Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

التمرد على الموت 12

سر الشجرة

 

 

“واحد بالمئة؟ بل أظنها كثيرة عليه أيضاً.. ربما 0.1 بالمئة؛ هكذا يمكن تقدير حظوظه في النجاة أو النجاح”، تنهد العجوز بنبرةٍ غلب عليها الفتور قبل أن يستدير ويتراجع، تاركاً خلفه بوابة الضباب وهي تُطبق أنيابها البرقية على الصبية.

 

****

 

وقف جومانجي في قلب المزرعة الروحية، وبدأ يتأمل معالمها بهدوءٍ حذر.

 

كانت الطبيعة من حوله تبدو ساكنةً بشكلٍ مثالي؛ حيث وجد نفسه فوق هضبةٍ خضراء يفوح منها عبير النعناع المنعش، والسماء فوقه كانت زرقاء صافية، تذكره بنقاء قلبه القديم قبل أن تعصف الحوادث بسلام قريته وتقلب موازين حياته.

 

رمق جومانجي الأفق بعينين ثاقبتين؛ لم يكن هناك سوى غابةٍ صغيرة تمتد أمامه كحارسٍ أخضر، ومن خلفها برز جبلٌ شامخ يعلو المكان بهيبةٍ طاغية. أدرك جومانجي على الفور أن تلك القمة الشاهقة هي وجهته المنشودة التي أشار إليها جده في همسته الأخيرة.

 

بدأ جومانجي تحركه مستهدفاً ذلك الجبل الشامخ، ولكن قبل أن يقطع مسافة تذكر، اعترضت طريقه كائنات غريبة لم يألفها من قبل؛ كانت تبدو ككتلٍ هلامية مضيئة، تطفو في الهواء بخفة الريشة.

 

بدأت تلك الكائنات تحوم حوله في دوائر منتظمة، وكأنها استشعرت وجود دخيلٍ غريب على هذا العالم الروحي الساكن.

 

“ما هذه الأشياء؟” تمتم جومانجي بفضول، ومد يده محاولاً لمس أحدها بخفة، لكن قبل أن يلامس طرف إصبعه قوامها المتوهج، كانت تراوغه ببراعة فائقة، متجنبةً لمسته بحركاتٍ انسيابية ذكية.

 

عندما استعصى عليه الإمساك بها، قرر تجاهلها ومواصلة السير، إلا أن فضول تلك الكائنات الهلامية لم يتركه وشأنه؛ فبدأت تتبعه في أثره كظلالٍ مشعة، وكأنها تراقب وجهته وتريد سبر أغوار نواياه وما يبحث عنه في أعماق المزرعة.

 

على امتداد طريقه، أبصر جومانجي حياةً فطرية نابضة؛ غزلانٌ تمرح، وخنازير برية، وذئابٌ تتربص في الظلال، بينما كانت الطيور تصدح بألحانها فوق أغصان الأشجار.

 

توقف جومانجي عند ضفة نهرٍ رقراق وجلس ليرتاح قليلاً؛ فالوقت لا يزال في بدايته، وأمامه خمسة أيام كاملة في هذا البعد.

 

أراد في تلك اللحظة أن يسترجع كلمات جالفان عن “العليق” ويحلل مغزاها، لكن عقله ظل موصداً أمام أي فكرةٍ جديدة.

 

أغمض عينيه مستسلماً لسيمفونية الطبيعة التي يعشقها؛ زقزقة العصافير وتراقص خرير المياه على الصخور.

 

ومع ذلك، شعر بنقصٍ في هذا المشهد المثالي؛ لقد غاب صوت الرياح وهي تداعب الأغصان..

 

ففي هذا المكان، كان الجو ساكناً تماماً، مشحوناً بصمتٍ عميق يوحي بأن الزمان نفسه قد توقف عن الجريان.

