2: الملك ميت
كانت الأمطار تتساقط بلطف على قبعة الخال بينما كان يقف محدقًا في القبور أمامه.
في الممر، أصطدم بفيزوش. يقول لي إننا سنذهب إلى رحلة إلى مكان آمن، وإننا سنغادر الآن. لم أره مجددًا. لم أرَ نيرو مجددًا، حتى جاء ذلك الملف على مكتبي. كان بإمكاني أن أقول لهم إنه كان فكرة سيئة، لكن المجهولية هي المجهولية.
مساعدته، “ناناشي”، الواقفة إلى يساره، كانت ترتجف من البرد. لم يحمل أي منهما مظلة. تحدثت قائلة:
بركلة مهملة، أسقطت عجوز أكوام الصحف والصناديق التي كانت تعترض طريقها، متناثرة على الأرض، بينما أخلت المنطقة. ثم أخرجت سلسلة مفاتيح كبيرة من جيب سترتها، مليئة بالعشرات من المفاتيح من مختلف الأشكال والأزمنة. ومن هذه السلسلة، اختارت مفتاحًا بأصابعها المرتعشة وفتحت الخزانة، لتفتحها بصوت أزيز عميق.
لا أملك حتى صورًا.
“سيدي، إذا سمحت-”
كانت موضوعة في أماكن مهمة، على تجمعات الأعصاب أو نقاط الضغط، بعضها يمتد على الخط المركزي بين رقبة كوين وسرتها، وأخرى تلتف حول ذراعيها متبعة الشرايين، إما لتركيز السحر أو لتحويله بعيدًا عن المناطق الأكثر أهمية. معظم عملاء وحدة التحقيقات الخارقة لديهم على الأقل رمز واقٍ، وفي الولاية كان ذلك يُعتبر طقس مرور يحصل عليه العميل بعد نجاحه في عملية كبيرة. أغلب أفراد وحدتها كانوا يمتلكون وشومًا متقنة.
نظر إليها فوق كتفه، والمطر يتساقط على وجهه. شعرت بحزن خفي يخترقها، بينما كان وجهه خالياً من ابتسامته المعتادة، مستبدلة بجمود صامت وكآبة واضحة.
ساد الصمت بينهما، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يتساقط على أوراق الأشجار المحيطة. خلع الخال قبعته، ورفع رأسه ناظرًا إلى السماء، وأغمض عينيه وتنهد.
تلعثمت ناناشي قائلة: “آسفة، لم أقصد… آسفة.”
المعلومات الاستخباراتية حول المنزل كانت ضئيلة للغاية. لم تسجل أي اضطرابات أو بلاغات للشرطة من هذا العنوان. يبدو أنه كان مملوكًا لنفس السيدة منذ عقود، حيث تعيش فيه تقاعدها بهدوء. أي تفاصيل أخرى؟ غير موجودة. ماذا يمكن أن تريد “اليد الملعونة” من هذا الحي؟ يمكن أن يكون أي شيء، من منزل آمن إلى قريب بعيد.
تنهد الخال وقال: “لا بأس. ما الأمر؟”
على الطرف المتلقي للصوت في حجمه الكامل، أي مخلوق عادي كان سيشعر بالألم حيث تنزف أعضاؤه، وتتحول عيناه إلى سائل، وتتحول عظامه إلى مسحوق. لم يكن “السنجاب” مخلوقًا عاديًا، لكنه في جوهره مجرد سنجاب، وارتبك كواحد أيضًا.
ردت عجوز بحركة سريعة، وأسقطت السيجارة رمادها الرمادي على سترتها. “حسنًا، إيزلا رو، هل كانوا هنا أم لا؟ شبكة مراقبتكم سيئة إن لم تتمكنوا من معرفة إن كانوا هنا أم لا. إذا كانوا هنا، ألن أكون أول من يعرف؟”
دوّى صوت الرعد في السماء، مما جعل ناناشي تقفز من الفزع. واستمر المطر يتساقط عليهما. نظرت إلى ساعتها.
“لقد مضى 20 دقيقة؟ أنا أتفهم الحزن، لكن هؤلاء… يبدو أنهم رحلوا منذ سنوات. ألا توجد أمور تحتاج إلى اهتمامك؟”
~
تعثرت إيزلا وهي تتراجع، محاولةً إبقاء عجوز في مرمى بصرها بينما تعثرت على أكوام الأشياء القديمة والمستهلكة.
ساد الصمت بينهما، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يتساقط على أوراق الأشجار المحيطة. خلع الخال قبعته، ورفع رأسه ناظرًا إلى السماء، وأغمض عينيه وتنهد.
————————
“أنت… محقة. كنت أزور بعض الأصدقاء القدامى، ولكن… يمكننا الذهاب. أعتذر.”
“ليس عليك الاعتذار لي، سيدي. لم أدرك أنك تعرفهم.”
الملك ميت،
“إيزلا؟”
ابتسامة مكبوتة، تخفيها شفتاه المضمومتان، ظهرت على وجهه. خفض رأسه، محدقًا في الحقل الذي يظهر فيه برج المراقبة الخاص بالمنشأة في البعيد.
كان المنزل يبدو معتنى به جيدًا، على عكس المباني المجاورة المهترئة، ذات الطلاء الأبيض المتشقق حول حوافها ونوافذها المغطاة بالغبار. أما الحدائق المحيطة بها فكانت متوحشة ومليئة بالأعشاب الضارة. الأشجار ذات الأغصان الثقيلة تتدلى على الطريق وكأنها تهدد بالكسر مع أول هبة ريح قوية. الضوء البرتقالي المزعج لمصابيح الشوارع يتسرب من بين الأغصان، ليترك ظلالًا مشوهة على الرصيف الوعر. كل ذلك جعل المظهر المرتب والمهذب لمنزل “875 طريق شالز” يبدو أكثر غرابة.
لوحت المرأة بيدها وهي تجلس على مقعد محبب مزين بنمط الزهور مقابل إيزلا. كأن جسدها الصغير غاص في الوسائد الناعمة والسميكة. كانت السيجارة تتدلى بصعوبة من شفتيها وهي تتدلى لأسفل. “لم أرى الفيدراليين هنا من… يا …، لا أذكر… يمكن من زمن طويل.”
“في وقت ما، نعم.”
“—يا إلهي.” توقفت ثرثرة عجوز الطويلة والمملة فجأة وشهقت فجأة. قبضت يدها على صدرها واتسعت عيناها بصدمة. لقد انهار برج الأواني أخيرًا واستسلم لقانون الفوضى، وصوت المعدن وهو يصطدم بالمعدن اخترق أذني إيزلا.
“آه. هل عملت في مكتب العمليات الخاصة؟”
نظر الخال إلى القبور، كل واحدة منها موضوعة بجانب الأخرى. كانت الأمطار تتدفق على شواهد القبور، تنساب داخل النقوش المكتوبة، بعضها محفور بعناية، والبعض الآخر مخدوش. كانت القطرات تتجمع في برك صغيرة فوق أكوام من الزهور الذابلة.
هنا يرقد:
نيورا
…الذي يمنع رائحة الفتيل المشتعل بعض المسارات العصبية المرتبطة بالحواس. مع ظهور كاميرات المراقبة والطائرات الأمنية الذاتية، أصبحت أقل استخدامًا، لكنها لا تزال مفيدة لوكيل فيدرالي يعمل بمفرده. أو روح هاربة من العدالة.
عاملة عظيمة، صديقة طيبة، وزوجة رائعة.
كتابة كينغ لوك
فقدت بإرادتها.
في اللحظة التي دخل فيها الفتحة، انغلقت فجأة، وكأنها لم تكن موجودة أبدًا.
~
لم يكن لدي آراء قوية تجاهه. لا يمكنك حقًا تكوين رأي قوي عن مدير منشأة تراه ثلاث مرات في السنة لتوضيح أنك تستحق الميزانية. لا يوجد الكثير من المجال للحوار، أليس كذلك؟
“انضمت إلى فريق العمل بعدي بسنوات قليلة. التقينا عدة مرات، في حفلات المكتب وما شابه. كان الأمر غريبًا إلى حد ما، كونها زوجة أفضل أصدقائي، لكننا لم نتقاطع كثيرًا. لا أستطيع حتى أن أتذكر زفافهما. كان بالتأكيد لطيفًا.
لا أملك حتى صورًا.
نظرت إيزلا إلى عجوز، التي كانت ترتشف شايها بهدوء، وأعادت مسدسها إلى جرابه لتتمكن من فحص الجسم. كان قلادة بخيط جلدي بسيط، وقلادة صغيرة متوهجة بلمعان أبيض. القلادة تحتوي على أشكال هندسية، مئات الأسطح العاكسة المختلفة، تلمع بأضواء باردة كنقاط دقيقة. عندما أمالت إيزلا القلادة، استطاعت رؤية مجموعة متغيرة من الوجوه الغاضبة الأثيرية، تحدق بها من داخل القلادة وكأنها تخترق روحها. كانت يدها ترتجف من القوة الناتجة عن الإمساك بالبلورة.
ربما الذكرى الوحيدة القوية التي أحتفظ بها لنيورا كانت منذ سنوات. كنت في عجلة من أمري للذهاب إلى اجتماع مع جهاد، واصطدمت بها في ممرات المنشأة. أسقطنا أقلامنا، وخلال ذلك تبدلت الأقلام. لم يكن الأمر ذا أهمية كبيرة بالنسبة لي، لكنه كان مضحكًا. كنت دائمًا أنوي إرجاع القلم لها، لكنها كانت دائمًا منشغلة. كان موهبتها، كما وصفها فيزوش، ‘شديدة الأهمية’. صياغة سيئة.
تنهد الخال وقال: “لا بأس. ما الأمر؟”
هناك شيء غريب بشأن أن تكون الأفضل في مجالك، وهو شيء شعرت به مثلها؛ لأنني كنت الوحيد في مجالي. إذا كان علي اختيار شخص ليحل محلي في القيادة – على الأقل، من الذين أعرفهم في المنشأة – لكانت هي. لا أستطيع تغيير ذلك الآن، وخصوصًا بعد رحيلها، لكن ربما كان عليّ أن أسأل.
هنا يرقد ذكرى:
هل كانت ستريد الوظيفة؟
رفعت إيزلا نظرها. “كم ثمنها؟”
ربما لا.”
مع اختفاء العدو، وهروب السنجاب وتحوّل الهياكل العظمية إلى غبار، انتهت صرخة القنبلة الصوتية بنفس السرعة التي بدأت بها. عادت العين خلف ستار الجلد، وعاد الرأس إلى حالة السكون. وبدا أن البيت، الذي كان يتحرك ويتغير كمستودع فوضوي، قد فقد طاقته وعاد إلى حالته الطبيعية. تدحرجت إيزلا بألم على الأرض عندما استعادة الجاذبية وضعها الطبيعي.
جامعو الضرائب، رجال الشرطة، عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، وقطاع طرق الشوارع كانوا جميعًا حاضرين في صفوف الفيلق، مرتدين ملابس ممزقة في مراحل مختلفة من التحلل. لافت للنظر، كان أحد الجثث مرتديًا سترة جلدية ما زال يحتفظ بشعره المنفوش المحنط، رغم أن المغني كان بالكاد يمكن التعرف عليه مع أنفه المبتور وتجويف عينيه المليء بالإكتوبلازم المتكتل. جميعهم أشخاص واجهتهم عجوز ولم يعيشوا ليروا اليوم التالي.
هنا يرقد ذكرى:
نيرو
في اللحظة التي دخل فيها الفتحة، انغلقت فجأة، وكأنها لم تكن موجودة أبدًا.
زوج محب حتى النهاية.
إيزلا رو ، مستحضرة الأرواح الفيدرالية، كانت تقف تحت المطر الدافئ بملابس مدنية. كانت تقف أمام منزل متواضع في أحد الأزقة على بعد مسافة قصيرة من مركز المدينة. نظرت مرة أخرى إلى الورقة المجعدة التي تحتمي بيدها من المطر، بينما كانت رائحة الكبريت تختلط مع عبق الورق. مكتوب عليها بخط آلة كاتبة: “875 طريق شالز، جيستار”. نقرت بلسانها. كانت تعلم أن استشراف المستقبل مهمة صعبة، ولكن هل كان على مكتب النبوءة أن يكون غامضًا دائمًا بهذا الشكل؟ حسنًا، ربما هذا ليس عدلاً. فالعراف أصيب بنوبة شبه قاتلة بعد أن تمكن من استنباط هذا العنوان، لذا من المرجح أن “مافيا اليد الملعونة” كانت تعمل على منع أي محاولات لاستشعارهم. ربما كانت وحدة التحقيقات الخارقة محظوظة بالحصول على عنوان بدلاً من رسالة غامضة أشبه بتلك التي توجد في كعكات الحظ.
…الذي يمنع رائحة الفتيل المشتعل بعض المسارات العصبية المرتبطة بالحواس. مع ظهور كاميرات المراقبة والطائرات الأمنية الذاتية، أصبحت أقل استخدامًا، لكنها لا تزال مفيدة لوكيل فيدرالي يعمل بمفرده. أو روح هاربة من العدالة.
مع نيورا في السماء.
لا أعتقد أن نيرو كان بإمكانه أن يكون ‘بخير’ مرة أخرى أبدًا. لكن إذا كان هناك مكان يمكن أن يبدأ منه، ربما كان البداية.”
~
.
“طلبت منه المساعدة في إصلاح مغسلة المطبخ. مغسلة المطبخ اللعينة.
تعمقت التجاعيد عند زوايا عيني المرأة وهي تبتسم. “أوه، لا بأس… إيزلا رو، أليس كذلك؟ أنا أحب تدليل الآخرين. لم تتح لي الفرصة لذلك منذ فترة طويلة.”
كان دائمًا شخصًا متقلبًا؛ أعتقد أن هذا يأتي مع عمله في المهمات الميدانية. رأى أشياءً، وحتى لو حاول إبقاء كل ذلك بعيدًا، فإن بعض تلك الأشياء كانت تتسلل أحيانًا. لا أعرف حتى كيف أصبحنا أصدقاء مقربين، ولا أستطيع حتى أن أخبرك كم مضى من الوقت ونحن نعرف بعضنا. كان أكبر مني بضع سنوات، وجاء من عائلة لها جذور عميقة في المنشأة. أعتقد أن هذا كان دائمًا تمييزًا بيننا أربك الناس أكثر. شخص عادي مثلي يصادق رجلاً من عائلة لها إرث؟ غير طبيعي.
ربما لا.”
ربما كانت مجرد أنبوبة فضفاضة. أنا لست سباكًا أو أي شيء، لكنه أقوى مني، لذا طلبت المساعدة. هذا أشعل لديه نوبة غضب عن كيف أن الناس دائمًا يطلبون مساعدته، وأنه دائمًا يفعل أشياء للآخرين، وأن الاستقلالية بالكاد أصبحت موجودة. كان الأمر محبطًا، بصدق. لذا غادرت. كان ذلك حمامي، وغادرت غاضبًا.
