عاطفة معدنية
إقتربت الساعة من الثانية بعد منتصف الليل في قلعة “الرعب الأبدي” وهو الوقت الذي يُفترض فيه نظرياً أن يعم الهدوء الميت أروقة المكان، بإستثناء عواء ذئب شارد أو صرير سلسلة حديدية تتدلى من الأبراج. لكن في مكتب الإدارة العليا الوضع أبعد ما يكون عن السكون.
“إنه انعكاس مشعل الساحر على بقعة من الزيت القديم يا ريجنالد” قال تيموثي بجفاف لكن ريجنالد لم يكن يستمع.
جلس ألكسندر خلف مكتبه الخشبي المكدس بالملفات، وعيناه المحاطتان بهالات سوداء عميقة تحدقان في ورقة لا تبدو الأرقام فيها منطقية بأي شكل من الأشكال. على طاولة صغيرة في زاوية الغرفة جلس تيموثي، الساحر الشاب الذي جاء قبل أسابيع لغزو العالم وانتهى به الأمر كـ “مستحضر أرواح مساعد مكلف بالأعمال الكتابية”، ضغط على أزرار آلة حاسبة خشبية سحرية بتعبير من الفراغ الروحي التام الذي يرتسم على وجهه.
“تيموثي…” قال ألكسندر بصوت خافت دون أن يرفع عينيه عن الورقة “هل يمكنك أن تشرح لي كيف تم صرف 300 قطعة نحاسية تحت بند ‘مستحضرات تجميل وتلميع’ لقسم حرس البوابة؟”.
“ريجنالد” بدأ ألكسندر بمحاولة عقلانية أخيرة “أنت هيكل عظمي وهذا درع وتلك خوذة. الدروع لا تقع في الحب، الدروع تصد السهام وتتلقى ضربات السيوف. ما تشعر به ليس اهتزازاً عاطفياً بل هو مجرد تفاعل صدئ بسبب الرطوبة المرتفعة في القلعة التي طلبتم أنتم أنفسكم زيادتها”.
“نعم يا سيدي” توقف تيموثي عن النقر ومسح جبهته التي تلطخت بحبر الأختام “قدم قائد الحرس إلتماساً الأسبوع الماضي يفيد بأن الرطوبة في الخندق المائي تجعل جماجمهم تبدو باهتة، ومفتقرة إلى اللمعان المرعب المطلوب لتخويف المتسللين. طلبوا شمع العسل لتلميع الجبهة فوافقت إيزابيلا على الطلب تحت بند ‘تعزيز الثقة بالنفس للموظفين في الخطوط الأمامية'”.
“هراء!” ضرب كالدور بقبضته العظمية على صدره “اكتب لها التالي: ‘أيتها الخوذة إذا لم تقبلي بحبي سأغزو المتحف وأسحق جميع المزهريات المحيطة بك لأعلقك على رمحي كدليل على سطوتي!’. ثق بي يا فتى هذا سيجعل قناعها الحديدي يرتجف من الإعجاب”.
تنهد ألكسندر تنهيدة طويلة كادت أن تطفئ الشموع المعلقة في الثريا. قبل أن يتمكن من صياغة قرار إداري يمنع استخدام شمع العسل على العظام الميتة، اهتزت جدران المكتب فجأة على وقع صوت اصطدام معدني عنيف، تبعه صوت نحيب مدوٍ – ليس نحيباً بشريا بل صوت يشبه احتكاك صفائح الحديد الصدئة ببعضها البعض – ممزوجاً بصراخ مأساوي.
“تآكل جلفاني! يا للعار!” صرخ ريجنالد وهو يضرب صدره بقبضته “كنت مستعداً لتقديم قلبي المعدني لكنني لن أسمح لقطعة خردة من العهد الخامس بتدمير سلامتي الهيكلية! درعي الصدري يمتلك كرامة كربونية أعلى من هذا الهراء!”.
كلاااااانغ!.
“لا” تراجع تيموثي خطوة للوراء وارتجفت يده التي تمسك بالقلم. “لا يا سيدي أرجوك، أنا ساحر ظلام أنا أستدعي أرواح القتلة والمجرمين ولا أكتب قصائد غزل لخوذة!”.
“آآآآآآآآه! يا لقسوة القدر!”.
تقدم تيموثي بخطوات محسوبة وتنحنح بصوت خافت ممسكاً بملف ورقي مختوم بختم الإدارة العليا الأحمر.
توقف ألكسندر وتيموثي عن العمل في نفس اللحظة وتبادلا نظرة صامتة تحمل مزيجاً من الإرهاق والتسليم المطلق للقدر.
“نعم يا سيدي؟”.
انبثقت السيدة إيزابيلا من الجدار الحجري الأيمن معدلة قبعتها الشفافة بعناية فائقة بينما يحمل وجهها تعبيراً إدارياً صارماً لا يبشر بالخير.
توقف ألكسندر وتيموثي عن العمل في نفس اللحظة وتبادلا نظرة صامتة تحمل مزيجاً من الإرهاق والتسليم المطلق للقدر.
“أعتذر عن المقاطعة في وقت متأخر من نوبة العمل الليلية يا سيدي” قالت إيزابيلا بصوت شبحي بارد “ولكن لدينا أزمة عاطفية من الدرجة الأولى في الجناح الشرقي”.
“بل الأسوأ يا سيدي، لقد وقع في الحب أو بالأحرى… درعه الفولاذي وقع في الحب”.