 

أما تلك الكائنات الهلامية المضيئة، فقد ظلت تحوم حوله كأطيافٍ وفية ترفض الرحيل، وكأنها وجدت فيه مغناطيساً يجذبها.

 

استسلم جومانجي للحظة من المتعة والهدوء، لكنَّ ومضةً باغتت ذهنه فجأة فنهض واقفاً؛ لقد تذكر “مايرومي”، زوجته التي شاركته يوماً ما الاستلقاء على ضفاف أنهارٍ تشبه هذا النهر، حيث كان الزمان يذوب في ضحكاتهما. كانت تلك أياماً وارفة بالجمال، أما الآن، فقد استقرت في ركنٍ قصي من ذاكرته كذكرياتٍ موجعة لروحه”.

 

عصر الحزن قلب جومانجي وهو يسترجع تلك الأيام الخوالي، وشعر بضياعٍ موحش وشوقٍ جارف كاد أن يفتك به؛ لكنه سرعان ما استجمع ثباته وتمتم بصرامة: “ليس لدي وقتٌ لأضيعه.. عليَّ الذهاب”، ونفض عنه غبار الاسترخاء الذي كاد أن يثقل كاهل روحه.

 

شعر بمرارةٍ خفيفة؛ فكل ثانية يقضيها في تأمل في هذا المكان بدت له وكأنها خيانة لعهدٍ قطعه على نفسه. الوقت هنا أغلى من الذهب، ولا مجال للتأخير إذا أراد إيقاظ مزرعته الروحية والارتقاء بقوته.

 

واصل جومانجي طريقه، ليرى في الأنحاء صبيةً آخرين من أبناء قبيلته؛ كانوا يركضون بجنون ويطاردون تلك الكتل الهلامية المتوهجة بلهفةٍ عارمة، غير أن أحداً منهم لم يلحظ وجوده، فقد انصبَّ كامل تركيزهم على تلك الأشكال المضيئة التي كانت تراوغهم ببراعة وتفر من بين أيديهم.

 

هنا، توقف جومانجي قليلاً وألقى نظرةً فاحصة على “حراسه” المتوهجين الذين لا يزالون يتبعونه بهدوء؛ تساءل بدهشة: “لماذا تلاحقني أنا بانتظام، بينما تهرب من الآخرين؟”. لم يجد إجابةً شافية تفسرُّ انجذاب هذه الكائنات نحوه فهو لا يعرف شيء عنها.

 

تابع جومانجي سيره مخترقاً هذه الجغرافيا الروحية العجيبة؛ فمرَّ بحقولٍ شاسعة من الذرة، تلتها مساحاتٌ مغطاة بالأرز ثم حقولٌ ذهبية من القمح.

 

رأى واحةً من الطين اللزج تتقلب فيها الخنازير بسلام، وحدائق مثقلة بشجر التفاح، حيث حاول عبثاً قطف ثمرة واحدة، لكنها بدت وكأنها جزءٌ من نسيج المكان المنيع.

 

وفي البعيد، كانت قطعان الماعز ترعى في مروجٍ نائية، وكأنها قطعٌ من الغيوم المبعثرة على الأرض.

 

غير أن المشهد الذي أثار دهشته وصدم حواسه كان ذلك الوهج الأبيض الباهت الذي ينبعث من كل شيء حوله؛ من النباتات، والحيوانات، وحتى من الأشكال الحية حوله.

 

كان هذا الوهج يصعد في خيوطٍ رقيقة نحو السماء، وما إن يبلغ ارتفاعاً معيناً حتى يتلاشى فجأة ويختفي وكأنه لم يكن موجوداً قط.

 

وعلى جنبات هذه الحقول، لمح جومانجي صبيةً آخرين يجلسون على الأرض في وضعيات تأملٍ صارمة، مغمضي الأعين وكأنهم في سباقٍ مع الزمن.