كتابة كينغ لوك
في الممر، أصطدم بفيزوش. يقول لي إننا سنذهب إلى رحلة إلى مكان آمن، وإننا سنغادر الآن. لم أره مجددًا. لم أرَ نيرو مجددًا، حتى جاء ذلك الملف على مكتبي. كان بإمكاني أن أقول لهم إنه كان فكرة سيئة، لكن المجهولية هي المجهولية.
وضعت إيزلا ظهرها على الأرض، تبحث بين جيوب معطفها العديدة التي وفقًا لمعايير وحدة التحقيقات الخارقة كانت أعمق بكثير من جيوب المعاطف العادية، لدرجة تكسر الواقع. أخيرًا، ظهر كروي بني الشكل من جيب صدرها، الذي قبضت عليه بإحكام بينما تمتمت بعبارة التفعيل، معدلة الصياغة لتحقيق أقصى تأثير.
لا أعتقد أن نيرو كان بإمكانه أن يكون ‘بخير’ مرة أخرى أبدًا. لكن إذا كان هناك مكان يمكن أن يبدأ منه، ربما كان البداية.”
جامعو الضرائب، رجال الشرطة، عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، وقطاع طرق الشوارع كانوا جميعًا حاضرين في صفوف الفيلق، مرتدين ملابس ممزقة في مراحل مختلفة من التحلل. لافت للنظر، كان أحد الجثث مرتديًا سترة جلدية ما زال يحتفظ بشعره المنفوش المحنط، رغم أن المغني كان بالكاد يمكن التعرف عليه مع أنفه المبتور وتجويف عينيه المليء بالإكتوبلازم المتكتل. جميعهم أشخاص واجهتهم عجوز ولم يعيشوا ليروا اليوم التالي.
أطلقت إيزلا صرخة ألم مكتومة بالكاد، وأطلقت دفعة أخرى من ثلاث رصاصات نحو عجوز قبل أن تضغط على مفتاح إخراج المخزن وتستبدل الطلقات، لتعيد المزلاج إلى مكانه بقوة. “أخبريني بما اتفقت عليه مع المافيا، وإلا سأقضي عليك كأنك كلب.”
أظهرت إيزلا شارتها السرية. “إيزلا رو، مكتب التحقيقات الفيدرالي. لدينا سبب للاعتقاد بأنك هدف لمنظمة إجرامية. هل تمانعين الإجابة على بعض الأسئلة؟”
لا أملك حتى صورًا.
هنا يرقد ذكرى:
شعرت إيزلا بوخز في جلدها، رغم أن هذا لم يكن مؤشرًا موثوقًا على وجود الموت في هذه الحالة. الغيوم الداكنة التي حملت المطر الدافئ هددت ببرق فوق رأسها، ورائحة الأوزون كانت ثقيلة في الهواء. مجتمعة مع فكرة اقتحام منزل مجهول الهوية ومجهول الغرض، كانت تجعل جلدها يزحف من القلق.
مدت عجوز يدها، وقابلتها إيزلا بمصافحة لطيفة، لكنها لم تستطع منع ذراعها من الاحتجاج بألم حاد. جذبت عجوز إيزلا إليها، وهمست في أذنها بنَفَس تفوح منه رائحة السجائر والعفن. “كثير من الناس نقضوا صفقاتي، أيتها العميلة رو. وكلهم عاشوا طويلًا بما يكفي لندمهم.”
جهاد
لن يُنسى أبدًا، لخدمته وتواضعه.
سخرت عجوز، نافثة دخان سيجارة جديدة من بين شفتيها. “ليست للبيع.”
دمر نفسه.
.
مساعدته، “ناناشي”، الواقفة إلى يساره، كانت ترتجف من البرد. لم يحمل أي منهما مظلة. تحدثت قائلة:
~
لن يُنسى أبدًا، لخدمته وتواضعه.
“الرجل الذي لم يستطع النسيان، كما تبين. كان ذلك مفاجئًا، رؤية تلك الكلمات مكتوبة على حاسوبه قبل وفاته مباشرة. لا أستطيع حتى أن أحصي الارتباك والبحث الذي اضطررنا للقيام به عبر جميع سجلاتنا للتأكد من أن هذا الرجل كان لديه مناعة ضد تقنيات محو الذاكرة طوال الوقت. أعتقد أن القسم الطبي يخطط لتسمية حالة كاملة باسمه — ما إذا كان ذلك صحيحًا أم لا، يبقى أن نرى. رائع.
لم يكن لدي آراء قوية تجاهه. لا يمكنك حقًا تكوين رأي قوي عن مدير منشأة تراه ثلاث مرات في السنة لتوضيح أنك تستحق الميزانية. لا يوجد الكثير من المجال للحوار، أليس كذلك؟
“آه. هل عملت في مكتب العمليات الخاصة؟”
لا يوجد الكثير لأقوله عن رجل لم يفعل شيئًا.”
سحبت إيزلا أكمامها قليلاً لتخفي وشومها التي، إذا دققت النظر فيها، ستبدو وكأنها تتحرك وتلتوي على جلدها. جميع الوشوم التي تغطي جسدها العلوي كانت ذات استخدام محدد، معظمها تم رسمه بعد أن تعلمت بالطريقة الصعبة أنها بحاجة لمثل هذه الحماية.
.
نظر الخال إلى القبر أمامه، نظرة مشوبة بالكثير من الأسئلة والأفكار التي لم تجد طريقها للنطق. ثم استدار ببطء، وكأن خطاه تثقلها ذكريات الماضي، وأعاد القبعة المبللة إلى رأسه، وضع يديه في جيوبه، وغادر بهدوء.
هناك شيء غريب بشأن أن تكون الأفضل في مجالك، وهو شيء شعرت به مثلها؛ لأنني كنت الوحيد في مجالي. إذا كان علي اختيار شخص ليحل محلي في القيادة – على الأقل، من الذين أعرفهم في المنشأة – لكانت هي. لا أستطيع تغيير ذلك الآن، وخصوصًا بعد رحيلها، لكن ربما كان عليّ أن أسأل.
استمرت الأمطار في الهطول. بقيت المنشأة صامتة وثابتة.
“هل يمكنني أن أعيش بسلام دون أمثالكم تعبثون بكل شيء؟”
بعد لحظات من الصمت، قالت ناناشي بصوت خافت وهي تحاول كسر جو الكآبة:
“بالمناسبة، كيف يسير تحقيق إيزلا؟”
~
رفع الخال رأسه قليلاً، لكن لم يجب على الفور. ظل ينظر إلى الأمام، وكأن السؤال أعاد إلى ذهنه طبقة أخرى من الأعباء التي يحملها.
ربما كانت مجرد أنبوبة فضفاضة. أنا لست سباكًا أو أي شيء، لكنه أقوى مني، لذا طلبت المساعدة. هذا أشعل لديه نوبة غضب عن كيف أن الناس دائمًا يطلبون مساعدته، وأنه دائمًا يفعل أشياء للآخرين، وأن الاستقلالية بالكاد أصبحت موجودة. كان الأمر محبطًا، بصدق. لذا غادرت. كان ذلك حمامي، وغادرت غاضبًا.
“ليس بالسرعة التي أريدها، لكنه يتقدم. أشياء كهذه تأخذ وقتها.”
.
كانت كلماته مختصرة لكنها ثقيلة، كأنها تُخفي خلفها قصة أكثر تعقيدًا مما أرادت ناناشي أن تعرفه.
نظرت إلى إيزلا. “ما هي قصتها؟”
.
.
سخرت عجوز بصوت محبط، تلاه سعال مليء بالبلغم، يدها العجفاء أمسكت بسرعة عقب السيجارة قبل أن تسقط من شفتيها، ثم ضغطت عليها في منفضة سجائر. بعد نوبة السعال، أخرجت بيد مرتجفة علبة سجائر من سترتها الوردية وأشعلت واحدة جديدة. تمتمت حول السيجارة: “لا أعرف حتى لماذا أدفع ضرائبي.”
.
إيزلا رو ، مستحضرة الأرواح الفيدرالية، كانت تقف تحت المطر الدافئ بملابس مدنية. كانت تقف أمام منزل متواضع في أحد الأزقة على بعد مسافة قصيرة من مركز المدينة. نظرت مرة أخرى إلى الورقة المجعدة التي تحتمي بيدها من المطر، بينما كانت رائحة الكبريت تختلط مع عبق الورق. مكتوب عليها بخط آلة كاتبة: “875 طريق شالز، جيستار”. نقرت بلسانها. كانت تعلم أن استشراف المستقبل مهمة صعبة، ولكن هل كان على مكتب النبوءة أن يكون غامضًا دائمًا بهذا الشكل؟ حسنًا، ربما هذا ليس عدلاً. فالعراف أصيب بنوبة شبه قاتلة بعد أن تمكن من استنباط هذا العنوان، لذا من المرجح أن “مافيا اليد الملعونة” كانت تعمل على منع أي محاولات لاستشعارهم. ربما كانت وحدة التحقيقات الخارقة محظوظة بالحصول على عنوان بدلاً من رسالة غامضة أشبه بتلك التي توجد في كعكات الحظ.
كان يتردد في داخله، ممتلئًا بالإمكانات والقوة، بالقرار والمطلب: أن يحمي من النهاية، أو على الأقل أن يوثق المفقودين بسببها. والآن، ها هو مجددًا. هذه المرة من صنعه. لقد قلل من تقديره لطموحهم، وللإصرار القاتم الذي شكّل أساس برجهم البابلي. لو كان يعلم أنهم سيفعلون ذلك، لما قدم لهم الوسائل لتحقيقه؛ ليس بالسعر الذي دفعوه للمعرفة، وليس مقابل عوالم بأكملها.
كانت عجوز تبصق السم، تكشيرة تشوه وجهها. “لا شأن لكِ، سأقول فقط: صفقة عادلة، على الأقل السيد غوست كان يفهم ذلك. على عكس أمثالكم.”
كان المنزل يبدو معتنى به جيدًا، على عكس المباني المجاورة المهترئة، ذات الطلاء الأبيض المتشقق حول حوافها ونوافذها المغطاة بالغبار. أما الحدائق المحيطة بها فكانت متوحشة ومليئة بالأعشاب الضارة. الأشجار ذات الأغصان الثقيلة تتدلى على الطريق وكأنها تهدد بالكسر مع أول هبة ريح قوية. الضوء البرتقالي المزعج لمصابيح الشوارع يتسرب من بين الأغصان، ليترك ظلالًا مشوهة على الرصيف الوعر. كل ذلك جعل المظهر المرتب والمهذب لمنزل “875 طريق شالز” يبدو أكثر غرابة.
زوج محب حتى النهاية.
المعلومات الاستخباراتية حول المنزل كانت ضئيلة للغاية. لم تسجل أي اضطرابات أو بلاغات للشرطة من هذا العنوان. يبدو أنه كان مملوكًا لنفس السيدة منذ عقود، حيث تعيش فيه تقاعدها بهدوء. أي تفاصيل أخرى؟ غير موجودة. ماذا يمكن أن تريد “اليد الملعونة” من هذا الحي؟ يمكن أن يكون أي شيء، من منزل آمن إلى قريب بعيد.
…الذي يمنع رائحة الفتيل المشتعل بعض المسارات العصبية المرتبطة بالحواس. مع ظهور كاميرات المراقبة والطائرات الأمنية الذاتية، أصبحت أقل استخدامًا، لكنها لا تزال مفيدة لوكيل فيدرالي يعمل بمفرده. أو روح هاربة من العدالة.
عجوز، السنجاب الأسود، كانت ملتفة في حوض الاستحمام، تتحدث بلهجة هستيرية هذه المرة باللغة العربية. “فضة أفلاطونية، فضة أفلاطونية! لقد تبادلت مع السيد غوست للحصول على الفضة الأفلاطونية! وجدتها عند جذور العالم، وقايضت بها رجلاً هزيلاً كالموت.” كان السنجاب الأسود يرتجف حيث استلقى، بعيدًا عن المخلوق العملاق الذي كان عليه قبل لحظات.
شعرت إيزلا بوخز في جلدها، رغم أن هذا لم يكن مؤشرًا موثوقًا على وجود الموت في هذه الحالة. الغيوم الداكنة التي حملت المطر الدافئ هددت ببرق فوق رأسها، ورائحة الأوزون كانت ثقيلة في الهواء. مجتمعة مع فكرة اقتحام منزل مجهول الهوية ومجهول الغرض، كانت تجعل جلدها يزحف من القلق.
قامت إيزلا بضبط حزامها، وتأكدت من أن الشريط الآمن لمسدسها “M1911” محكم وفي مكانه، ومخبأ تحت سترتها. تحسست جيوبها، وراجعت قائمة ذهنية لمكوناتها وأدواتها. بعض الفئران الميتة، طلقات النفي، جهاز “جيفر 98″، أجراس فضية، وما إلى ذلك.
عيون إيزلا تحركت بخفة إلى الجانب، ورأت شيئًا ينساب عبر مجال رؤيتها، تشويهًا، انتفاخًا في الواقع، يدور وينزلق عبر الجدار المليء بالتحف الصغيرة. لم يكن حقيقيًا. أو على الأقل غير قابل للإدراك للأشخاص العاديين. كان الانتفاخ عقدة من السحر المركز، متوهجة كجمرة ساخنة في المنزل الخافت الإضاءة. العقدة كانت بالقرب من الأرض، عائمة فوق باب خزانة، بين المطبخ وممر يؤدي إلى أعماق المنزل المكتظ.
ابتسم الرجل الغامض: “يبدو أنها معجبة بكِ. يبدو أننا اتخذنا القرار الصائب. الآن، معي يا صغيرة.”
سارت فوق ألواح الرصيف المائلة، وركضت نحو باب المنزل، صاعدة السلالم درجتين في كل مرة. عندما ضغطت على الجرس، أصدر صوتًا عميقًا ومميزًا، ارتد صداه في أنحاء المنزل للحظة. بعد فترة قصيرة، سُمِع صوت أقدام تجرجر خلف الباب، يليه صوت الأقفال والصمامات تُفتح.
“أنت… محقة. كنت أزور بعض الأصدقاء القدامى، ولكن… يمكننا الذهاب. أعتذر.”
كانت موضوعة في أماكن مهمة، على تجمعات الأعصاب أو نقاط الضغط، بعضها يمتد على الخط المركزي بين رقبة كوين وسرتها، وأخرى تلتف حول ذراعيها متبعة الشرايين، إما لتركيز السحر أو لتحويله بعيدًا عن المناطق الأكثر أهمية. معظم عملاء وحدة التحقيقات الخارقة لديهم على الأقل رمز واقٍ، وفي الولاية كان ذلك يُعتبر طقس مرور يحصل عليه العميل بعد نجاحه في عملية كبيرة. أغلب أفراد وحدتها كانوا يمتلكون وشومًا متقنة.
سحبت إيزلا أكمامها قليلاً لتخفي وشومها التي، إذا دققت النظر فيها، ستبدو وكأنها تتحرك وتلتوي على جلدها. جميع الوشوم التي تغطي جسدها العلوي كانت ذات استخدام محدد، معظمها تم رسمه بعد أن تعلمت بالطريقة الصعبة أنها بحاجة لمثل هذه الحماية.
قال الرجل الغامض بصوت هادئ: “لا داعي للقلق، لم أدرك أن لديها رفقة. الآن، أين أنتِ، صغيرتي؟ حان الوقت للذهاب.”
لكنّه سيعود إلى هذا العالم الملعون. نطق بوعده لدائرة الأشجار، معتمدًا عليها كشهود. لن يتركهم يواجهون النهاية التي تلوح أمامهم، لن يتركهم يضيعون في ليل دائم، ضحايا لغضب ملك مجروح.
كانت موضوعة في أماكن مهمة، على تجمعات الأعصاب أو نقاط الضغط، بعضها يمتد على الخط المركزي بين رقبة كوين وسرتها، وأخرى تلتف حول ذراعيها متبعة الشرايين، إما لتركيز السحر أو لتحويله بعيدًا عن المناطق الأكثر أهمية. معظم عملاء وحدة التحقيقات الخارقة لديهم على الأقل رمز واقٍ، وفي الولاية كان ذلك يُعتبر طقس مرور يحصل عليه العميل بعد نجاحه في عملية كبيرة. أغلب أفراد وحدتها كانوا يمتلكون وشومًا متقنة.
كتابة كينغ لوك
فتح الباب، وواجهت إيزلا امرأة قصيرة، ذات بشرة مجعدة وداكنة بلون جلد السرج، تبدو بنفس صلابته أيضًا. عيناها الحادتان تحدقان مباشرة في عيني إيزلا. “ماذا تريدين؟” قالت المرأة بصوت خافت، بينما كانت سيجارة مشتعلة تتدلى بخطورة من شفتها السفلى المزمومة. الدخان الخارج من أنفها كان بنفس لون شعرها.
هي…
من خلف المرأة، كانت أكوام فوق أكوام من الأشياء تمتد إلى أعماق منزلها، ضيقة الممر بشكل مصطنع بفعل كومة من الأوراق والصناديق. منزل مكتظ بالأشياء.
أظهرت إيزلا شارتها السرية. “إيزلا رو، مكتب التحقيقات الفيدرالي. لدينا سبب للاعتقاد بأنك هدف لمنظمة إجرامية. هل تمانعين الإجابة على بعض الأسئلة؟”
عبست المرأة بحاجبين معقودين وهي تنظر خلف إيزلا، لترى أنه لا يوجد أحد سواها. فكرت لوهلة ثم أشارت بيدها المتعرجة، داعيةً إيزلا للدخول. تبعت كوين يد المرأة الملوحة، متجاوزة العتبة ودخلت المنزل.
كان يتردد في داخله، ممتلئًا بالإمكانات والقوة، بالقرار والمطلب: أن يحمي من النهاية، أو على الأقل أن يوثق المفقودين بسببها. والآن، ها هو مجددًا. هذه المرة من صنعه. لقد قلل من تقديره لطموحهم، وللإصرار القاتم الذي شكّل أساس برجهم البابلي. لو كان يعلم أنهم سيفعلون ذلك، لما قدم لهم الوسائل لتحقيقه؛ ليس بالسعر الذي دفعوه للمعرفة، وليس مقابل عوالم بأكملها.
“حسنًا، هذا أمر غير متوقع.” صوت المرأة العجوز كان خشنًا، كأنه ورق صنفرة على خشب.
لوحت المرأة المسنة بيدها مجددًا. “لقد جمعت العديد من الأسماء، من الصعب تتبعها، خاصة في عمري. الناس يجمعون الأسماء كما تجمع الحجارة الطحالب، برأيي وأيضا ليس وكأن العملاء الفيدراليون لايملكون معلومات حولي.” فكرت للحظة. “ناديني الآنسة العجوز . اسم خاص بي قديم.”
سارت من المطبخ، الذي كان في حالة فوضى كما يبدو من أكوام الأطباق على المنضدة، وبرج من أواني الطبخ الحديدية المصبوبة المتراكمة في الحوض. ولكن كل شيء كان نظيفًا. مزدحمًا، لكنه نظيف بعناية.
حملت صينية عليها كوب شاي متوازن بعناية، بالكاد يتحرك الكوب بينما كانت المرأة تتنقل بمهارة عبر الأرضية المليئة بالركام، متسللة على السجاد. قدمت كوب شاي لإيزلا، التي كانت تجفف نفسها على كرسي جلدي قديم ومزعج.
أومأت عجوز ببطء، وهي تفحص اليد بعينيها الضيقتين. بنظرة واحدة، وإشارة من إيزلا بالسماح، التقطت عجوز اليد بلطف من الطاولة، وفحصتها من كل زاوية، مستنشقة الشمع وملامسة اللحم، تتفحص النقوش المحفورة حول المفاصل وكأنها خبيرة تقييم متمرسة.
“أظنك تعيشين بهدوء، أليس كذلك؟”
لوحت المرأة بيدها وهي تجلس على مقعد محبب مزين بنمط الزهور مقابل إيزلا. كأن جسدها الصغير غاص في الوسائد الناعمة والسميكة. كانت السيجارة تتدلى بصعوبة من شفتيها وهي تتدلى لأسفل. “لم أرى الفيدراليين هنا من… يا …، لا أذكر… يمكن من زمن طويل.”
لعقت شفتيها الجافتين قبل أن ترد. “نعم، نعم. مجرد منزل آمن مهجور، يبدو أنهم أخلوه قبل وصولي.”
“حسنًا، سأحاول ألا أعكر صفوك وأخرج من طريقك بأسرع وقت. لا أريد أن أسبب أي إزعاج. ولم يكن عليك تحضير الشاي، تعلمين.”
قامت إيزلا بضبط حزامها، وتأكدت من أن الشريط الآمن لمسدسها “M1911” محكم وفي مكانه، ومخبأ تحت سترتها. تحسست جيوبها، وراجعت قائمة ذهنية لمكوناتها وأدواتها. بعض الفئران الميتة، طلقات النفي، جهاز “جيفر 98″، أجراس فضية، وما إلى ذلك.
تعمقت التجاعيد عند زوايا عيني المرأة وهي تبتسم. “أوه، لا بأس… إيزلا رو، أليس كذلك؟ أنا أحب تدليل الآخرين. لم تتح لي الفرصة لذلك منذ فترة طويلة.”
كان الصراخ عاليًا، بطبيعة الحال، لكن كان هناك شيء آخر خلفه أيضًا. بدا الصوت وكأن له ملمسًا ماديًا تقريبًا، كأن التردد يجعل الهواء صلبًا حوله، يضرب ويمزق ويبخر الكائنات الحية. مختبئة خلف غطاء ومحميّة بواسطة تعويذات، فمها مفتوح، شعرت إيزلا بالضغط وكأنه حلقات حديدية حول ضلوعها، وعقلها ينبض ضد جمجمتها.
“لا تمانعين إذا سجلت هذه المحادثة، أليس كذلك؟”
“هذه نسخة جيفر 98، صُممت للحرب العالمية الثانية. صُنعت من دهن ويد آخر رجل أُعدم شنقًا في ليبيا عام 1944. قديمة، لكنها تؤدي الغرض. لم تُشعل من قبل، لذا قد تحصلين على عشرين دقيقة من الاستخدام. قطعة نادرة، قيمتها أعلى وهي بحالة جيدة.”
ابتسامة أشبه بتكشيرة. “لا أريد المزيد من رجال الشرطة الموتى يملأون خزانتي.”
سحبت المرأة نفسًا من سيجارتها. “افعلي ما تشائين.”
قال الرجل الغامض بصوت هادئ: “لا داعي للقلق، لم أدرك أن لديها رفقة. الآن، أين أنتِ، صغيرتي؟ حان الوقت للذهاب.”
في اللحظة التي دخل فيها الفتحة، انغلقت فجأة، وكأنها لم تكن موجودة أبدًا.
وضعت إيزلا كوب الشاي جانبًا، وأخرجت من سترتها المبللة دفتر ملاحظات ومسجل صوت رقمي. فتحت دفتر الملاحظات وبدأت التسجيل.
تعمقت التجاعيد عند زوايا عيني المرأة وهي تبتسم. “أوه، لا بأس… إيزلا رو، أليس كذلك؟ أنا أحب تدليل الآخرين. لم تتح لي الفرصة لذلك منذ فترة طويلة.”
“هل يمكنك ذكر اسمك للتسجيل، من فضلك؟”
سمعت إيزلا صرير الألواح، ورفعت بصرها لترى الآنسة عجوز تحدق أولاً في الخزانة المفتوحة، ثم في إيزلا، وهي لا تزال تحمل مقلاة حديدية. اللعنة.
لوحت المرأة المسنة بيدها مجددًا. “لقد جمعت العديد من الأسماء، من الصعب تتبعها، خاصة في عمري. الناس يجمعون الأسماء كما تجمع الحجارة الطحالب، برأيي وأيضا ليس وكأن العملاء الفيدراليون لايملكون معلومات حولي.” فكرت للحظة. “ناديني الآنسة العجوز . اسم خاص بي قديم.”
اتكأت إلى الخلف على المقعد المحبب. بدت العجوز وكأنها طفلة تجلس على كرسي مرتفع. “إذن، ما هذا الحديث عن مجرمين يستهدفونني؟”
“تبادلت القضبان للحصول على جوهرة مع السيد غوست، وهي في تلك الخزانة.” أشارت بذقنها نحو باب القاعة، حيث تقف خزانة بلوطية كبيرة بشكل مهيب فوق أكوام الحلي التي كانت منتشرة في جميع أنحاء المنزل.
أجبرت إيزلا قبضتها على القلم على الاسترخاء. “حسنًا، الآنسة عجوز، هل سمعت عن مافيا اليدالملعونة؟”
دارت عجوز عينيها وسخرت. “كان عليهم أن يفكروا جيدًا في الاسم، يبدو غبيًا.”
صمت. “حسنًا، لدينا معلومات معقولة بأنهم قد زاروا هنا مؤخرًا، أو يخططون للمجيء، لكننا لا نعرف لماذا. هل سمعتِ أو رأيتِ شيئًا يشير إلى ذلك؟”
للحظة واحدة فقط، اخترق صوت واضح واحد القوة المكتومة التي كانت تعيق الضجيج، صدى صوت بلغة غامضة، لغة الموتى. “أنقذونا.”
“لقد اخترناها بعناية… وسنعود قريبًا.”
ردت عجوز بحركة سريعة، وأسقطت السيجارة رمادها الرمادي على سترتها. “حسنًا، إيزلا رو، هل كانوا هنا أم لا؟ شبكة مراقبتكم سيئة إن لم تتمكنوا من معرفة إن كانوا هنا أم لا. إذا كانوا هنا، ألن أكون أول من يعرف؟”
تنهد الخال وقال: “لا بأس. ما الأمر؟”
“وجدت خيطًا، مع ذلك. شخص آخر وجد أن المافيا تمكنت من شراء بعض قضبان الفضة الأفلاطونية.”
“نعم، ستكونين كذلك.”
المعلومات الاستخباراتية حول المنزل كانت ضئيلة للغاية. لم تسجل أي اضطرابات أو بلاغات للشرطة من هذا العنوان. يبدو أنه كان مملوكًا لنفس السيدة منذ عقود، حيث تعيش فيه تقاعدها بهدوء. أي تفاصيل أخرى؟ غير موجودة. ماذا يمكن أن تريد “اليد الملعونة” من هذا الحي؟ يمكن أن يكون أي شيء، من منزل آمن إلى قريب بعيد.
ظل التصريح شبه الاتهامي معلقًا في الجو كوزن ثقيل.
سخرت عجوز بصوت محبط، تلاه سعال مليء بالبلغم، يدها العجفاء أمسكت بسرعة عقب السيجارة قبل أن تسقط من شفتيها، ثم ضغطت عليها في منفضة سجائر. بعد نوبة السعال، أخرجت بيد مرتجفة علبة سجائر من سترتها الوردية وأشعلت واحدة جديدة. تمتمت حول السيجارة: “لا أعرف حتى لماذا أدفع ضرائبي.”
لا يوجد الكثير لأقوله عن رجل لم يفعل شيئًا.”
تلعثمت ناناشي قائلة: “آسفة، لم أقصد… آسفة.”
الحكة في يدي إيزلا لم تختفِ، حتى بعد دخولها المبنى، ومع تخفيف العاصفة، ظلت الحكة موجودة، بل ازدادت حدتها؛ أصبحت تقريبًا لا تُطاق. إيزلا بدأت تشعر بالضيق من الرغبة المتزايدة للحك، ومن مقابلة لا تؤدي إلى أي مكان مع شخصية عدائية.
“إيزلا؟”
على الرغم من أن المنزل كان نظيفًا، وكل سطح مرئي ملمع لدرجة تعكس الصور، إلا أن رائحة العفن والتحلل كانت لا تزال تخيم في المكان. كأن شيئًا ما بين أكوام الصحف وأثاث المنزل القديم قد مات وتحلل. كانت تلك الرائحة خبرتها مرارًا وتكرارًا خلال عملها مع الجثث التي تُستخرج من الأقبية والقبور الضحلة، مغطاة بطبقات رقيقة من الفطريات والوحل، لكنها لا تزال تجعلها تشعر بالغثيان.
وحش السنجاب قفز إلى الأمام، وضرب إيزلا بمخالبه كأنها فأس جلاد، ممزقًا قميصها وناشبًا في ذراعها. انفجرت الوشوم الوقائية الخاصة بها بضوء أبيض ساطع، ومع صوت أشبه بنغمة كمان متنافرة، تحطمت الوشوم، محرقة ذراعها ومُلقية كلا المرأتين للخلف. صرخت عجوز وهي تضغط على مخالبها المدخنة بالقرب من صدرها، مخالبها مكسورة ومحترقة. “أيتها الحقيرة.”
لكن كان هناك… شيء آخر. شيء أزعجها وخدش إحساسها، لكنها لم تستطع تحديده بالضبط. الشعور كان كأنه يرقص على حافة إدراكها، مكتومًا تقريبًا بواسطة شيء آخر. كانت إيزلا تهز رأسها باحترام مع شكاوى المرأة العجوز وانتقاداتها الحادة حول حالة البلاد، لكنها في أعماقها كانت تمد حواسها السادسة، وشعرت بوشم مزين بأشواك الورد على عنقها يسخن إلى درجة حرارة الإسفلت تحت شمس الظهيرة.
ابتسم الرجل الغامض: “يبدو أنها معجبة بكِ. يبدو أننا اتخذنا القرار الصائب. الآن، معي يا صغيرة.”
ظل التصريح شبه الاتهامي معلقًا في الجو كوزن ثقيل.
عيون إيزلا تحركت بخفة إلى الجانب، ورأت شيئًا ينساب عبر مجال رؤيتها، تشويهًا، انتفاخًا في الواقع، يدور وينزلق عبر الجدار المليء بالتحف الصغيرة. لم يكن حقيقيًا. أو على الأقل غير قابل للإدراك للأشخاص العاديين. كان الانتفاخ عقدة من السحر المركز، متوهجة كجمرة ساخنة في المنزل الخافت الإضاءة. العقدة كانت بالقرب من الأرض، عائمة فوق باب خزانة، بين المطبخ وممر يؤدي إلى أعماق المنزل المكتظ.
