وفد التهنئة، لقاء غير متوقع (1)
“لم آتِ لزيارتكِ إلا بعد أن أساء أعضاء العشيرة إليك. كان ينبغي لي أن أكون أكثر تواجداً.” تحدثت روزا وهي تضع فنجان الشاي الخاص بها جانباً.
كانت متواجدة في غرفة جين بعد تلقيها التقرير من فرسان الحراسة.
“نعم، كان ينبغي أن تكوني أكثر تواجداً. ألا تعتقدين أنه كان يجب عليكِ وعلى زوجكِ الترحيب بي عندما استيقظتُ وجئتُ إلى حديقة السيوف؟ لكن البطريرك غادر دون حتى أن يعترف بوجودي، والخدم كانوا وقحين للغاية. لقد جعلني ذلك أشعر بالاستياء في جوانب عدة.”
“سأتخذ الإجراءات اللازمة لضمان أن يعاملك الجميع في حديقة السيوف على قدم المساواة مع الشيوخ العظماء من الآن فصاعداً، اللورد موراكان.”
تشنج حاجب موراكان عند ذكر معاملته على قدم المساواة مع الشيوخ العظماء فحسب.
لقد شعر بالضيق لأنه يُعامل كمجرد شيخ عظيم؛ لكن موراكان قرر ألا يقف طويلاً عند ذكريات الماضي الجميل. فلم يكن قد استعاد قوته الكاملة من عهده الذهبي بعد، بالإضافة إلى مرور ألف عام كاملة على وفاة تيمار.
عندما أسس تيمار عشيرة الرونكانديل، كان موراكان أقرب إلى قلب العشيرة ورويدها من أي شخص آخر. لكنه الآن يبدو كالغريب تماماً؛ بل في الواقع، كان على خلاف وخصومة واضحة مع روزا، التي كانت تقبض على معظم مقاليد القوة والسلطة في العشيرة.
*«كل شيء بات مختلفاً عما كان عليه قبل ألف عام؛ ليس فقط المشهد العام بل حتى الناس. تيمار، أنا أفتقدك يا صديقي القديم.»*
فجأة، ضحك موراكان بسخرية: “لقد تغيرت الرونكانديل حقاً.”
“من الطبيعي أن يتطور المرء ويسير مع تدفق الزمن.”
“تطور، هكذا تسمينه إذن؟ لو حققت الرونكانديل مثل هذا ‘التطور’ المزعوم، لما كان لعائلة زيبيل وجود على هذه الأرض الآن. بعد خسارة السحر، لم تفعل العشيرة شيئاً سوى فقدان قوتها ونفوذها على مدار ألف عام كاملة.”
“أنا مجرد فانية ولا يمكنني سوى إلقاء نظرة خاطفة على قوة الرونكانديل القديمة من خلال السجلات المكتوبة. لا أجرؤ على التباهي بنفسي بمدى قوة أسلافنا، لذا فكل ما يسعني فعله هو التمسك بتقاليد وقوانين العشيرة الحالية.”
“ألا تدركين أن تلك التقاليد والقوانين نفسها نبعت من المعاهدة المهينة التي أبرمناها مع الزيبيل؟”
“نعم، أنا على علم بذلك.”
“إذن لماذا يحاول غالبية أعضاء العشيرة إقصاء الشخص الوحيد القادر على تحطيم تلك المعاهدة، ونقصد به ابنكِ الأصغر؟”
حدقت روزا في عيني موراكان لفترة طويلة.
“يبدو أن الشيوخ مترددون في توريث التقنيات النهائية لـ جين، وقد قيل لي إنكِ أسندتِ إليه مهمة مستحيلة منذ البداية. آمل أن تملكي تفسيراً يمكنني قبوله.” قالت روزا ببرود.
“اللورد موراكان. أولاً وقبل كل شيء، القول بأن جين هو الشخص الوحيد القادر على كسر المعاهدة ليس صحيحاً. لو ملك شخص ما القوة الكافية لإخضاع الزيبيل، لكان بإمكانه دائماً إبطال تلك المعاهدة.”
“هناك لعنة تجري في دماء الرونكانديل؛ لعنة تختم المانا بالكامل، ولا يمكن لأي سحر أو قوة إلهية إبطالها باستثناء قوة سولدرت.”
“إذا كان سولدرت كلي القدرة والسيادة، فلماذا تخلّى عنا طوال الألف عام الماضية؟ بل في الواقع، لقد كان بمثابة الحامي والراعي لعائلة زيبيل نفسها طوال تلك الفترة.”
ولم يجد موراكان ما يجيب به على كلامها.
ما الذي يجعل الإله إلهاً؟ لا يجيب المرء على تعريف الإله إلا إذا كان يحمي البشر الذين يخدمونه أو يقوم بأمور تتجاوز قدرة البشر الفانين. وبهذا المعنى، لم يكن سولدرت يوماً إلهاً أو حامياً للرونكانديل بعد وفاة تيمار.
“أليس هذا هو السبب التابع لإبرامه عقداً مع ابنكِ الأصغر الآن؟”
“قد يساعد العقد جين على تنمية قوته الشخصية، لكنني لا أرى أنه يحمل وزناً كبيراً للمنظور الأوسع للعشيرة بأكملها، ما لم ينوِ سولدرت الهبوط بنفسه لتخليصنا من اللعنة. في الواقع، الاحتمال الأكبر هو أننا سنواجه ضغوطاً هائلة من الزيبيل بسبب خرق المعاهدة، أو أننا سنثير الفوضى والاضطراب داخل العشيرة عبر تقويض شرعيتنا وقوانيننا.”
“من الغريب والمثير للدهشة أن تذكري الشرعية أمامي.”
لمست روزا فنجان الشاي الخاص بها ببطء.
“هذا هو السبب في تردد الشيوخ في تدريب جين وتلقينه التقنيات النهائية. وبالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن هناك سوء فهم؛ فأنا لم أسند إلى جين مهمة مستحيلة الحل والتحقيق قط.”
“أكملي.” قال موراكان.
“اغتيال جاسوس الفرسان السود لن يقع على عاتق جين بمفرده. وبما أن هذه المهمة تحظى بالأولوية القصوى، فسينضم إليه حامل راية آخر كفؤ وذو خبرة. لقد كشف البطريرك عن نواياه ورغبته، لذا لا أريد أن يقع الضرر على جين وحده؛ فأنا مدركة تماماً للقدرات الاستثنائية التي يتمتع بها.”
“لسبب ما، يبدو الأمر وكأنكِ تريدين استغلال تلك القدرات الاستثنائية والانتفاع بها إلى أقصى حد قبل التخلص منه.”
“في كل الأحوال، جين يتواجد في موقف يتوجب عليه فيه باستمرار إحداث المفاجآت والصدمات؛ وإن لم يستطع فعل ذلك، فلن يتم قبوله أبداً في عشيرة الرونكانديل، حتى وإن كان يحمل رتبة حامل راية بالفعل. هل هذا التفسير كافٍ ومقنع؟”
حدق موراكان في عيني روزا لبرهة: “حسنٌ. إذن دعيني أسألكِ سؤالاً أخيراً.”
“تفضل، كلي آذان صاغية.”
“أين يقع قبر تيمار؟”
“لا أعلم. هل يمكنني المغادرة الآن؟” وقفت روزا قبل أن يتمكن موراكان من الرد حتى.
“سأفرض عقوبات صارمة وقاسية على الفرسان الذين أساؤوا إليك، اللورد موراكان.”
أطلق موراكان صوتاً ساخراً بلسانه (طقطقة) بعد مغادرة روزا الغرفة: “إنها لا ترتقي لمستوى سايرون بالطبع، لكنها تمتلك بالتأكيد قوة وحضوراً لا يستهان بهما.”
