على حافة العدم 2
الفصل 519: على حافة العدم 2
منظور: سيلفي ليوين
“إنه يغلق،” تمتمت.
قبل أن أخطو تلك الخطوة، أغلقتُ الحاجز بين عقلي وعقل آرثر. لم أستطع تفسير انجذاب النهر لي، وخشيت ما قد يفعله به إذا لا تزال أفكارنا متشابكة عند دخولي تياراته. إن مهاجمته فجأةً بكلمات غامضة وهو يقاتل هذا المخلوق قد يكون سبب هلاكه. وكما لم أستطع الحفاظ على تواصلنا وهو تحت تأثير مناورة الملك، ظننتُ أن انجذاب النهر قد يغمره.
رغم حصوني الذهنية، أحسست باضطرابه حين رآني واقفة حتى ركبتيّ في التيار المتدفق بسرعة. كان وعيي يُسحب بعيدًا عني، إلى التيار. لم يُؤخذ، ولم يُنتزع ليصبح شيئًا آخر، بل… امتد. كنتُ طفلة للزمن. لم تكن تجربتي خلاله خطّية، وكانت تلك البصيرة محفورة في أعماقي.
انتظرتُ أن تُفصّل في تلك الفكرة، لكنها اكتفت بالتحديق بي. تسللت إليّ صدمة قلق من ريجيس. ‘سيلفي…’
شدّت المياه الأثيرية ساقيّ، وانزلقت قدماي في الطمي، غير أن جسدي بقي راسخًا. أما ذهني فهو الذي شرد، لا في مجرى الزمن نحو الأمام فحسب، بل صعودًا فيه أيضًا.
قاومتُ رغبتي في اتباع تلك التيارات، بل استقيتُ من النهر كما استقي مني. عليّ أن أفهمه قبل أن أستفيد منه. لكن ليس هناك وقت!
“هي؟” أجاب ريجيس وهو ينظر حوله.
كدتُ أضحك من سخرية الموقف، ثم فجأةً، كان آرثر مستلقيًا على ظهره، ومهاجمه ينفث كلماتٍ قاسيةً في وجهه.”حياة، حياةٌ مكروهةٌ، حياةٌ مريعة. يجب أن أقضي عليك. أُفرغـ… ـكَ.” برز ذراعان نحيفتان من جذعه النحيل، يدان طويلتا الأصابع تمتدان إلى حلق آرثر.
سُحقًا للفهم، خضتُ الماء بأظافري. تفجّرت قوّتي من داخلي، وتوقف الزمن فجأة. لكن سحبُ النهر ظلّ يضغط عليّ، سدٌّ غير طبيعي يعترض جريانه. بالكاد أفلت آرثر من الطريق، ثم فجأة انتُزِع تحكّمي بالأثير مني.
“فقط… أحاول فكّ الأحجية،” قلت بتردد.
توقفتُ على بُعد ثلاثين قدمًا تقريبًا من حيث كانت المرأة واقفة. “هل هذا أنتِ؟”
رأيت نفسي، حياتي، اختياراتي. ميلادًا ثم ميلادًا من جديد، نصرًا وهزيمة، تلاحقني في كل حين أطياف أمي وأبي و…
ابتسمت بحزن وهزت رأسها. “لكن هل يمكن أن يكون كذلك؟ لا أستطيع—”
“لا،” أجابت سيلفي. صدى صوت ثانٍ خلفها، على وشك السماع—أو ربما في رأسي. “لم يحدث هذا. الآن، الأقزام والعنقاء وطيارو الأشكال الخارجية يعملون جميعًا لمنع حدوثه. أسورا من كل عرق يتمسكون بشدة بأطراف الجرح لمنعه من التمدد.”
وجدّي، لكنها مدعومة بالمصير نفسه بأخي بالعهد، وأبي، وصديقي، وحليفي، وسيدي وخادمي في آنٍ معًا. ومع امتداد جذور كياني والتوائها صعودًا وهبوطًا في مجرى النهر، أحسست بمدى ترابط جذور آرثر بجذوري، ترابطًا لا فكاك منه. كنّا حقًا متّحدين، بل أشبه بشريكين متكاملين؛ لا وجود لأحدنا من دون الآخر، مفارقة حية تتوازن على خيط ذهبي واحد.
“اشرحي،” قالت، وعيناها مغمضتان مرة أخرى، وشعرت بضغط ثقيل ينبعث منها.
إن فكرة وجوده بمثابة حبل يربطني بالحاضر.
شعرتُ بتوترٍ يخنقني وأنا أستمعُ إليها تتحدث، أو تفكر… مهما يكن. لقد فوجئتُ وانزعجتُ من كمية…
وقفت كلير وحيدةً أمام الطيف الأثيري. كان آرثر يستعد للهجوم. انتبه! فكرتُ. ثم، فجأةً كالمقصلة، انتهى الأمر.
أومأتُ برأسي. غرقت قدماي في الرمال ونحن نسير على طول الشاطئ، مروراً بالمكان الذي يتحدث فيه آرثر وبايرون. تبعتني عينا آرثر، وارتفع حاجباه قليلًا، وشعرتُ أنه يخفي شيئًا يريد قوله.
بدأ الآخرون في التحدث، ورغم أنني انضممت إليهم حيث وجدت أن أفكاري كانت مطلوبة، إلا أن معظم وعيي انتشر عبر النهر.
أحاطتني مياهه—ليست ماءً حقًا—حتى خصري. ورغم سرعته، بقي سطحه كزجاج أملس، لا يعكّره سوى تموّجات دقيقة أحدثها جسدي أثناء عبوره. وفي تلك التموّجات، لمحتُ استعارةً لوجودي وهو يعكّر نهر الزمن، لطريقتي في امتداده، وعبوره، والتوغّل فيه، وتغييري لنفسي لأغدو جزءًا منه.
ارتفعت خصلات شعر ريجيس، كما لو كان على وشك الانقضاض. ‘أنت لا تعرفيني.’
استمر النجم الجديد بالتمدد، ماسحًا العالم خلفه.
وفي انعكاس الماء الهادئ، رأيت ذاتي. كنت عميقة تحت السطح، أذرعي تتخبطان، والتيار يجرّني بعيدًا…
‘ماذا ترين؟’ جاء صوت آرثر في ذهني.
“سيدة إيراليث؟”
‘كيف يبدو النهر بالنسبة لك يا آرثر؟”
‘خطر. إنه أشبه بالفراغ منه بالفراغ نفسه.’
“سيلف. سيلفي!”
لأنه الزمن. إنه يسير في اتجاه واحد فقط. على الأقل بالنسبة لمعظم الناس. لكن بالنسبة لي…
كان هناك صمت طويل، فقدت خلاله تركيزي على ما يقوله الآخرون. عندما أجابني الصوت في أفكاري، حمل مسحة من الحسم.
آرثر…
“يمكنني رؤية كل شيء.”
جدار من الضوء البنفسجي حجب كل شيء آخر. كنا عائدين إلى المقابر الأثرية، واقفين في صف على الشاطئ، نحدق بعيدًا عن المحيط، إلى اللاشيء المُبهم. شحبتُ، حاولتُ النظر بعيدًا، لكن…
بدا لي، أنا وآرثر وريجيس وسيلفي، أننا نتشارك إرهاقًا وألمًا عميقًا بعد أن ربطت سيلفي أفكارنا ورسمت لنا تلك المستقبلات المحتملة. لم يتحدث أيٌّ منا، بل أخذنا قسطًا من الراحة بينما فاراي تشرح.
استقرت كلماتي بيننا كحاجزٍ مادي، بينما تضاءل إحساسي بذاتي الحاضرة، وركزت عيناي على الانعكاس الغارق المتخبط أمامي. إذا أجاب آرثر، لن أسمع.
‘يجب أن تكوني أكثر ثقة بنفسك،’ بدا صوت في رأسي جامدًا وأنثويًا.
دون قصد تقريبًا، مددت يدي، وأمسكت بيد انعكاسي، وسحبت نفسي خارج النهر. كان هذا الانعكاس جالسًا على سطح الماء، يسعل ويختنق.
من المعلومات التي لديها.
بعد لحظة، شدّت الحركة نظري نحو البحر، إذ انبثق شيء ما من الماء. تشكّل بين سيلفي وآرثر، الذي ألقى بنفسه سريعًا إلى الوراء بينما لمع شكل كلير الخارجي عبر الشاطئ، وهي تحمل سيفها بين يديها الضخمتين المخلبيتين. حدّق المخلوق الجديد، المشابه جدًا للأول، في سيلفي للحظة قبل أن يُوجّه نظره نحو الشكل الخارجي المُقترب.
“تنفّسي. هدِّئي قلبك. سيطري على نفسك.” عادت الكلمات إليّ كالصدى، كالذكرى، وقلتها بنفس البرود الذي غمرني به الماء. “هذه القوة ستبتلعك بالكامل إن سمحت لها بذلك. سيطري على نفسك.”
عادت حواسي إلى المانا. بصفتي ساحرة بيضاء، فأنا أكثر حساسية بكثير مما كنتُ عليه قبل احتجازي الطويل داخل جسدي، ولكن أقل بكثير مما كانت عليه سيسيليا. إن المانا في هذا المكان مُشكَّلة ومتحركة، كما لو أنها تُلقى باستمرار كتعويذة مُوجّهة. مع ذلك، لم أكن في أي مكان خالٍ من المانا الجوية، وكل المانا الجوية عنصرية بطبيعتها.
————
من المعلومات التي لديها.
منظور: تيسيا إيراليث
صفّيتُ حلقي واعتدلتُ في جلستي، وأنا أحاول جاهدةً أن أرتاح مع الدرع الذي يلفّني كقبضةٍ متقشرة. “نوعًا ما. لا أشعر بالتدفق بوضوحٍ مثلك، لكن يمكنني نوعًا ما… تخيّل ذلك.”
“سيلف. سيلفي!”
أطلق ريجيس زفرةً بشريةً للغاية. ‘اسمعي، أيًا كان، يا سيدة. لكن إن كنتِ ستقفين هنا وتخلعين ملابسنا ذهنيًا، فسيتعين عليكِ دفع ثمن هذا الامتياز.’
رفعتُ نظري من حيث جلسنا أنا وفاراي وريجيس وظهرنا إلى… المساحة الفارغة غير المكتملة التي جعلتني أشعر بالدوار عند النظر إليها.
‘بكل سهولة، فقط تنفسي…’ بدا صوت سيلفي في رأسي، واضحًا ونظيفًا مثل جرس فضي.
وقف آرثر على الشاطئ، يصرخ نحو سيلفي، الواقفة في النهر الغريب الأملس حتى بطنها.
“فقط… أحاول فكّ الأحجية،” قلت بتردد.
“لا تقلق، إنها… بخير،” قال ريجيس بينما بدأتُ بالوقوف، كلماته أوقفتني في مكاني.
غير متأكدة، راقبتُ آرثر، لكنه توقف عن الصراخ. بدا وكأنه يومئ برأسه، ثم تراجع خطوةً عن الشاطئ.
بدا لي، أنا وآرثر وريجيس وسيلفي، أننا نتشارك إرهاقًا وألمًا عميقًا بعد أن ربطت سيلفي أفكارنا ورسمت لنا تلك المستقبلات المحتملة. لم يتحدث أيٌّ منا، بل أخذنا قسطًا من الراحة بينما فاراي تشرح.
“إنها تُعاني من أمرٍ صعبٍ للغاية، على ما يبدو.” ارتسمت على وجهي علامات التعجب عند سماع كلمات ريجيس، ثم تابع حديثه. “إنها تُعيق تواصلنا، في الغالب، لكن الأمر مُتقطع. مُربكٌ حقًا. لكن لا يبدو أنها تتألم أو تُعاني من خطر، وقد طلبت من آرثر أن يُركز، لذا…” ارتسمت على كتفيه المُنتفختين ابتسامةٌ مُتقطعة. “على أي حال، من الأفضل أن نُركز على جانبنا من الأمور.”
وقفت كلير وحيدةً أمام الطيف الأثيري. كان آرثر يستعد للهجوم. انتبه! فكرتُ. ثم، فجأةً كالمقصلة، انتهى الأمر.
استمر النجم الجديد بالتمدد، ماسحًا العالم خلفه.
“هي؟” أجاب ريجيس وهو ينظر حوله.
“بالتأكيد،” قلتُ، وأنا أعود إلى الرمال السوداء وأنظر إلى فاراي. كانت عيناها مغمضتين، لكنهما تتحركان بسرعة تحت جفنيها، وملامحها الجامدة ثابتة في تجهمٍ جادٍّ من التركيز. “أنا آسفة يا فاراي. ما الذي كنتِ تقولينه؟”
الفصل 519: على حافة العدم 2
نظرتُ إلى وجه فاراي، عيناها الداكنتان واسعتان، وجهها أكثر شحوبًا من المعتاد. “ما الذي حدث بحق الجحيم؟”
فتحت عينٌ داكنةٌ لتنظر إليّ. “كنتُ أسألكِ إن كنت تشعرين بموضع التقاء المانا والأثير.”
“سيدة إيراليث؟”
صفّيتُ حلقي واعتدلتُ في جلستي، وأنا أحاول جاهدةً أن أرتاح مع الدرع الذي يلفّني كقبضةٍ متقشرة. “نوعًا ما. لا أشعر بالتدفق بوضوحٍ مثلك، لكن يمكنني نوعًا ما… تخيّل ذلك.”
“اشرحي،” قالت، وعيناها مغمضتان مرة أخرى، وشعرت بضغط ثقيل ينبعث منها.
هززت رأسي بخفة وأنا أبحث عن الكلمات، لكنها، بطبيعة الحال، لم تكن تراني. “كان لدى سيسيليا هذه المصيرة… كانت ترى الجزيئات الفردية للمانا، سواء تلك الموجودة في الجو أو تلك التي شُكِّلت داخل تعويذة. أما أنا فلا،” أضفت بسرعة حتى لا تأخذ عني انطباعًا خاطئًا، “لكن أحيانًا، حين أُغمض عيني وأُنصت للمانا جيدًا، أستطيع أن… أتخيّل أنني أراها.”
“لن أذهب بعيدًا،” أكدت له.
خط رفيع شقّ جبين فراي حين انعقد حاجباه. “مثل آرثر؟ مثير للاهتمام. لكن هذه كانت من سمات كونها الإرث، لا شيئًا اكتسبته من خلال الاندماج؟”
“صحيح.” عضضت شفتي مفكرة. “أتساءل… لكنك تملكين من الحس ما يكفي لاكتشاف النوع العنصري لجيوب صغيرة من المانا، أليس كذلك؟ إلى أي حدّ يمكنك أن تميّزي؟ هل تصلين إلى الجزيئات الفردية، مثلًا؟”
انفتح فم آرثر بـ”O” صغيرة من الدهشة، ثم أغلقه مجددًا، ووجهه كله يتجهم في التفكير. “ما يحاربه المصير هو هذا القيد غير الطبيعي. الأثير يريد أن يكون حرًا، يتحرك بشكل طبيعي، ويتمدد ويستقر.”
‘بكل سهولة، فقط تنفسي…’ بدا صوت سيلفي في رأسي، واضحًا ونظيفًا مثل جرس فضي.
لم تُجب فورًا. شعرتُ بالضغط المُنبعث من ازديادها، وعرفتُ أنها لا بد أنها تُمدّ يدها وتُوسّع حواسها وتُركّزها للإجابة على سؤالي. “كل المانا هنا مُنقّاة، مُخزّنة في التعويذة. لا يوجد مانا جوية أو عنصرية.”
وضعتُ يدي على كتف سيلفي. “لكننا رأينا الستار، المخرج. كان ذلك في مستقبلنا، لذا نعلم أنه بإمكاننا الخروج من هنا.”
عبست. لكن بالتأكيد هذا ليس…
غير متأكدة، راقبتُ آرثر، لكنه توقف عن الصراخ. بدا وكأنه يومئ برأسه، ثم تراجع خطوةً عن الشاطئ.
عادت حواسي إلى المانا. بصفتي ساحرة بيضاء، فأنا أكثر حساسية بكثير مما كنتُ عليه قبل احتجازي الطويل داخل جسدي، ولكن أقل بكثير مما كانت عليه سيسيليا. إن المانا في هذا المكان مُشكَّلة ومتحركة، كما لو أنها تُلقى باستمرار كتعويذة مُوجّهة. مع ذلك، لم أكن في أي مكان خالٍ من المانا الجوية، وكل المانا الجوية عنصرية بطبيعتها.
“كيف لم ألحظ ذلك من قبل؟” مع أنني تكلمت بصوت عالٍ، كنتُ أسأل نفسي السؤال. وقعت عيناي على ريجيس، الجالس بجانبنا مراقبًا الشاطئ بحذر. “هل من الطبيعي ألا تحتوي المقابر الأثرية على مانا عنصرية؟”
“ما الأمر؟” سأل بصوتٍ خافت. “ترين شيئًا، أليس كذلك؟”
لمعت عيناه من شدة التسلية. “لا شيء طبيعي هنا. حتى لو افترضنا أن ‘هنا’ هي المقابر الأثرية، لست مقتنعًا.”
“سيلف. سيلفي!”
لكن إن لم نكن داخل المقابر الأثرية، فهذا يعني أن هذه التعويذة ليست من صنع السحرة القدماء… ومع ذلك، لا يمكن أن تكون ظاهرة طبيعية، إذ لا يوجد مانا جوية هنا. إذًا، من يلقي هذه التعويذة؟
‘كيف يبدو النهر بالنسبة لك يا آرثر؟”
“أفهم قصدك،” قلتُ، قاطعة ترنيمته. “لكن… لا أظن ذلك.”
هبط بصري إلى حجري بينما تأملتُ سؤال فراي، لكن شيئًا من بصيرة سيسيليا ولا ذكريات أيامي مع أغرونا أسعفني بإجابة.
مررنا بهما، وظهرت تفاصيل أكثر عن الشكل الغامض. ظننتُه، أو بالأحرى هي، امرأة طويلة القامة، زرقاء أو ربما بنفسجية البشرة، ترتدي ثوبًا مزخرفًا فضفاضًا. رمشتُ وفركتُ عينيّ. طفت على ارتفاع حوالي ست بوصات عن الأرض. ولكن حتى وأنا ألاحظها، بدا أنها كذلك، قد تغير شكلها كظلال تحت الماء. وقفت على الأرض.
بعد لحظة، شدّت الحركة نظري نحو البحر، إذ انبثق شيء ما من الماء. تشكّل بين سيلفي وآرثر، الذي ألقى بنفسه سريعًا إلى الوراء بينما لمع شكل كلير الخارجي عبر الشاطئ، وهي تحمل سيفها بين يديها الضخمتين المخلبيتين. حدّق المخلوق الجديد، المشابه جدًا للأول، في سيلفي للحظة قبل أن يُوجّه نظره نحو الشكل الخارجي المُقترب.
انتظرت كلير لحظةً حتى يُركز التجلي عليها. تأرجحت قوته بشكلٍ جنوني من قوةٍ مُستحيلة إلى غموضٍ لا يُلاحَظ في اللحظات التي تلت ظهوره، حيثُ انصبّ تركيزه بالكامل على كلير. انقضّ على الشكل الخارجي. كان النصل الضخم خطًا برتقاليًا في الظلام، ثم اختفى الشيء، ولم يخرج حتى من الماء.
اجتمعت كلير وآرثر لمناقشة أمرٍ ما. لم تتحرك سيلفي حتى؛ لم أكن متأكدًة ما إن لاحظت ظهور المخلوق أم لا. كان بايرون يطير عائدًا على طول الساحل نحو الآخرين، يلفّه رعدٌ بدا لي تعبيرًا جسديًا عن الإحباط.
كان هناك صمت طويل، فقدت خلاله تركيزي على ما يقوله الآخرون. عندما أجابني الصوت في أفكاري، حمل مسحة من الحسم.
ولكن بعد أن تجاوزتهم جميعًا، عند حافة الجدار الغامض إلى يميني، رأيته مرة أخرى.
أومأتُ برأسي. غرقت قدماي في الرمال ونحن نسير على طول الشاطئ، مروراً بالمكان الذي يتحدث فيه آرثر وبايرون. تبعتني عينا آرثر، وارتفع حاجباه قليلًا، وشعرتُ أنه يخفي شيئًا يريد قوله.
ابتسمت بحزن وهزت رأسها. “لكن هل يمكن أن يكون كذلك؟ لا أستطيع—”
حركة متغيرة، مثل صورة ظلية داكنة على خلفية بلا ضوء.
فجأةً، شعرتُ بعدم ارتياح. كنتُ أعلم أنني كنتُ أتحرك بعصبية، وأخفقُ تمامًا في ضبط تعابير وجهي، لكنني شككتُ في أن إسقاط الجنّ لم يكن بحاجةٍ لقراءة تعابير وجهي لفهم ما أشعر به.
فجأةً، شعرتُ بعدم ارتياح. كنتُ أعلم أنني كنتُ أتحرك بعصبية، وأخفقُ تمامًا في ضبط تعابير وجهي، لكنني شككتُ في أن إسقاط الجنّ لم يكن بحاجةٍ لقراءة تعابير وجهي لفهم ما أشعر به.
وجدّي، لكنها مدعومة بالمصير نفسه بأخي بالعهد، وأبي، وصديقي، وحليفي، وسيدي وخادمي في آنٍ معًا. ومع امتداد جذور كياني والتوائها صعودًا وهبوطًا في مجرى النهر، أحسست بمدى ترابط جذور آرثر بجذوري، ترابطًا لا فكاك منه. كنّا حقًا متّحدين، بل أشبه بشريكين متكاملين؛ لا وجود لأحدنا من دون الآخر، مفارقة حية تتوازن على خيط ذهبي واحد.
شكلٌ بشري. ظننتُ أنني رأيته من قبل، لكن عندما نظرتُ مجددًا، كان قد اختفى، ولم يره أحدٌ غيري.
فجأةً، شعرتُ بعدم ارتياح. كنتُ أعلم أنني كنتُ أتحرك بعصبية، وأخفقُ تمامًا في ضبط تعابير وجهي، لكنني شككتُ في أن إسقاط الجنّ لم يكن بحاجةٍ لقراءة تعابير وجهي لفهم ما أشعر به.
“أنا… أحتاج إلى تمديد ساقي،” قلتُ بعدم ارتياح.
لكن هذه المرة، كلما نظرت لفترة أطول، أصبح الشكل أكثر صلابة.
“أنا… أحتاج إلى تمديد ساقي،” قلتُ بعدم ارتياح.
عادت حواسي إلى المانا. بصفتي ساحرة بيضاء، فأنا أكثر حساسية بكثير مما كنتُ عليه قبل احتجازي الطويل داخل جسدي، ولكن أقل بكثير مما كانت عليه سيسيليا. إن المانا في هذا المكان مُشكَّلة ومتحركة، كما لو أنها تُلقى باستمرار كتعويذة مُوجّهة. مع ذلك، لم أكن في أي مكان خالٍ من المانا الجوية، وكل المانا الجوية عنصرية بطبيعتها.
كان رد فاراي الوحيد نفخةً خفيفةً من أنفها المتسع، لكن ريجيس وقف وزحف إلى جانبي. فتحتُ فمي لأخبره أن الأمر على ما يرام، لكنني أدركت فورًا أنه على الأرجح لن يستمع إليّ، ولكنني أيضًا سأكون أكثر راحةً إذا بقي معي.
رفعت فاراي حاجبيها. “لقد… اكتشفتُ شيئًا ما.”
“ما الأمر؟” سأل بصوتٍ خافت. “ترين شيئًا، أليس كذلك؟”
“لن أذهب بعيدًا،” أكدت له.
أومأتُ برأسي. غرقت قدماي في الرمال ونحن نسير على طول الشاطئ، مروراً بالمكان الذي يتحدث فيه آرثر وبايرون. تبعتني عينا آرثر، وارتفع حاجباه قليلًا، وشعرتُ أنه يخفي شيئًا يريد قوله.
انفتح فم آرثر بـ”O” صغيرة من الدهشة، ثم أغلقه مجددًا، ووجهه كله يتجهم في التفكير. “ما يحاربه المصير هو هذا القيد غير الطبيعي. الأثير يريد أن يكون حرًا، يتحرك بشكل طبيعي، ويتمدد ويستقر.”
“لن أذهب بعيدًا،” أكدت له.
رفعت فاراي حاجبيها. “لقد… اكتشفتُ شيئًا ما.”
لقد أعطاني ابتسامة ضيقة الشفاه، نوعًا ما، وفرك الجزء الخلفي من رقبته.
نظرتُ إلى وجه فاراي، عيناها الداكنتان واسعتان، وجهها أكثر شحوبًا من المعتاد. “ما الذي حدث بحق الجحيم؟”
ضحكتُ بهدوء. “لا أحتاج أن أكون في رأسك لأعرف ما تفكر فيه.”
أجاب ريجيس بنبرة مرحة، “مضحك، فأنا في رأسه، ولا أفهم الأميرة في معظم الأحيان.”
نظرت حولي. “أين…نحن؟”
مررنا بهما، وظهرت تفاصيل أكثر عن الشكل الغامض. ظننتُه، أو بالأحرى هي، امرأة طويلة القامة، زرقاء أو ربما بنفسجية البشرة، ترتدي ثوبًا مزخرفًا فضفاضًا. رمشتُ وفركتُ عينيّ. طفت على ارتفاع حوالي ست بوصات عن الأرض. ولكن حتى وأنا ألاحظها، بدا أنها كذلك، قد تغير شكلها كظلال تحت الماء. وقفت على الأرض.
“أفهم قصدك،” قلتُ، قاطعة ترنيمته. “لكن… لا أظن ذلك.”
“مازلت لا تراها؟” سألتُ، دون أن أرفع نظري عن المرأة خوفًا من اختفائها عندما لا أكون أنظر.
“هذا هو المستقبل أيضًا، أليس كذلك؟” سأل آرثر، ناظرًا إلى سيلفي من جانبي. شعرتُ بغثيان. “هذا ليس… حقيقيًا؟”
“لا تقلق، إنها… بخير،” قال ريجيس بينما بدأتُ بالوقوف، كلماته أوقفتني في مكاني.
“هي؟” أجاب ريجيس وهو ينظر حوله.
كدتُ أضحك من سخرية الموقف، ثم فجأةً، كان آرثر مستلقيًا على ظهره، ومهاجمه ينفث كلماتٍ قاسيةً في وجهه.”حياة، حياةٌ مكروهةٌ، حياةٌ مريعة. يجب أن أقضي عليك. أُفرغـ… ـكَ.” برز ذراعان نحيفتان من جذعه النحيل، يدان طويلتا الأصابع تمتدان إلى حلق آرثر.
دون قصد تقريبًا، مددت يدي، وأمسكت بيد انعكاسي، وسحبت نفسي خارج النهر. كان هذا الانعكاس جالسًا على سطح الماء، يسعل ويختنق.
“إنها على حافة المساحة المرئية،” أجبتُ، ثم نطقتُ بكلماتي وأنا أتأرجح. نظرتُ بعيدًا قليلًا إلى اليمين، فظهر جزء كبير من جدار العدم.
شكلٌ بشري. ظننتُ أنني رأيته من قبل، لكن عندما نظرتُ مجددًا، كان قد اختفى، ولم يره أحدٌ غيري.
ضحكتُ بهدوء. “لا أحتاج أن أكون في رأسك لأعرف ما تفكر فيه.”
“وأنت بالتأكيد لا تفقدي عقلك، لا تتشققي، لا تصابي بالجنون، لا تفقدي أعصابك—”
مررنا بهما، وظهرت تفاصيل أكثر عن الشكل الغامض. ظننتُه، أو بالأحرى هي، امرأة طويلة القامة، زرقاء أو ربما بنفسجية البشرة، ترتدي ثوبًا مزخرفًا فضفاضًا. رمشتُ وفركتُ عينيّ. طفت على ارتفاع حوالي ست بوصات عن الأرض. ولكن حتى وأنا ألاحظها، بدا أنها كذلك، قد تغير شكلها كظلال تحت الماء. وقفت على الأرض.
وقف آرثر على الشاطئ، يصرخ نحو سيلفي، الواقفة في النهر الغريب الأملس حتى بطنها.
“أفهم قصدك،” قلتُ، قاطعة ترنيمته. “لكن… لا أظن ذلك.”
‘يجب أن تكوني أكثر ثقة بنفسك،’ بدا صوت في رأسي جامدًا وأنثويًا.
توقفتُ على بُعد ثلاثين قدمًا تقريبًا من حيث كانت المرأة واقفة. “هل هذا أنتِ؟”
“أعتقد أنه من المقرر أن يحصل على ما يريد سواء خرجنا من هنا أم لا.”
“نعم، ستفقديها بالتأكيد،” تمتم ريجيس بجانبي.
‘نعم، إن كنت تخاطبيني.’ أمالت المرأة رأسها قليلًا، وانتبهتُ إلى أن وجهها وظهري يديها قد غُطّيا بوشوم رونية. ‘لم أتوقع أن يتمكن أحد، حتى أنت، من رؤيتي. كان تقديرًا خاطئًا، بلا شك. لا بد أن للأمر علاقة بطريقة تشابكنا.’
تشابكنا؟ استرجعت ذاكرتي، ثم فكرت: صوتك… أنا أعرفه. أنتِ… جي آي. أمعنت النظر في جسدها من رأسها حتى قدميها، ثم أدركت شيئًا آخر—ليس لها جسد مادي أصلًا. ما أراه هو من الإسقاط داخل الأثر المدفون—أو أينما كنا. قلت ذلك في داخلي.
‘صحيحٌ في كلا الحالتين، كما يُقال،’ أجابت. ‘أنا هنا لأُراقبكم جميعًا. في حال مغادرتكم هذا المكان، وهو أمرٌ غير مُتوقع، سأُخبرُ السيّدَ الأعلى أغرونا، بالطبع. لكنكم جميعًا أيضًا رائعون، وكذلك هذا المكان. أنا مُتشوّقٌة جدًّا لمعرفة كيف ستتفاعلون معه.’
نظرتُ إلى أسفل وإلى يساري، فوجدتُ ريجيس يحدق بي بعينين لامعتين. ارتفع حاجباه الشبيهان بالذئب، وقلّدتُ الحركة. انتقلت عيناه من عينيّ إلى عظمة القص، إلى نواتي. عبستُ في حيرة. مال رأسه قليلًا إلى الجانب. عضضتُ شفتي وأومأت برأسي. أصبح الذئب الضخم، ذو الظلال، غير متجسد وشفافًا، ثم تكثف، فاقدًا هيئته، قبل أن ينجرف أخيرًا إلى جسدي كما فعل عندما أحضر لي درع آرثر.
“لا،” أجابت سيلفي. صدى صوت ثانٍ خلفها، على وشك السماع—أو ربما في رأسي. “لم يحدث هذا. الآن، الأقزام والعنقاء وطيارو الأشكال الخارجية يعملون جميعًا لمنع حدوثه. أسورا من كل عرق يتمسكون بشدة بأطراف الجرح لمنعه من التمدد.”
ارتجفتُ من اقتحامه لنواتي، وتمرد شيءٌ ما بداخلي على فكرة مشاركة جسدي مع وجودٍ آخر. لكن هناك أيضًا نبضٌ قويٌّ واضحٌ يشعُّ عبر جسدي، وكأنه يُدفئ الدرع المُستقرّ بدفءٍ على بشرتي، والمريح في هذا العالم الغريب.
ولا زال لدينا كيان خارق القوة نقاتله بعد ذلك.
“سيدة إيراليث؟”
سُحقًا للفهم، خضتُ الماء بأظافري. تفجّرت قوّتي من داخلي، وتوقف الزمن فجأة. لكن سحبُ النهر ظلّ يضغط عليّ، سدٌّ غير طبيعي يعترض جريانه. بالكاد أفلت آرثر من الطريق، ثم فجأة انتُزِع تحكّمي بالأثير مني.
ماذا تعلمتِ عن هذا المكان؟ سألتُ جي آي بعد برهة، مُزيلةً الشعور بالغثيان في معدتي. لم يكن هذا أول سؤال خطر ببالي، لكنني رأيتُ مدى إخلاصها لأغرونا. لا أظن أن هناك ما يُمكنني قوله ليُقنعها بقضيتنا.
‘هل تسألين لأنك تعتقد أنني قد أعطيك عن غير قصد بعض المعلومات الرئيسية التي ستكشف لكم كيفية الهروب؟’ أجابت جي آي بصوت مسطح وواقعي.
آرثر…
‘ووها، أسمعها،’ ردّ ريجيس بصوته الأجشّ وأعمق قليلًا من صوته المسموع. ‘إذن أنتِ جيآي الشهيرة، أليس كذلك؟ سيدة الموسوعة.’
‘وأنت مُسل أيضًا،’ أجابت جي آي، وإن لم يكن في صوتها أي حس فكاهة. ‘أظن أن حسك الفكاهي القوي وغير الناضج يُستعمل كدرعٍ يحميكِ من مخاوفك من أنك، في النهاية، لست سوى سلاحٍ في يدِ غيرك.’
أمالَت رأسها قليلًا. ‘رائع! أنتَ الكيان الواعي المعروف باسم ريجيس، كائنٌ وُلد من الأككلورايت، والمانا المُكثّفة لمستخدمي سحرٍ أقوياء مُتعددين، وإرادة آرثر ليوين، والمقابر الأثرية نفسها. على حدِّ علمي، لم يتوقّع أحدٌ منّا مثل هذا التطوّر في السحر الأثيري. الأزوراس معروفون بصنع أسلحةٍ واعية وأشكال حياة جديدة، لكنكَ—تحديدًا، بالطريقة التي ترتبط بها بآرثر ليوين، وأنتَ في الوقت نفسه جزءٌ منه وفي الوقت نفسه شكل حياتكَ الواعي—استثنائيٌّ حقًا.’
شعرتُ بتوترٍ يخنقني وأنا أستمعُ إليها تتحدث، أو تفكر… مهما يكن. لقد فوجئتُ وانزعجتُ من كمية…
‘خطر. إنه أشبه بالفراغ منه بالفراغ نفسه.’
من المعلومات التي لديها.
صحّحت سيلفي كلامها موجهةً كلامها إلى فاراي وبايرون، “كان ذلك مستقبلًا. لكن مجرد رؤيتي أن آرثر قادر على بناء بوابة عودة لا يعني أنني أفهم كيفية فعل ذلك.” عبست، ثم نظرت من خلفي، محدقةً تمامًا في الفراغ خلفنا الذي يُسبب الدوار. تحوّل وجهها إلى لون أخضر فاتح، لكنها لم تُشيح بنظرها. “لكنني أعلم أن الأمر سيتطلب… الكثير من الأثير.”
ردّ ريجيس، وقد غمرتني مشاعره، ‘سيكون عنوان مذكراتي ‘استثنائيًا حقًا’.’ لم يبدُ أنه يشاركني طاقتي العصبية.
“هناك شيءٌ ما يُحرك المانا في هذه التعويذة، باستمرار وبقوةٍ هائلة. لم تُلقَ على هذا المكان، وبالتأكيد ليست آتية من الخارج. لا أعتقد أن هذا جزءٌ من طريقة بناء هذا المكان، أو تصميمه، أو أيًّا كان وصفه.” توقفت فاراي ونظرت إلينا. “إنه النهر. الأثير. المانا ليست هي التي تُسيطر على الأثير، بل العكس.”
شكلٌ بشري. ظننتُ أنني رأيته من قبل، لكن عندما نظرتُ مجددًا، كان قد اختفى، ولم يره أحدٌ غيري.
‘وأنت مُسل أيضًا،’ أجابت جي آي، وإن لم يكن في صوتها أي حس فكاهة. ‘أظن أن حسك الفكاهي القوي وغير الناضج يُستعمل كدرعٍ يحميكِ من مخاوفك من أنك، في النهاية، لست سوى سلاحٍ في يدِ غيرك.’
صحّحت سيلفي كلامها موجهةً كلامها إلى فاراي وبايرون، “كان ذلك مستقبلًا. لكن مجرد رؤيتي أن آرثر قادر على بناء بوابة عودة لا يعني أنني أفهم كيفية فعل ذلك.” عبست، ثم نظرت من خلفي، محدقةً تمامًا في الفراغ خلفنا الذي يُسبب الدوار. تحوّل وجهها إلى لون أخضر فاتح، لكنها لم تُشيح بنظرها. “لكنني أعلم أن الأمر سيتطلب… الكثير من الأثير.”
ارتفعت خصلات شعر ريجيس، كما لو كان على وشك الانقضاض. ‘أنت لا تعرفيني.’
ارتفعت خصلات شعر ريجيس، كما لو كان على وشك الانقضاض. ‘أنت لا تعرفيني.’
كان هناك صمت طويل، فقدت خلاله تركيزي على ما يقوله الآخرون. عندما أجابني الصوت في أفكاري، حمل مسحة من الحسم.
كان وجه المرأة حادّ الخطوط وصارمًا، وبشرتها الزرقاء الدخانية تغمق عند خطّ شفتيها الرفيع والمستقيم. ‘ربما ليس بعد، لكنني بدأتُ. أنا، كما وصفتَ، ‘سيدة الموسوعة’، أليس كذلك؟’
أطلق ريجيس زفرةً بشريةً للغاية. ‘اسمعي، أيًا كان، يا سيدة. لكن إن كنتِ ستقفين هنا وتخلعين ملابسنا ذهنيًا، فسيتعين عليكِ دفع ثمن هذا الامتياز.’
وقفت كلير وحيدةً أمام الطيف الأثيري. كان آرثر يستعد للهجوم. انتبه! فكرتُ. ثم، فجأةً كالمقصلة، انتهى الأمر.
فجأةً، شعرتُ بعدم ارتياح. كنتُ أعلم أنني كنتُ أتحرك بعصبية، وأخفقُ تمامًا في ضبط تعابير وجهي، لكنني شككتُ في أن إسقاط الجنّ لم يكن بحاجةٍ لقراءة تعابير وجهي لفهم ما أشعر به.
أمسك آرثر بيدي. “لقد رحلت أفيتوس. الآن فقط—”
“سيدة إيراليث؟”
قفزتُ، وأطلقتُ شهقةً خفيفةً وأنا أستدير لأجد بايرون واقفًا على بُعد خطواتٍ قليلة. ارتطمت يدي بصدري، ضاغطةً على قلبي المزمجر، وأطلقتُ ضحكةً مُحرجةً.
هبط بصري إلى حجري بينما تأملتُ سؤال فراي، لكن شيئًا من بصيرة سيسيليا ولا ذكريات أيامي مع أغرونا أسعفني بإجابة.
“أنا لست متأكدة،” اعترفت، وكانت الكلمات أجشّة في حلقي الضيق.
رفع يديه، راحتيه ممدودتان، وبدا عليه الخجل والقلق على حد سواء. “سامحيني. لقد كنتِ واقفةً هنا بلا حراك لبعض الوقت، وأردت فقط الاطمئنان عليكِ.” انزلقت عيناه من جانبي إلى حيث كانت جي آي واقفةً، مع أنه لم يُبدِ أي إشارة إلى رؤيتها.
“فقط… أحاول فكّ الأحجية،” قلت بتردد.
منظور: سيلفي ليوين
أومأ برأسه. “يبدو أن إخراجنا من هنا سيكون بين أيديك، وفاراي، وآرثر، بينما تحرسنا كلير.” ارتعشت عضلة في خده. “سأترككم وشأنكم.”
دار على عقبه، وقبل أن أفكر في قول أي شيء آخر، ارتفع عن الأرض وطار بعيدًا، واستأنف دوريته على طول الساحل.
فركتُ أنفي، مُكافحة للحفاظ على استقامة كل هذا، وأنا لا أزال ضعيفةً وشبه مُقززَة مما رأيناه من مستقبلٍ مُحتمل.
ضحكتُ بهدوء. “لا أحتاج أن أكون في رأسك لأعرف ما تفكر فيه.”
رغم حصوني الذهنية، أحسست باضطرابه حين رآني واقفة حتى ركبتيّ في التيار المتدفق بسرعة. كان وعيي يُسحب بعيدًا عني، إلى التيار. لم يُؤخذ، ولم يُنتزع ليصبح شيئًا آخر، بل… امتد. كنتُ طفلة للزمن. لم تكن تجربتي خلاله خطّية، وكانت تلك البصيرة محفورة في أعماقي.
قالت جي آي في ذهني، ‘إنه لا يدرك دوره. إدراكه ضيقٌ جدًا لدرجة أنه لا يستطيع فهم نطاق رحلته.’
اجتمعت كلير وآرثر لمناقشة أمرٍ ما. لم تتحرك سيلفي حتى؛ لم أكن متأكدًة ما إن لاحظت ظهور المخلوق أم لا. كان بايرون يطير عائدًا على طول الساحل نحو الآخرين، يلفّه رعدٌ بدا لي تعبيرًا جسديًا عن الإحباط.
“هناك شيءٌ ما يُحرك المانا في هذه التعويذة، باستمرار وبقوةٍ هائلة. لم تُلقَ على هذا المكان، وبالتأكيد ليست آتية من الخارج. لا أعتقد أن هذا جزءٌ من طريقة بناء هذا المكان، أو تصميمه، أو أيًّا كان وصفه.” توقفت فاراي ونظرت إلينا. “إنه النهر. الأثير. المانا ليست هي التي تُسيطر على الأثير، بل العكس.”
انتظرتُ أن تُفصّل في تلك الفكرة، لكنها اكتفت بالتحديق بي. تسللت إليّ صدمة قلق من ريجيس. ‘سيلفي…’
منظور: سيلفي ليوين
قفزتُ، وأطلقتُ شهقةً خفيفةً وأنا أستدير لأجد بايرون واقفًا على بُعد خطواتٍ قليلة. ارتطمت يدي بصدري، ضاغطةً على قلبي المزمجر، وأطلقتُ ضحكةً مُحرجةً.
استدرتُ نحوها نصف استدارة عندما ضربتني صدمة نفسية. انهرتُ على يديَّ وركبتيَّ، ألهث. لم أتذكر أنني كنتُ قريبة جدًا من الماء، لكن فجأةً وصل أثر الماء إلى معصميّ، وعدتُ إلى مدينة تيلمور، أشاهد آرثر وهو يقتل نفسه ليُبعدني عن كاديل ونيكو. أو لا، كنتُ في زيروس، لوكاس وايكس يسحبني من شعري. وفي غابة إلشاير، أتخلى عن موقعي لأنني ظننتُ أنني أستطيع صد العدو بمفردي. في إيدلهولم، أنظر إلى نيكو، مُدركة أنني لا أستطيع الهرب—
‘بكل سهولة، فقط تنفسي…’ بدا صوت سيلفي في رأسي، واضحًا ونظيفًا مثل جرس فضي.
“أفهم قصدك،” قلتُ، قاطعة ترنيمته. “لكن… لا أظن ذلك.”
وقفت كلير وحيدةً أمام الطيف الأثيري. كان آرثر يستعد للهجوم. انتبه! فكرتُ. ثم، فجأةً كالمقصلة، انتهى الأمر.
نظرت حولي. “أين…نحن؟”
رفعتُ نظري من حيث جلسنا أنا وفاراي وريجيس وظهرنا إلى… المساحة الفارغة غير المكتملة التي جعلتني أشعر بالدوار عند النظر إليها.
كنتُ أنا وآرثر وسيلفي وريجيس واقفين على قمة جبل. تحتنا، تعرّفتُ على الجدار… أو ما تبقى منه.
بعد لحظة، شدّت الحركة نظري نحو البحر، إذ انبثق شيء ما من الماء. تشكّل بين سيلفي وآرثر، الذي ألقى بنفسه سريعًا إلى الوراء بينما لمع شكل كلير الخارجي عبر الشاطئ، وهي تحمل سيفها بين يديها الضخمتين المخلبيتين. حدّق المخلوق الجديد، المشابه جدًا للأول، في سيلفي للحظة قبل أن يُوجّه نظره نحو الشكل الخارجي المُقترب.
أصابته قطعة كبيرة من صخرة أفيتوس مباشرةً، محطمةً الجدار الحجري الضخم إلى أنقاض. لكن الأمر لم يقتصر على الجدار فحسب. فبينما استدرتُ لأنظر إلى العالم، لم أرَ سوى دخان وخراب. سقط زيروس، في أقصى الغرب، من السماء. كانت غابات الوحش بمثابة ثقب أسود يتصاعد منه الدخان. أما الغابات الصغيرة التي كانت تنبت على واجهة إلينور، فقد حُطمت بفعل النيران والأنقاض. وفي كل مكان نظرتُ، سحقت جزر ضخمة متصدعة فوهات في الأرض. حتى أجزاء من جبال جراند كانت…
انهار.
“هل هذا…؟” انقبض حلقي ولم أستطع إكمال ما كنت أحاول قوله.
قاومتُ رغبتي في اتباع تلك التيارات، بل استقيتُ من النهر كما استقي مني. عليّ أن أفهمه قبل أن أستفيد منه. لكن ليس هناك وقت!
“لا،” أجابت سيلفي. صدى صوت ثانٍ خلفها، على وشك السماع—أو ربما في رأسي. “لم يحدث هذا. الآن، الأقزام والعنقاء وطيارو الأشكال الخارجية يعملون جميعًا لمنع حدوثه. أسورا من كل عرق يتمسكون بشدة بأطراف الجرح لمنعه من التمدد.”
حدّقتُ في المياه الأرجوانية الداكنة وهي تتدفق بسرعة. مصدر طاقة يكاد يكون لا نهائيًا. لكنه لا يستطيع الوصول.
توقفت، وخرجت منها تنهيدة متعبة. “لكن هذا هو المستقبل. أو ربما مستقبل محتمل—بل محتمل. هذا ما سيحدث إن لم نهرب. إن لم نغلق الجرح…” سكتت واستدارت لمواجهة الأمر. وتبعنا البقية.
حدّقتُ في المياه الأرجوانية الداكنة وهي تتدفق بسرعة. مصدر طاقة يكاد يكون لا نهائيًا. لكنه لا يستطيع الوصول.
تشابكنا؟ استرجعت ذاكرتي، ثم فكرت: صوتك… أنا أعرفه. أنتِ… جي آي. أمعنت النظر في جسدها من رأسها حتى قدميها، ثم أدركت شيئًا آخر—ليس لها جسد مادي أصلًا. ما أراه هو من الإسقاط داخل الأثر المدفون—أو أينما كنا. قلت ذلك في داخلي.
“بالتأكيد،” قلتُ، وأنا أعود إلى الرمال السوداء وأنظر إلى فاراي. كانت عيناها مغمضتين، لكنهما تتحركان بسرعة تحت جفنيها، وملامحها الجامدة ثابتة في تجهمٍ جادٍّ من التركيز. “أنا آسفة يا فاراي. ما الذي كنتِ تقولينه؟”
لم يعد الشق الهائل في السماء يُمطر مساحات شاسعة من الأرض. وبينما كنا نشاهده،… انكمش.
توقفتُ على بُعد ثلاثين قدمًا تقريبًا من حيث كانت المرأة واقفة. “هل هذا أنتِ؟”
فجأةً، شعرتُ بعدم ارتياح. كنتُ أعلم أنني كنتُ أتحرك بعصبية، وأخفقُ تمامًا في ضبط تعابير وجهي، لكنني شككتُ في أن إسقاط الجنّ لم يكن بحاجةٍ لقراءة تعابير وجهي لفهم ما أشعر به.
“إنه يغلق،” تمتمت.
غير متأكدة، راقبتُ آرثر، لكنه توقف عن الصراخ. بدا وكأنه يومئ برأسه، ثم تراجع خطوةً عن الشاطئ.
أمسك آرثر بيدي. “لقد رحلت أفيتوس. الآن فقط—”
توقفتُ على بُعد ثلاثين قدمًا تقريبًا من حيث كانت المرأة واقفة. “هل هذا أنتِ؟”
عبست. لكن بالتأكيد هذا ليس…
فجأة تقلص الجرح من حجم السماء إلى شق صغير واحد يحوم فوق جليد الوحش مثل عين جمشت لامعة.
هززت رأسي بخفة وأنا أبحث عن الكلمات، لكنها، بطبيعة الحال، لم تكن تراني. “كان لدى سيسيليا هذه المصيرة… كانت ترى الجزيئات الفردية للمانا، سواء تلك الموجودة في الجو أو تلك التي شُكِّلت داخل تعويذة. أما أنا فلا،” أضفت بسرعة حتى لا تأخذ عني انطباعًا خاطئًا، “لكن أحيانًا، حين أُغمض عيني وأُنصت للمانا جيدًا، أستطيع أن… أتخيّل أنني أراها.”
ثم…
ثوران بركاني. نجمٌ جديدٌ من الأثير، يتدحرج عبر سهول الوحش قبل أن يصطدم بجبال جراند ماونتنز جنوبنا.
انتظرت كلير لحظةً حتى يُركز التجلي عليها. تأرجحت قوته بشكلٍ جنوني من قوةٍ مُستحيلة إلى غموضٍ لا يُلاحَظ في اللحظات التي تلت ظهوره، حيثُ انصبّ تركيزه بالكامل على كلير. انقضّ على الشكل الخارجي. كان النصل الضخم خطًا برتقاليًا في الظلام، ثم اختفى الشيء، ولم يخرج حتى من الماء.
