ظل في وضح النهار
كان صباحاً بارداً عندما وقف نورد أمام مبنى نقابة المغامرين في أفير. لم يكن المبنى كبيراً، مجرد بناء حجري من طابقين، واجهته متواضعة ومدخله خشبياً بالياً. لكنه كان المكان الذي يسجل فيه المغامرون أسماءهم، ويستلمون المهام، ويصرفون جوائزهم. وكانت تُديره امرأة لا يُستهان بها.
“هذا سعري أيها الشاب اللطيف.” ابتسمت ابتسامة عريضة، وأشارت إلى المبنى خلفها. “النقابة لا تقدم هذه الخدمة مجاناً. والسيدات الجميلات مثلي لا يعملن بالمجان أيضاً.”
نورد دفع الباب الخشبي الثقيل، ودخل. القاعة الرئيسية كانت شبه فارغة في هذا الوقت من الصباح. طاولة خشبية كبيرة في الوسط، وخلفها سكرتيرة شابة تكتب في دفتر ضخم. إلى اليمين، درج حلزوني حديدي يصعد إلى الطابق العلوي. إلى اليسار، باب مغلق عليه لافتة صغيرة: “خاص. ممنوع الدخول”.
“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”
تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.
رفعت السكرتيرة رأسها، ونظرت إليه من فوق نظارتها. كانت في العشرين من عمرها، شعرها بني مربوط في كعكة، وعيناها زرقاوان باردتان.
“هل لديك موعد؟”
“لا. لكن الأمر مهم.”
نورد دفع الباب الخشبي الثقيل، ودخل. القاعة الرئيسية كانت شبه فارغة في هذا الوقت من الصباح. طاولة خشبية كبيرة في الوسط، وخلفها سكرتيرة شابة تكتب في دفتر ضخم. إلى اليمين، درج حلزوني حديدي يصعد إلى الطابق العلوي. إلى اليسار، باب مغلق عليه لافتة صغيرة: “خاص. ممنوع الدخول”.
“ما اسمك؟”
أما تقنية الإخفاء، فمبدأها بسيط: تعلم كيف تحبس هذه الطاقة داخل جسدك. لا تمنعها من الخروج كلياً، فهذا سيقتلك. فقط قلل كمية الخارجة إلى أدنى حد ممكن. تخيل أن جسدك إناء مثقوب، والطاقة هي الماء بداخله. التقنية تعلمك كيف تسد هذه الثقوب مؤقتاً.
“نورد كاسيان.”
النتيجة: هالتك تصبح أضعف بكثير مما هي عليه في الحقيقة. الآخرون يشعرون أنك مجرد شخص عادي، أو في مستوى أقل بكثير من مستواك الحقيقي.
توقفت السكرتيرة عن الكتابة، ونظرت إليه بانتباه أكبر. “ابن فيرس؟ المقاتل المراهق الذي تحدث عنه الجميع؟”
“ربما.”
تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.
كانت تمارين صعبة، تحتاج إلى تركيز هائل. أولاً، كان عليه أن يشعر بهالته. أغلق عينيه، وركز على جسده من الداخل. كان صعباً في البداية. لم يشعر بشيء سوى نبض قلبه وتنفس رئتيه.
ضحكت السكرتيرة ضحكة خفيفة. “انتظر لحظة. سأخبرها.”
بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.
نهضت من كرسيها وصعدت الدرج الحلزوني. اختفت خلف باب في الطابق العلوي، وتركته واقفاً ينتظر.
كانت تمارين صعبة، تحتاج إلى تركيز هائل. أولاً، كان عليه أن يشعر بهالته. أغلق عينيه، وركز على جسده من الداخل. كان صعباً في البداية. لم يشعر بشيء سوى نبض قلبه وتنفس رئتيه.
