ظل في وضح النهار
كان صباحاً بارداً عندما وقف نورد أمام مبنى نقابة المغامرين في أفير. لم يكن المبنى كبيراً، مجرد بناء حجري من طابقين، واجهته متواضعة ومدخله خشبياً بالياً. لكنه كان المكان الذي يسجل فيه المغامرون أسماءهم، ويستلمون المهام، ويصرفون جوائزهم. وكانت تُديره امرأة لا يُستهان بها.
نورد دفع الباب الخشبي الثقيل، ودخل. القاعة الرئيسية كانت شبه فارغة في هذا الوقت من الصباح. طاولة خشبية كبيرة في الوسط، وخلفها سكرتيرة شابة تكتب في دفتر ضخم. إلى اليمين، درج حلزوني حديدي يصعد إلى الطابق العلوي. إلى اليسار، باب مغلق عليه لافتة صغيرة: “خاص. ممنوع الدخول”.
“أحسست بشيء،” قال نورد.
“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”
“لأن عينيك صادقتين،” قالت ببساطة. “نادراً ما أرى عيوناً صادقة في عمري. ورأيت الكثير من العيون.”
رفعت السكرتيرة رأسها، ونظرت إليه من فوق نظارتها. كانت في العشرين من عمرها، شعرها بني مربوط في كعكة، وعيناها زرقاوان باردتان.
“لكن،” تابعت أيملي، “كخصم لك لأنك لطيف… سأحسبها فقط خمس عشرة قطعة ذهبية.”
“هل لديك موعد؟”
“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.
“لا. لكن الأمر مهم.”
صمتت أيملي للحظة. عيناها السوداوان حفرتا في وجه نورد كأنها تبحث عن شيء خلف عينيه.
“ما اسمك؟”
أخرج نورد من كيس جيبه كيساً صغيراً من القماش. فتحه، وأخرج منه ست عشرة قطعة ذهبية. عدها أمام أيملي. أعاد واحدة إلى جيبه، ودفع الخمس عشرة الباقية إليها في الكيس.
“لنبدأ.”
“نورد كاسيان.”
“لكن،” تابعت أيملي، “كخصم لك لأنك لطيف… سأحسبها فقط خمس عشرة قطعة ذهبية.”
توقفت السكرتيرة عن الكتابة، ونظرت إليه بانتباه أكبر. “ابن فيرس؟ المقاتل المراهق الذي تحدث عنه الجميع؟”
“لا، سيدة أيملي. أريد أن أتعلم شيئاً منك.”
حاول نورد. تخيل. لم يحدث شيء.
“ربما.”
ضحكت أيملي أيضاً. “أنت محق. الأساتذة الكبار لا يأتون إلى أماكن مثل أفير إلا إذا احترقت المملكة. ومملكتنا لا تحترق كثيراً.”
“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.
ضحكت السكرتيرة ضحكة خفيفة. “انتظر لحظة. سأخبرها.”
“ربما.”
نهضت من كرسيها وصعدت الدرج الحلزوني. اختفت خلف باب في الطابق العلوي، وتركته واقفاً ينتظر.
توقفت السكرتيرة عن الكتابة، ونظرت إليه بانتباه أكبر. “ابن فيرس؟ المقاتل المراهق الذي تحدث عنه الجميع؟”
مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.
نورد كانت عيناه تتجولان في القاعة. كانت الجدران مغطاة بإعلانات المهام المطلوبة: “صيد وحوش في الغابة الجنوبية – أجر 5 قطع فضية”، “مرافقة قافلة تجارية إلى مدينة جورجان – أجر 12 قطعة فضية”، “بحث عن نبتة نادرة في الغابة الداخلية – أجر قطعتان ذهبيتان”. كان يتأمل الإعلانات، ويحسب في رأسه أجر كل مهمة مقارنة بالمخاطرة.
تنفس نورد بعمق. “أريد أن أتعلم تقنية إخفاء الهالة والطاقة.”
مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.