انفجرت سلسلة الجبال إلى الخارج، وانتشرت أجزاؤها عبر سفوح جبال دارفيش.
فجأةً، شعرتُ بعدم ارتياح. كنتُ أعلم أنني كنتُ أتحرك بعصبية، وأخفقُ تمامًا في ضبط تعابير وجهي، لكنني شككتُ في أن إسقاط الجنّ لم يكن بحاجةٍ لقراءة تعابير وجهي لفهم ما أشعر به.
استمر النجم الجديد بالتمدد، ماسحًا العالم خلفه.
“أعتقد أنه من المقرر أن يحصل على ما يريد سواء خرجنا من هنا أم لا.”
غير متأكدة، راقبتُ آرثر، لكنه توقف عن الصراخ. بدا وكأنه يومئ برأسه، ثم تراجع خطوةً عن الشاطئ.
محطمًا العالم أثناء مروره. مدمرًا كل شيء.
تمتم بايرون في حلقه، وألقى نظرة على آرثر قبل أن يقول، “هل تقصدين أن الأشياء في النهر التي تستمر في مهاجمتنا تلقي نوعًا من التعويذة؟”
جدار من الضوء البنفسجي حجب كل شيء آخر. كنا عائدين إلى المقابر الأثرية، واقفين في صف على الشاطئ، نحدق بعيدًا عن المحيط، إلى اللاشيء المُبهم. شحبتُ، حاولتُ النظر بعيدًا، لكن…
أمسك آرثر بيدي. “لقد رحلت أفيتوس. الآن فقط—”
‘لا.’
وقف آرثر على الشاطئ، يصرخ نحو سيلفي، الواقفة في النهر الغريب الأملس حتى بطنها.
“الستار!” انسكبت الكلمات مني، مختنقةً بالدموع التي لم أكن أدرك حتى أنها تتساقط. “لكن كيف…؟”
وقف آرثر على يساري، وسيلفي على يميني. كان ريجيس على الجانب الآخر من آرثر، ثم كلير بجانبه. وقفت فاراي بجانب سيلفي. أمسك آرثر وسيلف بيديّ من كلا الجانبين، وشبكنا أيدينا جميعًا في صف واحد.
بدأ الآخرون في التحدث، ورغم أنني انضممت إليهم حيث وجدت أن أفكاري كانت مطلوبة، إلا أن معظم وعيي انتشر عبر النهر.
“هذا هو المستقبل أيضًا، أليس كذلك؟” سأل آرثر، ناظرًا إلى سيلفي من جانبي. شعرتُ بغثيان. “هذا ليس… حقيقيًا؟”
وجدّي، لكنها مدعومة بالمصير نفسه بأخي بالعهد، وأبي، وصديقي، وحليفي، وسيدي وخادمي في آنٍ معًا. ومع امتداد جذور كياني والتوائها صعودًا وهبوطًا في مجرى النهر، أحسست بمدى ترابط جذور آرثر بجذوري، ترابطًا لا فكاك منه. كنّا حقًا متّحدين، بل أشبه بشريكين متكاملين؛ لا وجود لأحدنا من دون الآخر، مفارقة حية تتوازن على خيط ذهبي واحد.
بعد لحظة، شدّت الحركة نظري نحو البحر، إذ انبثق شيء ما من الماء. تشكّل بين سيلفي وآرثر، الذي ألقى بنفسه سريعًا إلى الوراء بينما لمع شكل كلير الخارجي عبر الشاطئ، وهي تحمل سيفها بين يديها الضخمتين المخلبيتين. حدّق المخلوق الجديد، المشابه جدًا للأول، في سيلفي للحظة قبل أن يُوجّه نظره نحو الشكل الخارجي المُقترب.
ابتسمت بحزن وهزت رأسها. “لكن هل يمكن أن يكون كذلك؟ لا أستطيع—”
قال آرثر وهو يحدق في الماء، “هذا يُفسر جاذبية هذا النهر.” لوّحت كلير من مكانها كحارسة، بعد أن هزمت آخر تجلي ظهر بسرعة. “لا أستطيع التغلب على جسد الأثير، ولا أستطيع حتى رؤية تفاعل المانا كما تفعل فاراي، لأن جاذبية الأثير من حولنا قوية جدًا.”
شهقتُ عندما سحبني أحدهم من حافة الماء. ركضتُ إلى الوراء كالسلطعون، ثم انهرتُ على جانبي، أتنفس بصعوبة. كان ريجيس يرتجف في أعماقي. أدركتُ فورًا أنه قد تلاشى، لكنني لم أفهم ما يحدث.
نظرتُ إلى وجه فاراي، عيناها الداكنتان واسعتان، وجهها أكثر شحوبًا من المعتاد. “ما الذي حدث بحق الجحيم؟”
“أنا لست متأكدة،” اعترفت، وكانت الكلمات أجشّة في حلقي الضيق.
ردّ ريجيس، وقد غمرتني مشاعره، ‘سيكون عنوان مذكراتي ‘استثنائيًا حقًا’.’ لم يبدُ أنه يشاركني طاقتي العصبية.
لا تزال سيلفي واقفة في الماء، مع أن عينيها كانتا عليّ. كان آرثر ينهض من على الأرض وينفض الرمال السوداء، ويبدو عليه الذهول. كان بايرون معه. كانت كلير تتقدم نحو الشاطئ؛ وكان تجلي آخر يتشكل من النهر على بُعد مئة ياردة.
مصدر الدفء والطاقة الذي هو ريجيس، صغير داكن، انبعث مني ليتجمع على الأرض قبل أن يتخذ شكلًا ماديًا. الآن، بحجم جرو صغير، لم يكن عرفه المتوهج عادةً سوى لهب خافت متوهج. “لست متحمسًا جدًا لهذا،” تمتم بتعب.
رفعت فاراي حاجبيها. “لقد… اكتشفتُ شيئًا ما.”
“لا تقلق، إنها… بخير،” قال ريجيس بينما بدأتُ بالوقوف، كلماته أوقفتني في مكاني.
انتظرنا انضمام الآخرين إلينا. حتى سيلفي وصلت إلى الشاطئ، وإن غادرت النهر بتردد، وظلت تُلقي نظراتٍ خفيةً من فوق كتفها إلى أعماقه.
انفتح فم آرثر بـ”O” صغيرة من الدهشة، ثم أغلقه مجددًا، ووجهه كله يتجهم في التفكير. “ما يحاربه المصير هو هذا القيد غير الطبيعي. الأثير يريد أن يكون حرًا، يتحرك بشكل طبيعي، ويتمدد ويستقر.”
خط رفيع شقّ جبين فراي حين انعقد حاجباه. “مثل آرثر؟ مثير للاهتمام. لكن هذه كانت من سمات كونها الإرث، لا شيئًا اكتسبته من خلال الاندماج؟”
وقف آرثر على يساري، وسيلفي على يميني. كان ريجيس على الجانب الآخر من آرثر، ثم كلير بجانبه. وقفت فاراي بجانب سيلفي. أمسك آرثر وسيلف بيديّ من كلا الجانبين، وشبكنا أيدينا جميعًا في صف واحد.
أمسك آرثر بيدي. “لقد رحلت أفيتوس. الآن فقط—”
بدا لي، أنا وآرثر وريجيس وسيلفي، أننا نتشارك إرهاقًا وألمًا عميقًا بعد أن ربطت سيلفي أفكارنا ورسمت لنا تلك المستقبلات المحتملة. لم يتحدث أيٌّ منا، بل أخذنا قسطًا من الراحة بينما فاراي تشرح.
بعد التشاور مجيئة وذهابًا مع المترجم الأساسي—والذي هو ليس أنا—اتفقنا على ترجمة الرواية هكذا لحين قدوم داعم. لكن سيكون النشر غير مؤكد في هذه الفترة..
“هناك شيءٌ ما يُحرك المانا في هذه التعويذة، باستمرار وبقوةٍ هائلة. لم تُلقَ على هذا المكان، وبالتأكيد ليست آتية من الخارج. لا أعتقد أن هذا جزءٌ من طريقة بناء هذا المكان، أو تصميمه، أو أيًّا كان وصفه.” توقفت فاراي ونظرت إلينا. “إنه النهر. الأثير. المانا ليست هي التي تُسيطر على الأثير، بل العكس.”