نورد كانت عيناه تتجولان في القاعة. كانت الجدران مغطاة بإعلانات المهام المطلوبة: “صيد وحوش في الغابة الجنوبية – أجر 5 قطع فضية”، “مرافقة قافلة تجارية إلى مدينة جورجان – أجر 12 قطعة فضية”، “بحث عن نبتة نادرة في الغابة الداخلية – أجر قطعتان ذهبيتان”. كان يتأمل الإعلانات، ويحسب في رأسه أجر كل مهمة مقارنة بالمخاطرة.
مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.
“نورد كاسيان،” قالت بصوت ناعم، كالقطيفة على جدار حجري. “همم. ماذا أتى بشاب لطيف وموهوب مثلك للقائي؟”
مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.
بعد ساعة، كان متعباً ذهنياً أكثر مما كان متعباً جسدياً في أي معركة خاضها.
قلق نورد قليلاً. المستوى الثالث. مثل سارجيس. مثل أفاران. إذا قابل أحدهما، فقد يكتشف أمره.
بدأ نورد يشعر بالقلق. هل رفضت مقابلته؟ هل ضحكت السكرتيرة عليه وأخبرتها أنه مجرد صبي صغير يضيع وقته؟
“ما هو؟”
عندما وصلت الدقيقة الخامسة عشرة، سمع وقع أقدام. لم يكن صوت أحذية ثقيلة كالجنود، بل صوتاً خفيفاً كخطوات قطة على أرضية رخامية.
نزلت من الدرج امرأة.
أما تقنية الإخفاء، فمبدأها بسيط: تعلم كيف تحبس هذه الطاقة داخل جسدك. لا تمنعها من الخروج كلياً، فهذا سيقتلك. فقط قلل كمية الخارجة إلى أدنى حد ممكن. تخيل أن جسدك إناء مثقوب، والطاقة هي الماء بداخله. التقنية تعلمك كيف تسد هذه الثقوب مؤقتاً.
لكن هذه المرة، كان صادقاً.
كانت في بداية الثلاثينات، شعرها أسود قصير مصفف بشكل حاد يلامس فكيها. عيناها كانتا سوداوين أيضاً، عميقتين، مستدقتين في الأطراف كأنها رسمت بقلم حاد. وجهها كان جميلاً بطريقة غير تقليدية، لا ناعمة ولا قاسية، فقط حادة وواضحة المعالم. كانت ترتدي سروالاً جلدياً أسود وسترة سوداء أيضاً، وخنجراً صغيراً معلقاً على حزامها. لم تكن ترتدي أي مجوهرات، ولا أي ألوان. كانت كظل تحول إلى جسد.
وقفت أيملي في وسط الحديقة، وذراعاها متقاطعتان على صدرها.
نزلت الدرج ببطء، وعيناها مثبتتان على نورد. وقفت أمامه، ووضعت يديها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.
هذه كانت أيملي. نائبة مدير نقابة المغامرين في أفير. مستوى نجمتين منخفض في القتال، ونجمة واحدة متوسطة في الذهن. واحدة من أقوى خمسة مقاتلين في البلدة. وكانت تعمل أحياناً… مغتالة.
ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.
ضحك نورد. “لا أعتقد أنني سأقابل واحداً منهم قريباً. هم لا ينبتون في أطراف جورجان مثلاً.”
نزلت الدرج ببطء، وعيناها مثبتتان على نورد. وقفت أمامه، ووضعت يديها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.
“ربما.”
توقفت السكرتيرة عن الكتابة، ونظرت إليه بانتباه أكبر. “ابن فيرس؟ المقاتل المراهق الذي تحدث عنه الجميع؟”
“نورد كاسيان،” قالت بصوت ناعم، كالقطيفة على جدار حجري. “همم. ماذا أتى بشاب لطيف وموهوب مثلك للقائي؟”
“لأن عينيك صادقتين،” قالت ببساطة. “نادراً ما أرى عيوناً صادقة في عمري. ورأيت الكثير من العيون.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأحد حاجبيها ارتفع قليلاً. ثم غمزت له.