“أزمة عاطفية؟” كرر ألكسندر الكلمة وكأنها لغة أجنبية لم يسمع بها من قبل “إيزابيلا، الجناح الشرقي يحتوي على ‘المتحف التذكاري’ الذي أنشأناه الشهر الماضي فقط لإلهاء الأشباح عن الشكوى من الفراغ. لا يوجد هناك سوى أسلحة قديمة، دروع محطمة، ومزهريات قبيحة… من بالضبط يعاني من أزمة عاطفية هناك؟”.
جلس تيموثي على مكتبه واضعا رأسه بين يديه وأمامه كومة من الأوراق المجعدة التي ألقاها بعيداً، محاولة كتابة قصيدة غزل بالنيابة عن درع معدني هي أقسى تعذيب نفسي تعرض له منذ انضمامه إلى قلعة الظلام.
“إنه السير ريجنالد يا سيدي، الحارس المدرع من الكتيبة الرابعة”.
“إنه السير ريجنالد يا سيدي، الحارس المدرع من الكتيبة الرابعة”.
“وما خطب ريجنالد؟ هل سقطت إحدى فقراته القطنية مجدداً؟ لقد أخبرته ألا يحاول ممارسة تمارين الإطالة”.
سمع صوت قطرة حبر سقطت من ريشة تيموثي لترتطم بالورقة.
“بل الأسوأ يا سيدي، لقد وقع في الحب أو بالأحرى… درعه الفولاذي وقع في الحب”.
بدأ تيموثي في الكتابة: “إلى الليدي خوذة زينة الجناح الشرقي وقاهرة الصدأ… منذ أن انعكس ضوء المشاعل على معدنك الباهت أدرك درعي أن سبائكنا قد صُهرت لتكون معاً… أعدك بأنني سأكون لكِ مظلة تحميكِ من الأمطار الحمضية وسأوفر لكِ شمع التلميع الفاخر أسبوعياً. لن أسمح للرطوبة أن تتسلل إلى مساميعك الحديدية… هل تقبلين بمشاركة المنصة معي في موعد عشاء رومانسي تحت ضوء الشموع الكبريتية؟… المخلص دائماً لتطابق مقاساتك الدرع الصدري للسير ريجنالد”.
ساد صمت ثقيل في الغرفة.
في الشرفة العلوية صمت ألكسندر لدقيقة كاملة بعد أن راقب نهاية هذه الدراما السريالية.
سمع صوت قطرة حبر سقطت من ريشة تيموثي لترتطم بالورقة.
تم تسليم الرسالة رسمياً في مساء ذلك اليوم.
“إيزابيلا” قال ألكسندر مغلقا عينيه ليدلك ما بين حاجبيه “هل تخبرينني أن قطعة من المعدن الميت التي لا تملك نظاماً عصبياً ولا قلباً يضخ الدماء ولا وعياً بيولوجياً تعاني من خفقان عاطفي؟”.
تم تسليم الرسالة رسمياً في مساء ذلك اليوم.
“الأمور أعقد من ذلك يا سيدي، السير ريجنالد يهدد بتفكيك نفسه بالكامل إذا لم تتدخل الإدارة العليا لحل هذه المأساة الرومانسية، إن الروح المعنوية للكتيبة الرابعة بأكملها في خطر. بدأت بعض الهياكل العظمية في ذرف دموع وهمية تضامناً معه مما أدى إلى تكون برك من الماء السحري في الممرات وتسبب في انزلاق 3 غيلان”.
نقل ألكسندر نظره من ريجنالد إلى الخوذة الصدئة ثم إلى تيموثي الذي يكتب الملاحظات بوجه خالٍ تماماً من المشاعر، فقد وصل الشاب إلى مرحلة من التبلد الوظيفي تمنعه من الاستغراب.
“تيموثي” وقف ألكسندر ببطء شديد ثم ارتدى معطفه الأسود “أحضر دفتر الملاحظات وقلم حبر أحمر. يبدو أننا سنضطر للتعامل مع شكوى عمالية معدنية”.
تم تسليم الرسالة رسمياً في مساء ذلك اليوم.
الجناح الشرقي بارد وتضيئه مشاعل تنبعث منها نيران زرقاء باهتة.
تكفل تيموثي بالوقوف أمام الصندوق الزجاجي لقراءة الرسالة بصوت عالٍ ودرامي بينما يقف ريجنالد خلفه، فرك يديه العظميتين بتوتر مع حشد من الهياكل العظمية يترقبون النتيجة بصمت مقدس وعندما انتهى ساد صمت طويل.
المتحف التذكاري للقلعة ليس سوى قاعة طويلة تم ترتيب بعض القطع الأثرية البالية فيها على منصات خشبية محاطة بحبال حمراء مهترئة، في منتصف القاعة جثى السير ريجنالد – وهو هيكل عظمي طويل يرتدي درعاً صدرية فولاذية ضخمة تعود إلى الحقبة الرابعة – على ركبتيه العظميتين أمام منصة عرض زجاجية، ضرب بقبضته المعدنية على صدره بشكل مسرحي مطلقا أصواتاً تشبه عويل الرياح داخل أنبوب صدئ، تجمع حوله حشد من الأشباح والغيلان والهياكل العظمية مراقبين المشهد بتأثر بالغ – حتى أن بعض الأشباح مسحت دموعاً غير مرئية بمناديل شفافة.
“نعم يا سيدي؟”.
“يا إلهي، ألا تسمعون نبضاته؟ ألا تشعرون بحرقة الاشتياق التي تصهر الحديد؟” صرخ ريجنالد بينما درعه الصدري يصدر أصوات طقطقة خفيفة بسبب حركة عظامه.
“هل تذكرين أيام العهد الرابع يا عزيزتي؟” تحدث ريجنالد بحماس غير منقطع “عندما كنا نصد ضربات الرماح معاً؟ أتذكر يومها عندما انبعجتِ من الجانب الأيسر وكيف خدش كتفي الأيمن! كانت أياماً مجيدة!”.