خرج من الحديقة الخلفية، والتفت إلى الشارع الرئيسي، وسار عائداً إلى المنزل. كان يشعر بثقل جديد على كتفيه، ليس ثقل المال أو الأعشاب، بل ثقل المعرفة. كان يعرف الآن أكثر مما كان يعرف قبل يوم. وكان يعرف أنه كلما زادت معرفته، زادت مسؤوليته.
بدأ نورد يشعر بالقلق. هل رفضت مقابلته؟ هل ضحكت السكرتيرة عليه وأخبرتها أنه مجرد صبي صغير يضيع وقته؟
صفقة جيدة.
عندما وصلت الدقيقة الخامسة عشرة، سمع وقع أقدام. لم يكن صوت أحذية ثقيلة كالجنود، بل صوتاً خفيفاً كخطوات قطة على أرضية رخامية.
نزلت من الدرج امرأة.
“كاذب،” قالت أيملي ببرود. لكن ابتسامة صغيرة كانت لا تزال على وجهها. “هل تريد اغتيال أحد؟”
ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”
كانت في بداية الثلاثينات، شعرها أسود قصير مصفف بشكل حاد يلامس فكيها. عيناها كانتا سوداوين أيضاً، عميقتين، مستدقتين في الأطراف كأنها رسمت بقلم حاد. وجهها كان جميلاً بطريقة غير تقليدية، لا ناعمة ولا قاسية، فقط حادة وواضحة المعالم. كانت ترتدي سروالاً جلدياً أسود وسترة سوداء أيضاً، وخنجراً صغيراً معلقاً على حزامها. لم تكن ترتدي أي مجوهرات، ولا أي ألوان. كانت كظل تحول إلى جسد.
أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.
كانت في بداية الثلاثينات، شعرها أسود قصير مصفف بشكل حاد يلامس فكيها. عيناها كانتا سوداوين أيضاً، عميقتين، مستدقتين في الأطراف كأنها رسمت بقلم حاد. وجهها كان جميلاً بطريقة غير تقليدية، لا ناعمة ولا قاسية، فقط حادة وواضحة المعالم. كانت ترتدي سروالاً جلدياً أسود وسترة سوداء أيضاً، وخنجراً صغيراً معلقاً على حزامها. لم تكن ترتدي أي مجوهرات، ولا أي ألوان. كانت كظل تحول إلى جسد.
هذه كانت أيملي. نائبة مدير نقابة المغامرين في أفير. مستوى نجمتين منخفض في القتال، ونجمة واحدة متوسطة في الذهن. واحدة من أقوى خمسة مقاتلين في البلدة. وكانت تعمل أحياناً… مغتالة.
مشيا معاً عبر القاعة، وفتحت أيملي الباب الخلفي الذي يؤدي إلى حديقة صغيرة خلف المبنى. كانت الحديقة مهملة بعض الشيء، أعشابها طويلة، وشجرتها الوحيدة كانت مائلة كأنها على وشك السقوط. لكنها كانت فارغة. لا أحد هناك. لا نوافذ تطل عليها من المباني المجاورة.
ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.
“لا بأس،” قالت أيملي، وكأنها قرأت تقييم الشريحة. “أنت تتحسن بسرعة. معظم الناس يحتاجون إلى أسبوعين ليصلوا إلى ما وصلت إليه في ساعة. ربما لأنك ذهني مبتدئ، وهذا يساعدك.”
أغمض عينيه مجدداً. ركز على يديه. تخيل آلاف الثقوب الصغيرة على سطح جلده. تخيل طاقة بيضاء تخرج منها كالضباب.
نزلت الدرج ببطء، وعيناها مثبتتان على نورد. وقفت أمامه، ووضعت يديها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.
نزلت من الدرج امرأة.
بدأ نورد يشعر بالقلق. هل رفضت مقابلته؟ هل ضحكت السكرتيرة عليه وأخبرتها أنه مجرد صبي صغير يضيع وقته؟
“نورد كاسيان،” قالت بصوت ناعم، كالقطيفة على جدار حجري. “همم. ماذا أتى بشاب لطيف وموهوب مثلك للقائي؟”
“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”
حاول مجدداً. المسامات في اليدين أسهل للشعور بها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأحد حاجبيها ارتفع قليلاً. ثم غمزت له.
“هل تريد خدمات خاصة؟”
شعر نورد بحرارة تخجل وجهه. احمرت وجنتاه قليلاً، وعيناه هبطتا إلى الأرض لثانية قبل أن تعودا لمواجهتها.
“لا، سيدة أيملي. أريد أن أتعلم شيئاً منك.”
أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.
تظاهرت أيملي بالحزن. رسمت على وجهها تعبيراً مصطنعاً، ووضعت يدها على صدرها كأنها تألمت.
“أوه. حسناً. اعتقدت أنه شيء آخر.”
نزلت الدرج ببطء، وعيناها مثبتتان على نورد. وقفت أمامه، ووضعت يديها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.
تظاهرت أيملي بالحزن. رسمت على وجهها تعبيراً مصطنعاً، ووضعت يدها على صدرها كأنها تألمت.
ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”
نظر نورد حوله. السكرتيرة كانت لا تزال تجلس خلف الطاولة، وكانت تنظر إليهما بفضول واضح.
تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.
“هل يمكننا التحدث في مكان خاص؟” سأل نورد بصوت منخفض.
وكل ذلك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية.
وكل ذلك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية.
رفعت أيملي حاجبها. نظرت إلى السكرتيرة، ثم إلى نورد، ثم أشارت بيدها. “تعال.”
النتيجة: هالتك تصبح أضعف بكثير مما هي عليه في الحقيقة. الآخرون يشعرون أنك مجرد شخص عادي، أو في مستوى أقل بكثير من مستواك الحقيقي.
مشيا معاً عبر القاعة، وفتحت أيملي الباب الخلفي الذي يؤدي إلى حديقة صغيرة خلف المبنى. كانت الحديقة مهملة بعض الشيء، أعشابها طويلة، وشجرتها الوحيدة كانت مائلة كأنها على وشك السقوط. لكنها كانت فارغة. لا أحد هناك. لا نوافذ تطل عليها من المباني المجاورة.
“هل تريد خدمات خاصة؟”
وقفت أيملي في وسط الحديقة، وذراعاها متقاطعتان على صدرها.
نظر نورد إليها بعينين جادتين. “سيدتي، لا حاجة لكل هذا. حقاً. أنا أملك المال. جمعته منذ فترة خصيصاً لأتعلم هذه التقنية.”
“حسناً. لا أحد يسمعنا الآن. ماذا تريد؟”
“غداً،” قالت دون أن تلتفت. “لا تتأخر.”
تنفس نورد بعمق. “أريد أن أتعلم تقنية إخفاء الهالة والطاقة.”
صمتت أيملي للحظة. عيناها السوداوان حفرتا في وجه نورد كأنها تبحث عن شيء خلف عينيه.
“لنبدأ.”
“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”
“لماذا؟”
“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.
“لأحسن مهاراتي كمقاتل. أريد أن أتدرب دون أن يشعر الآخرون بمستواي الحقيقي.”
“لأحسن مهاراتي كمقاتل. أريد أن أتدرب دون أن يشعر الآخرون بمستواي الحقيقي.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأحد حاجبيها ارتفع قليلاً. ثم غمزت له.
“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”
“كاذب،” قالت أيملي ببرود. لكن ابتسامة صغيرة كانت لا تزال على وجهها. “هل تريد اغتيال أحد؟”
“ولا تقلق. أقبل التقسيط. فائدة عشرة بالمئة لمدة شهرين.” عادت ابتسامتها. “لكن لا تحاول الهروب في النهاية. أنا مغتالة، كما تعلم.”