ضحكت السكرتيرة ضحكة خفيفة. “انتظر لحظة. سأخبرها.”
“هل تريد خدمات خاصة؟”
“إذاً لنبدأ التدريب؟”
ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.
شعر نورد بحرارة تخجل وجهه. احمرت وجنتاه قليلاً، وعيناه هبطتا إلى الأرض لثانية قبل أن تعودا لمواجهتها.
وقفت أيملي في وسط الحديقة، وذراعاها متقاطعتان على صدرها.
“لا، سيدة أيملي. أريد أن أتعلم شيئاً منك.”
رفعت أيملي حاجبها. نظرت إلى السكرتيرة، ثم إلى نورد، ثم أشارت بيدها. “تعال.”
أغمض عينيه مجدداً. ركز على يديه. تخيل آلاف الثقوب الصغيرة على سطح جلده. تخيل طاقة بيضاء تخرج منها كالضباب.
تظاهرت أيملي بالحزن. رسمت على وجهها تعبيراً مصطنعاً، ووضعت يدها على صدرها كأنها تألمت.
دخلت المبنى، وأغلقت الباب خلفها.
“أوه. حسناً. اعتقدت أنه شيء آخر.”
كانت تمارين صعبة، تحتاج إلى تركيز هائل. أولاً، كان عليه أن يشعر بهالته. أغلق عينيه، وركز على جسده من الداخل. كان صعباً في البداية. لم يشعر بشيء سوى نبض قلبه وتنفس رئتيه.
مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.
ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”
مشيا معاً عبر القاعة، وفتحت أيملي الباب الخلفي الذي يؤدي إلى حديقة صغيرة خلف المبنى. كانت الحديقة مهملة بعض الشيء، أعشابها طويلة، وشجرتها الوحيدة كانت مائلة كأنها على وشك السقوط. لكنها كانت فارغة. لا أحد هناك. لا نوافذ تطل عليها من المباني المجاورة.
نظر نورد حوله. السكرتيرة كانت لا تزال تجلس خلف الطاولة، وكانت تنظر إليهما بفضول واضح.
نظرت إليه أيملي بعينيها السوداوين العميقتين. للحظة، رأى نورد شيئاً فيها لم يكن قد رآه من قبل. ليس بخل، ولا حب مال، ولا قسوة. كان شيئاً آخر. ربما طيبة.
“هل يمكننا التحدث في مكان خاص؟” سأل نورد بصوت منخفض.
لكن أيملي، وكأنها تقرأ أفكاره، تابعت: “لا تقلق. إذا لم يركز محارب أو ساحر أو ذهني من المستوى الثالث تركيزاً تاماً عليك، فلن ينتبه لمستوى تدريبك الحقيقي. هالتك ستكون مخفية بما يكفي لتبدو عادياً. لكن احذر من الأساتذة الكبار. عندهم خبرة تكفي ليشموا الكذب من على بعد كيلومترات.”
رفعت أيملي حاجبها. نظرت إلى السكرتيرة، ثم إلى نورد، ثم أشارت بيدها. “تعال.”
“نورد كاسيان،” قالت بصوت ناعم، كالقطيفة على جدار حجري. “همم. ماذا أتى بشاب لطيف وموهوب مثلك للقائي؟”
مشيا معاً عبر القاعة، وفتحت أيملي الباب الخلفي الذي يؤدي إلى حديقة صغيرة خلف المبنى. كانت الحديقة مهملة بعض الشيء، أعشابها طويلة، وشجرتها الوحيدة كانت مائلة كأنها على وشك السقوط. لكنها كانت فارغة. لا أحد هناك. لا نوافذ تطل عليها من المباني المجاورة.
“شكراً لك يا سيدة أيملي.”
وقفت أيملي في وسط الحديقة، وذراعاها متقاطعتان على صدرها.