تقدم ألكسندر وسط الحشد الذي انشق فوراً مفسحاً له المجال ليقف خلف ريجنالد محدقا في المنصة الزجاجية، داخل الصندوق الزجاجي إستقرت خوذة حديدية قديمة مليئة بالخدوش، ولها حاجب للرؤية مثقوب بشكل غير متماثل، وُضعت فوقها شريطة وردية صغيرة تآكلت أطرافها.
“سيدي!” صرخ ريجنالد ممسكا بحافة معطف ألكسندر “إنها هي! لقد وجدتها أخيراً بعد قرون من الفراق!”.
“ريجنالد” قال ألكسندر بصوت هادئ محاولاً السيطرة على أعصابه “ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم السفلي؟”.
“بيئة خالية من الرطوبة…” أضاءت عينا تيموثي ملتقطا ريشته فوراً “هذا منطقي! هذا ذكي جداً يا سيدي!”.
التفت الهيكل العظمي نحو سيده، إشتعل تجويفا العيون بشرارتين زرقاوين ترتجفان بشكل يشبه البكاء.
“حديد؟! ونحاس مطلي؟!” تراجع ريجنالد خطوة للوراء وكأنه تلقى طعنة.
“سيدي!” صرخ ريجنالد ممسكا بحافة معطف ألكسندر “إنها هي! لقد وجدتها أخيراً بعد قرون من الفراق!”.
“تيموثي” وقف ألكسندر ببطء شديد ثم ارتدى معطفه الأسود “أحضر دفتر الملاحظات وقلم حبر أحمر. يبدو أننا سنضطر للتعامل مع شكوى عمالية معدنية”.
“من هي؟”.
–+–
“الليدي خوذة!” أشار ريجنالد بإصبعه العظمي نحو المنصة الزجاجية “عندما كنت أقوم بدورية الحراسة في المتحف مررت بجانب هذه المنصة وفجأة… شعر درعي الصدري بإهتزاز كهرومغناطيسي سحري! تذكر الصياغة! تذكر نار الحداد الذي صهرهما معاً في نفس البوتقة من العهد الرابع! إنهما من نفس سبائك الحديد يا سيدي! إن درعي يرتجف… إنه يطلب العودة إلى نصفه الأعلى!”.
“إنه استثمار في الروح المعنوية يا سيدي” أجابت إيزابيلا التي تنظر بإبتسامة ناعمة نحو الطاولة “انظر إليه… ريجنالد يبدو سعيداً جداً”.
نقل ألكسندر نظره من ريجنالد إلى الخوذة الصدئة ثم إلى تيموثي الذي يكتب الملاحظات بوجه خالٍ تماماً من المشاعر، فقد وصل الشاب إلى مرحلة من التبلد الوظيفي تمنعه من الاستغراب.
“آآآآآآآآه! يا لقسوة القدر!”.
“ريجنالد” بدأ ألكسندر بمحاولة عقلانية أخيرة “أنت هيكل عظمي وهذا درع وتلك خوذة. الدروع لا تقع في الحب، الدروع تصد السهام وتتلقى ضربات السيوف. ما تشعر به ليس اهتزازاً عاطفياً بل هو مجرد تفاعل صدئ بسبب الرطوبة المرتفعة في القلعة التي طلبتم أنتم أنفسكم زيادتها”.
“عذراً للمقاطعة يا سير ريجنالد في هذا الموعد الرومانسي” قال تيموثي بنبرة رسمية جافة “ولكن الإدارة العليا تلقت للتو تقرير ‘المطابقة الأثرية’ العاجل من قسم التنقيب”.
“أنت لا تفهم يا سيدي!” قاطعه ريجنالد ووقف على قدميه منتصباً “البشر يقعون في حب اللحم والدم ونحن المعدنيين نقع في حب الكربون والحديد! درعي يرفض النوم! يرفض التلميع بشمع العسل! إنه يطالب بفرصة للتعبير عن مشاعره المكبوتة تجاه الليدي خوذة!”.
“بيئة خالية من الرطوبة…” أضاءت عينا تيموثي ملتقطا ريشته فوراً “هذا منطقي! هذا ذكي جداً يا سيدي!”.
“سيدي” همس تيموثي في أذن ألكسندر “قانون حقوق الأرواح الميتة الذي وقعت عليه الشهر الماضي في البند 7 الفقرة ب، ينص على حق جميع الكيانات التابعة للقلعة في متابعة ‘مساعي تحقيق الذات العاطفية’ طالما لا تتعارض مع أوقات الدوام الرسمي”.
رغم عبثية الموقف وضياع ساعات من العمل في التخطيط لموعد غرامي بين درع وخوذة إلا أن الروح المعنوية في القلعة ارتفعت بشكل ملحوظ، وجدت الهياكل العظمية مادة للثرثرة وعاشت الأشباح دراما مسائية ممتعة أما تيموثي… فحصل على مهارة “مستشار علاقات عاطفية للجمادات” في سيرته الذاتية.
أغلق ألكسندر عينيه وهو يعلم تماماً أن رفضه القاطع سيؤدي إلى إضراب جديد، سيبدأ كالدور بالحديث عن كيفية قمع المشاعر وتأثيرها السلبي على الجاهزية القتالية، وستقوم إيزابيلا برفع شكوى رسمية ضده بتهمة التمييز ضد المعادن.
إقتربت الساعة من الثانية بعد منتصف الليل في قلعة “الرعب الأبدي” وهو الوقت الذي يُفترض فيه نظرياً أن يعم الهدوء الميت أروقة المكان، بإستثناء عواء ذئب شارد أو صرير سلسلة حديدية تتدلى من الأبراج. لكن في مكتب الإدارة العليا الوضع أبعد ما يكون عن السكون.
“حسناً…” نطق ألكسندر الكلمة ببطء شديد وكأنها تُنتزع من روحه “ماذا تريد يا ريجنالد؟ هل أكسر الزجاج وأضع الخوذة فوق رأسك؟”.
“أنت لا تفهم يا سيدي!” قاطعه ريجنالد ووقف على قدميه منتصباً “البشر يقعون في حب اللحم والدم ونحن المعدنيين نقع في حب الكربون والحديد! درعي يرفض النوم! يرفض التلميع بشمع العسل! إنه يطالب بفرصة للتعبير عن مشاعره المكبوتة تجاه الليدي خوذة!”.
“كلا! يا للهمجية!” تراجع ريجنالد خطوة للوراء بصدمة مصطنعة “الليدي خوذة ليست غنيمة حرب! إنها قطعة أثرية نبيلة! يجب أن يتم الأمر وفقاً للأصول الكلاسيكية للفروسية والرومانسية”.
“اللورد كالدور نحن لا نتحدث عن امرأة” رفع تيموثي رأسه بيأس “نحن نتحدث عن خوذة موضوعة في صندوق زجاجي لا أعتقد أن التهديد سينجح”.
“وما هي الأصول الكلاسيكية لمغازلة قطعة خردة؟”.
استدار ريجنالد بثقة ومشى مبتعداً بخطوات فخورة وظهر منتصب تاركاً الليدي خوذة وحيدة فوق وسادتها المخملية.
“يجب أن نتبادل الرسائل! درعي الصدري يود أن يرسل لها قصائد تعبر عن صلابة حبه ولمعان عشقه ولكن كما تعلم يا سيدي… أنا هيكل عظمي ودرعي لا يمتلك أصابع للكتابة كما أنني لا أجيد صياغة الكلمات الرقيقة… أحتاج إلى وسيط يكتب رسائل الحب بالنيابة عن عظامي”.
“لا تستمع إليه يا تيموثي” تقدم جورج الخباز بمئزره المليء بالطحين “العنف لا يخبز خبزاً جيداً لأن الحب يشبه العجين! يحتاج إلى وقت ليختمر ويحتاج إلى دفء، اكتب لها التالي: ‘يا خوذتي العزيزة أنتِ تشبهين رغيف الخبز الأسمر المحمص… صلبة وقاسية من الخارج لكنني متأكد أن داخلك مليء بالتجاويف الدافئة التي تنتظر أن تُملأ بالزبدة'”.
التفت ألكسندر ببطء شديد نحو تيموثي.
“ريجنالد” بدأ ألكسندر بمحاولة عقلانية أخيرة “أنت هيكل عظمي وهذا درع وتلك خوذة. الدروع لا تقع في الحب، الدروع تصد السهام وتتلقى ضربات السيوف. ما تشعر به ليس اهتزازاً عاطفياً بل هو مجرد تفاعل صدئ بسبب الرطوبة المرتفعة في القلعة التي طلبتم أنتم أنفسكم زيادتها”.
“لا” تراجع تيموثي خطوة للوراء وارتجفت يده التي تمسك بالقلم. “لا يا سيدي أرجوك، أنا ساحر ظلام أنا أستدعي أرواح القتلة والمجرمين ولا أكتب قصائد غزل لخوذة!”.
“من هي؟”.
“تيموثي بناءً على صلاحياتي كمدير تنفيذي واستناداً إلى قدراتك العالية في استخدام الأقلام والورق…” أعطاه ألكسندر إبتسامة إدارية باردة ومظلمة “أرقيك رسمياً إلى منصب ‘الكاتب العاطفي الأكبر’ مهمتك الأولى هي: صياغة 3 رسائل حب معدنية وإيصالها لليدي خوذة”.
“الأمور أعقد من ذلك يا سيدي، السير ريجنالد يهدد بتفكيك نفسه بالكامل إذا لم تتدخل الإدارة العليا لحل هذه المأساة الرومانسية، إن الروح المعنوية للكتيبة الرابعة بأكملها في خطر. بدأت بعض الهياكل العظمية في ذرف دموع وهمية تضامناً معه مما أدى إلى تكون برك من الماء السحري في الممرات وتسبب في انزلاق 3 غيلان”.
—
–+–
في اليوم التالي تحول مكتب الإدارة إلى خلية أزمة أدبية.
“تقرير مطابقة؟” التفت ريجنالد بجمجمته ووميض عينيه الأزرق يرتجف “ماذا تقصد أيها الكاتب العاطفي؟”.
جلس تيموثي على مكتبه واضعا رأسه بين يديه وأمامه كومة من الأوراق المجعدة التي ألقاها بعيداً، محاولة كتابة قصيدة غزل بالنيابة عن درع معدني هي أقسى تعذيب نفسي تعرض له منذ انضمامه إلى قلعة الظلام.
في اليوم التالي:
دُفع الباب بصرير حاد ودخل اللورد كالدور يتبعه جورج الخباز الميت، انتشر خبر الرسائل الغرامية كالنار في الهشيم حيث أصبح جميع الموتى مهتمين بمتابعة هذه الملحمة العاطفية بل وقدموا النصائح التطوعية.
استقر ألكسندر خلف مكتبه مجدداً وسحب ورقة الميزانية متمتماً في نفسه بصوت لا يكاد يُسمع “يجب أن أطلب ميزانية إضافية لجلب طبيب نفسي… لطاقم الصيانة”.