تراجع نورد خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صفعته على وجهه. “لا! لا طبعاً. لن أقتل أحداً. أنا فقط… أحتاجها للتدريب وزيادة قدراتي. هذا كل شيء.”
نظرت إليه أيملي طويلاً. كانت تقرأ وجهه، لغة جسده، نبرة صوته. كانت خبيرة في كشف الكذب، وكان نورد يعرف ذلك.
تراجع نورد خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صفعته على وجهه. “لا! لا طبعاً. لن أقتل أحداً. أنا فقط… أحتاجها للتدريب وزيادة قدراتي. هذا كل شيء.”
لكن هذه المرة، كان صادقاً.
“شكراً لك يا سيدة أيملي.”
“حسناً،” قالت أيملي أخيراً. “سأعلمك. بشرط واحد.”
“ما هو؟”
نهضت من كرسيها وصعدت الدرج الحلزوني. اختفت خلف باب في الطابق العلوي، وتركته واقفاً ينتظر.
“عشرون قطعة ذهبية.”
اتسعت عينا نورد. “هذا غالٍ جداً!”
“لا بأس،” قالت أيملي، وكأنها قرأت تقييم الشريحة. “أنت تتحسن بسرعة. معظم الناس يحتاجون إلى أسبوعين ليصلوا إلى ما وصلت إليه في ساعة. ربما لأنك ذهني مبتدئ، وهذا يساعدك.”
“هذا سعري أيها الشاب اللطيف.” ابتسمت ابتسامة عريضة، وأشارت إلى المبنى خلفها. “النقابة لا تقدم هذه الخدمة مجاناً. والسيدات الجميلات مثلي لا يعملن بالمجان أيضاً.”
صفقة جيدة.
ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”
نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.
“لكن،” تابعت أيملي، “كخصم لك لأنك لطيف… سأحسبها فقط خمس عشرة قطعة ذهبية.”
نظرت إليه أيملي طويلاً. كانت تقرأ وجهه، لغة جسده، نبرة صوته. كانت خبيرة في كشف الكذب، وكان نورد يعرف ذلك.
ارتاح نورد قليلاً.
“ولا تقلق. أقبل التقسيط. فائدة عشرة بالمئة لمدة شهرين.” عادت ابتسامتها. “لكن لا تحاول الهروب في النهاية. أنا مغتالة، كما تعلم.”
شعر نورد بحرارة تخجل وجهه. احمرت وجنتاه قليلاً، وعيناه هبطتا إلى الأرض لثانية قبل أن تعودا لمواجهتها.
نظر نورد إليها بعينين جادتين. “سيدتي، لا حاجة لكل هذا. حقاً. أنا أملك المال. جمعته منذ فترة خصيصاً لأتعلم هذه التقنية.”
تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.
وقف نورد أيضاً. كان يشعر بالتعب، لكنه كان يشعر بالأمل أيضاً.
رفعت أيملي حاجبها. يبدو أن هذه المعلومة فاجأتها. شاب في السادسة عشرة، من عائلة متواضعة، لديه خمس عشرة قطعة ذهبية مدخرة؟ هذا لم يكن أمراً عادياً.
“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.
أخرج نورد من كيس جيبه كيساً صغيراً من القماش. فتحه، وأخرج منه ست عشرة قطعة ذهبية. عدها أمام أيملي. أعاد واحدة إلى جيبه، ودفع الخمس عشرة الباقية إليها في الكيس.
نزلت الدرج ببطء، وعيناها مثبتتان على نورد. وقفت أمامه، ووضعت يديها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.
بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.
أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.
“لأحسن مهاراتي كمقاتل. أريد أن أتدرب دون أن يشعر الآخرون بمستواي الحقيقي.”
ثم التفت، ومشت نحو الباب، وتركت نورد واقفاً في الحديقة المهملة.
“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”
هذه كانت أيملي. نائبة مدير نقابة المغامرين في أفير. مستوى نجمتين منخفض في القتال، ونجمة واحدة متوسطة في الذهن. واحدة من أقوى خمسة مقاتلين في البلدة. وكانت تعمل أحياناً… مغتالة.