“جيد،” قالت أيملي. “هذه هي الهالة. الآن، حاول أن تحبسها. تخيل أنك تغلق هذه الثقوب واحداً تلو الآخر. ليس بقوة، بل بإرادة. كما تغلق عينيك عندما تريد ألا ترى شيئاً.”
“حسناً. لا أحد يسمعنا الآن. ماذا تريد؟”
“لا بأس،” قالت أيملي، وكأنها قرأت تقييم الشريحة. “أنت تتحسن بسرعة. معظم الناس يحتاجون إلى أسبوعين ليصلوا إلى ما وصلت إليه في ساعة. ربما لأنك ذهني مبتدئ، وهذا يساعدك.”
تنفس نورد بعمق. “أريد أن أتعلم تقنية إخفاء الهالة والطاقة.”
“ربما.”
نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.
صمتت أيملي للحظة. عيناها السوداوان حفرتا في وجه نورد كأنها تبحث عن شيء خلف عينيه.
“لقب لأصحاب المستوى الرابع. هم حقاً أساتذة كبار. يحكمون مقاطعة كاملة، أو يصبحون جنرالات في الجيش الملكي. قلة قليلة جداً في المملكة كلها.”
“لماذا؟”
“شكراً لك يا سيدة أيملي.”
كانت في بداية الثلاثينات، شعرها أسود قصير مصفف بشكل حاد يلامس فكيها. عيناها كانتا سوداوين أيضاً، عميقتين، مستدقتين في الأطراف كأنها رسمت بقلم حاد. وجهها كان جميلاً بطريقة غير تقليدية، لا ناعمة ولا قاسية، فقط حادة وواضحة المعالم. كانت ترتدي سروالاً جلدياً أسود وسترة سوداء أيضاً، وخنجراً صغيراً معلقاً على حزامها. لم تكن ترتدي أي مجوهرات، ولا أي ألوان. كانت كظل تحول إلى جسد.
“لأحسن مهاراتي كمقاتل. أريد أن أتدرب دون أن يشعر الآخرون بمستواي الحقيقي.”
“نورد كاسيان.”
“كاذب،” قالت أيملي ببرود. لكن ابتسامة صغيرة كانت لا تزال على وجهها. “هل تريد اغتيال أحد؟”
ضحكت السكرتيرة ضحكة خفيفة. “انتظر لحظة. سأخبرها.”
تظاهرت أيملي بالحزن. رسمت على وجهها تعبيراً مصطنعاً، ووضعت يدها على صدرها كأنها تألمت.
تراجع نورد خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صفعته على وجهه. “لا! لا طبعاً. لن أقتل أحداً. أنا فقط… أحتاجها للتدريب وزيادة قدراتي. هذا كل شيء.”
“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”
ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”
نظرت إليه أيملي طويلاً. كانت تقرأ وجهه، لغة جسده، نبرة صوته. كانت خبيرة في كشف الكذب، وكان نورد يعرف ذلك.
لكن هذه المرة، كان صادقاً.
قلق نورد قليلاً. المستوى الثالث. مثل سارجيس. مثل أفاران. إذا قابل أحدهما، فقد يكتشف أمره.
“حسناً،” قالت أيملي أخيراً. “سأعلمك. بشرط واحد.”
ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.
“ما هو؟”
“نورد كاسيان،” قالت بصوت ناعم، كالقطيفة على جدار حجري. “همم. ماذا أتى بشاب لطيف وموهوب مثلك للقائي؟”
“عشرون قطعة ذهبية.”
“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.
اتسعت عينا نورد. “هذا غالٍ جداً!”
نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.
“هذا سعري أيها الشاب اللطيف.” ابتسمت ابتسامة عريضة، وأشارت إلى المبنى خلفها. “النقابة لا تقدم هذه الخدمة مجاناً. والسيدات الجميلات مثلي لا يعملن بالمجان أيضاً.”
نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.
كانت في بداية الثلاثينات، شعرها أسود قصير مصفف بشكل حاد يلامس فكيها. عيناها كانتا سوداوين أيضاً، عميقتين، مستدقتين في الأطراف كأنها رسمت بقلم حاد. وجهها كان جميلاً بطريقة غير تقليدية، لا ناعمة ولا قاسية، فقط حادة وواضحة المعالم. كانت ترتدي سروالاً جلدياً أسود وسترة سوداء أيضاً، وخنجراً صغيراً معلقاً على حزامها. لم تكن ترتدي أي مجوهرات، ولا أي ألوان. كانت كظل تحول إلى جسد.
“لكن،” تابعت أيملي، “كخصم لك لأنك لطيف… سأحسبها فقط خمس عشرة قطعة ذهبية.”
رفعت السكرتيرة رأسها، ونظرت إليه من فوق نظارتها. كانت في العشرين من عمرها، شعرها بني مربوط في كعكة، وعيناها زرقاوان باردتان.
ارتاح نورد قليلاً.
ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”
“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”
“ولا تقلق. أقبل التقسيط. فائدة عشرة بالمئة لمدة شهرين.” عادت ابتسامتها. “لكن لا تحاول الهروب في النهاية. أنا مغتالة، كما تعلم.”
“هل تريد خدمات خاصة؟”
نظر نورد إليها بعينين جادتين. “سيدتي، لا حاجة لكل هذا. حقاً. أنا أملك المال. جمعته منذ فترة خصيصاً لأتعلم هذه التقنية.”
ضحك نورد. “لا أعتقد أنني سأقابل واحداً منهم قريباً. هم لا ينبتون في أطراف جورجان مثلاً.”
كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.
رفعت أيملي حاجبها. يبدو أن هذه المعلومة فاجأتها. شاب في السادسة عشرة، من عائلة متواضعة، لديه خمس عشرة قطعة ذهبية مدخرة؟ هذا لم يكن أمراً عادياً.
حاول مجدداً. المسامات في اليدين أسهل للشعور بها.
أخرج نورد من كيس جيبه كيساً صغيراً من القماش. فتحه، وأخرج منه ست عشرة قطعة ذهبية. عدها أمام أيملي. أعاد واحدة إلى جيبه، ودفع الخمس عشرة الباقية إليها في الكيس.
“لأن عينيك صادقتين،” قالت ببساطة. “نادراً ما أرى عيوناً صادقة في عمري. ورأيت الكثير من العيون.”
أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.
صمتت أيملي للحظة. عيناها السوداوان حفرتا في وجه نورد كأنها تبحث عن شيء خلف عينيه.
“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”
صفقة جيدة.
بدأ نورد يشعر بالقلق. هل رفضت مقابلته؟ هل ضحكت السكرتيرة عليه وأخبرتها أنه مجرد صبي صغير يضيع وقته؟
جلست أيملي على حجر مائل في الحديقة، وأشارت إلى نورد أن يجلس أمامها على الأرض. جلس، وعيناه مثبتتان عليها.
“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.
كان مستعداً لأي شيء.
نورد كانت عيناه تتجولان في القاعة. كانت الجدران مغطاة بإعلانات المهام المطلوبة: “صيد وحوش في الغابة الجنوبية – أجر 5 قطع فضية”، “مرافقة قافلة تجارية إلى مدينة جورجان – أجر 12 قطعة فضية”، “بحث عن نبتة نادرة في الغابة الداخلية – أجر قطعتان ذهبيتان”. كان يتأمل الإعلانات، ويحسب في رأسه أجر كل مهمة مقارنة بالمخاطرة.
“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.
نظر نورد حوله. السكرتيرة كانت لا تزال تجلس خلف الطاولة، وكانت تنظر إليهما بفضول واضح.
أما تقنية الإخفاء، فمبدأها بسيط: تعلم كيف تحبس هذه الطاقة داخل جسدك. لا تمنعها من الخروج كلياً، فهذا سيقتلك. فقط قلل كمية الخارجة إلى أدنى حد ممكن. تخيل أن جسدك إناء مثقوب، والطاقة هي الماء بداخله. التقنية تعلمك كيف تسد هذه الثقوب مؤقتاً.
“ما اسمك؟”
النتيجة: هالتك تصبح أضعف بكثير مما هي عليه في الحقيقة. الآخرون يشعرون أنك مجرد شخص عادي، أو في مستوى أقل بكثير من مستواك الحقيقي.
صمتت أيملي للحظة. عيناها السوداوان حفرتا في وجه نورد كأنها تبحث عن شيء خلف عينيه.
مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.
لكن هناك حدود. هذه التقنية لا تنجح مع محاربين المستوى الثالث. عندهم حدس قوي جداً، يكاد يكون خارقاً للطبيعة. قد لا يرون هالتك، لكنهم سيحسون أن هناك شيئاً غير طبيعي فيك. مثل شعورك بأن هناك من يراقبك وأنت وحيد في غرفة مظلمة.”
شعر نورد بحرارة تخجل وجهه. احمرت وجنتاه قليلاً، وعيناه هبطتا إلى الأرض لثانية قبل أن تعودا لمواجهتها.
قلق نورد قليلاً. المستوى الثالث. مثل سارجيس. مثل أفاران. إذا قابل أحدهما، فقد يكتشف أمره.
تنفس نورد بعمق. “أريد أن أتعلم تقنية إخفاء الهالة والطاقة.”
لكن هذه المرة، كان صادقاً.
لكن أيملي، وكأنها تقرأ أفكاره، تابعت: “لا تقلق. إذا لم يركز محارب أو ساحر أو ذهني من المستوى الثالث تركيزاً تاماً عليك، فلن ينتبه لمستوى تدريبك الحقيقي. هالتك ستكون مخفية بما يكفي لتبدو عادياً. لكن احذر من الأساتذة الكبار. عندهم خبرة تكفي ليشموا الكذب من على بعد كيلومترات.”
“ما هو؟”
“الأساتذة الكبار؟” سأل نورد.
“هل تريد خدمات خاصة؟”
“لقب لأصحاب المستوى الرابع. هم حقاً أساتذة كبار. يحكمون مقاطعة كاملة، أو يصبحون جنرالات في الجيش الملكي. قلة قليلة جداً في المملكة كلها.”
رفعت أيملي حاجبها. نظرت إلى السكرتيرة، ثم إلى نورد، ثم أشارت بيدها. “تعال.”
ضحك نورد. “لا أعتقد أنني سأقابل واحداً منهم قريباً. هم لا ينبتون في أطراف جورجان مثلاً.”
كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.
“ولا تقلق. أقبل التقسيط. فائدة عشرة بالمئة لمدة شهرين.” عادت ابتسامتها. “لكن لا تحاول الهروب في النهاية. أنا مغتالة، كما تعلم.”
ضحكت أيملي أيضاً. “أنت محق. الأساتذة الكبار لا يأتون إلى أماكن مثل أفير إلا إذا احترقت المملكة. ومملكتنا لا تحترق كثيراً.”
بدأ نورد يشعر بالقلق. هل رفضت مقابلته؟ هل ضحكت السكرتيرة عليه وأخبرتها أنه مجرد صبي صغير يضيع وقته؟
تراجع نورد خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صفعته على وجهه. “لا! لا طبعاً. لن أقتل أحداً. أنا فقط… أحتاجها للتدريب وزيادة قدراتي. هذا كل شيء.”