تمتم بايرون في حلقه، وألقى نظرة على آرثر قبل أن يقول، “هل تقصدين أن الأشياء في النهر التي تستمر في مهاجمتنا تلقي نوعًا من التعويذة؟”
تشابكنا؟ استرجعت ذاكرتي، ثم فكرت: صوتك… أنا أعرفه. أنتِ… جي آي. أمعنت النظر في جسدها من رأسها حتى قدميها، ثم أدركت شيئًا آخر—ليس لها جسد مادي أصلًا. ما أراه هو من الإسقاط داخل الأثر المدفون—أو أينما كنا. قلت ذلك في داخلي.
من المعلومات التي لديها.
عقدت فاراي ذراعيها، وقطبت حاجبيها بتركيز وهي تبحث عن طريقة للشرح. وجّهت نظرها نحو سيلفي طالبةً المساعدة.
كان وجه المرأة حادّ الخطوط وصارمًا، وبشرتها الزرقاء الدخانية تغمق عند خطّ شفتيها الرفيع والمستقيم. ‘ربما ليس بعد، لكنني بدأتُ. أنا، كما وصفتَ، ‘سيدة الموسوعة’، أليس كذلك؟’
“الأثير شبه واعٍ. نعلم أنه قادر على الاحتفاظ بالنية. المصير نفسه هو ذلك فقط—الوعي المركّز للسحر الخالص.”
عبست. لكن بالتأكيد هذا ليس…
ولا زال لدينا كيان خارق القوة نقاتله بعد ذلك.
“لكن هذا ليس المصير،” قاطعه آرثر. “إنه يعلم بوجودنا بالتأكيد، لكنه ليس… هنا، بكل ما نفهمه من معنى. أعتقد…” ثم نظر إليّ ونظر إليّ. “أعتقد أنه سيحقق ما يريد سواءً خرجنا من هنا أم لا.”
“فقط… أحاول فكّ الأحجية،” قلت بتردد.
“المصير جانبٌ من الشكل الأعظم للأثير،” تابعت سيلفي، رافعةً حاجبيها نحو آرثر. “أعتقد أن هذا قد يكون جانبًا آخر. الجسد.”
انفتح فم آرثر بـ”O” صغيرة من الدهشة، ثم أغلقه مجددًا، ووجهه كله يتجهم في التفكير. “ما يحاربه المصير هو هذا القيد غير الطبيعي. الأثير يريد أن يكون حرًا، يتحرك بشكل طبيعي، ويتمدد ويستقر.”
عادت حواسي إلى المانا. بصفتي ساحرة بيضاء، فأنا أكثر حساسية بكثير مما كنتُ عليه قبل احتجازي الطويل داخل جسدي، ولكن أقل بكثير مما كانت عليه سيسيليا. إن المانا في هذا المكان مُشكَّلة ومتحركة، كما لو أنها تُلقى باستمرار كتعويذة مُوجّهة. مع ذلك، لم أكن في أي مكان خالٍ من المانا الجوية، وكل المانا الجوية عنصرية بطبيعتها.
“يمكنني رؤية كل شيء.”
“مثل السكر المذاب في كوب من الشاي،” أضافت سيلفي، ونبرتها تشير إلى أنها فكرت للتو في العلاقة بنفسها.
بعد التشاور مجيئة وذهابًا مع المترجم الأساسي—والذي هو ليس أنا—اتفقنا على ترجمة الرواية هكذا لحين قدوم داعم. لكن سيكون النشر غير مؤكد في هذه الفترة..
“ربما هذه طريقته في التركيز على شكلٍ ما،” وافقت سيلفي. “للحفاظ على السيطرة.”
ماذا قال آرثر عن المصير؟
فركتُ أنفي، مُكافحة للحفاظ على استقامة كل هذا، وأنا لا أزال ضعيفةً وشبه مُقززَة مما رأيناه من مستقبلٍ مُحتمل.
“ولكن كيف يساعدنا ذلك؟” سأل بايرون، وعيناه وعينا فاراي تنتقل من آرثر إلى سيلفي بالتناوب بينما يتحدث كل منهما.
قال آرثر وهو يحدق في الماء، “هذا يُفسر جاذبية هذا النهر.” لوّحت كلير من مكانها كحارسة، بعد أن هزمت آخر تجلي ظهر بسرعة. “لا أستطيع التغلب على جسد الأثير، ولا أستطيع حتى رؤية تفاعل المانا كما تفعل فاراي، لأن جاذبية الأثير من حولنا قوية جدًا.”
وضعتُ يدي على كتف سيلفي. “لكننا رأينا الستار، المخرج. كان ذلك في مستقبلنا، لذا نعلم أنه بإمكاننا الخروج من هنا.”
صحّحت سيلفي كلامها موجهةً كلامها إلى فاراي وبايرون، “كان ذلك مستقبلًا. لكن مجرد رؤيتي أن آرثر قادر على بناء بوابة عودة لا يعني أنني أفهم كيفية فعل ذلك.” عبست، ثم نظرت من خلفي، محدقةً تمامًا في الفراغ خلفنا الذي يُسبب الدوار. تحوّل وجهها إلى لون أخضر فاتح، لكنها لم تُشيح بنظرها. “لكنني أعلم أن الأمر سيتطلب… الكثير من الأثير.”
انهار.
تمتم بايرون في حلقه، وألقى نظرة على آرثر قبل أن يقول، “هل تقصدين أن الأشياء في النهر التي تستمر في مهاجمتنا تلقي نوعًا من التعويذة؟”
لقد فهمنا جميعًا ما تعنيه: لقد أنفق آرثر بالفعل جزءًا كبيرًا من قوته الاحتياطية.
ولا زال لدينا كيان خارق القوة نقاتله بعد ذلك.
“أفهم قصدك،” قلتُ، قاطعة ترنيمته. “لكن… لا أظن ذلك.”
حدّقتُ في المياه الأرجوانية الداكنة وهي تتدفق بسرعة. مصدر طاقة يكاد يكون لا نهائيًا. لكنه لا يستطيع الوصول.
فجأةً، شعرتُ بعينين تحرقان وجهي، وواجهتُ سيلفي. كانت تُلقي عليّ نظرةً ذات معنى. المعرفة والزمن..
“أنا لست متأكدة،” اعترفت، وكانت الكلمات أجشّة في حلقي الضيق.
“لكن هذا ليس المصير،” قاطعه آرثر. “إنه يعلم بوجودنا بالتأكيد، لكنه ليس… هنا، بكل ما نفهمه من معنى. أعتقد…” ثم نظر إليّ ونظر إليّ. “أعتقد أنه سيحقق ما يريد سواءً خرجنا من هنا أم لا.”
أشرقت في عينيها الذهبيتين. رأيتُ، منعكسة فيهما، نهاية كل شيء.
ماذا قال آرثر عن المصير؟
‘كيف يبدو النهر بالنسبة لك يا آرثر؟”
“أعتقد أنه من المقرر أن يحصل على ما يريد سواء خرجنا من هنا أم لا.”
هل هذا ما تريدينه يا جي آي؟ نهاية كل حياة—كل حياة محتملة—في هذا العالم؟
كان هناك صمت طويل، فقدت خلاله تركيزي على ما يقوله الآخرون. عندما أجابني الصوت في أفكاري، حمل مسحة من الحسم.
كان رد فاراي الوحيد نفخةً خفيفةً من أنفها المتسع، لكن ريجيس وقف وزحف إلى جانبي. فتحتُ فمي لأخبره أن الأمر على ما يرام، لكنني أدركت فورًا أنه على الأرجح لن يستمع إليّ، ولكنني أيضًا سأكون أكثر راحةً إذا بقي معي.
‘لا.’
الفصل 519: على حافة العدم 2
————————
ضحكتُ بهدوء. “لا أحتاج أن أكون في رأسك لأعرف ما تفكر فيه.”
بعد التشاور مجيئة وذهابًا مع المترجم الأساسي—والذي هو ليس أنا—اتفقنا على ترجمة الرواية هكذا لحين قدوم داعم. لكن سيكون النشر غير مؤكد في هذه الفترة..
وأيضًا.. تبًا للفصل! متعب! اضطررت للعودة ذهابًا وإيابًا بين الفصل هذا والسابق لأوافق الجمل؛ لأن الفصلين يحدثان في نفس الوقت.
أومأ برأسه. “يبدو أن إخراجنا من هنا سيكون بين أيديك، وفاراي، وآرثر، بينما تحرسنا كلير.” ارتعشت عضلة في خده. “سأترككم وشأنكم.”
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت..