جلست أيملي على حجر مائل في الحديقة، وأشارت إلى نورد أن يجلس أمامها على الأرض. جلس، وعيناه مثبتتان عليها.
كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.
“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.
“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.
اتسعت عينا نورد. “هذا غالٍ جداً!”
أما تقنية الإخفاء، فمبدأها بسيط: تعلم كيف تحبس هذه الطاقة داخل جسدك. لا تمنعها من الخروج كلياً، فهذا سيقتلك. فقط قلل كمية الخارجة إلى أدنى حد ممكن. تخيل أن جسدك إناء مثقوب، والطاقة هي الماء بداخله. التقنية تعلمك كيف تسد هذه الثقوب مؤقتاً.
“لا تشكرني. أنت دفعت ثمناً باهظاً.” وقفت أيملي، ونفضت التراب عن سروالها. “تعال غداً في نفس الوقت. وسأعلمك المرحلة التالية. واليوم بعد غد، والتي تليه. حتى تتقن الأساسيات.”
“الأساتذة الكبار؟” سأل نورد.
النتيجة: هالتك تصبح أضعف بكثير مما هي عليه في الحقيقة. الآخرون يشعرون أنك مجرد شخص عادي، أو في مستوى أقل بكثير من مستواك الحقيقي.
بدأ يشعر بشيء. كان خفيفاً جداً، بالكاد ملحوظاً. لكنه كان هناك.
لكن هناك حدود. هذه التقنية لا تنجح مع محاربين المستوى الثالث. عندهم حدس قوي جداً، يكاد يكون خارقاً للطبيعة. قد لا يرون هالتك، لكنهم سيحسون أن هناك شيئاً غير طبيعي فيك. مثل شعورك بأن هناك من يراقبك وأنت وحيد في غرفة مظلمة.”
قلق نورد قليلاً. المستوى الثالث. مثل سارجيس. مثل أفاران. إذا قابل أحدهما، فقد يكتشف أمره.
تظاهرت أيملي بالحزن. رسمت على وجهها تعبيراً مصطنعاً، ووضعت يدها على صدرها كأنها تألمت.
“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”
لكن أيملي، وكأنها تقرأ أفكاره، تابعت: “لا تقلق. إذا لم يركز محارب أو ساحر أو ذهني من المستوى الثالث تركيزاً تاماً عليك، فلن ينتبه لمستوى تدريبك الحقيقي. هالتك ستكون مخفية بما يكفي لتبدو عادياً. لكن احذر من الأساتذة الكبار. عندهم خبرة تكفي ليشموا الكذب من على بعد كيلومترات.”
أخرج نورد من كيس جيبه كيساً صغيراً من القماش. فتحه، وأخرج منه ست عشرة قطعة ذهبية. عدها أمام أيملي. أعاد واحدة إلى جيبه، ودفع الخمس عشرة الباقية إليها في الكيس.
“الأساتذة الكبار؟” سأل نورد.
بقي نورد واقفاً، ينظر إلى الباب المغلق. كان يشعر بالارتياح. كان قد وجد ما يبحث عنه. تقنية ستخفي قوته الحقيقية عن العالم. تقنية ستحمي سره. تقنية ستسمح له بالتحرك في الظل دون أن يراه أحد.
“لقب لأصحاب المستوى الرابع. هم حقاً أساتذة كبار. يحكمون مقاطعة كاملة، أو يصبحون جنرالات في الجيش الملكي. قلة قليلة جداً في المملكة كلها.”
رفعت أيملي حاجبها. نظرت إلى السكرتيرة، ثم إلى نورد، ثم أشارت بيدها. “تعال.”
ضحك نورد. “لا أعتقد أنني سأقابل واحداً منهم قريباً. هم لا ينبتون في أطراف جورجان مثلاً.”