“إذاً لنبدأ التدريب؟”
نورد كانت عيناه تتجولان في القاعة. كانت الجدران مغطاة بإعلانات المهام المطلوبة: “صيد وحوش في الغابة الجنوبية – أجر 5 قطع فضية”، “مرافقة قافلة تجارية إلى مدينة جورجان – أجر 12 قطعة فضية”، “بحث عن نبتة نادرة في الغابة الداخلية – أجر قطعتان ذهبيتان”. كان يتأمل الإعلانات، ويحسب في رأسه أجر كل مهمة مقارنة بالمخاطرة.
صفقة جيدة.
“لنبدأ.”
بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.
بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.
“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”
كانت تمارين صعبة، تحتاج إلى تركيز هائل. أولاً، كان عليه أن يشعر بهالته. أغلق عينيه، وركز على جسده من الداخل. كان صعباً في البداية. لم يشعر بشيء سوى نبض قلبه وتنفس رئتيه.
“هل تريد خدمات خاصة؟”
توجيه: ركز على المسامات. تخيل الطاقة تخرج منها كبخار الماء من قدر يغلي.
حاول نورد. تخيل. لم يحدث شيء.
“لكن،” تابعت أيملي، “كخصم لك لأنك لطيف… سأحسبها فقط خمس عشرة قطعة ذهبية.”
نظر نورد إليها بعينين جادتين. “سيدتي، لا حاجة لكل هذا. حقاً. أنا أملك المال. جمعته منذ فترة خصيصاً لأتعلم هذه التقنية.”
حاول مجدداً. المسامات في اليدين أسهل للشعور بها.
صمتت أيملي للحظة. عيناها السوداوان حفرتا في وجه نورد كأنها تبحث عن شيء خلف عينيه.
“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”
أغمض عينيه مجدداً. ركز على يديه. تخيل آلاف الثقوب الصغيرة على سطح جلده. تخيل طاقة بيضاء تخرج منها كالضباب.
لكن هذه المرة، كان صادقاً.
شعر نورد بحرارة تخجل وجهه. احمرت وجنتاه قليلاً، وعيناه هبطتا إلى الأرض لثانية قبل أن تعودا لمواجهتها.
بدأ يشعر بشيء. كان خفيفاً جداً، بالكاد ملحوظاً. لكنه كان هناك.
“أحسست بشيء،” قال نورد.
“جيد،” قالت أيملي. “هذه هي الهالة. الآن، حاول أن تحبسها. تخيل أنك تغلق هذه الثقوب واحداً تلو الآخر. ليس بقوة، بل بإرادة. كما تغلق عينيك عندما تريد ألا ترى شيئاً.”
أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.
مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.
حاول نورد. كان الأمر أصعب بكثير من مجرد الشعور. كلما أغلق ثقباً، كان آخر يفتح. كلما ركز على يديه، كانت قدماه تنسيان. كلما نجح في جزء من جسده، كان جزء آخر يفشل.
“ربما.”
صفقة جيدة.
بعد ساعة، كان متعباً ذهنياً أكثر مما كان متعباً جسدياً في أي معركة خاضها.
“ربما.”
تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.
“لا بأس،” قالت أيملي، وكأنها قرأت تقييم الشريحة. “أنت تتحسن بسرعة. معظم الناس يحتاجون إلى أسبوعين ليصلوا إلى ما وصلت إليه في ساعة. ربما لأنك ذهني مبتدئ، وهذا يساعدك.”
“شكراً لك يا سيدة أيملي.”
نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.
نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.
“لا تشكرني. أنت دفعت ثمناً باهظاً.” وقفت أيملي، ونفضت التراب عن سروالها. “تعال غداً في نفس الوقت. وسأعلمك المرحلة التالية. واليوم بعد غد، والتي تليه. حتى تتقن الأساسيات.”
أما تقنية الإخفاء، فمبدأها بسيط: تعلم كيف تحبس هذه الطاقة داخل جسدك. لا تمنعها من الخروج كلياً، فهذا سيقتلك. فقط قلل كمية الخارجة إلى أدنى حد ممكن. تخيل أن جسدك إناء مثقوب، والطاقة هي الماء بداخله. التقنية تعلمك كيف تسد هذه الثقوب مؤقتاً.