“أيها الساحر الشاب!” قرقع كالدور بصوته الجهوري الذي يشبه اصطدام الصخور “سمعت أنك تواجه صعوبة في كتابة رسالة الغزل لذا جئت لأقدم لك خبرتي كقائد للبحار السبعة! النساء يحببن القوة والتهديد الواضح!”.
التفت الهيكل العظمي نحو سيده، إشتعل تجويفا العيون بشرارتين زرقاوين ترتجفان بشكل يشبه البكاء.
“اللورد كالدور نحن لا نتحدث عن امرأة” رفع تيموثي رأسه بيأس “نحن نتحدث عن خوذة موضوعة في صندوق زجاجي لا أعتقد أن التهديد سينجح”.
“سيدي!” صرخ ريجنالد ممسكا بحافة معطف ألكسندر “إنها هي! لقد وجدتها أخيراً بعد قرون من الفراق!”.
“هراء!” ضرب كالدور بقبضته العظمية على صدره “اكتب لها التالي: ‘أيتها الخوذة إذا لم تقبلي بحبي سأغزو المتحف وأسحق جميع المزهريات المحيطة بك لأعلقك على رمحي كدليل على سطوتي!’. ثق بي يا فتى هذا سيجعل قناعها الحديدي يرتجف من الإعجاب”.
في الزاوية وقف هيكل عظمي يعزف على كمان مكسور الأوتار لحناً جنائزياً كئيباً يُفترض أنه موسيقى رومانسية، بينما وقف تيموثي بزي رسمي كنادل يحمل منشفة بيضاء على ذراعه بإنتظار تقديم الطلبات.
“هذا إعلان حرب وليس رسالة حب” تمتم تيموثي بيننا يمسح وجهه بيده.
بعد حوالي نصف ساعة من المونولوج العاطفي المستمر من طرف واحد بدأ التوتر يظهر على ريجنالد، توقفت حماسته وبدأ ينظر إلى الخوذة بنظرات تساؤل قلق.
“لا تستمع إليه يا تيموثي” تقدم جورج الخباز بمئزره المليء بالطحين “العنف لا يخبز خبزاً جيداً لأن الحب يشبه العجين! يحتاج إلى وقت ليختمر ويحتاج إلى دفء، اكتب لها التالي: ‘يا خوذتي العزيزة أنتِ تشبهين رغيف الخبز الأسمر المحمص… صلبة وقاسية من الخارج لكنني متأكد أن داخلك مليء بالتجاويف الدافئة التي تنتظر أن تُملأ بالزبدة'”.
–+–
توقف تيموثي عن التنفس لثانية كاملة وهو ينظر إلى جورج “هل تدرك أنك تقترح علي أن أغازل قطعة أثرية بإستخدام تشبيهات معجنات محشوة بالزبدة؟”.
“إنه السير ريجنالد يا سيدي، الحارس المدرع من الكتيبة الرابعة”.
في تلك اللحظة دخل ألكسندر إلى المكتب حاملا كوباً من القهوة السادة ويبدو عليه التعب المعتاد.
جلس ألكسندر في شرفة الطابق العلوي المطلة على القاعة ليراقب المشهد بصحبة إيزابيلا مع كوب قهوة لا يفارق يده.
“كيف تسير الأمور الأدبية يا شكسبير الجحيم؟” سأل ألكسندر بعد أن جلس على كرسيه.
“وما خطب ريجنالد؟ هل سقطت إحدى فقراته القطنية مجدداً؟ لقد أخبرته ألا يحاول ممارسة تمارين الإطالة”.
“سيدي أنا أستقيل، أنا مستعد للعودة إلى الأكاديمية والعمل كبواب بدلاً من هذا! كالدور يريدني أن أهدد الخوذة وجورج يريدني أن أحشوها بالزبدة”.
انبثقت السيدة إيزابيلا من الجدار الحجري الأيمن معدلة قبعتها الشفافة بعناية فائقة بينما يحمل وجهها تعبيراً إدارياً صارماً لا يبشر بالخير.
“تجاهلهما وفكر مثل بيروقراطي وليس كشاعر” قال ألكسندر ببرود “ما الذي تحبه المعادن؟ تحب الاستقرار وعدم التعرض للأكسدة والتلميع الدوري لذا استخدم هذه المفردات، أكتب لها أن ريجنالد سيوفر بيئة خالية من الرطوبة وسيحميها من الصدأ وسيتكفل بجميع نفقات شمع العسل لتلميعها… هذا هو الحب الحقيقي في عالم البيروقراطية”.
“لا” تراجع تيموثي خطوة للوراء وارتجفت يده التي تمسك بالقلم. “لا يا سيدي أرجوك، أنا ساحر ظلام أنا أستدعي أرواح القتلة والمجرمين ولا أكتب قصائد غزل لخوذة!”.
“بيئة خالية من الرطوبة…” أضاءت عينا تيموثي ملتقطا ريشته فوراً “هذا منطقي! هذا ذكي جداً يا سيدي!”.
بدأ تيموثي في الكتابة: “إلى الليدي خوذة زينة الجناح الشرقي وقاهرة الصدأ… منذ أن انعكس ضوء المشاعل على معدنك الباهت أدرك درعي أن سبائكنا قد صُهرت لتكون معاً… أعدك بأنني سأكون لكِ مظلة تحميكِ من الأمطار الحمضية وسأوفر لكِ شمع التلميع الفاخر أسبوعياً. لن أسمح للرطوبة أن تتسلل إلى مساميعك الحديدية… هل تقبلين بمشاركة المنصة معي في موعد عشاء رومانسي تحت ضوء الشموع الكبريتية؟… المخلص دائماً لتطابق مقاساتك الدرع الصدري للسير ريجنالد”.