“ما اسمك؟”
ضحكت أيملي أيضاً. “أنت محق. الأساتذة الكبار لا يأتون إلى أماكن مثل أفير إلا إذا احترقت المملكة. ومملكتنا لا تحترق كثيراً.”
دخلت المبنى، وأغلقت الباب خلفها.
“إذاً لنبدأ التدريب؟”
بدأ نورد يشعر بالقلق. هل رفضت مقابلته؟ هل ضحكت السكرتيرة عليه وأخبرتها أنه مجرد صبي صغير يضيع وقته؟
تظاهرت أيملي بالحزن. رسمت على وجهها تعبيراً مصطنعاً، ووضعت يدها على صدرها كأنها تألمت.
“لنبدأ.”
حاول مجدداً. المسامات في اليدين أسهل للشعور بها.
بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.
بقي نورد واقفاً، ينظر إلى الباب المغلق. كان يشعر بالارتياح. كان قد وجد ما يبحث عنه. تقنية ستخفي قوته الحقيقية عن العالم. تقنية ستحمي سره. تقنية ستسمح له بالتحرك في الظل دون أن يراه أحد.
“لماذا؟”
كانت تمارين صعبة، تحتاج إلى تركيز هائل. أولاً، كان عليه أن يشعر بهالته. أغلق عينيه، وركز على جسده من الداخل. كان صعباً في البداية. لم يشعر بشيء سوى نبض قلبه وتنفس رئتيه.
“هل لديك موعد؟”
توجيه: ركز على المسامات. تخيل الطاقة تخرج منها كبخار الماء من قدر يغلي.
“حسناً. لا أحد يسمعنا الآن. ماذا تريد؟”
حاول نورد. تخيل. لم يحدث شيء.
“غداً،” قالت دون أن تلتفت. “لا تتأخر.”
حاول مجدداً. المسامات في اليدين أسهل للشعور بها.
أغمض عينيه مجدداً. ركز على يديه. تخيل آلاف الثقوب الصغيرة على سطح جلده. تخيل طاقة بيضاء تخرج منها كالضباب.
“ربما.”
بدأ يشعر بشيء. كان خفيفاً جداً، بالكاد ملحوظاً. لكنه كان هناك.
كان مستعداً لأي شيء.
“أحسست بشيء،” قال نورد.
“أوه. حسناً. اعتقدت أنه شيء آخر.”
“جيد،” قالت أيملي. “هذه هي الهالة. الآن، حاول أن تحبسها. تخيل أنك تغلق هذه الثقوب واحداً تلو الآخر. ليس بقوة، بل بإرادة. كما تغلق عينيك عندما تريد ألا ترى شيئاً.”
حاول نورد. تخيل. لم يحدث شيء.
النتيجة: هالتك تصبح أضعف بكثير مما هي عليه في الحقيقة. الآخرون يشعرون أنك مجرد شخص عادي، أو في مستوى أقل بكثير من مستواك الحقيقي.
حاول نورد. كان الأمر أصعب بكثير من مجرد الشعور. كلما أغلق ثقباً، كان آخر يفتح. كلما ركز على يديه، كانت قدماه تنسيان. كلما نجح في جزء من جسده، كان جزء آخر يفشل.
لكن أيملي، وكأنها تقرأ أفكاره، تابعت: “لا تقلق. إذا لم يركز محارب أو ساحر أو ذهني من المستوى الثالث تركيزاً تاماً عليك، فلن ينتبه لمستوى تدريبك الحقيقي. هالتك ستكون مخفية بما يكفي لتبدو عادياً. لكن احذر من الأساتذة الكبار. عندهم خبرة تكفي ليشموا الكذب من على بعد كيلومترات.”
شعر نورد بحرارة تخجل وجهه. احمرت وجنتاه قليلاً، وعيناه هبطتا إلى الأرض لثانية قبل أن تعودا لمواجهتها.
بعد ساعة، كان متعباً ذهنياً أكثر مما كان متعباً جسدياً في أي معركة خاضها.