أحد أفراد الأمن رفع سلاحه الصاعق ووجّهه نحوه. أُطلقت المقذوفة لكنها توقفت في الهواء، على بعد أقدام قليلة من الرجل الغامض، وكأن الزمن قد تجمد حولها. تابع الرجل خطواته نحو الفتحة المكانية التي ما زالت مفتوحة، حاملاً قطة الملك بين ذراعيه.
تراجعت إيزلا بعيدًا عن السنجاب، لكنها لم تخفض مسدسها. أشارت بفوهة السلاح، فتحرك السنجاب الأسود بتردد إلى قدميه. بدأ شكله يتغير ويتكسر ببطء أثناء سيره في القاعة، يتساقط منه كتل من الفرو الرمادي الأسود، وأنفه يعود إلى شكله البشري، حتى توقفت عجوز أمام الخزانة الكبيرة. بدت مرهقة، متمايلة على قدميها وكأنها على وشك النوم واقفة. يبدو أن عجوز استنزفت كل طاقتها في ذلك الهجوم، ربما استنفدت طاقة سنوات. قرون من عدم التصديق ستفعل ذلك بأي روح، حسبما فكرت إيزلا.
للحظة واحدة فقط، اخترق صوت واضح واحد القوة المكتومة التي كانت تعيق الضجيج، صدى صوت بلغة غامضة، لغة الموتى. “أنقذونا.”
عقل إيزلا انتبه على الفور، رغم أنها حرصت على عدم إظهار أي عاطفة. كانت بحاجة للتحقق أكثر. كيف بحق الجحيم يمكنني تشتيت انتباه هذه العجوز الثرثارة؟
كانت الأمطار تتساقط بلطف على قبعة الخال بينما كان يقف محدقًا في القبور أمامه.
نظرت إلى برج أواني الطهي الممتد من أعماق حوض المطبخ.
كان الصراخ عاليًا، بطبيعة الحال، لكن كان هناك شيء آخر خلفه أيضًا. بدا الصوت وكأن له ملمسًا ماديًا تقريبًا، كأن التردد يجعل الهواء صلبًا حوله، يضرب ويمزق ويبخر الكائنات الحية. مختبئة خلف غطاء ومحميّة بواسطة تعويذات، فمها مفتوح، شعرت إيزلا بالضغط وكأنه حلقات حديدية حول ضلوعها، وعقلها ينبض ضد جمجمتها.
“—يا إلهي.” توقفت ثرثرة عجوز الطويلة والمملة فجأة وشهقت فجأة. قبضت يدها على صدرها واتسعت عيناها بصدمة. لقد انهار برج الأواني أخيرًا واستسلم لقانون الفوضى، وصوت المعدن وهو يصطدم بالمعدن اخترق أذني إيزلا.
التوى فم عجوز إلى تكشيرة وهي تنهض وتتحرك ببطء نحو المطبخ. وبينما كانت العجوز تدير ظهرها، متذمرة بكلمات نابية وهي تنحني لالتقاط الأواني، قامت إيزلا بهدوء وبطء من كرسيها، متوخية الحذر حتى لا يصدر صوت صرير من الجلد وهي تنهض. انحلت الخيوط الرقيقة غير المرئية من الحرير العنكبوتي من مقبض إحدى الأواني الكبيرة وتسحبت على الأرض. مع أدنى حركة بيدها وهمسة بالكاد تسمع، أعادت إيزلا الخيط المسحور إلى جيبها.
كان الطريق إلى الباب واضحًا، لكنها لا تزال بحاجة إلى الابتعاد عن بعض أرجل الكراسي البارزة ومقابض الخشب من أكوام القمامة القريبة وهي تتسلل نحو الخزانة. بنظرة أخيرة سريعة للتأكد من أن ظهر المرأة العجوز كان لا يزال ملتفتًا، فتحت إيزلا الباب بسرعة، وتحركت قطعة الخشب بلا صوت على مفصلاتها.
“اذهب واحصل عليها، نمر صغير،” همست إيزلا للقنبلة الصوتية، وألقتها خلف الأريكة، وهي تسد أذنيها بسرعة وتفتح فمها لتقليل التأثير. ارتطم الرأس بالجدار أدناه بمرونة شبيهة بحزمة من اللحم المفروم وتدحرج حتى توقف مواجهًا “السنجاب”. تبادلا النظرات لحظة بدهشة، العين الحاقدة تمتص جوهره. لم يكن “السنجاب” يعلم أنه ينبغي أن يتراجع، حيث كانت شواربه وأنفه يتحركان بشكل فضولي نحو الجسم الجديد، إلى أن تمزقت شفتاه المخيطتان وصرخ الرأس.
————————
تم اقتلاع الخزائن والرفوف من جدران الخزانة منذ زمن طويل. كانت العلامات الواضحة تُظهر مكان تلاشي الطلاء في كل مكان باستثناء حيث كانت الرفوف موجودة، تاركةً انطباعات عنها مثل بصمات الحفريات في طبقة رسوبية. أو أضلاع بيضاء باهتة لهيكل عظمي، وهو وصف أكثر دقة.
بينما كانت إيزلا تراقب، بدأت بشرة الرأس المجففة بالشمس تتقشر عند الجبهة، كاشفة عن عين زرقاء جليدية دامية. حدقت إليها بغضب، وكأنها مستاءة من استخدامها الحالي. نظرت إيزلا للأسفل، والتقت وجهًا لوجه مع السنجاب، الذي كان ينفض أسنان وعظام الموتى عن سترته الممزقة. كان يقضي على الحشد الميت بسهولة مثيرة للغضب، رغم أن الجثث القاتلة الباقية لم تبد أي اهتمام لرفاقها الساقطين بينما استمرت بالهجوم.
كما تم اقتلاع ألواح الأرضية من الخزانة، ولم يتبقَ سوى التراب والتربة. شخص ما حفر عميقًا في الأرض، مكونًا حفرة كبيرة، مليئة بأكوام من الجثث في مراحل مختلفة من التحلل. نظرت القوارض ذات العيون الحادة، من فئران وجرذان وحتى بعض السناجب، إلى إيزلا، شرائح من اللحم والجلد تتدلى من أفواهها المليئة بالأسنان الحادة. تم تثبيت وحدة تبريد قديمة على جانب الحفرة، مدعومة ببعض الدعامات الخشبية المهترئة، تبث الهواء البارد والضباب، مما خفض درجة حرارة الخزانة. كانت هناك كلمة واحدة فقط يمكن أن تصف هذا المشهد: مخزن.
“انضمت إلى فريق العمل بعدي بسنوات قليلة. التقينا عدة مرات، في حفلات المكتب وما شابه. كان الأمر غريبًا إلى حد ما، كونها زوجة أفضل أصدقائي، لكننا لم نتقاطع كثيرًا. لا أستطيع حتى أن أتذكر زفافهما. كان بالتأكيد لطيفًا.
سمعت إيزلا صرير الألواح، ورفعت بصرها لترى الآنسة عجوز تحدق أولاً في الخزانة المفتوحة، ثم في إيزلا، وهي لا تزال تحمل مقلاة حديدية. اللعنة.
“حسنًا، هذا أمر غير متوقع.” صوت المرأة العجوز كان خشنًا، كأنه ورق صنفرة على خشب.
“هل يمكنني أن أعيش بسلام دون أمثالكم تعبثون بكل شيء؟”
اقتربت عجوز من إيزلا، والمقلاة محكمة في يدها المعوجة. تراجعت إيزلا بسرعة بعيدًا عن الباب، وسحبت مسدسها وصوبته نحو عجوز في حركة سلسة واحدة.
“ما هي صلتك بالمافيا؟”
تم اقتلاع الخزائن والرفوف من جدران الخزانة منذ زمن طويل. كانت العلامات الواضحة تُظهر مكان تلاشي الطلاء في كل مكان باستثناء حيث كانت الرفوف موجودة، تاركةً انطباعات عنها مثل بصمات الحفريات في طبقة رسوبية. أو أضلاع بيضاء باهتة لهيكل عظمي، وهو وصف أكثر دقة.
هنا يرقد ذكرى:
كانت عجوز تبصق السم، تكشيرة تشوه وجهها. “لا شأن لكِ، سأقول فقط: صفقة عادلة، على الأقل السيد غوست كان يفهم ذلك. على عكس أمثالكم.”
الحكة في يدي إيزلا لم تختفِ، حتى بعد دخولها المبنى، ومع تخفيف العاصفة، ظلت الحكة موجودة، بل ازدادت حدتها؛ أصبحت تقريبًا لا تُطاق. إيزلا بدأت تشعر بالضيق من الرغبة المتزايدة للحك، ومن مقابلة لا تؤدي إلى أي مكان مع شخصية عدائية.
تعثرت إيزلا وهي تتراجع، محاولةً إبقاء عجوز في مرمى بصرها بينما تعثرت على أكوام الأشياء القديمة والمستهلكة.
كان الطريق إلى الباب واضحًا، لكنها لا تزال بحاجة إلى الابتعاد عن بعض أرجل الكراسي البارزة ومقابض الخشب من أكوام القمامة القريبة وهي تتسلل نحو الخزانة. بنظرة أخيرة سريعة للتأكد من أن ظهر المرأة العجوز كان لا يزال ملتفتًا، فتحت إيزلا الباب بسرعة، وتحركت قطعة الخشب بلا صوت على مفصلاتها.
بدت عجوز وكأنها تزداد طولًا، ووزنها ينزاح إلى الأمام على أصابع قدميها، وكعوبها تنزلق من حذائها المسطح بينما تطول وتصبح زاوية قائمة، مع صوت طقطقة العظام وإعادة ترتيب الأوتار. أسقطت المقلاة، ومدت أصابعها التي كانت تنمو وأظافرها التي أصبحت حادة وطويلة، أشبه بشفرات.
شعرها الذي كان يظهر كأنه تصفيف أمهات محترمات أصبح قصيرًا وانتشر، مغطياً الجلد الظاهر بكتل وأجزاء من الفراء الخشن الأسود الرمادي. أنفها تسطح ضد وجهها، وعظام وجنتيها دفعت للخارج مكونة خطمًا خافتًا. لون قزحيتها امتد ليتجاوز حدودها، وملأ صلبة عينيها، يلتف ويتحول ويغمق حتى أصبحت عيناها سوداء بالكامل كالقار. ذيل كبير يمكن التحكم فيه، مغطى بفراء طويل ومنتفش، كان يتحرك خلف المخلوق، معبرًا عن غضبه بإسقاط الأثاث والقمامة. سنجاب متحول.
أطلقت إيزلا رصاصة، ثم أخرى، ثم ثالثة، مصوبة إلى مركز الجسد، مما دفع عجوز إلى الخلف بقوة تأثير الرصاصات المجوفة. تراجعت المخلوقة التي كانت في السابق عجوزًا بينما كان السائل الأسود يتناثر من مثلث الجروح. شتمت إيزلا ومدت يدها إلى جيبها، بحثًا عن مخزن طلقات طرد الأرواح، بينما كانت عجوز تتعافى من سقوطها تقريبًا واعتدلت واقفة، والرصاص النحاسي الباهت يخرج ببطء من جسدها مع ضخ الإيخور في قلبها المتعفن.
كان الطريق إلى الباب واضحًا، لكنها لا تزال بحاجة إلى الابتعاد عن بعض أرجل الكراسي البارزة ومقابض الخشب من أكوام القمامة القريبة وهي تتسلل نحو الخزانة. بنظرة أخيرة سريعة للتأكد من أن ظهر المرأة العجوز كان لا يزال ملتفتًا، فتحت إيزلا الباب بسرعة، وتحركت قطعة الخشب بلا صوت على مفصلاتها.
وحش السنجاب قفز إلى الأمام، وضرب إيزلا بمخالبه كأنها فأس جلاد، ممزقًا قميصها وناشبًا في ذراعها. انفجرت الوشوم الوقائية الخاصة بها بضوء أبيض ساطع، ومع صوت أشبه بنغمة كمان متنافرة، تحطمت الوشوم، محرقة ذراعها ومُلقية كلا المرأتين للخلف. صرخت عجوز وهي تضغط على مخالبها المدخنة بالقرب من صدرها، مخالبها مكسورة ومحترقة. “أيتها الحقيرة.”
أطلقت إيزلا صرخة ألم مكتومة بالكاد، وأطلقت دفعة أخرى من ثلاث رصاصات نحو عجوز قبل أن تضغط على مفتاح إخراج المخزن وتستبدل الطلقات، لتعيد المزلاج إلى مكانه بقوة. “أخبريني بما اتفقت عليه مع المافيا، وإلا سأقضي عليك كأنك كلب.”
زمجر المخلوق، أسنانه الصفراء المتكسرة تلمع في إضاءة غرفة المعيشة الخافتة. “مستحيل.” كانت العبارة المبحوحة تتبعها ثلاث رصاصات أخرى. الرصاصات الفضية تركت خلفها خطوطًا بيضاء حارقة وهي تخترق الأنف والفك، لتحرق اللحم والعظم بينما تنفجر الطلقات المقدسة في انفجارات صغيرة من نار جهنم المقدسة.
صرخ السنجاب الوحشي وخدش النيران المشتعلة في عينيه، فكه معلق بزاوية غريبة. استغلت إيزلا هذه الاستراحة القصيرة وقفزت خلف الأثاث، بينما ذراعها اليمنى احتجت بوابل آخر من الألم. ظنت في البداية أن الغرفة تدور فقط بسبب إصابتها، لكنها أدركت بسرعة أن المنزل كان يدور على المحور ، كاشفًا غرفًا وممرات جديدة على الأرضية والسقف، معروضة كممرات متاهة أعمق داخل المنزل، مليئة بأكوام القمامة والمقتنيات. اضطرت إيزلا إلى التدحرج على ظهر الأريكة التي كانت تختبئ خلفها عندما أصبحت الأرض فجأة جدارًا، وغرفة المعيشة تحولت إلى هوة
ردت عجوز بحركة سريعة، وأسقطت السيجارة رمادها الرمادي على سترتها. “حسنًا، إيزلا رو، هل كانوا هنا أم لا؟ شبكة مراقبتكم سيئة إن لم تتمكنوا من معرفة إن كانوا هنا أم لا. إذا كانوا هنا، ألن أكون أول من يعرف؟”
“لن تخرجي من هنا حية، أيتها العميلة رو.” صرخ الصوت الخشن. عبرت فكرة عابرة ذهن إيزلا وسط ضجيج الألم الناتج عن جرحها الممزق بينما كانت تنظر إلى الممرات الملتوية الجديدة التي تكشفت أمامها، مليئة بالقمامة والقوارض التي تصدر أصواتًا متداخلة. إنه عش الجرذان.
