات مضادة للبرد للجرذان العظمية في قائمة المشتريات القادمة وإذا جاء أي تنين آخر يسأل عن مكان للنوم… أرسل له لائحة الرسوم القانونية مقدماً”.
التفت ألكسندر ليرى إيزابيلا تطوف ببطء نحوه وفي يدها مذكرة جديدة.
“علم ويُنفذ يا سيدي”.
بدأت الخطة في تمام الساعة 6:00 صباحاً.
دخل ألكسندر إلى القلعة وفي الخلفية أصوات صفير الجرذان العظمية تبدأ في الارتفاع لتعلن عن بداية أزمة إدارية جديدة.
“قسم ‘الجرذان العظمية’ يبدو أنها أصيبت بالبرد السحري وهي الآن تصدر صفيراً عالياً يمنع كالدور من دهن عظامه بالزبدة”.
–+–
“قيلولة خفيفة…” كرر ألكسندر الكلمة محدقاً في الفتحة الضخمة بالسقف والتي يطل منها ذيل أسود يتدلى منه جزء من القرميد المكسور “وكم تستغرق القيلولة الخفيفة لدى التنانين السوداء يا إيزابيلا؟”.
“أيها اللورد ألكسندر…” قال كالدور بصوت يخرج من بين فكيه كأنه احتكاك سلاسل صدئة في قاع سفينة غارقة “الاهتزازات الصادرة من القمة أزالت زبدة التشحيم عن مفصلي الأيمن بالكامل. أنا الآن لا أستطيع الالتفات إلى اليسار دون أن أصدر صوتاً يماثل صراخ طائر العندليب الممحون، جيشي العظمي يخسر هيبته! الجنود يظنون أنني أمتلك مشاعر داخلية لأن المفاصل ‘تبكي’ من الاحتكاك!”.
أشارت الساعة إلى 4:30 صباحاً عندما اهتزت الشمعدانات النحاسية في سقف قاعة العرش، ثم تبعها انهيار رزين لكتلة صخرية يبلغ وزنها نصف طن سقطت بدقة متناهية فوق حافة مكتب ألكسندر الخشبي.