عندها تنهدت غيلي أخيراً وهزت رأسها بأسف:
“موراكان، لم أكن أتوقع أبداً أنك ستستدعي السيدة روزا بشكل مباشر هكذا. لا أعتقد أنه يجب عليك تكرار هذا الأمر؛ فالسيدة تنوب عن بطريرك الرونكانديل وتتحدث باسمه في هذا الوقت.”
“أعلم ذلك يا ‘ستروبيري شورت كيك’؛ أردتُ فقط إجراء محادثة مباشرة معها بنفسي لأكون فكرة واضحة عن طبيعة العدو الأكبر والخصم الأخطر الذي يواجهه الفتى.”
“أنت لا تدرك كم كنتُ مرتعبة ومذعورة؛ كنتُ أخشى أن تظهر السيدة روزا مدى إهانتها وغضبها مما فعلت.”
“كنتُ أعلم أنها تملك كبرياءً ووقاراً يمنعها من إظهار ذلك بابتذال.”
“على أي حال، يجب عليك التوقف عن إحراج السيدة أمام الآخرين؛ فإذا ساءت الأمور، يمكنها إرسالك إلى محاكم العشيرة ومحاسبتك، حتى وإن كنت التنين الحامي موراكان. يا إلهي!”
فجأة، ارتعشت غيلي وتوقفت عن الكلام في منتصف جملتها وهي تنظر عبر النافذة؛ حيث رأت روزا تخرج من المبنى وتقوم بقطع الفرسان الحراس وتصفيتهم بدم بارد.
تطايرت دماء فرسان الحراسة بحدة تحت أشعة الشمس الساطعة التي تغمر حديقة السيوف.
لقد كانوا الفرسان الحراس أنفسهم الذين أساؤوا لموراكان وأغضبوه أثناء ملاحقتهم لماري.
كان وجه روزا خالياً تماماً من أي تعبير وهي تطيح بهم؛ وكان سيفها سريعاً ودقيقاً للغاية وهو يقطع أذرع وأرجل الفرسان. أما بالنسبة لقائدهم، فقد قطعت رأسه مباشرة، ليهوي ويتدحرج على الأرض دون أن تكلف روزا نفسها عناء النظر إليه حتى.
غطت غيلي فمها بصدمة وذهول، ولم يرَ موراكان المشهد إلا بعد حدوثه بالفعل.
بالتأكيد، كانت هذه رسالة تحذيرية شديدة اللهجة موجهة لموراكان نفسه؛ لقد كانت تحذره بأنه لن يُعامل كالتنين الحامي للعشيرة أو يحظى بأي حصانة إن تجرأ على استدعائها بتلك الطريقة المهينة مجدداً.
تابعت روزا سيرها وكأن شيئاً لم يكن، بينما هرع الخدم على عجل لانتشال جثث القتلى ونقل المصابين والجرحى.
أخبرت غيلي جين بالمشهد الدموي المروع الذي وقع خلال اليوم بمجرد عودته من غرفة العلاج والتعافي.
“لم أرَ السيدة روزا تعاقب الفرسان الحراس بتلك الوحشية والقسوة من قبل؛ أشعر بالقلق من أن يسود شعور بالخوف والترهيب بين الجميع في العشيرة لفترة من الوقت.” قالت غيلي.
“على أي حال، هم فرسان يتبعون لجوشوا؛ وكان مقدراً لهم أن يموتوا أو يُصابوا على يدي في وقت ما عاجلاً أم آجلاً. لكن أمي كانت قاسية وصارمة معهم بشكل مبالغ فيه؛ فقد خدموا العشيرة بإخلاص وتفانٍ، وعاملتهم بتلك القسوة دون سبب وجيه يستحق القتل.”
“هل تعتقد أنها فعلت ذلك بدافع الغضب والغيظ من طريقة معاملة موراكان لها؟”
“لا، ليس الأمر كذلك. نية أمي واضحة تماماً؛ إنها تحاول تحذير الآخرين في العشيرة من مغبة التدخل في شؤوني أو محاولة إيذائي. إنها توصل رسالة مفادها أنهم قد يتعرضون لأشد العقوبات قسوة لأتفه الأسباب إن كان الأمر يتعلق بي.”
تدخل موراكان في الحديث: “لقد كنتُ أفكر في هذا الأمر منذ فترة، لكنها ليست أماً حقيقية يا شقي. كانت الأوضاع صعبة وقاسية في عهد تيمار أيضاً، لكننا كنا لا نزال نكن الحب والمودة لعائلاتنا وشعبنا؛ وكان هناك رباط وثيق يجمع بيننا.”
“ولا نزال نملك تلك الروابط والعهود؛ لكن الفرق أن هذا الرباط لا تشترك فيه العشيرة بأكملها بل يقتصر على أفراد قلائل وبشكل متفرق. بالإضافة إلى ذلك، لماذا تبدو متفاجئاً؟ هذا ليس بالأمر الجديد. غيلي، أرسلي تعازينا وتعويضات مالية مجزية لعائلة الفارس الحارس الذي لقي حتفه اليوم؛ افعلي ذلك بتكتم شديد، ولا تذكري اسمي على الإطلاق.”
لقد كان الفارس القتيل يخدم جوشوا، مما يجعله عدواً واضحاً لـ جين بالتبعية؛ لكن بالمنظور الأوسع والأشمل للأمور، كان لا يزال ينتمي لعشيرة الرونكانديل. عدو، ولكنه جزء من العشيرة؛ وموته يمثل موت عدو، وفي الوقت نفسه يمثل خسارة فرد من أفراد العشيرة.
لذلك، رأى جين أن الأمر يستحق قدراً معيناً من الاحترام والتقدير.
وعلى الرغم من أنه لم يكن بحاجة للاهتمام بمثل هذه الأمور وتفاصيلها عندما قتل فرسان جوشوا في ساميل لأنه كان مجرد حامل راية مؤقت حينها، إلا أنه الآن أصبح حاملاً للراية بشكل رسمي. وتوجب عليه تحمل مسؤولية وفيات أعضاء العشيرة، حتى وإن لم يعترف له أحد بذلك أو يطالب به، ولم يكن يرغب في إشهار الأمر بالطبع؛ شريطة ألا يكون المتوفى قد خان العشيرة أو ألحق الضرر بأي شخص من المقربين لجين.
“نعم، سيدي الشاب. سأهتم بالأمر بتكتم وسرية تامة. وتهانينا الحارة لك، أرى أنك قد استعدت سيفك أخيراً.”
“لقد اضطررتُ لاجتياز حقول من قنابل المانا لمجرد استعادته من ماري؛ بل إنني فكرتُ بجدية في قتل ماري في لحظة ما من النزال.”
“أنا واثقة من أن السيدة الشابة ماري ستصبح حليفاً قوياً يعتمد عليه إلى جانبك يا سيدي الشاب. وبالإضافة إلى ذلك، أرسل الشيخ جيد رسالة قبل قليل؛ إنه يريدك أن تأتي لزيارته بمجرد مغادرة وفود التهنئة، سيدي الشاب.”
“حسنٌ.”
بعد ذلك اليوم، ركز جين بالكامل على تدريباته الخاصة والمنعزلة دون الانخراط في أي أنشطة أو فعاليات أخرى؛ فبمجرد عودته للعشيرة، تسبب في سلسلة من الأحداث المثيرة للجدل، وشعر بالحاجة للاختفاء عن الأنظار والهدوء لبعض الوقت.
وفي هذه الأثناء، انتشرت شائعة هزيمة جين لماري كالنار في الهشيم في جميع أرجاء حديقة السيوف، كما تداولت الأوساط العالمية نبأ تنصيبه رسمياً كحامل راية لعشيرة الرونكانديل. وكان من الطبيعي والبديهي أن تشتعل حديقة السيوف والعالم بأسره بالإثارة والحماسة مجدداً جراء هذه الأخبار الصادمة.