كانت الباحثة ليلي تعمل في مكتبها، منشغلة بأعمال ورقية. جلست قطة الملك على عتبة النافذة، تلهو بلعبة صغيرة معلقة. فجأة، ظهر تشويه مكاني خارج المكتب. توسع التشويه ليشكل فتحة مظلمة، وخرج منها الرجل الغامض، يرتدي ملابس قديمة مغطاة بالطين، وجهه مختفٍ تحت عباءة وغطاء رأس. فتح الرجل الباب بخفة ودخل المكتب.
توقفت عجوز عن الصراخ من الألم والغضب، وأصبحت صامتة. كان هناك صوت خشخشة على يسار إيزلا، حيث كانت عجوز تجري عبر مطبخ متعامد الأبعاد داخل المنزل تتحول إلى الداخل والخارج مجددًا تتسلق السطح الأملس والزلق بسهولة. رأس السنجاب دار وتلف بطريقة غير إنسانية على رقبته ليثبت نظراته على إيزلا، بريق مفترس يمتد على وجهه المغطى بالفرو. الوحش جلس على مؤخرته، مستعدًا للقفز عبر المسافة بينهما.
الوقت بدا وكأنه يتباطأ بينما الأدرينالين اندفع بسرعة قياسية من الغدة الصنوبرية إيزلا. كان عليها أن تضع خطة. الرصاصات العادية لم تؤثر عليها، وطلقات الطرد بالكاد أبطأتها. ما هي؟ شبه سيادي؟ فكرة؟ لماذا لا تموت؟
“هل يمكنك ذكر اسمك للتسجيل، من فضلك؟”
تنقلت عيناها إلى الزوايا الأربع، باحثة عن وسيلة للخروج من هذه الورطة التي تورطت فيها دون دعم أو إشعار خطأها بالكامل تقريبًا عند التفكير. قبل أن تقفز العجوز عبر الفجوة، التقت عينا إيزلا مع باب الخزانة المفتوح قليلاً.
أجاب الرجل الغامض بحزم: “أخشى أن ذلك غير ممكن، أعتقد أن لدي دقيقة أو اثنتين. آه! ها أنتِ، يا عزيزتي. تعالي الآن، من الأفضل أن نذهب.”
كما نوقش سابقًا، مستحضرو الأرواح لا يحيون الموتى، بل يتواصلون معهم. ومع ذلك، فإن التلاعب بالأرواح يمكن أن يُستخدم لأكثر من مجرد تعلم الحروف الميتة. هناك تقنيتان رئيسيتان لإحياء الموتى كبيادق ووقود: الأولى المعروفة بين المحترفين بـ”استحضار الأرواح الزائف” هي مجرد تحريك العظام وإعطاؤها أوامر بالحركة، مثل المكانس في فيلم فانتازيا. يمكن لأي طالب علم شعوذة بتخصص إبعاد الأرواح القيام بها، وإن كان بشكل فوضوي.
أما الاستحضار الحقيقي، أو كما تسميه إيزلا “الاستحضار من الدرجة العليا”، فيتضمن ربط الأرواح بشيء، مثل هيكل عظمي، واستخدام إنتاجهم الطبيعي من الطاقة الحركية وحقول الأرواح المحلية لتشغيل العمل والحركة بدلاً من استخدام احتياطياتك الخاصة. أكثر كفاءة في استخدام الطاقة. رغم أن هذه الميزة لم تكن في ذهن إيزلا الآن بينما وضعت مسدسها في جرابه واستدعت الحشد، بخار يتصاعد من جلدها بينما الجرح الذي أصابها يكوي نفسه ويخرج كرومًا حمضية ملتوية من قوة العمل.
مع اختفاء العدو، وهروب السنجاب وتحوّل الهياكل العظمية إلى غبار، انتهت صرخة القنبلة الصوتية بنفس السرعة التي بدأت بها. عادت العين خلف ستار الجلد، وعاد الرأس إلى حالة السكون. وبدا أن البيت، الذي كان يتحرك ويتغير كمستودع فوضوي، قد فقد طاقته وعاد إلى حالته الطبيعية. تدحرجت إيزلا بألم على الأرض عندما استعادة الجاذبية وضعها الطبيعي.
انفجرت عظام الغاضبين والموتى من خلال ألواح الأرضية، ومن داخل الخزانة ومن تحت أكوام الفوضى على الأرض والسقف. منتزعة من اللحم بأسنان القوارض، كانت تجاويف أعينهم تلمع بغضب مظلم، قاتل، وجهنمي. مدفوعة بغضبها الذي لا شكل له ولكن حقيقي، زحفت وتسلقت وتراكمت على عجوز من جميع الاتجاهات والاتجاهات، مصطدمة بالسنجاب في الجو ومغيرة مسارها لتسقط بشكل مؤلم على الجدار أدناه.
“لقد مضى 20 دقيقة؟ أنا أتفهم الحزن، لكن هؤلاء… يبدو أنهم رحلوا منذ سنوات. ألا توجد أمور تحتاج إلى اهتمامك؟”
استدارت العجوز لتنظر إلى إيزلا، عيناها القاسية تلمعان. بدت وكأنها استعادت طاقتها بفعل العرض، وقد زال كل أثر للعداء عند التفكير في التجارة. “ما هو عرضك؟”
جامعو الضرائب، رجال الشرطة، عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، وقطاع طرق الشوارع كانوا جميعًا حاضرين في صفوف الفيلق، مرتدين ملابس ممزقة في مراحل مختلفة من التحلل. لافت للنظر، كان أحد الجثث مرتديًا سترة جلدية ما زال يحتفظ بشعره المنفوش المحنط، رغم أن المغني كان بالكاد يمكن التعرف عليه مع أنفه المبتور وتجويف عينيه المليء بالإكتوبلازم المتكتل. جميعهم أشخاص واجهتهم عجوز ولم يعيشوا ليروا اليوم التالي.
سحبت المرأة نفسًا من سيجارتها. “افعلي ما تشائين.”
قهقهت العجوز بصوت يشبه الحيوان، صرخة أثارت شعر مؤخرة رقبة إيزلا. “تظنون أنكم أيها الفيدراليون تستطيعون قتلي؟ أنا السنجاب! أنا التهمت الشمس نفسها أثناء الكسوف، جالبة الظلام إلى الأرض! اقتحمت مخابئ البشر وأكلت كل مؤنهم، وتركتهم يموتون جوعًا في الشتاء! سرقت ذيل الدب، وأبقيته لنفسي! وتظنون أن الموتى يهددونني؟”
.
بركلة مهملة، أسقطت عجوز أكوام الصحف والصناديق التي كانت تعترض طريقها، متناثرة على الأرض، بينما أخلت المنطقة. ثم أخرجت سلسلة مفاتيح كبيرة من جيب سترتها، مليئة بالعشرات من المفاتيح من مختلف الأشكال والأزمنة. ومن هذه السلسلة، اختارت مفتاحًا بأصابعها المرتعشة وفتحت الخزانة، لتفتحها بصوت أزيز عميق.
هي…
“سيدي، إذا سمحت-”
إن كانت أسطورة، فإن لديها نقاط ضعف، شيء واضح، رمزي. مفترسات؟ قطط؟ نار؟ لا يمكن إخمادها بأي معدات حديثة، شيء لم يُؤخذ في الحسبان في أساطيرها وقصصها. لاحظت إيزلا الأواني والمقالي المبعثرة حيث سقطت على أرض المطبخ عبر الفجوة المتشابكة. الضوضاء. الحيوانات الفريسة تكره الضوضاء.
قهقهت العجوز بصوت يشبه الحيوان، صرخة أثارت شعر مؤخرة رقبة إيزلا. “تظنون أنكم أيها الفيدراليون تستطيعون قتلي؟ أنا السنجاب! أنا التهمت الشمس نفسها أثناء الكسوف، جالبة الظلام إلى الأرض! اقتحمت مخابئ البشر وأكلت كل مؤنهم، وتركتهم يموتون جوعًا في الشتاء! سرقت ذيل الدب، وأبقيته لنفسي! وتظنون أن الموتى يهددونني؟”
كان المنزل يبدو معتنى به جيدًا، على عكس المباني المجاورة المهترئة، ذات الطلاء الأبيض المتشقق حول حوافها ونوافذها المغطاة بالغبار. أما الحدائق المحيطة بها فكانت متوحشة ومليئة بالأعشاب الضارة. الأشجار ذات الأغصان الثقيلة تتدلى على الطريق وكأنها تهدد بالكسر مع أول هبة ريح قوية. الضوء البرتقالي المزعج لمصابيح الشوارع يتسرب من بين الأغصان، ليترك ظلالًا مشوهة على الرصيف الوعر. كل ذلك جعل المظهر المرتب والمهذب لمنزل “875 طريق شالز” يبدو أكثر غرابة.
وضعت إيزلا ظهرها على الأرض، تبحث بين جيوب معطفها العديدة التي وفقًا لمعايير وحدة التحقيقات الخارقة كانت أعمق بكثير من جيوب المعاطف العادية، لدرجة تكسر الواقع. أخيرًا، ظهر كروي بني الشكل من جيب صدرها، الذي قبضت عليه بإحكام بينما تمتمت بعبارة التفعيل، معدلة الصياغة لتحقيق أقصى تأثير.
ربما لا.”
“إيزلا؟”
بينما كانت إيزلا تراقب، بدأت بشرة الرأس المجففة بالشمس تتقشر عند الجبهة، كاشفة عن عين زرقاء جليدية دامية. حدقت إليها بغضب، وكأنها مستاءة من استخدامها الحالي. نظرت إيزلا للأسفل، والتقت وجهًا لوجه مع السنجاب، الذي كان ينفض أسنان وعظام الموتى عن سترته الممزقة. كان يقضي على الحشد الميت بسهولة مثيرة للغضب، رغم أن الجثث القاتلة الباقية لم تبد أي اهتمام لرفاقها الساقطين بينما استمرت بالهجوم.
نفثت عجوز حلقة دخان دائرية من زاوية فمها وضحكت بسخرية. “لا، تلك تُفرض عليها ضرائب. روحك التافهة لن تدفع ثمن خمس وخمسين روحًا على أي حال.”
تم اقتلاع الخزائن والرفوف من جدران الخزانة منذ زمن طويل. كانت العلامات الواضحة تُظهر مكان تلاشي الطلاء في كل مكان باستثناء حيث كانت الرفوف موجودة، تاركةً انطباعات عنها مثل بصمات الحفريات في طبقة رسوبية. أو أضلاع بيضاء باهتة لهيكل عظمي، وهو وصف أكثر دقة.
“اذهب واحصل عليها، نمر صغير،” همست إيزلا للقنبلة الصوتية، وألقتها خلف الأريكة، وهي تسد أذنيها بسرعة وتفتح فمها لتقليل التأثير. ارتطم الرأس بالجدار أدناه بمرونة شبيهة بحزمة من اللحم المفروم وتدحرج حتى توقف مواجهًا “السنجاب”. تبادلا النظرات لحظة بدهشة، العين الحاقدة تمتص جوهره. لم يكن “السنجاب” يعلم أنه ينبغي أن يتراجع، حيث كانت شواربه وأنفه يتحركان بشكل فضولي نحو الجسم الجديد، إلى أن تمزقت شفتاه المخيطتان وصرخ الرأس.
كانت موضوعة في أماكن مهمة، على تجمعات الأعصاب أو نقاط الضغط، بعضها يمتد على الخط المركزي بين رقبة كوين وسرتها، وأخرى تلتف حول ذراعيها متبعة الشرايين، إما لتركيز السحر أو لتحويله بعيدًا عن المناطق الأكثر أهمية. معظم عملاء وحدة التحقيقات الخارقة لديهم على الأقل رمز واقٍ، وفي الولاية كان ذلك يُعتبر طقس مرور يحصل عليه العميل بعد نجاحه في عملية كبيرة. أغلب أفراد وحدتها كانوا يمتلكون وشومًا متقنة.
مدت عجوز يدها، وقابلتها إيزلا بمصافحة لطيفة، لكنها لم تستطع منع ذراعها من الاحتجاج بألم حاد. جذبت عجوز إيزلا إليها، وهمست في أذنها بنَفَس تفوح منه رائحة السجائر والعفن. “كثير من الناس نقضوا صفقاتي، أيتها العميلة رو. وكلهم عاشوا طويلًا بما يكفي لندمهم.”
كان الصراخ عاليًا، بطبيعة الحال، لكن كان هناك شيء آخر خلفه أيضًا. بدا الصوت وكأن له ملمسًا ماديًا تقريبًا، كأن التردد يجعل الهواء صلبًا حوله، يضرب ويمزق ويبخر الكائنات الحية. مختبئة خلف غطاء ومحميّة بواسطة تعويذات، فمها مفتوح، شعرت إيزلا بالضغط وكأنه حلقات حديدية حول ضلوعها، وعقلها ينبض ضد جمجمتها.
على الطرف المتلقي للصوت في حجمه الكامل، أي مخلوق عادي كان سيشعر بالألم حيث تنزف أعضاؤه، وتتحول عيناه إلى سائل، وتتحول عظامه إلى مسحوق. لم يكن “السنجاب” مخلوقًا عاديًا، لكنه في جوهره مجرد سنجاب، وارتبك كواحد أيضًا.
تم اقتلاع الخزائن والرفوف من جدران الخزانة منذ زمن طويل. كانت العلامات الواضحة تُظهر مكان تلاشي الطلاء في كل مكان باستثناء حيث كانت الرفوف موجودة، تاركةً انطباعات عنها مثل بصمات الحفريات في طبقة رسوبية. أو أضلاع بيضاء باهتة لهيكل عظمي، وهو وصف أكثر دقة.
محاصرًا في مركز الانفجار الصوتي، تقلصت بؤبؤاه إلى نقاط صغيرة، وقف شعره، وصاح، رغم أن صراخه ضاع تقريبًا وسط موجة الصوت القوية الممزقة للطلاء. قفز “السنجاب” بخفة خارقة في أنحاء الغرفة، يسبّ بلغات مختلفة بينما يرتطم بالأرضية والسقف والجدران، قبل أن يغوص في ممر رأسي ويخرج من خلال شق أسفل باب، مشوهًا جسمه لإتمام الفعل.
مع اختفاء العدو، وهروب السنجاب وتحوّل الهياكل العظمية إلى غبار، انتهت صرخة القنبلة الصوتية بنفس السرعة التي بدأت بها. عادت العين خلف ستار الجلد، وعاد الرأس إلى حالة السكون. وبدا أن البيت، الذي كان يتحرك ويتغير كمستودع فوضوي، قد فقد طاقته وعاد إلى حالته الطبيعية. تدحرجت إيزلا بألم على الأرض عندما استعادة الجاذبية وضعها الطبيعي.
سحبت المرأة نفسًا من سيجارتها. “افعلي ما تشائين.”
أغلقت إيزلا فكها وابتلعت ريقها، مما تسبب في ألم وهي تجبر أذنيها على التكيف مع الضغط. حتى وهي خلف غطاء، بعيدة عن التأثير المباشر للرأس وخارجة عن نطاقه الفعال، عانت من بعض الآثار الجانبية بينما تعثرت واقفة. كانت الجدران والسقف مغطاة بغبار الجص وبقايا العظام من الانفجار، وسمعت أصوات إنذارات السيارات القريبة. التقطت إيزلا الرأس وأزالت غبار الحائط قبل أن تعيده إلى جيب معطفها. كان شعرها المتشابك والمبلل قد تجمد تقريبًا خلال المعركة، وبدأ للتو في الذوبان.