 

كان المشهد مألوفاً رغم غرابته؛ فهم يحاولون استخلاص “العليق” من تلك المنتوجات الزراعية والحيوانية المحيطة بهم، مكرسين كل ذرة من وعيهم لتحويل ذلك الوهج الصاعد إلى طاقةٍ ليوقظوا بها مزارعهم.

 

لم يلتفت جومانجي لكل ما يدور حوله، ولم يحاول تقليد بقية الصبية في طرقهم تلك؛ بل اكتفى بالمضي قُدماً، فكلمات جده الأخيرة لا تزال تتردد في أعماقه.

 

وبعد مسيرةٍ ليست بالقصيرة، وصل جومانجي إلى سفوح الجبل المنشود؛ وفي تلك اللحظة، لاحظ أمراً غريباً، فقد توقفت تلك الكائنات الهلامية التي كانت تتبعه فجأة، وانكمشت على نفسها وكأنها اصطدمت بحاجزٍ من الرعب الفطري.

 

ظلت عالقةً في مكانها ترفض التقدم خطوة واحدة نحو المرتفع. استدار جومانجي نحوها متسائلاً بنبرة هادئة: “ألن تأتوا معي إلى هناك؟”.

 

لم يتلقَ رداً سوى اهتزازاتٍ خافتة من تلك الأطياف، وكأنها ترجوه أن يبقى معهم.

 

تجاهل تحذيرها الصامت، وأكمل صعوده الوعر حتى وطئت قدماه القمة؛ وهناك، تجلى له مشهدٌ يحبس الأنفاس.

 

انتصبت أمامه شجرةٌ أسطورية، عملاقةٌ لدرجة أنها تجعل أضخم مبنى ذي عشرة طوابق يبدو كقزمٍ أمامها؛ كانت أغصانها الملتوية غايةً في الضخامة، بحيث يمكن لعربةٍ كبيرة أن تمر فوق غصنٍ واحد منها وكأنه جسرٌ معلق.

 

لحاء الشجرة لم يكن عادياً، بل كان يفيضُ بنقوشٍ طبيعية تشبه العروق النابضة، يتصاعد منها وهجٌ أرجواني كثيف يصبغ السماء من حولها.

 

وبجانب هذه الشجرة، لم تكن هناك تربة عادية، بل كانت الأرض مغطاةً ببلوراتٍ شفافة تنمو كالأعشاب، تنبعث منها نغماتٌ خافتة تكاد لا تُسمع، وكأن المكان بأسره يغني بلغةٍ قديمة.

 

كانت هذه الشجرة في غابر الأزمان مجرد شجيرة ضئيلة، ترعرعت في كنف صاحبها حين كان على قيد الحياة، وحتى بعد رحيله ظلت لزمنٍ طويل على حالها تلك.

 

لكنَّ أمراً غامضاً طرأ عليها فجأة، فاستحالت بهذا الشموخ والضخامة التي لا يدرك كنهها أحد، غير أن الأساطير المنسية تؤكد أن في أحشاء هذه الشجرة سرّاً غير عادي بالمرة.

 

لقد حاول الكثيرون بلوغ جوهرها واقتناص ذلك السر، إلا أنه استعصى عليهم وأبى الخروج، وكأن كينونة الشجرة تنظر إلى العالم بازدراءٍ وترفع، فلا شيء في هذا الوجود يستحق أن تقع عليه نواظرها.

 

رفع جومانجي عينيه السوداوين نحو الأعالي، فصُدم بمشهد سبعة فتية معلقين في السماء، تتدلى بهم أغصان الشجرة وكأنهم ثمارٌ بشرية؛ كان من بينهم “كايروس” والفتى ذو الشعر الأبيض الغامض، وبقية الفتية الذين لم يتعرف جومانجي عليهم، جميعهم كانوا يرسفون في سكونٍ تام، مغمضي الأعين وكأنهم في غيبوبةٍ روحية.