اتبع ديانو تعليمات جين بدقة متناهية عند كتابة مقالاته الصحفية، في حين حرص كوزان ويوليان على أن يقودهما جاك غلو “الكلب المسعور” وفيروك “الفارس المرتد” نحو القمم الجبلية المغطاة بالثلوج في جنوب شرق مملكة ميتيل.
ومثل عين الإعصار الثابتة، كان جين هو الوحيد الذي ظلت حياته هادئة ومستقرة تماماً وسط هذه العاصفة.
كان ذلك في الخامس عشر من فبراير عام 1799.
بدأت وفود التهنئة بالوصول إلى حديقة السيوف لتقديم التبريكات لـ جين؛ في حين لم يكن حاملو الراية الذين أُرسلوا لبسط نفوذ العشيرة على العائلات التابعة قد عادوا بعد.
أرسلت مجموعات وقوى متعددة وفوداً رسمية، بدءاً من العشائر القتالية التابعة لـ هيوجستر وصولاً إلى كافة الفصائل المحايدة وحتى إمبراطورية فيرمونت؛ لكن جين رفض استقبال معظم هؤلاء الزوار بالكامل. بل في الواقع، ارتكب تصرفاً وقحاً بإعادتهم أدراجهم بعد قبول هداياهم فحسب.
“سيدي الشاب، هل أنت واثق من رغبتك في الاستمرار بإعادتهم ورفض مقابلتهم؟”
أومأ جين برأسه تأكيداً رداً على سؤال بيترو:
“لا أملك حاجة ملحة أو رغبة في كسب ود أولئك الذين يحكمون علي بناءً على مثل هذه التصرفات البسيطة والتافهة؛ وأولئك الذين يظهرون الكرم وسعة الصدر رغم وقاحتي سيتفهمون قيمتي ومكانتي في النهاية بأي حال. وفوق كل شيء، لا أملك شيئاً أقدمه لهم في هذا الوقت؛ والتقرب غير المبرر من شخص ما لن يجلب لي سوى ديون والتزامات لا داعي لها في هذه المرحلة.”
إن قبول معروف أو خدمة في وقت لا يملك فيه هو نفسه شيئاً ليقدمه في المقابل سيعني الاضطرار لدفع مصالح ومكاسب ضخمة لاحقاً لسداد ذلك الدين.
“أنا شخصياً سأستقبل فقط الوفود القادمة من مملكة ديلكي، وعشيرة ماكلوران، وعشيرة بيل من مملكة جيان، بالإضافة إلى الملكة المقدسة. وأعِد الباقين أدراجهم بعد استلام هداياهم وتوثيقها.”
“مفهوم يا سيدي؛ سأقوم أيضاً بإعداد قائمة مفصلة بالشخصيات الأخرى التي تظهر وداً واهتماماً خاصاً بنا.”
“أوه! وأعلمني فوراً إن أرسلت عشيرة فولتا وفداً للتهنئة؛ فسأحرص على مقابلتهم شخصياً بالتأكيد.”
“عشيرة فولتا، يا سيدي؟”
كانت عشيرة فولتا واحدة من أفقر العائلات النبيلة وأكثرها عوزاً في هيوجستر؛ وكون العشيرة فقيرة في تلك المنطقة يعني ببساطة عدم وجود أي مقاتلين أو فرسان بارزين ينتمون إليها على الإطلاق. ووجد بيترو صعوبة بالغة في فهم السبب الذي يدفع جين لاستقبال وفد من مثل هذه العشيرة المعدومة والضعيفة، بعد أن رفض مقابلة وفود من عائلات قوية وذات نفوذ وسلطة هائلة.
*«تباً.. لقد ذكرتُ عشيرة فولتا بشكل مفاجئ وعشوائي للغاية دون تمهيد.»* حدق جين حوله بتكتم وحذر بينما كان بيترو يميل برأسه حيرة واستغراباً.
ولحسن الحظ، كانت غيلي وموراكان مشغولين بالحديث والنقاش الحاد بينهما، ولم يستمعا لما قاله جين.
*«يتوجب علي ابتكار عذر مقنع ومناسب لأخبرهما به إن سألني أي منهما عن سبب اهتمامي ومراقبتي لعشيرة فولتا.»*
كان جين يهتم بعشيرة فولتا بسبب ذكريات راسخة من حياته السابقة؛ لكن على عكس موراكان وغيلي، لم يكن بيترو رفيقاً مقرباً يشاركه الأسرار، بل كان تابعاً ومرؤوساً لجين في العشيرة، وبما أن جين هو حامل الراية، فذلك يعني أنه غير ملزم بإقناعه بالتفاصيل أو تقديم تبريرات وشروحات خلف كل أمر يصدره له.
*«لقد احتجتُ لخدمات جيت لاستغلال ذكريات حياتي السابقة في آركين، وساعدتني رعاية السير كشمير كثيراً بعد ذلك؛ لكن الآن لم أعد بحاجة للقيام بالأمور بتلك الطريقة البدائية الصعبة.»*
ابتسم جين بوعي وراحة عندما أدرك ذلك:
“مفهوم يا سيدي الشاب؛ سأقوم بإعلامك وإخطارك على الفور بمجرد وصول وفد تهنئة عشيرة فولتا.”
“لم آتِ لزيارتكِ إلا بعد أن أساء أعضاء العشيرة إليك. كان ينبغي لي أن أكون أكثر تواجداً.” تحدثت روزا وهي تضع فنجان الشاي الخاص بها جانباً. كانت متواجدة في غرفة جين بعد تلقيها التقرير من فرسان الحراسة. “نعم، كان ينبغي أن تكوني أكثر تواجداً. ألا تعتقدين أنه كان يجب عليكِ وعلى زوجكِ الترحيب بي عندما استيقظتُ وجئتُ إلى حديقة السيوف؟ لكن البطريرك غادر دون حتى أن يعترف بوجودي، والخدم كانوا وقحين للغاية. لقد جعلني ذلك أشعر بالاستياء في جوانب عدة.” “سأتخذ الإجراءات اللازمة لضمان أن يعاملك الجميع في حديقة السيوف على قدم المساواة مع الشيوخ العظماء من الآن فصاعداً، اللورد موراكان.” تشنج حاجب موراكان عند ذكر معاملته على قدم المساواة مع الشيوخ العظماء فحسب. لقد شعر بالضيق لأنه يُعامل كمجرد شيخ عظيم؛ لكن موراكان قرر ألا يقف طويلاً عند ذكريات الماضي الجميل. فلم يكن قد استعاد قوته الكاملة من عهده الذهبي بعد، بالإضافة إلى مرور ألف عام كاملة على وفاة تيمار. عندما أسس تيمار عشيرة الرونكانديل، كان موراكان أقرب إلى قلب العشيرة ورويدها من أي شخص آخر. لكنه الآن يبدو كالغريب تماماً؛ بل في الواقع، كان على خلاف وخصومة واضحة مع روزا، التي كانت تقبض على معظم مقاليد القوة والسلطة في العشيرة. *«كل شيء بات مختلفاً عما كان عليه قبل ألف عام؛ ليس فقط المشهد العام بل حتى الناس. تيمار، أنا أفتقدك يا صديقي القديم.»* فجأة، ضحك موراكان بسخرية: “لقد تغيرت الرونكانديل حقاً.” “من الطبيعي أن يتطور المرء ويسير مع تدفق الزمن.” “تطور، هكذا تسمينه إذن؟ لو حققت الرونكانديل مثل هذا ‘التطور’ المزعوم، لما كان لعائلة زيبيل وجود على هذه الأرض الآن. بعد خسارة السحر، لم تفعل العشيرة شيئاً سوى فقدان قوتها ونفوذها على مدار ألف عام كاملة.” “أنا مجرد فانية ولا يمكنني سوى إلقاء نظرة خاطفة على قوة الرونكانديل القديمة من خلال السجلات المكتوبة. لا أجرؤ على التباهي بنفسي بمدى قوة أسلافنا، لذا فكل ما يسعني فعله هو التمسك بتقاليد وقوانين العشيرة الحالية.” “ألا تدركين أن تلك التقاليد والقوانين نفسها نبعت من المعاهدة المهينة التي أبرمناها مع الزيبيل؟” “نعم، أنا على علم بذلك.” “إذن لماذا يحاول غالبية أعضاء العشيرة إقصاء الشخص الوحيد القادر على تحطيم تلك المعاهدة، ونقصد به ابنكِ الأصغر؟” حدقت روزا في عيني موراكان لفترة طويلة. “يبدو أن الشيوخ مترددون في توريث التقنيات النهائية لـ جين، وقد قيل لي إنكِ أسندتِ إليه مهمة مستحيلة منذ البداية. آمل أن تملكي تفسيراً يمكنني قبوله.” قالت روزا ببرود. “اللورد موراكان. أولاً وقبل كل شيء، القول بأن جين هو الشخص الوحيد القادر على كسر المعاهدة ليس صحيحاً. لو ملك شخص ما القوة الكافية لإخضاع الزيبيل، لكان بإمكانه دائماً إبطال تلك المعاهدة.” “هناك لعنة تجري في دماء الرونكانديل؛ لعنة تختم المانا بالكامل، ولا يمكن لأي سحر أو قوة إلهية إبطالها باستثناء قوة سولدرت.” “إذا كان سولدرت كلي القدرة والسيادة، فلماذا تخلّى عنا طوال الألف عام الماضية؟ بل في الواقع، لقد كان بمثابة الحامي والراعي لعائلة زيبيل نفسها طوال تلك الفترة.” ولم يجد موراكان ما يجيب به على كلامها. ما الذي يجعل الإله إلهاً؟ لا يجيب المرء على تعريف الإله إلا إذا كان يحمي البشر الذين يخدمونه أو يقوم بأمور تتجاوز قدرة البشر الفانين. وبهذا المعنى، لم يكن سولدرت يوماً إلهاً أو حامياً للرونكانديل بعد وفاة تيمار. “أليس هذا هو السبب التابع لإبرامه عقداً مع ابنكِ الأصغر الآن؟” “قد يساعد العقد جين على تنمية قوته الشخصية، لكنني لا أرى أنه يحمل وزناً كبيراً للمنظور الأوسع للعشيرة بأكملها، ما لم ينوِ سولدرت الهبوط بنفسه لتخليصنا من اللعنة. في الواقع، الاحتمال الأكبر هو أننا سنواجه ضغوطاً هائلة من الزيبيل بسبب خرق المعاهدة، أو أننا سنثير الفوضى والاضطراب داخل العشيرة عبر تقويض شرعيتنا وقوانيننا.” “من الغريب والمثير للدهشة أن تذكري الشرعية أمامي.” لمست روزا فنجان الشاي الخاص بها ببطء. “هذا هو السبب في تردد الشيوخ في تدريب جين وتلقينه التقنيات النهائية. وبالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن هناك سوء فهم؛ فأنا لم أسند إلى جين مهمة مستحيلة الحل والتحقيق قط.” “أكملي.” قال موراكان. “اغتيال جاسوس الفرسان السود لن يقع على عاتق جين بمفرده. وبما أن هذه المهمة تحظى بالأولوية القصوى، فسينضم إليه حامل راية آخر كفؤ وذو خبرة. لقد كشف البطريرك عن نواياه ورغبته، لذا لا أريد أن يقع الضرر على جين وحده؛ فأنا مدركة تماماً للقدرات الاستثنائية التي يتمتع بها.” “لسبب ما، يبدو الأمر وكأنكِ تريدين استغلال تلك القدرات الاستثنائية والانتفاع بها إلى أقصى حد قبل التخلص منه.” “في كل الأحوال، جين يتواجد في موقف يتوجب عليه فيه باستمرار إحداث المفاجآت والصدمات؛ وإن لم يستطع فعل ذلك، فلن يتم قبوله أبداً في عشيرة الرونكانديل، حتى وإن كان يحمل رتبة حامل راية بالفعل. هل هذا التفسير كافٍ ومقنع؟” حدق موراكان في عيني روزا لبرهة: “حسنٌ. إذن دعيني أسألكِ سؤالاً أخيراً.” “تفضل، كلي آذان صاغية.” “أين يقع قبر تيمار؟” “لا أعلم. هل يمكنني المغادرة الآن؟” وقفت روزا قبل أن يتمكن موراكان من الرد حتى. “سأفرض عقوبات صارمة وقاسية على الفرسان الذين أساؤوا إليك، اللورد موراكان.” أطلق موراكان صوتاً ساخراً بلسانه (طقطقة) بعد مغادرة روزا الغرفة: “إنها لا ترتقي لمستوى سايرون بالطبع، لكنها تمتلك بالتأكيد قوة وحضوراً لا يستهان بهما.” عندها تنهدت غيلي أخيراً وهزت رأسها بأسف: “موراكان، لم أكن أتوقع أبداً أنك ستستدعي السيدة روزا بشكل مباشر هكذا. لا أعتقد أنه يجب عليك تكرار هذا الأمر؛ فالسيدة تنوب عن بطريرك الرونكانديل وتتحدث باسمه في هذا الوقت.” “أعلم ذلك يا ‘ستروبيري شورت كيك’؛ أردتُ فقط إجراء محادثة مباشرة معها بنفسي لأكون فكرة واضحة عن طبيعة العدو الأكبر والخصم الأخطر الذي يواجهه الفتى.” “أنت لا تدرك كم كنتُ مرتعبة ومذعورة؛ كنتُ أخشى أن تظهر السيدة روزا مدى إهانتها وغضبها مما فعلت.” “كنتُ أعلم أنها تملك كبرياءً ووقاراً يمنعها من إظهار ذلك بابتذال.” “على أي حال، يجب عليك التوقف عن إحراج السيدة أمام الآخرين؛ فإذا ساءت الأمور، يمكنها إرسالك إلى محاكم العشيرة ومحاسبتك، حتى وإن كنت التنين الحامي موراكان. يا إلهي!” فجأة، ارتعشت غيلي وتوقفت عن الكلام في منتصف جملتها وهي تنظر عبر النافذة؛ حيث رأت روزا تخرج من المبنى وتقوم بقطع الفرسان الحراس وتصفيتهم بدم بارد. تطايرت دماء فرسان الحراسة بحدة تحت أشعة الشمس الساطعة التي تغمر حديقة السيوف. لقد كانوا الفرسان الحراس أنفسهم الذين أساؤوا لموراكان وأغضبوه أثناء ملاحقتهم لماري. كان وجه روزا خالياً تماماً من أي تعبير وهي تطيح بهم؛ وكان سيفها سريعاً ودقيقاً للغاية وهو يقطع أذرع وأرجل الفرسان. أما بالنسبة لقائدهم، فقد قطعت رأسه مباشرة، ليهوي ويتدحرج على الأرض دون أن تكلف روزا نفسها عناء النظر إليه حتى. غطت غيلي فمها بصدمة وذهول، ولم يرَ موراكان المشهد إلا بعد حدوثه بالفعل. بالتأكيد، كانت هذه رسالة تحذيرية شديدة اللهجة موجهة لموراكان نفسه؛ لقد كانت تحذره بأنه لن يُعامل كالتنين الحامي للعشيرة أو يحظى بأي حصانة إن تجرأ على استدعائها بتلك الطريقة المهينة مجدداً. تابعت روزا سيرها وكأن شيئاً لم يكن، بينما هرع الخدم على عجل لانتشال جثث القتلى ونقل المصابين والجرحى. أخبرت غيلي جين بالمشهد الدموي المروع الذي وقع خلال اليوم بمجرد عودته من غرفة العلاج والتعافي. “لم أرَ السيدة روزا تعاقب الفرسان الحراس بتلك الوحشية والقسوة من قبل؛ أشعر بالقلق من أن يسود شعور بالخوف والترهيب بين الجميع في العشيرة لفترة من الوقت.” قالت غيلي. “على أي حال، هم فرسان يتبعون لجوشوا؛ وكان مقدراً لهم أن يموتوا أو يُصابوا على يدي في وقت ما عاجلاً أم آجلاً. لكن أمي كانت قاسية وصارمة معهم بشكل مبالغ فيه؛ فقد خدموا العشيرة بإخلاص وتفانٍ، وعاملتهم بتلك القسوة دون سبب وجيه يستحق القتل.” “هل تعتقد أنها فعلت ذلك بدافع الغضب والغيظ من طريقة معاملة موراكان لها؟” “لا، ليس الأمر كذلك. نية أمي واضحة تماماً؛ إنها تحاول تحذير الآخرين في العشيرة من مغبة التدخل في شؤوني أو محاولة إيذائي. إنها توصل رسالة مفادها أنهم قد يتعرضون لأشد العقوبات قسوة لأتفه الأسباب إن كان الأمر يتعلق بي.” تدخل موراكان في الحديث: “لقد كنتُ أفكر في هذا الأمر منذ فترة، لكنها ليست أماً حقيقية يا شقي. كانت الأوضاع صعبة وقاسية في عهد تيمار أيضاً، لكننا كنا لا نزال نكن الحب والمودة لعائلاتنا وشعبنا؛ وكان هناك رباط وثيق يجمع بيننا.” “ولا نزال نملك تلك الروابط والعهود؛ لكن الفرق أن هذا الرباط لا تشترك فيه العشيرة بأكملها بل يقتصر على أفراد قلائل وبشكل متفرق. بالإضافة إلى ذلك، لماذا تبدو متفاجئاً؟ هذا ليس بالأمر الجديد. غيلي، أرسلي تعازينا وتعويضات مالية مجزية لعائلة الفارس الحارس الذي لقي حتفه اليوم؛ افعلي ذلك بتكتم شديد، ولا تذكري اسمي على الإطلاق.” لقد كان الفارس القتيل يخدم جوشوا، مما يجعله عدواً واضحاً لـ جين بالتبعية؛ لكن بالمنظور الأوسع والأشمل للأمور، كان لا يزال ينتمي لعشيرة الرونكانديل. عدو، ولكنه جزء من العشيرة؛ وموته يمثل موت عدو، وفي الوقت نفسه يمثل خسارة فرد من أفراد العشيرة. لذلك، رأى جين أن الأمر يستحق قدراً معيناً من الاحترام والتقدير. وعلى الرغم من أنه لم يكن بحاجة للاهتمام بمثل هذه الأمور وتفاصيلها عندما قتل فرسان جوشوا في ساميل لأنه كان مجرد حامل راية مؤقت حينها، إلا أنه الآن أصبح حاملاً للراية بشكل رسمي. وتوجب عليه تحمل مسؤولية وفيات أعضاء العشيرة، حتى وإن لم يعترف له أحد بذلك أو يطالب به، ولم يكن يرغب في إشهار الأمر بالطبع؛ شريطة ألا يكون المتوفى قد خان العشيرة أو ألحق الضرر بأي شخص من المقربين لجين. “نعم، سيدي الشاب. سأهتم بالأمر بتكتم وسرية تامة. وتهانينا الحارة لك، أرى أنك قد استعدت سيفك أخيراً.” “لقد اضطررتُ لاجتياز حقول من قنابل المانا لمجرد استعادته من ماري؛ بل إنني فكرتُ بجدية في قتل ماري في لحظة ما من النزال.” “أنا واثقة من أن السيدة الشابة ماري ستصبح حليفاً قوياً يعتمد عليه إلى جانبك يا سيدي الشاب. وبالإضافة إلى ذلك، أرسل الشيخ جيد رسالة قبل قليل؛ إنه يريدك أن تأتي لزيارته بمجرد مغادرة وفود التهنئة، سيدي الشاب.” “حسنٌ.” بعد ذلك اليوم، ركز جين بالكامل على تدريباته الخاصة والمنعزلة دون الانخراط في أي أنشطة أو فعاليات أخرى؛ فبمجرد عودته للعشيرة، تسبب في سلسلة من الأحداث المثيرة للجدل، وشعر بالحاجة للاختفاء عن الأنظار والهدوء لبعض الوقت. وفي هذه الأثناء، انتشرت شائعة هزيمة جين لماري كالنار في الهشيم في جميع أرجاء حديقة السيوف، كما تداولت الأوساط العالمية نبأ تنصيبه رسمياً كحامل راية لعشيرة الرونكانديل. وكان من الطبيعي والبديهي أن تشتعل حديقة السيوف والعالم بأسره بالإثارة والحماسة مجدداً جراء هذه الأخبار الصادمة. اتبع ديانو تعليمات جين بدقة متناهية عند كتابة مقالاته الصحفية، في حين حرص كوزان ويوليان على أن يقودهما جاك غلو “الكلب المسعور” وفيروك “الفارس المرتد” نحو القمم الجبلية المغطاة بالثلوج في جنوب شرق مملكة ميتيل. ومثل عين الإعصار الثابتة، كان جين هو الوحيد الذي ظلت حياته هادئة ومستقرة تماماً وسط هذه العاصفة. كان ذلك في الخامس عشر من فبراير عام 1799. بدأت وفود التهنئة بالوصول إلى حديقة السيوف لتقديم التبريكات لـ جين؛ في حين لم يكن حاملو الراية الذين أُرسلوا لبسط نفوذ العشيرة على العائلات التابعة قد عادوا بعد. أرسلت مجموعات وقوى متعددة وفوداً رسمية، بدءاً من العشائر القتالية التابعة لـ هيوجستر وصولاً إلى كافة الفصائل المحايدة وحتى إمبراطورية فيرمونت؛ لكن جين رفض استقبال معظم هؤلاء الزوار بالكامل. بل في الواقع، ارتكب تصرفاً وقحاً بإعادتهم أدراجهم بعد قبول هداياهم فحسب. “سيدي الشاب، هل أنت واثق من رغبتك في الاستمرار بإعادتهم ورفض مقابلتهم؟” أومأ جين برأسه تأكيداً رداً على سؤال بيترو: “لا أملك حاجة ملحة أو رغبة في كسب ود أولئك الذين يحكمون علي بناءً على مثل هذه التصرفات البسيطة والتافهة؛ وأولئك الذين يظهرون الكرم وسعة الصدر رغم وقاحتي سيتفهمون قيمتي ومكانتي في النهاية بأي حال. وفوق كل شيء، لا أملك شيئاً أقدمه لهم في هذا الوقت؛ والتقرب غير المبرر من شخص ما لن يجلب لي سوى ديون والتزامات لا داعي لها في هذه المرحلة.” إن قبول معروف أو خدمة في وقت لا يملك فيه هو نفسه شيئاً ليقدمه في المقابل سيعني الاضطرار لدفع مصالح ومكاسب ضخمة لاحقاً لسداد ذلك الدين. “أنا شخصياً سأستقبل فقط الوفود القادمة من مملكة ديلكي، وعشيرة ماكلوران، وعشيرة بيل من مملكة جيان، بالإضافة إلى الملكة المقدسة. وأعِد الباقين أدراجهم بعد استلام هداياهم وتوثيقها.” “مفهوم يا سيدي؛ سأقوم أيضاً بإعداد قائمة مفصلة بالشخصيات الأخرى التي تظهر وداً واهتماماً خاصاً بنا.” “أوه! وأعلمني فوراً إن أرسلت عشيرة فولتا وفداً للتهنئة؛ فسأحرص على مقابلتهم شخصياً بالتأكيد.” “عشيرة فولتا، يا سيدي؟” كانت عشيرة فولتا واحدة من أفقر العائلات النبيلة وأكثرها عوزاً في هيوجستر؛ وكون العشيرة فقيرة في تلك المنطقة يعني ببساطة عدم وجود أي مقاتلين أو فرسان بارزين ينتمون إليها على الإطلاق. ووجد بيترو صعوبة بالغة في فهم السبب الذي يدفع جين لاستقبال وفد من مثل هذه العشيرة المعدومة والضعيفة، بعد أن رفض مقابلة وفود من عائلات قوية وذات نفوذ وسلطة هائلة. *«تباً.. لقد ذكرتُ عشيرة فولتا بشكل مفاجئ وعشوائي للغاية دون تمهيد.»* حدق جين حوله بتكتم وحذر بينما كان بيترو يميل برأسه حيرة واستغراباً. ولحسن الحظ، كانت غيلي وموراكان مشغولين بالحديث والنقاش الحاد بينهما، ولم يستمعا لما قاله جين. *«يتوجب علي ابتكار عذر مقنع ومناسب لأخبرهما به إن سألني أي منهما عن سبب اهتمامي ومراقبتي لعشيرة فولتا.»* كان جين يهتم بعشيرة فولتا بسبب ذكريات راسخة من حياته السابقة؛ لكن على عكس موراكان وغيلي، لم يكن بيترو رفيقاً مقرباً يشاركه الأسرار، بل كان تابعاً ومرؤوساً لجين في العشيرة، وبما أن جين هو حامل الراية، فذلك يعني أنه غير ملزم بإقناعه بالتفاصيل أو تقديم تبريرات وشروحات خلف كل أمر يصدره له. *«لقد احتجتُ لخدمات جيت لاستغلال ذكريات حياتي السابقة في آركين، وساعدتني رعاية السير كشمير كثيراً بعد ذلك؛ لكن الآن لم أعد بحاجة للقيام بالأمور بتلك الطريقة البدائية الصعبة.»* ابتسم جين بوعي وراحة عندما أدرك ذلك: “مفهوم يا سيدي الشاب؛ سأقوم بإعلامك وإخطارك على الفور بمجرد وصول وفد تهنئة عشيرة فولتا.”
“لم آتِ لزيارتكِ إلا بعد أن أساء أعضاء العشيرة إليك. كان ينبغي لي أن أكون أكثر تواجداً.” تحدثت روزا وهي تضع فنجان الشاي الخاص بها جانباً. كانت متواجدة في غرفة جين بعد تلقيها التقرير من فرسان الحراسة. “نعم، كان ينبغي أن تكوني أكثر تواجداً. ألا تعتقدين أنه كان يجب عليكِ وعلى زوجكِ الترحيب بي عندما استيقظتُ وجئتُ إلى حديقة السيوف؟ لكن البطريرك غادر دون حتى أن يعترف بوجودي، والخدم كانوا وقحين للغاية. لقد جعلني ذلك أشعر بالاستياء في جوانب عدة.” “سأتخذ الإجراءات اللازمة لضمان أن يعاملك الجميع في حديقة السيوف على قدم المساواة مع الشيوخ العظماء من الآن فصاعداً، اللورد موراكان.” تشنج حاجب موراكان عند ذكر معاملته على قدم المساواة مع الشيوخ العظماء فحسب. لقد شعر بالضيق لأنه يُعامل كمجرد شيخ عظيم؛ لكن موراكان قرر ألا يقف طويلاً عند ذكريات الماضي الجميل. فلم يكن قد استعاد قوته الكاملة من عهده الذهبي بعد، بالإضافة إلى مرور ألف عام كاملة على وفاة تيمار. عندما أسس تيمار عشيرة الرونكانديل، كان موراكان أقرب إلى قلب العشيرة ورويدها من أي شخص آخر. لكنه الآن يبدو كالغريب تماماً؛ بل في الواقع، كان على خلاف وخصومة واضحة مع روزا، التي كانت تقبض على معظم مقاليد القوة والسلطة في العشيرة. *«كل شيء بات مختلفاً عما كان عليه قبل ألف عام؛ ليس فقط المشهد العام بل حتى الناس. تيمار، أنا أفتقدك يا صديقي القديم.»* فجأة، ضحك موراكان بسخرية: “لقد تغيرت الرونكانديل حقاً.” “من الطبيعي أن يتطور المرء ويسير مع تدفق الزمن.” “تطور، هكذا تسمينه إذن؟ لو حققت الرونكانديل مثل هذا ‘التطور’ المزعوم، لما كان لعائلة زيبيل وجود على هذه الأرض الآن. بعد خسارة السحر، لم تفعل العشيرة شيئاً سوى فقدان قوتها ونفوذها على مدار ألف عام كاملة.” “أنا مجرد فانية ولا يمكنني سوى إلقاء نظرة خاطفة على قوة الرونكانديل القديمة من خلال السجلات المكتوبة. لا أجرؤ على التباهي بنفسي بمدى قوة أسلافنا، لذا فكل ما يسعني فعله هو التمسك بتقاليد وقوانين العشيرة الحالية.” “ألا تدركين أن تلك التقاليد والقوانين نفسها نبعت من المعاهدة المهينة التي أبرمناها مع الزيبيل؟” “نعم، أنا على علم بذلك.” “إذن لماذا يحاول غالبية أعضاء العشيرة إقصاء الشخص الوحيد القادر على تحطيم تلك المعاهدة، ونقصد به ابنكِ الأصغر؟” حدقت روزا في عيني موراكان لفترة طويلة. “يبدو أن الشيوخ مترددون في توريث التقنيات النهائية لـ جين، وقد قيل لي إنكِ أسندتِ إليه مهمة مستحيلة منذ البداية. آمل أن تملكي تفسيراً يمكنني قبوله.” قالت روزا ببرود. “اللورد موراكان. أولاً وقبل كل شيء، القول بأن جين هو الشخص الوحيد القادر على كسر المعاهدة ليس صحيحاً. لو ملك شخص ما القوة الكافية لإخضاع الزيبيل، لكان بإمكانه دائماً إبطال تلك المعاهدة.” “هناك لعنة تجري في دماء الرونكانديل؛ لعنة تختم المانا بالكامل، ولا يمكن لأي سحر أو قوة إلهية إبطالها باستثناء قوة سولدرت.” “إذا كان سولدرت كلي القدرة والسيادة، فلماذا تخلّى عنا طوال الألف عام الماضية؟ بل في الواقع، لقد كان بمثابة الحامي والراعي لعائلة زيبيل نفسها طوال تلك الفترة.” ولم يجد موراكان ما يجيب به على كلامها. ما الذي يجعل الإله إلهاً؟ لا يجيب المرء على تعريف الإله إلا إذا كان يحمي البشر الذين يخدمونه أو يقوم بأمور تتجاوز قدرة البشر الفانين. وبهذا المعنى، لم يكن سولدرت يوماً إلهاً أو حامياً للرونكانديل بعد وفاة تيمار. “أليس هذا هو السبب التابع لإبرامه عقداً مع ابنكِ الأصغر الآن؟” “قد يساعد العقد جين على تنمية قوته الشخصية، لكنني لا أرى أنه يحمل وزناً كبيراً للمنظور الأوسع للعشيرة بأكملها، ما لم ينوِ سولدرت الهبوط بنفسه لتخليصنا من اللعنة. في الواقع، الاحتمال الأكبر هو أننا سنواجه ضغوطاً هائلة من الزيبيل بسبب خرق المعاهدة، أو أننا سنثير الفوضى والاضطراب داخل العشيرة عبر تقويض شرعيتنا وقوانيننا.” “من الغريب والمثير للدهشة أن تذكري الشرعية أمامي.” لمست روزا فنجان الشاي الخاص بها ببطء. “هذا هو السبب في تردد الشيوخ في تدريب جين وتلقينه التقنيات النهائية. وبالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن هناك سوء فهم؛ فأنا لم أسند إلى جين مهمة مستحيلة الحل والتحقيق قط.” “أكملي.” قال موراكان. “اغتيال جاسوس الفرسان السود لن يقع على عاتق جين بمفرده. وبما أن هذه المهمة تحظى بالأولوية القصوى، فسينضم إليه حامل راية آخر كفؤ وذو خبرة. لقد كشف البطريرك عن نواياه ورغبته، لذا لا أريد أن يقع الضرر على جين وحده؛ فأنا مدركة تماماً للقدرات الاستثنائية التي يتمتع بها.” “لسبب ما، يبدو الأمر وكأنكِ تريدين استغلال تلك القدرات الاستثنائية والانتفاع بها إلى أقصى حد قبل التخلص منه.” “في كل الأحوال، جين يتواجد في موقف يتوجب عليه فيه باستمرار إحداث المفاجآت والصدمات؛ وإن لم يستطع فعل ذلك، فلن يتم قبوله أبداً في عشيرة الرونكانديل، حتى وإن كان يحمل رتبة حامل راية بالفعل. هل هذا التفسير كافٍ ومقنع؟” حدق موراكان في عيني روزا لبرهة: “حسنٌ. إذن دعيني أسألكِ سؤالاً أخيراً.” “تفضل، كلي آذان صاغية.” “أين يقع قبر تيمار؟” “لا أعلم. هل يمكنني المغادرة الآن؟” وقفت روزا قبل أن يتمكن موراكان من الرد حتى. “سأفرض عقوبات صارمة وقاسية على الفرسان الذين أساؤوا إليك، اللورد موراكان.” أطلق موراكان صوتاً ساخراً بلسانه (طقطقة) بعد مغادرة روزا الغرفة: “إنها لا ترتقي لمستوى سايرون بالطبع، لكنها تمتلك بالتأكيد قوة وحضوراً لا يستهان بهما.” عندها تنهدت غيلي أخيراً وهزت رأسها بأسف: “موراكان، لم أكن أتوقع أبداً أنك ستستدعي السيدة روزا بشكل مباشر هكذا. لا أعتقد أنه يجب عليك تكرار هذا الأمر؛ فالسيدة تنوب عن بطريرك الرونكانديل وتتحدث باسمه في هذا الوقت.” “أعلم ذلك يا ‘ستروبيري شورت كيك’؛ أردتُ فقط إجراء محادثة مباشرة معها بنفسي لأكون فكرة واضحة عن طبيعة العدو الأكبر والخصم الأخطر الذي يواجهه الفتى.” “أنت لا تدرك كم كنتُ مرتعبة ومذعورة؛ كنتُ أخشى أن تظهر السيدة روزا مدى إهانتها وغضبها مما فعلت.” “كنتُ أعلم أنها تملك كبرياءً ووقاراً يمنعها من إظهار ذلك بابتذال.” “على أي حال، يجب عليك التوقف عن إحراج السيدة أمام الآخرين؛ فإذا ساءت الأمور، يمكنها إرسالك إلى محاكم العشيرة ومحاسبتك، حتى وإن كنت التنين الحامي موراكان. يا إلهي!” فجأة، ارتعشت غيلي وتوقفت عن الكلام في منتصف جملتها وهي تنظر عبر النافذة؛ حيث رأت روزا تخرج من المبنى وتقوم بقطع الفرسان الحراس وتصفيتهم بدم بارد. تطايرت دماء فرسان الحراسة بحدة تحت أشعة الشمس الساطعة التي تغمر حديقة السيوف. لقد كانوا الفرسان الحراس أنفسهم الذين أساؤوا لموراكان وأغضبوه أثناء ملاحقتهم لماري. كان وجه روزا خالياً تماماً من أي تعبير وهي تطيح بهم؛ وكان سيفها سريعاً ودقيقاً للغاية وهو يقطع أذرع وأرجل الفرسان. أما بالنسبة لقائدهم، فقد قطعت رأسه مباشرة، ليهوي ويتدحرج على الأرض دون أن تكلف روزا نفسها عناء النظر إليه حتى. غطت غيلي فمها بصدمة وذهول، ولم يرَ موراكان المشهد إلا بعد حدوثه بالفعل. بالتأكيد، كانت هذه رسالة تحذيرية شديدة اللهجة موجهة لموراكان نفسه؛ لقد كانت تحذره بأنه لن يُعامل كالتنين الحامي للعشيرة أو يحظى بأي حصانة إن تجرأ على استدعائها بتلك الطريقة المهينة مجدداً. تابعت روزا سيرها وكأن شيئاً لم يكن، بينما هرع الخدم على عجل لانتشال جثث القتلى ونقل المصابين والجرحى. أخبرت غيلي جين بالمشهد الدموي المروع الذي وقع خلال اليوم بمجرد عودته من غرفة العلاج والتعافي. “لم أرَ السيدة روزا تعاقب الفرسان الحراس بتلك الوحشية والقسوة من قبل؛ أشعر بالقلق من أن يسود شعور بالخوف والترهيب بين الجميع في العشيرة لفترة من الوقت.” قالت غيلي. “على أي حال، هم فرسان يتبعون لجوشوا؛ وكان مقدراً لهم أن يموتوا أو يُصابوا على يدي في وقت ما عاجلاً أم آجلاً. لكن أمي كانت قاسية وصارمة معهم بشكل مبالغ فيه؛ فقد خدموا العشيرة بإخلاص وتفانٍ، وعاملتهم بتلك القسوة دون سبب وجيه يستحق القتل.” “هل تعتقد أنها فعلت ذلك بدافع الغضب والغيظ من طريقة معاملة موراكان لها؟” “لا، ليس الأمر كذلك. نية أمي واضحة تماماً؛ إنها تحاول تحذير الآخرين في العشيرة من مغبة التدخل في شؤوني أو محاولة إيذائي. إنها توصل رسالة مفادها أنهم قد يتعرضون لأشد العقوبات قسوة لأتفه الأسباب إن كان الأمر يتعلق بي.” تدخل موراكان في الحديث: “لقد كنتُ أفكر في هذا الأمر منذ فترة، لكنها ليست أماً حقيقية يا شقي. كانت الأوضاع صعبة وقاسية في عهد تيمار أيضاً، لكننا كنا لا نزال نكن الحب والمودة لعائلاتنا وشعبنا؛ وكان هناك رباط وثيق يجمع بيننا.” “ولا نزال نملك تلك الروابط والعهود؛ لكن الفرق أن هذا الرباط لا تشترك فيه العشيرة بأكملها بل يقتصر على أفراد قلائل وبشكل متفرق. بالإضافة إلى ذلك، لماذا تبدو متفاجئاً؟ هذا ليس بالأمر الجديد. غيلي، أرسلي تعازينا وتعويضات مالية مجزية لعائلة الفارس الحارس الذي لقي حتفه اليوم؛ افعلي ذلك بتكتم شديد، ولا تذكري اسمي على الإطلاق.” لقد كان الفارس القتيل يخدم جوشوا، مما يجعله عدواً واضحاً لـ جين بالتبعية؛ لكن بالمنظور الأوسع والأشمل للأمور، كان لا يزال ينتمي لعشيرة الرونكانديل. عدو، ولكنه جزء من العشيرة؛ وموته يمثل موت عدو، وفي الوقت نفسه يمثل خسارة فرد من أفراد العشيرة. لذلك، رأى جين أن الأمر يستحق قدراً معيناً من الاحترام والتقدير. وعلى الرغم من أنه لم يكن بحاجة للاهتمام بمثل هذه الأمور وتفاصيلها عندما قتل فرسان جوشوا في ساميل لأنه كان مجرد حامل راية مؤقت حينها، إلا أنه الآن أصبح حاملاً للراية بشكل رسمي. وتوجب عليه تحمل مسؤولية وفيات أعضاء العشيرة، حتى وإن لم يعترف له أحد بذلك أو يطالب به، ولم يكن يرغب في إشهار الأمر بالطبع؛ شريطة ألا يكون المتوفى قد خان العشيرة أو ألحق الضرر بأي شخص من المقربين لجين. “نعم، سيدي الشاب. سأهتم بالأمر بتكتم وسرية تامة. وتهانينا الحارة لك، أرى أنك قد استعدت سيفك أخيراً.” “لقد اضطررتُ لاجتياز حقول من قنابل المانا لمجرد استعادته من ماري؛ بل إنني فكرتُ بجدية في قتل ماري في لحظة ما من النزال.” “أنا واثقة من أن السيدة الشابة ماري ستصبح حليفاً قوياً يعتمد عليه إلى جانبك يا سيدي الشاب. وبالإضافة إلى ذلك، أرسل الشيخ جيد رسالة قبل قليل؛ إنه يريدك أن تأتي لزيارته بمجرد مغادرة وفود التهنئة، سيدي الشاب.” “حسنٌ.” بعد ذلك اليوم، ركز جين بالكامل على تدريباته الخاصة والمنعزلة دون الانخراط في أي أنشطة أو فعاليات أخرى؛ فبمجرد عودته للعشيرة، تسبب في سلسلة من الأحداث المثيرة للجدل، وشعر بالحاجة للاختفاء عن الأنظار والهدوء لبعض الوقت. وفي هذه الأثناء، انتشرت شائعة هزيمة جين لماري كالنار في الهشيم في جميع أرجاء حديقة السيوف، كما تداولت الأوساط العالمية نبأ تنصيبه رسمياً كحامل راية لعشيرة الرونكانديل. وكان من الطبيعي والبديهي أن تشتعل حديقة السيوف والعالم بأسره بالإثارة والحماسة مجدداً جراء هذه الأخبار الصادمة. اتبع ديانو تعليمات جين بدقة متناهية عند كتابة مقالاته الصحفية، في حين حرص كوزان ويوليان على أن يقودهما جاك غلو “الكلب المسعور” وفيروك “الفارس المرتد” نحو القمم الجبلية المغطاة بالثلوج في جنوب شرق مملكة ميتيل. ومثل عين الإعصار الثابتة، كان جين هو الوحيد الذي ظلت حياته هادئة ومستقرة تماماً وسط هذه العاصفة. كان ذلك في الخامس عشر من فبراير عام 1799. بدأت وفود التهنئة بالوصول إلى حديقة السيوف لتقديم التبريكات لـ جين؛ في حين لم يكن حاملو الراية الذين أُرسلوا لبسط نفوذ العشيرة على العائلات التابعة قد عادوا بعد. أرسلت مجموعات وقوى متعددة وفوداً رسمية، بدءاً من العشائر القتالية التابعة لـ هيوجستر وصولاً إلى كافة الفصائل المحايدة وحتى إمبراطورية فيرمونت؛ لكن جين رفض استقبال معظم هؤلاء الزوار بالكامل. بل في الواقع، ارتكب تصرفاً وقحاً بإعادتهم أدراجهم بعد قبول هداياهم فحسب. “سيدي الشاب، هل أنت واثق من رغبتك في الاستمرار بإعادتهم ورفض مقابلتهم؟” أومأ جين برأسه تأكيداً رداً على سؤال بيترو: “لا أملك حاجة ملحة أو رغبة في كسب ود أولئك الذين يحكمون علي بناءً على مثل هذه التصرفات البسيطة والتافهة؛ وأولئك الذين يظهرون الكرم وسعة الصدر رغم وقاحتي سيتفهمون قيمتي ومكانتي في النهاية بأي حال. وفوق كل شيء، لا أملك شيئاً أقدمه لهم في هذا الوقت؛ والتقرب غير المبرر من شخص ما لن يجلب لي سوى ديون والتزامات لا داعي لها في هذه المرحلة.” إن قبول معروف أو خدمة في وقت لا يملك فيه هو نفسه شيئاً ليقدمه في المقابل سيعني الاضطرار لدفع مصالح ومكاسب ضخمة لاحقاً لسداد ذلك الدين. “أنا شخصياً سأستقبل فقط الوفود القادمة من مملكة ديلكي، وعشيرة ماكلوران، وعشيرة بيل من مملكة جيان، بالإضافة إلى الملكة المقدسة. وأعِد الباقين أدراجهم بعد استلام هداياهم وتوثيقها.” “مفهوم يا سيدي؛ سأقوم أيضاً بإعداد قائمة مفصلة بالشخصيات الأخرى التي تظهر وداً واهتماماً خاصاً بنا.” “أوه! وأعلمني فوراً إن أرسلت عشيرة فولتا وفداً للتهنئة؛ فسأحرص على مقابلتهم شخصياً بالتأكيد.” “عشيرة فولتا، يا سيدي؟” كانت عشيرة فولتا واحدة من أفقر العائلات النبيلة وأكثرها عوزاً في هيوجستر؛ وكون العشيرة فقيرة في تلك المنطقة يعني ببساطة عدم وجود أي مقاتلين أو فرسان بارزين ينتمون إليها على الإطلاق. ووجد بيترو صعوبة بالغة في فهم السبب الذي يدفع جين لاستقبال وفد من مثل هذه العشيرة المعدومة والضعيفة، بعد أن رفض مقابلة وفود من عائلات قوية وذات نفوذ وسلطة هائلة. *«تباً.. لقد ذكرتُ عشيرة فولتا بشكل مفاجئ وعشوائي للغاية دون تمهيد.»* حدق جين حوله بتكتم وحذر بينما كان بيترو يميل برأسه حيرة واستغراباً. ولحسن الحظ، كانت غيلي وموراكان مشغولين بالحديث والنقاش الحاد بينهما، ولم يستمعا لما قاله جين. *«يتوجب علي ابتكار عذر مقنع ومناسب لأخبرهما به إن سألني أي منهما عن سبب اهتمامي ومراقبتي لعشيرة فولتا.»* كان جين يهتم بعشيرة فولتا بسبب ذكريات راسخة من حياته السابقة؛ لكن على عكس موراكان وغيلي، لم يكن بيترو رفيقاً مقرباً يشاركه الأسرار، بل كان تابعاً ومرؤوساً لجين في العشيرة، وبما أن جين هو حامل الراية، فذلك يعني أنه غير ملزم بإقناعه بالتفاصيل أو تقديم تبريرات وشروحات خلف كل أمر يصدره له. *«لقد احتجتُ لخدمات جيت لاستغلال ذكريات حياتي السابقة في آركين، وساعدتني رعاية السير كشمير كثيراً بعد ذلك؛ لكن الآن لم أعد بحاجة للقيام بالأمور بتلك الطريقة البدائية الصعبة.»* ابتسم جين بوعي وراحة عندما أدرك ذلك: “مفهوم يا سيدي الشاب؛ سأقوم بإعلامك وإخطارك على الفور بمجرد وصول وفد تهنئة عشيرة فولتا.”