“ليس بالسرعة التي أريدها، لكنه يتقدم. أشياء كهذه تأخذ وقتها.”
كانت الأمطار تتساقط بلطف على قبعة الخال بينما كان يقف محدقًا في القبور أمامه.
سحبت العميلة مسدسها M1911 من جرابه، متقبلة دفء الوشوم الواقية التي تغطي مقبضه الصلب. بأصبع بعيد عن الزناد وفوهة المسدس موجهة للأعلى، تقدمت نحو باب الحمام. وضعت يدها على الباب والأخرى على المسدس، أدارت المقبض وسمحت للباب بأن ينفتح ببطء، موجهة السلاح نحو الداخل.
مدت عجوز يدها، وقابلتها إيزلا بمصافحة لطيفة، لكنها لم تستطع منع ذراعها من الاحتجاج بألم حاد. جذبت عجوز إيزلا إليها، وهمست في أذنها بنَفَس تفوح منه رائحة السجائر والعفن. “كثير من الناس نقضوا صفقاتي، أيتها العميلة رو. وكلهم عاشوا طويلًا بما يكفي لندمهم.”
“سيدي، إذا سمحت-”
عجوز، السنجاب الأسود، كانت ملتفة في حوض الاستحمام، تتحدث بلهجة هستيرية هذه المرة باللغة العربية. “فضة أفلاطونية، فضة أفلاطونية! لقد تبادلت مع السيد غوست للحصول على الفضة الأفلاطونية! وجدتها عند جذور العالم، وقايضت بها رجلاً هزيلاً كالموت.” كان السنجاب الأسود يرتجف حيث استلقى، بعيدًا عن المخلوق العملاق الذي كان عليه قبل لحظات.
“وماذا أعطيتِ لها؟”
“تبادلت القضبان للحصول على جوهرة مع السيد غوست، وهي في تلك الخزانة.” أشارت بذقنها نحو باب القاعة، حيث تقف خزانة بلوطية كبيرة بشكل مهيب فوق أكوام الحلي التي كانت منتشرة في جميع أنحاء المنزل.
تراجعت إيزلا بعيدًا عن السنجاب، لكنها لم تخفض مسدسها. أشارت بفوهة السلاح، فتحرك السنجاب الأسود بتردد إلى قدميه. بدأ شكله يتغير ويتكسر ببطء أثناء سيره في القاعة، يتساقط منه كتل من الفرو الرمادي الأسود، وأنفه يعود إلى شكله البشري، حتى توقفت عجوز أمام الخزانة الكبيرة. بدت مرهقة، متمايلة على قدميها وكأنها على وشك النوم واقفة. يبدو أن عجوز استنزفت كل طاقتها في ذلك الهجوم، ربما استنفدت طاقة سنوات. قرون من عدم التصديق ستفعل ذلك بأي روح، حسبما فكرت إيزلا.
عيون إيزلا تحركت بخفة إلى الجانب، ورأت شيئًا ينساب عبر مجال رؤيتها، تشويهًا، انتفاخًا في الواقع، يدور وينزلق عبر الجدار المليء بالتحف الصغيرة. لم يكن حقيقيًا. أو على الأقل غير قابل للإدراك للأشخاص العاديين. كان الانتفاخ عقدة من السحر المركز، متوهجة كجمرة ساخنة في المنزل الخافت الإضاءة. العقدة كانت بالقرب من الأرض، عائمة فوق باب خزانة، بين المطبخ وممر يؤدي إلى أعماق المنزل المكتظ.
بركلة مهملة، أسقطت عجوز أكوام الصحف والصناديق التي كانت تعترض طريقها، متناثرة على الأرض، بينما أخلت المنطقة. ثم أخرجت سلسلة مفاتيح كبيرة من جيب سترتها، مليئة بالعشرات من المفاتيح من مختلف الأشكال والأزمنة. ومن هذه السلسلة، اختارت مفتاحًا بأصابعها المرتعشة وفتحت الخزانة، لتفتحها بصوت أزيز عميق.
“تبادلت القضبان للحصول على جوهرة مع السيد غوست، وهي في تلك الخزانة.” أشارت بذقنها نحو باب القاعة، حيث تقف خزانة بلوطية كبيرة بشكل مهيب فوق أكوام الحلي التي كانت منتشرة في جميع أنحاء المنزل.
عبثت الروح بين الرفوف للحظة، قبل أن تخرج شيئًا، وتغلق باب الخزانة بقدميها. رمت الجسم نحو إيزلا، قبل أن تتجه وتتداعى على أريكتها المزينة بنقوش الزهور.
عيون إيزلا تحركت بخفة إلى الجانب، ورأت شيئًا ينساب عبر مجال رؤيتها، تشويهًا، انتفاخًا في الواقع، يدور وينزلق عبر الجدار المليء بالتحف الصغيرة. لم يكن حقيقيًا. أو على الأقل غير قابل للإدراك للأشخاص العاديين. كان الانتفاخ عقدة من السحر المركز، متوهجة كجمرة ساخنة في المنزل الخافت الإضاءة. العقدة كانت بالقرب من الأرض، عائمة فوق باب خزانة، بين المطبخ وممر يؤدي إلى أعماق المنزل المكتظ.
بينما كانت إيزلا تراقب، بدأت بشرة الرأس المجففة بالشمس تتقشر عند الجبهة، كاشفة عن عين زرقاء جليدية دامية. حدقت إليها بغضب، وكأنها مستاءة من استخدامها الحالي. نظرت إيزلا للأسفل، والتقت وجهًا لوجه مع السنجاب، الذي كان ينفض أسنان وعظام الموتى عن سترته الممزقة. كان يقضي على الحشد الميت بسهولة مثيرة للغضب، رغم أن الجثث القاتلة الباقية لم تبد أي اهتمام لرفاقها الساقطين بينما استمرت بالهجوم.
نظرت إيزلا إلى عجوز، التي كانت ترتشف شايها بهدوء، وأعادت مسدسها إلى جرابه لتتمكن من فحص الجسم. كان قلادة بخيط جلدي بسيط، وقلادة صغيرة متوهجة بلمعان أبيض. القلادة تحتوي على أشكال هندسية، مئات الأسطح العاكسة المختلفة، تلمع بأضواء باردة كنقاط دقيقة. عندما أمالت إيزلا القلادة، استطاعت رؤية مجموعة متغيرة من الوجوه الغاضبة الأثيرية، تحدق بها من داخل القلادة وكأنها تخترق روحها. كانت يدها ترتجف من القوة الناتجة عن الإمساك بالبلورة.
بنومانيت. نفَس الموتى المتجمد. كريستال متصلب يحتوي على أنماط الشخصية للأرواح المستخدمة في صنعه. أمثلة قليلة جدًا ما زالت موجودة في يومنا هذا، وهي مطلوبة بشدة من قبل الجامعين والمستحضرين على حد سواء. أدوات سحرية قوية ولكنها هشة، العديد من الأحجار الكريمة مثل هذه وأكبر حجمًا صُنعت في الأربعينيات، لكنها انهارت بسبب الكثافة الهائلة للغضب الانتقامي الذي تحتويه. نادرة لسبب ما، حيث أن القتل اللازم لصنع واحدة كان مكلفًا للغاية، ومحظورًا أيضًا بموجب الهيئة الدولي لمنظمة kolnovel.
كما نوقش سابقًا، مستحضرو الأرواح لا يحيون الموتى، بل يتواصلون معهم. ومع ذلك، فإن التلاعب بالأرواح يمكن أن يُستخدم لأكثر من مجرد تعلم الحروف الميتة. هناك تقنيتان رئيسيتان لإحياء الموتى كبيادق ووقود: الأولى المعروفة بين المحترفين بـ”استحضار الأرواح الزائف” هي مجرد تحريك العظام وإعطاؤها أوامر بالحركة، مثل المكانس في فيلم فانتازيا. يمكن لأي طالب علم شعوذة بتخصص إبعاد الأرواح القيام بها، وإن كان بشكل فوضوي.
“خمسة وخمسون روحًا بائسة، كل منها مذنب بخمس جرائم،” تمتمت عجوز من أريكتها.
.
“حسنًا، هذا أمر غير متوقع.” صوت المرأة العجوز كان خشنًا، كأنه ورق صنفرة على خشب.
كانت إيزلا لا تزال تفحص قلادة البنوانيت، وعلامات الغضب والرعب بادية على وجهها. “هل هي مصنوعة محليًا أم من جهة خارجية؟”
.
“صُنعت حسب الطلب لمجنون هرطقي في تركيا، لكن الصفقة أُلغيت بعد أن صنعتها المافيا.”
ابتسامة مكبوتة، تخفيها شفتاه المضمومتان، ظهرت على وجهه. خفض رأسه، محدقًا في الحقل الذي يظهر فيه برج المراقبة الخاص بالمنشأة في البعيد.
رفعت إيزلا نظرها. “كم ثمنها؟”
أغلقت إيزلا فكها وابتلعت ريقها، مما تسبب في ألم وهي تجبر أذنيها على التكيف مع الضغط. حتى وهي خلف غطاء، بعيدة عن التأثير المباشر للرأس وخارجة عن نطاقه الفعال، عانت من بعض الآثار الجانبية بينما تعثرت واقفة. كانت الجدران والسقف مغطاة بغبار الجص وبقايا العظام من الانفجار، وسمعت أصوات إنذارات السيارات القريبة. التقطت إيزلا الرأس وأزالت غبار الحائط قبل أن تعيده إلى جيب معطفها. كان شعرها المتشابك والمبلل قد تجمد تقريبًا خلال المعركة، وبدأ للتو في الذوبان.
قالت ليلي محاولًة التفاوض: “لا أعرف ما الذي يحدث، ولكن لما لا تجلس؟ أنا متأكدة أنه يمكننا حل هذا الأمر.”
سخرت عجوز، نافثة دخان سيجارة جديدة من بين شفتيها. “ليست للبيع.”
صمت. “حسنًا، لدينا معلومات معقولة بأنهم قد زاروا هنا مؤخرًا، أو يخططون للمجيء، لكننا لا نعرف لماذا. هل سمعتِ أو رأيتِ شيئًا يشير إلى ذلك؟”
“لكن ماذا عن المقايضة؟”
تم اقتلاع الخزائن والرفوف من جدران الخزانة منذ زمن طويل. كانت العلامات الواضحة تُظهر مكان تلاشي الطلاء في كل مكان باستثناء حيث كانت الرفوف موجودة، تاركةً انطباعات عنها مثل بصمات الحفريات في طبقة رسوبية. أو أضلاع بيضاء باهتة لهيكل عظمي، وهو وصف أكثر دقة.
أما الاستحضار الحقيقي، أو كما تسميه إيزلا “الاستحضار من الدرجة العليا”، فيتضمن ربط الأرواح بشيء، مثل هيكل عظمي، واستخدام إنتاجهم الطبيعي من الطاقة الحركية وحقول الأرواح المحلية لتشغيل العمل والحركة بدلاً من استخدام احتياطياتك الخاصة. أكثر كفاءة في استخدام الطاقة. رغم أن هذه الميزة لم تكن في ذهن إيزلا الآن بينما وضعت مسدسها في جرابه واستدعت الحشد، بخار يتصاعد من جلدها بينما الجرح الذي أصابها يكوي نفسه ويخرج كرومًا حمضية ملتوية من قوة العمل.
استدارت العجوز لتنظر إلى إيزلا، عيناها القاسية تلمعان. بدت وكأنها استعادت طاقتها بفعل العرض، وقد زال كل أثر للعداء عند التفكير في التجارة. “ما هو عرضك؟”
“طلبت منه المساعدة في إصلاح مغسلة المطبخ. مغسلة المطبخ اللعينة.
التوت شفاه إيزلا بابتسامة ساخرة. “لا أعتقد أنني أستطيع بيع روحي، أليس كذلك؟”
انفجرت عظام الغاضبين والموتى من خلال ألواح الأرضية، ومن داخل الخزانة ومن تحت أكوام الفوضى على الأرض والسقف. منتزعة من اللحم بأسنان القوارض، كانت تجاويف أعينهم تلمع بغضب مظلم، قاتل، وجهنمي. مدفوعة بغضبها الذي لا شكل له ولكن حقيقي، زحفت وتسلقت وتراكمت على عجوز من جميع الاتجاهات والاتجاهات، مصطدمة بالسنجاب في الجو ومغيرة مسارها لتسقط بشكل مؤلم على الجدار أدناه.
قال الرجل الغامض بصوت هادئ: “لا داعي للقلق، لم أدرك أن لديها رفقة. الآن، أين أنتِ، صغيرتي؟ حان الوقت للذهاب.”
نفثت عجوز حلقة دخان دائرية من زاوية فمها وضحكت بسخرية. “لا، تلك تُفرض عليها ضرائب. روحك التافهة لن تدفع ثمن خمس وخمسين روحًا على أي حال.”
أجاب الرجل الغامض بحزم: “أخشى أن ذلك غير ممكن، أعتقد أن لدي دقيقة أو اثنتين. آه! ها أنتِ، يا عزيزتي. تعالي الآن، من الأفضل أن نذهب.”
توقفت إيزلا، وبدأت تبحث في جيوبها عن شيء، أي شيء، قد تملكه ويستحق حياة خمسين شخصًا. كانت دائمًا تستعد أكثر من اللازم للحالات، لكن معظم معداتها كانت محملة في السيارة المستأجرة، ولم تكن تريد أن تتردد عجوز بينما تبحث في الصندوق.
لم يكن من السهل الحصول على أيدٍ مجدّدة، حيث تتطلب يدًا لشخص أُعدم، ويفضل أن يكون مذنبًا. وفي انتصار نادر للتقدم، تم حظر صنعها بعد حرب فيتنام، لكن منظمة kolnovel كانت معروفة بفائضها العسكري. عند إشعالها، تسمح للمستخدم بالمرور دون اكتشاف في المناطق العدائية، حيث يمنع رائحة الفتيل المشتعل بعض المس
بينما كانت تفتش جيوبها، لمست أصابعها الشعر الرقيق للقنبلة الصوتية. لا، سيكون ذلك إهانة. ثم، شعرت بأصابعها تلامس أسطوانة شمعية. مثالي.
“قد يكون لدي شيء يثير اهتمامك، الآنسة عجوز،” أخرجت إيزلا من جيبها شمعة مصنوعة من شمع بلون غريب، تفوح منها رائحة حلوة ومريضة تعرفها كلتاهما. قاعدة الشمعة كانت عبارة عن يد مت ذابلة، وجافة محفوظة، مع غياب الأظافر. كانت النقوش محفورة بشكل حلزوني حول الأصابع، والتي كانت مجففة على شكل مخالب. الشمعة كانت مثبتة على راحة اليد، ملتحمة باللحم بواسطة طقوس غامضة، وكانت بطول إصبع اليد. فتيل الشمعة لم يكن مشتعلًا. وضعت إيزلا اليد بعناية على الطاولة أمام عجوز.