“هل تذكرين أيام العهد الرابع يا عزيزتي؟” تحدث ريجنالد بحماس غير منقطع “عندما كنا نصد ضربات الرماح معاً؟ أتذكر يومها عندما انبعجتِ من الجانب الأيسر وكيف خدش كتفي الأيمن! كانت أياماً مجيدة!”.
—
“كلا! يا للهمجية!” تراجع ريجنالد خطوة للوراء بصدمة مصطنعة “الليدي خوذة ليست غنيمة حرب! إنها قطعة أثرية نبيلة! يجب أن يتم الأمر وفقاً للأصول الكلاسيكية للفروسية والرومانسية”.
تم تسليم الرسالة رسمياً في مساء ذلك اليوم.
“ريجنالد” قال ألكسندر بصوت هادئ محاولاً السيطرة على أعصابه “ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم السفلي؟”.
تكفل تيموثي بالوقوف أمام الصندوق الزجاجي لقراءة الرسالة بصوت عالٍ ودرامي بينما يقف ريجنالد خلفه، فرك يديه العظميتين بتوتر مع حشد من الهياكل العظمية يترقبون النتيجة بصمت مقدس وعندما انتهى ساد صمت طويل.
“نعم يا سيدي؟”.
“انظروا!” صرخ ريجنالد فجأة “لقد لمع حاجبها! أقسم أنني رأيت لمعة إعجاب! إنها تقبل الموعد!”.
استدار ريجنالد بثقة ومشى مبتعداً بخطوات فخورة وظهر منتصب تاركاً الليدي خوذة وحيدة فوق وسادتها المخملية.
“إنه انعكاس مشعل الساحر على بقعة من الزيت القديم يا ريجنالد” قال تيموثي بجفاف لكن ريجنالد لم يكن يستمع.
“انظروا!” صرخ ريجنالد فجأة “لقد لمع حاجبها! أقسم أنني رأيت لمعة إعجاب! إنها تقبل الموعد!”.
بدأ في الرقص المنتشي واصطدمت عظامه ببعضها البعض محدثة جلبة هائلة.
“بيئة خالية من الرطوبة…” أضاءت عينا تيموثي ملتقطا ريشته فوراً “هذا منطقي! هذا ذكي جداً يا سيدي!”.
وبهذا وُضعت الإدارة العليا أمام التحدي الأكبر: تنظيم موعد غرامي.
تم تسليم الرسالة رسمياً في مساء ذلك اليوم.
—
“ريجنالد” قال ألكسندر بصوت هادئ محاولاً السيطرة على أعصابه “ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم السفلي؟”.
في اليوم التالي:
على أحد الكراسي جلس السير ريجنالد الذي بذل مجهوداً خرافياً لتلميع درعه الصدري حتى أصبح يعكس صورة المكان كالمرآة. على الكرسي المقابل وُضعت الليدي خوذة فوق وسادة حمراء مخملية ورُبطت شريطتها الوردية من جديد لتبدو بأبهى حلة.
تم تجهيز زاوية هادئة في القاعة الكبرى حيث أمر ألكسندر بإحضار طاولة خشبية مستديرة وتغطيتها بمفرش أحمر ممزق الأطراف ليبدو الأمر درامياً، وضعت في المنتصف شمعدانات تنبعث منها نيران خضراء خافتة.
بدأ تيموثي في الكتابة: “إلى الليدي خوذة زينة الجناح الشرقي وقاهرة الصدأ… منذ أن انعكس ضوء المشاعل على معدنك الباهت أدرك درعي أن سبائكنا قد صُهرت لتكون معاً… أعدك بأنني سأكون لكِ مظلة تحميكِ من الأمطار الحمضية وسأوفر لكِ شمع التلميع الفاخر أسبوعياً. لن أسمح للرطوبة أن تتسلل إلى مساميعك الحديدية… هل تقبلين بمشاركة المنصة معي في موعد عشاء رومانسي تحت ضوء الشموع الكبريتية؟… المخلص دائماً لتطابق مقاساتك الدرع الصدري للسير ريجنالد”.
على أحد الكراسي جلس السير ريجنالد الذي بذل مجهوداً خرافياً لتلميع درعه الصدري حتى أصبح يعكس صورة المكان كالمرآة. على الكرسي المقابل وُضعت الليدي خوذة فوق وسادة حمراء مخملية ورُبطت شريطتها الوردية من جديد لتبدو بأبهى حلة.
“إيزابيلا” قال ألكسندر ببطء بعد أن أخذ رشفة من قهوته.
في الزاوية وقف هيكل عظمي يعزف على كمان مكسور الأوتار لحناً جنائزياً كئيباً يُفترض أنه موسيقى رومانسية، بينما وقف تيموثي بزي رسمي كنادل يحمل منشفة بيضاء على ذراعه بإنتظار تقديم الطلبات.
جلس ألكسندر في شرفة الطابق العلوي المطلة على القاعة ليراقب المشهد بصحبة إيزابيلا مع كوب قهوة لا يفارق يده.
—
“هل تصدقين أننا نصرف موارد القلعة وطاقتنا التشغيلية على هذا الهراء؟” قال ألكسندر بصوت خافت.
في قلعة الرعب الأبدي يعتبر أي يوم ينتهي دون أن تنفجر فيه لعنة قديمة أو يقتحم فيه الفارس لوسيان الأبواب يوماً إدارياً ناجحاً بإمتياز.
“إنه استثمار في الروح المعنوية يا سيدي” أجابت إيزابيلا التي تنظر بإبتسامة ناعمة نحو الطاولة “انظر إليه… ريجنالد يبدو سعيداً جداً”.