 

اقترب جومانجي من جذع الشجرة محاولاً تفقدها قبل الإقدام على أي خطوة، لكن الشجرة لم تمنحه ترف الوقت؛ فجأة، انطلق غصنٌ منها بسرعةٍ خاطفة لم تترك له مجالاً للمراوغة، وانغرس في ظهره بقوةٍ سحبت جسده ليرتفع في الهواء كالبقية.

 

وفي لمح البصر، داهمه شعورٌ غريب بالخدر، فأغمض عينيه رغماً عنه.

 

حين فتح جومانجي عينيه مرة أخرى، لم يجد الجبل ولا الشجرة؛ بل وجد نفسه غارقاً في بياضٍ مطلق يمتد على مد البصر، فراغٌ شاسع لا يشوبه لونٌ أو أثر، وكأن الواقع قد مُحي تماماً.

 

“أين أنا؟”؛ تساءل بصوتٍ خافت وهو يلتفت يميناً وشمالاً، محاولاً تلمس ملامح هذا العالم الجديد.

 

في تلك اللحظة تحديداً، سقط كتابٌ صغير بين يديه؛ لم يدرك من أين أتى أو من الذي ألقاه، فرغم أنه رفع بصره نحو الأفق الأبيض الشاسع، لم يجد أثراً لأي كائن.

 

تفرّس جومانجي في غلاف الكتاب، فبانت له جملتان نُقشتا بوضوح: “النظرة للأمام”، وتحتها مباشرة “النظرة للخلف”.

 

وقف جومانجي حائراً أمام هذا اللغز، بدأ يقلبه ومعنى النظر فيه بعد ذلك قرر فتح الكتاب لعلّه يجد جواباً؛ وما إن لامست أنامله الصفحات، حتى اجتاحته سيولٌ من المعلومات الكثيفة التي تدفقت إلى عقله كالإعصار، ثم اختفى الكتاب تماماً، وكأن مكنونه قد امتزج بكيانه وصار جزءاً من وعيه.

 

انتاب جومانجي ذهولٌ مطبق، وارتسمت على وجهه علامات دهشة لم يسبق أن عرفها من قبل.

 

في زاوية أخرى من ذلك الفراغ الأبيض، كان الفتى ذو الشعر الأبيض يبتسم وهو يرمق البياض بعينين تلمعان بمكر وتصميم: “أيها ‘العليق’ المتكبر.. لقد جئتُ من أجلك اليوم، ستكون أنت الجنين الذي سيغذي مزرعتي الروحية”.

 

كان يمسك بنسخة من الكتاب ذاته، لكنه لم يفتحه؛ فقد كان يدرك محتواه جيداً.

 

استطرد هامساً لنفسه: “‘النظرة للخلف والنظرة للأمام’.. لطالما بحثتُ عنك بعد فناء القبيلة، لكنك تواريت عن الأنظار ولم تظهر طوال الألف عام التي قضيتها في رحلة المستقبل”.

 

ابتسم بزهو وأردف: “بمجرد أن يفشل أي شخص في نيل هذا العليق ويُطرد من حِمى الشجرة، تُمحى ذكرياته تماماً؛ وهكذا ظل هذا السر طي الكتمان لقرون، وإلا لكانت ضجة كبرى قد زلزلت أركان هذا العالم”.

 

ثم لمعت عيناه ببريق طموحٍ جامح: “عليقٌ من الرتبة الثانية.. عليق ‘النظرة للأمام والنظرة للخلف’؛ يا له من كائن يتحدى قوانين السماء! لقد نبشتُ في أسرارك طوال مئتي عام من أجل هذه اللحظة، لكي تكون ملكي وحدي.

 

في المستقبل الذي جئت منه، كنتَ السبب في دمار قبيلتنا، أما الآن، فبعد أن أستولي عليك، ستبقى القبيلة قائمة ولن يجرؤ أحد على كشف مكانك”.

 

نهاية الفصل.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط