وقف جومانجي شاخصاً ببصره نحو هذا الأفق الجديد الذي انفتح أمام وجدانه؛ مشهدٌ مهيبٌ يملأ المدى، حيث تمتد سهولٌ ترابية شاسعة يطغى عليها لونٌ أحمرُ مائلٌ للصفرة، كأنها أرضٌ لُفحت بنيرانٍ قديمة قبل أن يدركها اليباس.
لم يكسر حدة هذا الفراغ سوى بضع أشجارٍ هزيلة تناثرت هنا وهناك، كأطيافٍ تحاول التشبث بحياةٍ تلفظ أنفاسها الأخيرة.
جالت عيناه في أرجاء المكان، فوقع نظره على جبلٍ شاهقٍ رابضٍ في الأفق لا يبعد عنه الكثير؛ كان يمثل النقطة الأكثر هيبةً وسيطرة في هذه المزرعة الروحية التي تمتد مساحتها على نحو أربعة كيلومترات مربعة.
وفي الأعلى، انبسطت سماءٌ صافيةٌ تميل للزرقة العميقة، تخلو من شمسٍ واضحة لكنها تفيض بضياءٍ كافٍ لكشف معالم الوجود.
وبالقرب منه، انثنى نهرٌ صغيرٌ يشق صدر اليابسة بوئيد، ينساب ماؤه برقّةٍ ذكر جومانجي بأنهار “البنسنس” التي رآها في غابة الخيزران.
ورغم جمال هذا المشهد، إلا أن المزرعة كانت تعاني من فراغٍ موحش؛ فلا معالم تكسر رتابة السهول سوى بعض الصخور البنية الضخمة التي استوطنت الأرض، كأنها حراشف تماسيح.
بعد أن سكنت عواصف الدهشة في صدره، تمتم جومانجي بصوتٍ خفيض: “إذاً.. هذه هي مزرعتي الروحية”.
لم يتوقع جومانجي أن يرى أرضه بهذا القحط؛ فهو الآن ما يزال فوق مزرعة القبيلة، هذه الجنة الخضراء البهية التي تضج بالحياة وتفيض خيراتها في كل زاوية، عكس هذا الصمت القاحل الذي يواجهه الآن.
لكنه سرعان ما طرد المقارنة من رأسه؛ فلا عجب في ذلك الفارق الشاسع، فمزرعة قبيلته كانت قد بلغت المرتبة الرابعة من التطور والازدهار، بينما مزرعته هو لم تكد تفتح جفنيها لتستقبل النور لأول مرة.
بدأ جومانجي يتجول في أرجاء هذا العالم الصغير، يستشعر ملمس الهواء والنسمات العابرة؛ لم يكن جسده اللحمي هو من يطأ هذه التربة الحمراء، بل كانت “إرادته” المتجسدة هي التي تخوض غمار هذا الفراغ، تتجول وترى معالم مزرعته.
انحنى جومانجي بجسده الروحي، وقبض بيد “إرادته” على حفنةٍ من ذلك التراب المحمر؛ رمق الذرات التي تتسرب من بين أصابعه بنظرةٍ خبيرة، هو الذي أفنى عشرين عاماً من عمره، كان أكثر من نصفها كفاحاً مريراً في زراعة الحقول وتربية الماشية فوق أرض الواقع.
لم تكن خبرته في الفلاحة مجرد ذكريات، بل كانت غريزةً تجري في عروقه، وبناءً عليها تمتم ببطء ونبرةٍ يملؤها التحليل: “هذه التربة.. جودتها رديئة جداً، تكاد تخلو من الروح. عليّ أن أجد سبيلاً لتطويرها”.
غرق في دوامةٍ من التفكير؛ فكيف لمن هو جديدٌ على هذا العالم الروحي القائم على القوانين الغامضة أن يطور هذه الأرض؟
لكنه سرعان ما نفض عن رأسه غبار الحيرة؛ فثمة أمرٌ أكثر إلحاحاً يفرض نفسه الآن، هدفٌ يفوق في أهميته جودة التربة وخصوبة السهول.. كان عليه أن يسرع ليرى إن كان جديراً بالحصول على ذلك “العليق” الأسطوري قبل أن تفوت الفرصة.
في العالم الخارجي، كان العجوز، حامي المزرعة، يراقب جسد جومانجي الساكن بعينين تلمعان بالترقب. لقد ذهلت إرادة العجوز حين رأى كيف كانت مزرعة هذا الفتى تتمنع بعصيانٍ غريب.
“ما بك أيها الفتى؟ هل استيقظت مزرعتك أخيراً؟” سأل العجوز حين رأى علامات العودة تلوح على ملامح الصبي.
فتح جومانجي عينيه ببطء، وكأن ضياء العالم الخارجي بات غريباً عليه، ثم أومأ برأسه بوقار: “نعم.. لقد استيقظت، شكراً على توجيهاتك التي أنارت بصيرتي أيها الجد”.
اعتدل العجوز في جلسته وقال بنبرةٍ تجمع بين الصرامة والنصح: ” مبارك لك أيها الزميل الروحي، بما أن المزرعة قد استيقظت، فاعلم أن الاختبار الحقيقي قد بدأ الآن.