“خمسة وخمسون روحًا بائسة، كل منها مذنب بخمس جرائم،” تمتمت عجوز من أريكتها.
استدارت العجوز لتنظر إلى إيزلا، عيناها القاسية تلمعان. بدت وكأنها استعادت طاقتها بفعل العرض، وقد زال كل أثر للعداء عند التفكير في التجارة. “ما هو عرضك؟”
أومأت عجوز ببطء، وهي تفحص اليد بعينيها الضيقتين. بنظرة واحدة، وإشارة من إيزلا بالسماح، التقطت عجوز اليد بلطف من الطاولة، وفحصتها من كل زاوية، مستنشقة الشمع وملامسة اللحم، تتفحص النقوش المحفورة حول المفاصل وكأنها خبيرة تقييم متمرسة.
خطت إيزلا إلى الرصيف عندما نادت عليها عجوز. “وداعًا، أيتها العميلة رو. لا أريد رؤيتك مرة أخرى.” ومع هذه الكلمات الأخيرة، أُغلق الباب الثقيل بقوة، وأُقفلت المزاليج في مكانها.
نظرت إلى إيزلا. “ما هي قصتها؟”
“هذه نسخة جيفر 98، صُممت للحرب العالمية الثانية. صُنعت من دهن ويد آخر رجل أُعدم شنقًا في ليبيا عام 1944. قديمة، لكنها تؤدي الغرض. لم تُشعل من قبل، لذا قد تحصلين على عشرين دقيقة من الاستخدام. قطعة نادرة، قيمتها أعلى وهي بحالة جيدة.”
دوّى صوت الرعد في السماء، مما جعل ناناشي تقفز من الفزع. واستمر المطر يتساقط عليهما. نظرت إلى ساعتها.
شغّلت المذياع لتشتت الأصوات، وأجبر صوت البانجو المتداخل على تراجعها إلى الخلفية، لكنها كانت لا تزال موجودة. لم تعتقد كوين أنها ستحظى بنوم جيد لعدة أيام.
لم يكن من السهل الحصول على أيدٍ مجدّدة، حيث تتطلب يدًا لشخص أُعدم، ويفضل أن يكون مذنبًا. وفي انتصار نادر للتقدم، تم حظر صنعها بعد حرب فيتنام، لكن منظمة kolnovel كانت معروفة بفائضها العسكري. عند إشعالها، تسمح للمستخدم بالمرور دون اكتشاف في المناطق العدائية، حيث يمنع رائحة الفتيل المشتعل بعض المس
تم اقتلاع الخزائن والرفوف من جدران الخزانة منذ زمن طويل. كانت العلامات الواضحة تُظهر مكان تلاشي الطلاء في كل مكان باستثناء حيث كانت الرفوف موجودة، تاركةً انطباعات عنها مثل بصمات الحفريات في طبقة رسوبية. أو أضلاع بيضاء باهتة لهيكل عظمي، وهو وصف أكثر دقة.
…الذي يمنع رائحة الفتيل المشتعل بعض المسارات العصبية المرتبطة بالحواس. مع ظهور كاميرات المراقبة والطائرات الأمنية الذاتية، أصبحت أقل استخدامًا، لكنها لا تزال مفيدة لوكيل فيدرالي يعمل بمفرده. أو روح هاربة من العدالة.
تعمقت التجاعيد عند زوايا عيني المرأة وهي تبتسم. “أوه، لا بأس… إيزلا رو، أليس كذلك؟ أنا أحب تدليل الآخرين. لم تتح لي الفرصة لذلك منذ فترة طويلة.”
وضعت عجوز اليد بعناية على الطاولة. “سآخذها.”
“رائع.”
سحبت المرأة نفسًا من سيجارتها. “افعلي ما تشائين.”
“سيدي، إذا سمحت-”
“لكنني أريد أيضًا صمتك.”
بضغطها على زر الطوارئ أسفل المكتب، تحرك فريق الأمان سريعًا نحو الموقع.
من خلف المرأة، كانت أكوام فوق أكوام من الأشياء تمتد إلى أعماق منزلها، ضيقة الممر بشكل مصطنع بفعل كومة من الأوراق والصناديق. منزل مكتظ بالأشياء.
“لا تريدين أن أخبر الفيدراليين عن مكانك؟”
عبست المرأة بحاجبين معقودين وهي تنظر خلف إيزلا، لترى أنه لا يوجد أحد سواها. فكرت لوهلة ثم أشارت بيدها المتعرجة، داعيةً إيزلا للدخول. تبعت كوين يد المرأة الملوحة، متجاوزة العتبة ودخلت المنزل.
وضعت إيزلا كوب الشاي جانبًا، وأخرجت من سترتها المبللة دفتر ملاحظات ومسجل صوت رقمي. فتحت دفتر الملاحظات وبدأت التسجيل.
ابتسامة أشبه بتكشيرة. “لا أريد المزيد من رجال الشرطة الموتى يملأون خزانتي.”
ابتسامة أشبه بتكشيرة. “لا أريد المزيد من رجال الشرطة الموتى يملأون خزانتي.”
“اتفاق.”
.
مدت عجوز يدها، وقابلتها إيزلا بمصافحة لطيفة، لكنها لم تستطع منع ذراعها من الاحتجاج بألم حاد. جذبت عجوز إيزلا إليها، وهمست في أذنها بنَفَس تفوح منه رائحة السجائر والعفن. “كثير من الناس نقضوا صفقاتي، أيتها العميلة رو. وكلهم عاشوا طويلًا بما يكفي لندمهم.”
إسم عجوز هو الإسم وليس إشارة لها.
الوقت بدا وكأنه يتباطأ بينما الأدرينالين اندفع بسرعة قياسية من الغدة الصنوبرية إيزلا. كان عليها أن تضع خطة. الرصاصات العادية لم تؤثر عليها، وطلقات الطرد بالكاد أبطأتها. ما هي؟ شبه سيادي؟ فكرة؟ لماذا لا تموت؟
بهذا التحذير، ومع اليد في يدها، رافقت عجوز إيزلا إلى الباب، ممسكة بالـ جيفر بين ذراعيها. كان المطر قد توقف، والشمس تنعكس على أسطح آلاف القطرات اللامعة. السماء كانت صافية وزرقاء.
“هذه نسخة جيفر 98، صُممت للحرب العالمية الثانية. صُنعت من دهن ويد آخر رجل أُعدم شنقًا في ليبيا عام 1944. قديمة، لكنها تؤدي الغرض. لم تُشعل من قبل، لذا قد تحصلين على عشرين دقيقة من الاستخدام. قطعة نادرة، قيمتها أعلى وهي بحالة جيدة.”
خطت إيزلا إلى الرصيف عندما نادت عليها عجوز. “وداعًا، أيتها العميلة رو. لا أريد رؤيتك مرة أخرى.” ومع هذه الكلمات الأخيرة، أُغلق الباب الثقيل بقوة، وأُقفلت المزاليج في مكانها.
قامت إيزلا بضبط حزامها، وتأكدت من أن الشريط الآمن لمسدسها “M1911” محكم وفي مكانه، ومخبأ تحت سترتها. تحسست جيوبها، وراجعت قائمة ذهنية لمكوناتها وأدواتها. بعض الفئران الميتة، طلقات النفي، جهاز “جيفر 98″، أجراس فضية، وما إلى ذلك.
عبست المرأة بحاجبين معقودين وهي تنظر خلف إيزلا، لترى أنه لا يوجد أحد سواها. فكرت لوهلة ثم أشارت بيدها المتعرجة، داعيةً إيزلا للدخول. تبعت كوين يد المرأة الملوحة، متجاوزة العتبة ودخلت المنزل.
كانت إيزلا على الطريق السريع قبل أن تجرؤ على الاتصال بالعميل المسؤول سو. رن الهاتف مرة واحدة فقط قبل أن يصدر صوته الأجش عبر السماعة. “قولي إنك وجدت شيئًا.”
هنا يرقد ذكرى:
نظرت إيزلا إلى قلادة الكريستال، الموضوعة على سترتها المطوية في المقعد الأمامي، تلمع في ضوء الشمس بعد الظهر. جف حلقها، وشعرت بحرق خفيف في مؤخرة عنقها عند التفكير بالكلمات التي كانت على طرف لسانها. هل لعنتني حقًا؟ لم تكن إيزلا تعرف إذا ما كانت تريد الإجابة على هذا السؤال، لكنه ظل كبيرًا ومظلمًا في ذهنها. قوة أسطورة غاضبة، مهما كانت منسية، ليست شيئًا حتى ساحر قتالي يجرؤ على تحديه.
“شكرًا، سو. لديّ بعض الخيوط الأخرى في تينيسي، سأتحرك نحوها قبل تسجيل الدخول التالي.”
“إيزلا؟”
لعقت شفتيها الجافتين قبل أن ترد. “نعم، نعم. مجرد منزل آمن مهجور، يبدو أنهم أخلوه قبل وصولي.”
الملك ميت،
“اللعنة.” استطاعت إيزلا أن تشعر أن سو كان يكبت بعض الكلمات الأخرى المختارة.
“وجدت خيطًا، مع ذلك. شخص آخر وجد أن المافيا تمكنت من شراء بعض قضبان الفضة الأفلاطونية.”
“شكرًا، سو. لديّ بعض الخيوط الأخرى في تينيسي، سأتحرك نحوها قبل تسجيل الدخول التالي.”
شفط سو الهواء بين أسنانه، وصوته يتشوش عبر الخط. “هذا سيئ جدًا. سأجلب بعض الأشخاص للبحث في المراجع والطقوس ذات الصلة. أنت على الطريق الصحيح، رو.”
كان يتردد في داخله، ممتلئًا بالإمكانات والقوة، بالقرار والمطلب: أن يحمي من النهاية، أو على الأقل أن يوثق المفقودين بسببها. والآن، ها هو مجددًا. هذه المرة من صنعه. لقد قلل من تقديره لطموحهم، وللإصرار القاتم الذي شكّل أساس برجهم البابلي. لو كان يعلم أنهم سيفعلون ذلك، لما قدم لهم الوسائل لتحقيقه؛ ليس بالسعر الذي دفعوه للمعرفة، وليس مقابل عوالم بأكملها.
“شكرًا، سو. لديّ بعض الخيوط الأخرى في تينيسي، سأتحرك نحوها قبل تسجيل الدخول التالي.”
في الممر، أصطدم بفيزوش. يقول لي إننا سنذهب إلى رحلة إلى مكان آمن، وإننا سنغادر الآن. لم أره مجددًا. لم أرَ نيرو مجددًا، حتى جاء ذلك الملف على مكتبي. كان بإمكاني أن أقول لهم إنه كان فكرة سيئة، لكن المجهولية هي المجهولية.
أغلقت إيزلا الهاتف، ووضعته في وضع عدم الإزعاج مع إبقاء عينيها على الطريق. أصوات شبحية، كانت على أطراف إدراكها أثناء المكالمة، زحفت لتملأ الصمت، نبراتها مليئة بالكراهية المبطنة. تحركت عيناها نحو القلادة، وشعرت بوخز من العيون تحدق بها من داخل أسطحها الهندسية. ذلك، مع إمكانية لعنة تحوم فوق رأسها.
“إيزلا؟”
شغّلت المذياع لتشتت الأصوات، وأجبر صوت البانجو المتداخل على تراجعها إلى الخلفية، لكنها كانت لا تزال موجودة. لم تعتقد كوين أنها ستحظى بنوم جيد لعدة أيام.
…الذي يمنع رائحة الفتيل المشتعل بعض المسارات العصبية المرتبطة بالحواس. مع ظهور كاميرات المراقبة والطائرات الأمنية الذاتية، أصبحت أقل استخدامًا، لكنها لا تزال مفيدة لوكيل فيدرالي يعمل بمفرده. أو روح هاربة من العدالة.
نظرت إلى إيزلا. “ما هي قصتها؟”
.
.
أغلقت إيزلا فكها وابتلعت ريقها، مما تسبب في ألم وهي تجبر أذنيها على التكيف مع الضغط. حتى وهي خلف غطاء، بعيدة عن التأثير المباشر للرأس وخارجة عن نطاقه الفعال، عانت من بعض الآثار الجانبية بينما تعثرت واقفة. كانت الجدران والسقف مغطاة بغبار الجص وبقايا العظام من الانفجار، وسمعت أصوات إنذارات السيارات القريبة. التقطت إيزلا الرأس وأزالت غبار الحائط قبل أن تعيده إلى جيب معطفها. كان شعرها المتشابك والمبلل قد تجمد تقريبًا خلال المعركة، وبدأ للتو في الذوبان.
————————
في غابة مظلمة من أشجار البتولا الحزينة، جلس الرجل الغامض، نصفه مختبئ في تداخل الضوء والظل الناتج عن نار متوهجة، يراقب الموت البطيء لعالم آخر يتكشف.
لقد عُرف بعدة أسماء وألقاب: كيميائي، ساحر، ومشعوذ، لكن مع مرور السنين، اقتادته الأقدار بلطف نحو دور كان يسعى إليه بشدة. كوسيط للمعرفة، كان يتنقل بين هنا وهناك، الآن والماضي، محملًا بثروة من المعلومات الغامضة المتراكمة على مر السنين، ليعرضها للمقايضة والتبادل. في هذا السوق الغامض من الهمسات، كان يشتري هذيان المجانين والأنبياء، أولئك الذين تزلقت أنظارهم إلى التشققات الدائمة في الوجود، ورأوا ما كان وما لم يكن. عبر التدقيق والمقارنة، كان يجمع إجابات أكبر وأكبر للأسئلة التي كانت تلاحقه.
كان يبحث عن المعرفة، يستخرج جوهر الفكر، ويستخلص المعاني من الحبر. وما تبقى كان يحرقه، يغذيه للنار كحطب يدفع به الظلام. العمل الذي أمامه، وهو اكتساب حديث، كان مستقرًا بين يديه دون أن يمسه. الرق الخفيف لم يحترق. كان ذلك عملًا من الاقتصاد، لا الكرم.
بهذا التحذير، ومع اليد في يدها، رافقت عجوز إيزلا إلى الباب، ممسكة بالـ جيفر بين ذراعيها. كان المطر قد توقف، والشمس تنعكس على أسطح آلاف القطرات اللامعة. السماء كانت صافية وزرقاء.
كل الليالي المقبلة ستكون مظلمة، وعندما تنفد الأفكار، فإن البشر هم من سيحترقون. لقد واجه صفقات فاشلة من قبل؛ فمجاله المهني كان مليئًا بالطمع وأيادٍ طامعة وعقولًا حسودة. لقد اعتاد على توقع الخيانة، والمكائد، والكذب، وتشويه النوايا. التحدي كان أن يبقى متقدمًا بخطوة، يعبر تيارات سوء الحظ. وكان تحديًا يحتفظ به قريبًا إلى قلبه. التحدي كان غرضًا قد زُرع فيه، وقد أُنقذ به، ترسخ وأزهر، وأصلح شقوق روحه الممزقة.