في الشرفة العلوية صمت ألكسندر لدقيقة كاملة بعد أن راقب نهاية هذه الدراما السريالية.
“هل تذكرين أيام العهد الرابع يا عزيزتي؟” تحدث ريجنالد بحماس غير منقطع “عندما كنا نصد ضربات الرماح معاً؟ أتذكر يومها عندما انبعجتِ من الجانب الأيسر وكيف خدش كتفي الأيمن! كانت أياماً مجيدة!”.
ظلت الليدي خوذة… صامتة.
لم تتحرك أو تتحدث ولم تستجب بأي شكل من الأشكال لأنها بطبيعة الحال، مجرد خوذة معدنية فارغة.
“أزمة عاطفية؟” كرر ألكسندر الكلمة وكأنها لغة أجنبية لم يسمع بها من قبل “إيزابيلا، الجناح الشرقي يحتوي على ‘المتحف التذكاري’ الذي أنشأناه الشهر الماضي فقط لإلهاء الأشباح عن الشكوى من الفراغ. لا يوجد هناك سوى أسلحة قديمة، دروع محطمة، ومزهريات قبيحة… من بالضبط يعاني من أزمة عاطفية هناك؟”.
بعد حوالي نصف ساعة من المونولوج العاطفي المستمر من طرف واحد بدأ التوتر يظهر على ريجنالد، توقفت حماسته وبدأ ينظر إلى الخوذة بنظرات تساؤل قلق.
“إيزابيلا” قال ألكسندر ببطء بعد أن أخذ رشفة من قهوته.
“عزيزتي… هل أنتِ غاضبة مني؟” سأل ريجنالد بإنكسار “لماذا لا تجيبين؟ هل حديثي عن معركة التلال السوداء ممل؟ هل قلت شيئاً جرح مشاعرك المعدنية؟”.
“سيدي” همس تيموثي في أذن ألكسندر “قانون حقوق الأرواح الميتة الذي وقعت عليه الشهر الماضي في البند 7 الفقرة ب، ينص على حق جميع الكيانات التابعة للقلعة في متابعة ‘مساعي تحقيق الذات العاطفية’ طالما لا تتعارض مع أوقات الدوام الرسمي”.
لا استجابة.
“إيزابيلا” قال ألكسندر مغلقا عينيه ليدلك ما بين حاجبيه “هل تخبرينني أن قطعة من المعدن الميت التي لا تملك نظاماً عصبياً ولا قلباً يضخ الدماء ولا وعياً بيولوجياً تعاني من خفقان عاطفي؟”.
تقدم تيموثي بخطوات محسوبة وتنحنح بصوت خافت ممسكاً بملف ورقي مختوم بختم الإدارة العليا الأحمر.
“حديد؟! ونحاس مطلي؟!” تراجع ريجنالد خطوة للوراء وكأنه تلقى طعنة.
“عذراً للمقاطعة يا سير ريجنالد في هذا الموعد الرومانسي” قال تيموثي بنبرة رسمية جافة “ولكن الإدارة العليا تلقت للتو تقرير ‘المطابقة الأثرية’ العاجل من قسم التنقيب”.
–+–
“تقرير مطابقة؟” التفت ريجنالد بجمجمته ووميض عينيه الأزرق يرتجف “ماذا تقصد أيها الكاتب العاطفي؟”.
توقف ألكسندر وتيموثي عن العمل في نفس اللحظة وتبادلا نظرة صامتة تحمل مزيجاً من الإرهاق والتسليم المطلق للقدر.
“يؤسفني إبلاغك أن الليدي خوذة لا تنتمي للعهد الرابع كما كنا نعتقد” فتح تيموثي الملف وبدأ يقرأ بصرامة بيروقراطية مطلقة “الفحص السحري الدقيق يثبت أنها مجرد نسخة مقلدة من العهد الخامس ومصنوعة من سبيكة النحاس المطلي والحديد ذي الجودة المنخفضة”.
دُفع الباب بصرير حاد ودخل اللورد كالدور يتبعه جورج الخباز الميت، انتشر خبر الرسائل الغرامية كالنار في الهشيم حيث أصبح جميع الموتى مهتمين بمتابعة هذه الملحمة العاطفية بل وقدموا النصائح التطوعية.
“حديد؟! ونحاس مطلي؟!” تراجع ريجنالد خطوة للوراء وكأنه تلقى طعنة.
انبثقت السيدة إيزابيلا من الجدار الحجري الأيمن معدلة قبعتها الشفافة بعناية فائقة بينما يحمل وجهها تعبيراً إدارياً صارماً لا يبشر بالخير.
“هذا دقيق” تابع تيموثي دون أن يرف له جفن “وبناءً على لوائح السلامة المعدنية في القلعة فإن الارتباط طويل الأمد بين الفولاذ الكربوني الأصيل لدرعك، والحديد الرخيص لهذه الخوذة سيؤدي حتماً إلى ‘تآكل جلفاني’ سريع مما سيدمر لمعان درعك بشكل لا يمكن علاجه بشمع العسل”.
“إيزابيلا” قال ألكسندر ببطء بعد أن أخذ رشفة من قهوته.
نظر ريجنالد إلى الخوذة بصدمة تحولت تدريجياً إلى اشمئزاز مسرحي.
الجناح الشرقي بارد وتضيئه مشاعل تنبعث منها نيران زرقاء باهتة.
“تآكل جلفاني! يا للعار!” صرخ ريجنالد وهو يضرب صدره بقبضته “كنت مستعداً لتقديم قلبي المعدني لكنني لن أسمح لقطعة خردة من العهد الخامس بتدمير سلامتي الهيكلية! درعي الصدري يمتلك كرامة كربونية أعلى من هذا الهراء!”.