وقف نورد أيضاً. كان يشعر بالتعب، لكنه كان يشعر بالأمل أيضاً.
تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.
“حسناً. لا أحد يسمعنا الآن. ماذا تريد؟”
نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.
“لا بأس،” قالت أيملي، وكأنها قرأت تقييم الشريحة. “أنت تتحسن بسرعة. معظم الناس يحتاجون إلى أسبوعين ليصلوا إلى ما وصلت إليه في ساعة. ربما لأنك ذهني مبتدئ، وهذا يساعدك.”
توجيه: ركز على المسامات. تخيل الطاقة تخرج منها كبخار الماء من قدر يغلي.
“شكراً لك يا سيدة أيملي.”
“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.
“لا تشكرني. أنت دفعت ثمناً باهظاً.” وقفت أيملي، ونفضت التراب عن سروالها. “تعال غداً في نفس الوقت. وسأعلمك المرحلة التالية. واليوم بعد غد، والتي تليه. حتى تتقن الأساسيات.”
بقي نورد واقفاً، ينظر إلى الباب المغلق. كان يشعر بالارتياح. كان قد وجد ما يبحث عنه. تقنية ستخفي قوته الحقيقية عن العالم. تقنية ستحمي سره. تقنية ستسمح له بالتحرك في الظل دون أن يراه أحد.
وقف نورد أيضاً. كان يشعر بالتعب، لكنه كان يشعر بالأمل أيضاً.
نزلت الدرج ببطء، وعيناها مثبتتان على نورد. وقفت أمامه، ووضعت يديها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.
“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”
حاول نورد. كان الأمر أصعب بكثير من مجرد الشعور. كلما أغلق ثقباً، كان آخر يفتح. كلما ركز على يديه، كانت قدماه تنسيان. كلما نجح في جزء من جسده، كان جزء آخر يفشل.
نظرت إليه أيملي بعينيها السوداوين العميقتين. للحظة، رأى نورد شيئاً فيها لم يكن قد رآه من قبل. ليس بخل، ولا حب مال، ولا قسوة. كان شيئاً آخر. ربما طيبة.
“لأن عينيك صادقتين،” قالت ببساطة. “نادراً ما أرى عيوناً صادقة في عمري. ورأيت الكثير من العيون.”
ثم التفت، ومشت نحو الباب، وتركت نورد واقفاً في الحديقة المهملة.
بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.
“غداً،” قالت دون أن تلتفت. “لا تتأخر.”
نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.
دخلت المبنى، وأغلقت الباب خلفها.
“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.
بقي نورد واقفاً، ينظر إلى الباب المغلق. كان يشعر بالارتياح. كان قد وجد ما يبحث عنه. تقنية ستخفي قوته الحقيقية عن العالم. تقنية ستحمي سره. تقنية ستسمح له بالتحرك في الظل دون أن يراه أحد.
وكل ذلك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية.
أغمض عينيه مجدداً. ركز على يديه. تخيل آلاف الثقوب الصغيرة على سطح جلده. تخيل طاقة بيضاء تخرج منها كالضباب.
بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.
صفقة جيدة.
“إذاً لنبدأ التدريب؟”
خرج من الحديقة الخلفية، والتفت إلى الشارع الرئيسي، وسار عائداً إلى المنزل. كان يشعر بثقل جديد على كتفيه، ليس ثقل المال أو الأعشاب، بل ثقل المعرفة. كان يعرف الآن أكثر مما كان يعرف قبل يوم. وكان يعرف أنه كلما زادت معرفته، زادت مسؤوليته.
لكنه كان مستعداً.
نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.
كان مستعداً لأي شيء.
أخرج نورد من كيس جيبه كيساً صغيراً من القماش. فتحه، وأخرج منه ست عشرة قطعة ذهبية. عدها أمام أيملي. أعاد واحدة إلى جيبه، ودفع الخمس عشرة الباقية إليها في الكيس.
نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.
كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.
نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.
كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.