وقف نورد أيضاً. كان يشعر بالتعب، لكنه كان يشعر بالأمل أيضاً.
بعد ساعة، كان متعباً ذهنياً أكثر مما كان متعباً جسدياً في أي معركة خاضها.
“كاذب،” قالت أيملي ببرود. لكن ابتسامة صغيرة كانت لا تزال على وجهها. “هل تريد اغتيال أحد؟”
“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”
“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”
“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.
نظرت إليه أيملي بعينيها السوداوين العميقتين. للحظة، رأى نورد شيئاً فيها لم يكن قد رآه من قبل. ليس بخل، ولا حب مال، ولا قسوة. كان شيئاً آخر. ربما طيبة.
بعد ساعة، كان متعباً ذهنياً أكثر مما كان متعباً جسدياً في أي معركة خاضها.
نظرت إليه أيملي بعينيها السوداوين العميقتين. للحظة، رأى نورد شيئاً فيها لم يكن قد رآه من قبل. ليس بخل، ولا حب مال، ولا قسوة. كان شيئاً آخر. ربما طيبة.
“لأن عينيك صادقتين،” قالت ببساطة. “نادراً ما أرى عيوناً صادقة في عمري. ورأيت الكثير من العيون.”
نورد دفع الباب الخشبي الثقيل، ودخل. القاعة الرئيسية كانت شبه فارغة في هذا الوقت من الصباح. طاولة خشبية كبيرة في الوسط، وخلفها سكرتيرة شابة تكتب في دفتر ضخم. إلى اليمين، درج حلزوني حديدي يصعد إلى الطابق العلوي. إلى اليسار، باب مغلق عليه لافتة صغيرة: “خاص. ممنوع الدخول”.
“حسناً. لا أحد يسمعنا الآن. ماذا تريد؟”
ثم التفت، ومشت نحو الباب، وتركت نورد واقفاً في الحديقة المهملة.
“غداً،” قالت دون أن تلتفت. “لا تتأخر.”
ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.
ضحكت أيملي أيضاً. “أنت محق. الأساتذة الكبار لا يأتون إلى أماكن مثل أفير إلا إذا احترقت المملكة. ومملكتنا لا تحترق كثيراً.”
دخلت المبنى، وأغلقت الباب خلفها.
بقي نورد واقفاً، ينظر إلى الباب المغلق. كان يشعر بالارتياح. كان قد وجد ما يبحث عنه. تقنية ستخفي قوته الحقيقية عن العالم. تقنية ستحمي سره. تقنية ستسمح له بالتحرك في الظل دون أن يراه أحد.
لكنه كان مستعداً.
وكل ذلك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية.
تنفس نورد بعمق. “أريد أن أتعلم تقنية إخفاء الهالة والطاقة.”
صفقة جيدة.
وقفت أيملي في وسط الحديقة، وذراعاها متقاطعتان على صدرها.
خرج من الحديقة الخلفية، والتفت إلى الشارع الرئيسي، وسار عائداً إلى المنزل. كان يشعر بثقل جديد على كتفيه، ليس ثقل المال أو الأعشاب، بل ثقل المعرفة. كان يعرف الآن أكثر مما كان يعرف قبل يوم. وكان يعرف أنه كلما زادت معرفته، زادت مسؤوليته.
“الأساتذة الكبار؟” سأل نورد.
لكنه كان مستعداً.
بدأ يشعر بشيء. كان خفيفاً جداً، بالكاد ملحوظاً. لكنه كان هناك.
كان مستعداً لأي شيء.
“ما هو؟”
نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.
كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.
عندما وصلت الدقيقة الخامسة عشرة، سمع وقع أقدام. لم يكن صوت أحذية ثقيلة كالجنود، بل صوتاً خفيفاً كخطوات قطة على أرضية رخامية.