استدار ريجنالد بثقة ومشى مبتعداً بخطوات فخورة وظهر منتصب تاركاً الليدي خوذة وحيدة فوق وسادتها المخملية.
“حديد؟! ونحاس مطلي؟!” تراجع ريجنالد خطوة للوراء وكأنه تلقى طعنة.
في الشرفة العلوية صمت ألكسندر لدقيقة كاملة بعد أن راقب نهاية هذه الدراما السريالية.
إقتربت الساعة من الثانية بعد منتصف الليل في قلعة “الرعب الأبدي” وهو الوقت الذي يُفترض فيه نظرياً أن يعم الهدوء الميت أروقة المكان، بإستثناء عواء ذئب شارد أو صرير سلسلة حديدية تتدلى من الأبراج. لكن في مكتب الإدارة العليا الوضع أبعد ما يكون عن السكون.
“إيزابيلا” قال ألكسندر ببطء بعد أن أخذ رشفة من قهوته.
“يا إلهي، ألا تسمعون نبضاته؟ ألا تشعرون بحرقة الاشتياق التي تصهر الحديد؟” صرخ ريجنالد بينما درعه الصدري يصدر أصوات طقطقة خفيفة بسبب حركة عظامه.
“نعم يا سيدي؟”.
استدار ريجنالد بثقة ومشى مبتعداً بخطوات فخورة وظهر منتصب تاركاً الليدي خوذة وحيدة فوق وسادتها المخملية.
“أريدك أن تسجلي في محضر الاجتماع الرسمي أن العلاقة العاطفية بين السير ريجنالد والقطعة الأثرية رقم 402 انتهت بسبب… ‘التفاوت الطبقي في تصنيف السبائك المعدنية ومخاطر التآكل الجلفاني'”.
“وما خطب ريجنالد؟ هل سقطت إحدى فقراته القطنية مجدداً؟ لقد أخبرته ألا يحاول ممارسة تمارين الإطالة”.
“سيتم توثيق ذلك رسمياً في أرشيف الحالات النفسية يا سيدي… هل نعيد الخوذة إلى المتحف؟”.
“تقرير مطابقة؟” التفت ريجنالد بجمجمته ووميض عينيه الأزرق يرتجف “ماذا تقصد أيها الكاتب العاطفي؟”.
“نعم، أخبري تيموثي أن يضع لافتة صغيرة بجوارها كُتب عليها: ‘نسخة غير مطابقة للمواصفات'” أظهر ألكسندر إبتسامة نادرة قبل أن ينهض من كرسيه ليعود إلى مكتبه الدافئ.
“نعم يا سيدي” توقف تيموثي عن النقر ومسح جبهته التي تلطخت بحبر الأختام “قدم قائد الحرس إلتماساً الأسبوع الماضي يفيد بأن الرطوبة في الخندق المائي تجعل جماجمهم تبدو باهتة، ومفتقرة إلى اللمعان المرعب المطلوب لتخويف المتسللين. طلبوا شمع العسل لتلميع الجبهة فوافقت إيزابيلا على الطلب تحت بند ‘تعزيز الثقة بالنفس للموظفين في الخطوط الأمامية'”.
رغم عبثية الموقف وضياع ساعات من العمل في التخطيط لموعد غرامي بين درع وخوذة إلا أن الروح المعنوية في القلعة ارتفعت بشكل ملحوظ، وجدت الهياكل العظمية مادة للثرثرة وعاشت الأشباح دراما مسائية ممتعة أما تيموثي… فحصل على مهارة “مستشار علاقات عاطفية للجمادات” في سيرته الذاتية.
“هذا دقيق” تابع تيموثي دون أن يرف له جفن “وبناءً على لوائح السلامة المعدنية في القلعة فإن الارتباط طويل الأمد بين الفولاذ الكربوني الأصيل لدرعك، والحديد الرخيص لهذه الخوذة سيؤدي حتماً إلى ‘تآكل جلفاني’ سريع مما سيدمر لمعان درعك بشكل لا يمكن علاجه بشمع العسل”.
في قلعة الرعب الأبدي يعتبر أي يوم ينتهي دون أن تنفجر فيه لعنة قديمة أو يقتحم فيه الفارس لوسيان الأبواب يوماً إدارياً ناجحاً بإمتياز.
“إيزابيلا” قال ألكسندر مغلقا عينيه ليدلك ما بين حاجبيه “هل تخبرينني أن قطعة من المعدن الميت التي لا تملك نظاماً عصبياً ولا قلباً يضخ الدماء ولا وعياً بيولوجياً تعاني من خفقان عاطفي؟”.
استقر ألكسندر خلف مكتبه مجدداً وسحب ورقة الميزانية متمتماً في نفسه بصوت لا يكاد يُسمع “يجب أن أطلب ميزانية إضافية لجلب طبيب نفسي… لطاقم الصيانة”.
—
–+–
“سيتم توثيق ذلك رسمياً في أرشيف الحالات النفسية يا سيدي… هل نعيد الخوذة إلى المتحف؟”.
“بل الأسوأ يا سيدي، لقد وقع في الحب أو بالأحرى… درعه الفولاذي وقع في الحب”.
“أيها الساحر الشاب!” قرقع كالدور بصوته الجهوري الذي يشبه اصطدام الصخور “سمعت أنك تواجه صعوبة في كتابة رسالة الغزل لذا جئت لأقدم لك خبرتي كقائد للبحار السبعة! النساء يحببن القوة والتهديد الواضح!”.