كان يتردد في داخله، ممتلئًا بالإمكانات والقوة، بالقرار والمطلب: أن يحمي من النهاية، أو على الأقل أن يوثق المفقودين بسببها. والآن، ها هو مجددًا. هذه المرة من صنعه. لقد قلل من تقديره لطموحهم، وللإصرار القاتم الذي شكّل أساس برجهم البابلي. لو كان يعلم أنهم سيفعلون ذلك، لما قدم لهم الوسائل لتحقيقه؛ ليس بالسعر الذي دفعوه للمعرفة، وليس مقابل عوالم بأكملها.
لوحت المرأة بيدها وهي تجلس على مقعد محبب مزين بنمط الزهور مقابل إيزلا. كأن جسدها الصغير غاص في الوسائد الناعمة والسميكة. كانت السيجارة تتدلى بصعوبة من شفتيها وهي تتدلى لأسفل. “لم أرى الفيدراليين هنا من… يا …، لا أذكر… يمكن من زمن طويل.”
وضعت إيزلا ظهرها على الأرض، تبحث بين جيوب معطفها العديدة التي وفقًا لمعايير وحدة التحقيقات الخارقة كانت أعمق بكثير من جيوب المعاطف العادية، لدرجة تكسر الواقع. أخيرًا، ظهر كروي بني الشكل من جيب صدرها، الذي قبضت عليه بإحكام بينما تمتمت بعبارة التفعيل، معدلة الصياغة لتحقيق أقصى تأثير.
وفيما جلس بين الظلال المتزايدة، سُمعت صرخة ملكية لا تخطئ، صدى للموت عبر عقول لا تعد ولا تحصى:
كما نوقش سابقًا، مستحضرو الأرواح لا يحيون الموتى، بل يتواصلون معهم. ومع ذلك، فإن التلاعب بالأرواح يمكن أن يُستخدم لأكثر من مجرد تعلم الحروف الميتة. هناك تقنيتان رئيسيتان لإحياء الموتى كبيادق ووقود: الأولى المعروفة بين المحترفين بـ”استحضار الأرواح الزائف” هي مجرد تحريك العظام وإعطاؤها أوامر بالحركة، مثل المكانس في فيلم فانتازيا. يمكن لأي طالب علم شعوذة بتخصص إبعاد الأرواح القيام بها، وإن كان بشكل فوضوي.
لكنّه لا يستطيع فعل ذلك وحده. خطا عبر الفجوة، من أحلك الليالي إلى وهج الضوء الفلوري.
الملك ميت،
الملك هو المنتقم.
دمر نفسه.
فالموتى يبقون،
والملك ميت.
تلعثمت ناناشي قائلة: “آسفة، لم أقصد… آسفة.”
~
بهذا التحذير، ومع اليد في يدها، رافقت عجوز إيزلا إلى الباب، ممسكة بالـ جيفر بين ذراعيها. كان المطر قد توقف، والشمس تنعكس على أسطح آلاف القطرات اللامعة. السماء كانت صافية وزرقاء.
تنهد بينما نهض، وأطفأ النار ليترك الليل يبتلعه بين أحضان محبوبة غيورة. بعض الأمور أسهل في الظلام. ركز الرجل إرادته. استدار إلى داخله ليمسك النية والعزم بيديه، وصاغهما في حافة قاطعة واحدة. من هذا التصميم ولدت السكين غير الواقعية، بُعد واحد تشكل من الفكر والغرض. هذه النصل المصقول بدقة الأمل، والمستخدم بأيدٍ متمرسة، ينزلق بين الذرات، إلى الفراغ.
مع اختفاء العدو، وهروب السنجاب وتحوّل الهياكل العظمية إلى غبار، انتهت صرخة القنبلة الصوتية بنفس السرعة التي بدأت بها. عادت العين خلف ستار الجلد، وعاد الرأس إلى حالة السكون. وبدا أن البيت، الذي كان يتحرك ويتغير كمستودع فوضوي، قد فقد طاقته وعاد إلى حالته الطبيعية. تدحرجت إيزلا بألم على الأرض عندما استعادة الجاذبية وضعها الطبيعي.
بحركة واحدة، قطع. شق عبر الليل، عبر الفراغ، مفتتحًا الجوانب الدموية للإمكانات، ودافعًا عبرها. أخذ الجرح شكله، وبدأت “هناك” في التداخل مع “هنا”، وأخذت المادة التي تتسرب من اللاشيء تملأ الفجوة المرعبة، موصلة بين عوالم مختلفة: جسر مفتوح من فكر يولد مادة. إذا أراد، سيكون هذا هروبه.
لكنّه سيعود إلى هذا العالم الملعون. نطق بوعده لدائرة الأشجار، معتمدًا عليها كشهود. لن يتركهم يواجهون النهاية التي تلوح أمامهم، لن يتركهم يضيعون في ليل دائم، ضحايا لغضب ملك مجروح.
سارت فوق ألواح الرصيف المائلة، وركضت نحو باب المنزل، صاعدة السلالم درجتين في كل مرة. عندما ضغطت على الجرس، أصدر صوتًا عميقًا ومميزًا، ارتد صداه في أنحاء المنزل للحظة. بعد فترة قصيرة، سُمِع صوت أقدام تجرجر خلف الباب، يليه صوت الأقفال والصمامات تُفتح.
لا أملك حتى صورًا.
لكنّه لا يستطيع فعل ذلك وحده. خطا عبر الفجوة، من أحلك الليالي إلى وهج الضوء الفلوري.
ساد الصمت بينهما، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يتساقط على أوراق الأشجار المحيطة. خلع الخال قبعته، ورفع رأسه ناظرًا إلى السماء، وأغمض عينيه وتنهد.
كانت الباحثة ليلي تعمل في مكتبها، منشغلة بأعمال ورقية. جلست قطة الملك على عتبة النافذة، تلهو بلعبة صغيرة معلقة. فجأة، ظهر تشويه مكاني خارج المكتب. توسع التشويه ليشكل فتحة مظلمة، وخرج منها الرجل الغامض، يرتدي ملابس قديمة مغطاة بالطين، وجهه مختفٍ تحت عباءة وغطاء رأس. فتح الرجل الباب بخفة ودخل المكتب.
“بالمناسبة، كيف يسير تحقيق إيزلا؟”
“مَن… مَن أنت؟” سألت الباحثة ليلي بتردد.
قال الرجل الغامض بصوت هادئ: “لا داعي للقلق، لم أدرك أن لديها رفقة. الآن، أين أنتِ، صغيرتي؟ حان الوقت للذهاب.”
تعمقت التجاعيد عند زوايا عيني المرأة وهي تبتسم. “أوه، لا بأس… إيزلا رو، أليس كذلك؟ أنا أحب تدليل الآخرين. لم تتح لي الفرصة لذلك منذ فترة طويلة.”
بضغطها على زر الطوارئ أسفل المكتب، تحرك فريق الأمان سريعًا نحو الموقع.
قالت ليلي محاولًة التفاوض: “لا أعرف ما الذي يحدث، ولكن لما لا تجلس؟ أنا متأكدة أنه يمكننا حل هذا الأمر.”
أجاب الرجل الغامض بحزم: “أخشى أن ذلك غير ممكن، أعتقد أن لدي دقيقة أو اثنتين. آه! ها أنتِ، يا عزيزتي. تعالي الآن، من الأفضل أن نذهب.”
خطت إيزلا إلى الرصيف عندما نادت عليها عجوز. “وداعًا، أيتها العميلة رو. لا أريد رؤيتك مرة أخرى.” ومع هذه الكلمات الأخيرة، أُغلق الباب الثقيل بقوة، وأُقفلت المزاليج في مكانها.
“تبادلت القضبان للحصول على جوهرة مع السيد غوست، وهي في تلك الخزانة.” أشارت بذقنها نحو باب القاعة، حيث تقف خزانة بلوطية كبيرة بشكل مهيب فوق أكوام الحلي التي كانت منتشرة في جميع أنحاء المنزل.
قالت القطة بنعومة: “مواء.”
~
ابتسم الرجل الغامض: “يبدو أنها معجبة بكِ. يبدو أننا اتخذنا القرار الصائب. الآن، معي يا صغيرة.”
“آه. هل عملت في مكتب العمليات الخاصة؟”
نزلت القطة من عتبة النافذة وسارت نحوه، لتتلامس مع ساقيه. انحنى الرجل والتقطها برفق، حاضنًا إياها تحت ذراعه، ثم غادر المكتب.
وفي اللحظة التي خرج فيها من الغرفة، اندفع فريق الأمن نحو الممر المؤدي إلى مكتب الباحثة ليلي. وقف أحد أفراد الأمن وأمره بالتوقف بصوت صارم، لكن الرجل الغامض استمر في سيره، وكأنه لم يسمع شيئًا.
قهقهت العجوز بصوت يشبه الحيوان، صرخة أثارت شعر مؤخرة رقبة إيزلا. “تظنون أنكم أيها الفيدراليون تستطيعون قتلي؟ أنا السنجاب! أنا التهمت الشمس نفسها أثناء الكسوف، جالبة الظلام إلى الأرض! اقتحمت مخابئ البشر وأكلت كل مؤنهم، وتركتهم يموتون جوعًا في الشتاء! سرقت ذيل الدب، وأبقيته لنفسي! وتظنون أن الموتى يهددونني؟”
أحد أفراد الأمن رفع سلاحه الصاعق ووجّهه نحوه. أُطلقت المقذوفة لكنها توقفت في الهواء، على بعد أقدام قليلة من الرجل الغامض، وكأن الزمن قد تجمد حولها. تابع الرجل خطواته نحو الفتحة المكانية التي ما زالت مفتوحة، حاملاً قطة الملك بين ذراعيه.
أغلقت إيزلا فكها وابتلعت ريقها، مما تسبب في ألم وهي تجبر أذنيها على التكيف مع الضغط. حتى وهي خلف غطاء، بعيدة عن التأثير المباشر للرأس وخارجة عن نطاقه الفعال، عانت من بعض الآثار الجانبية بينما تعثرت واقفة. كانت الجدران والسقف مغطاة بغبار الجص وبقايا العظام من الانفجار، وسمعت أصوات إنذارات السيارات القريبة. التقطت إيزلا الرأس وأزالت غبار الحائط قبل أن تعيده إلى جيب معطفها. كان شعرها المتشابك والمبلل قد تجمد تقريبًا خلال المعركة، وبدأ للتو في الذوبان.
في اللحظة التي دخل فيها الفتحة، انغلقت فجأة، وكأنها لم تكن موجودة أبدًا.
توقفت فرقة الأمن، مذهولين مما رأوه. بقيت الباحثة ليلي في مكتبها، يداها ترتجفان وهي تحاول استيعاب ما حدث. لكنها لم تستطع تجاهل الكلمات الأخيرة التي همس بها الرجل الغامض قبل أن يغادر:
الوقت بدا وكأنه يتباطأ بينما الأدرينالين اندفع بسرعة قياسية من الغدة الصنوبرية إيزلا. كان عليها أن تضع خطة. الرصاصات العادية لم تؤثر عليها، وطلقات الطرد بالكاد أبطأتها. ما هي؟ شبه سيادي؟ فكرة؟ لماذا لا تموت؟
“لقد اخترناها بعناية… وسنعود قريبًا.”
والملك ميت.
————————
مع اختفاء العدو، وهروب السنجاب وتحوّل الهياكل العظمية إلى غبار، انتهت صرخة القنبلة الصوتية بنفس السرعة التي بدأت بها. عادت العين خلف ستار الجلد، وعاد الرأس إلى حالة السكون. وبدا أن البيت، الذي كان يتحرك ويتغير كمستودع فوضوي، قد فقد طاقته وعاد إلى حالته الطبيعية. تدحرجت إيزلا بألم على الأرض عندما استعادة الجاذبية وضعها الطبيعي.
إسم عجوز هو الإسم وليس إشارة لها.
“وجدت خيطًا، مع ذلك. شخص آخر وجد أن المافيا تمكنت من شراء بعض قضبان الفضة الأفلاطونية.”
نظرت إيزلا إلى عجوز، التي كانت ترتشف شايها بهدوء، وأعادت مسدسها إلى جرابه لتتمكن من فحص الجسم. كان قلادة بخيط جلدي بسيط، وقلادة صغيرة متوهجة بلمعان أبيض. القلادة تحتوي على أشكال هندسية، مئات الأسطح العاكسة المختلفة، تلمع بأضواء باردة كنقاط دقيقة. عندما أمالت إيزلا القلادة، استطاعت رؤية مجموعة متغيرة من الوجوه الغاضبة الأثيرية، تحدق بها من داخل القلادة وكأنها تخترق روحها. كانت يدها ترتجف من القوة الناتجة عن الإمساك بالبلورة.
كتابة كينغ لوك
قالت القطة بنعومة: “مواء.”
تقديم مجلس الخال!
نظر إليها فوق كتفه، والمطر يتساقط على وجهه. شعرت بحزن خفي يخترقها، بينما كان وجهه خالياً من ابتسامته المعتادة، مستبدلة بجمود صامت وكآبة واضحة.
اللهم أنت الله الواحد الأحد، نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا، اللهم إنا مغلوبون فانتصر. اللهم انصر اخواننا وارحم شهداءهم.
“حسنًا، سأحاول ألا أعكر صفوك وأخرج من طريقك بأسرع وقت. لا أريد أن أسبب أي إزعاج. ولم يكن عليك تحضير الشاي، تعلمين.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
كانت إيزلا على الطريق السريع قبل أن تجرؤ على الاتصال بالعميل المسؤول سو. رن الهاتف مرة واحدة فقط قبل أن يصدر صوته الأجش عبر السماعة. “قولي إنك وجدت شيئًا.”
“ما هي صلتك بالمافيا؟”
ربما الذكرى الوحيدة القوية التي أحتفظ بها لنيورا كانت منذ سنوات. كنت في عجلة من أمري للذهاب إلى اجتماع مع جهاد، واصطدمت بها في ممرات المنشأة. أسقطنا أقلامنا، وخلال ذلك تبدلت الأقلام. لم يكن الأمر ذا أهمية كبيرة بالنسبة لي، لكنه كان مضحكًا. كنت دائمًا أنوي إرجاع القلم لها، لكنها كانت دائمًا منشغلة. كان موهبتها، كما وصفها فيزوش، ‘شديدة الأهمية’. صياغة سيئة.
تنهد بينما نهض، وأطفأ النار ليترك الليل يبتلعه بين أحضان محبوبة غيورة. بعض الأمور أسهل في الظلام. ركز الرجل إرادته. استدار إلى داخله ليمسك النية والعزم بيديه، وصاغهما في حافة قاطعة واحدة. من هذا التصميم ولدت السكين غير الواقعية، بُعد واحد تشكل من الفكر والغرض. هذه النصل المصقول بدقة الأمل، والمستخدم بأيدٍ متمرسة، ينزلق بين الذرات، إلى الفراغ.