لا مكان للتهاون في هذا العالم، فلكل مجتهدٍ نصيبٌ يُكتب بجهده.
حتى لو كانت مزرعتك من الدرجة الممتازة، فإنها ستصبح عادية دون رعاية، وحتى لو كانت رديئة الجودة، فلا ضير في ذلك ما دام خلفها إرادةٌ لا تكل؛ فالعمل والاجتهاد هما وحدهما ما يُؤتي الثمار في نهاية المطاف”.
“أفهم ذلك تماماً..” قال جومانجي وهو يقف محيياً العجوز باحترامٍ شديد.
تابع العجوز محذراً: “الآن، عليك تأمين ‘جنين’ لمزرعتك لكي تستقر أركانها.
أمامك خياران لا ثالث لهما: إما أن تروض ذلك العليق المتكبر وتجعله قلباً لأرضك، أو أن تجتهد لتحويل جوهر العليق الذي في المزرعة إلى عليقٍ مكتمل يغرس جذوره في أعماقك.
تذكر جيداً.. أمامك ثلاثة أيام فقط منذ هذه اللحظة، هي مهلة الوجود لمزرعتك الناشئة”.
سأل جومانجي بفضولٍ يشوبه الحذر: “وماذا لو انقضت الأيام الثلاثة دون أن أجد الجنين؟”.
تنهد العجوز ونظر إلى الشجرة العظمية فوقه قائلاً ببرود: “في تلك الحالة، استعد لتوديع مزرعتك؛ ستنهار مزرعتك وتتلاشى كما ينهار القش العليل أمام ريحٍ عاصفة”.
وعندما لاحظ العجوز مسحة من العبوس والاضطراب تعتري ملامح جومانجي، سارع إلى طمأنته بنبرةٍ خبيرة قبل أن ينصرف: “لا تنزعج كثيراً الآن، فالمزرعة لن تتركك تائهاً؛ قبل أن تحين لحظة الانهيار الفعلي، ستتراءى لك ‘لمحاتٌ’ تحذيرية تظهر للمرة الأولى فوق أفق أرضك.
إذا رأيت تلك العلامات، فاعلم حينها أن الانهيار لم يعد يفصلك عنه سوى بضع ساعاتٍ معدودة، وهي فرصتك الأخيرة لإيجاد جنين مزرعتك بسرعة”.
“وما هي هذه العلامات؟” سأل جومانجي بنبرة يملؤها التوجس.
أجاب العجوز وهو يشيح بنظره بعيداً: “لا يوجد جوابٌ ثابتٌ لهذا السؤال يا بني؛ فالعلامات تعتمد على طبيعة مزرعتك وماهية روحك..
لذا، لا أدري يقيناً ما الذي سيظهر لك، لكنك ستعرفه حين تراه، فالمزرعة لا تخطئ إنذار موتها”.
في غياهب روح جومانجي، وبعيداً عن إدراك العجوز أو جومانجي نفسه، حدث أمرٌ يتنافى مع قوانين المنطق الروحي المعهود؛ فتلك البذرة التي تفتقت وانفجرت لتوقظ المزرعة من سباتها، لم تتلاشَ كدخانٍ في أرجاء المكان، بل استعادت كيانها وتكثفت من جديد لتعود إلى هيئتها الأولى..
بذرةً غامضة استقرت بوقارٍ في مركز الروح، جاثمةً بجانب رفيقتها السوداء، كتوأمين ينتظران لحظة التجلي الاعظم
****
ومع استيقاظ فجر المزارع الجديدة، لم يكن جومانجي هو الوحيد الذي كسر قيود العجز؛ فقد استيقظت مزارع الأشخاص السبعة الآخرين تباعاً، لتبدأ رحلتهم المحفوفة بالمخاطر نحو الهدف المنشود.
وسط هؤلاء، كان الشاب ذو الشعر الأبيض يتهادى في مشيته ببطءٍ مدروس، واضعاً يده فوق صدره وكأنه يتحسس نبض العالم بين كفيه.
لم يكن القلق يجد سبيلاً لملامحه، بل كانت ثقته تسبق خطواته، يقينه الراسخ يهمس له بأنه الوحيد الأجدر بالظفر بذلك العليق المتكبر.
أغمض عينيه برهة وهو يتابع سيره، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ونبس بصوتٍ يقطر ثقة: “كما هو مقدر تماماً.. مزرعةٌ من الدرجة المتوسطة”.
لم يبدُ عليه الإحباط من جودة أرضه المتوسطة، بل تابع بزهوٍ مريب: “يا لها من جودة بائسة، لكنها لا تهم.. فلدي طريقة لجعل هذه القفار تتحول إلى تربة ممتازة تفوق الخيال.
هذه المرة، لن يكون صعودي مجرد تسلقٍ عادي، بل سيكون برقاً يخطف الأبصار، أسرع وأقوى مما خططت له سابقاً فقط انتظريني أيتها القارات سبع”.
وبالعودة إلى جومانجي، فقد ترك خلفه العجوز وظلال الشجرة العظمية، مستأنفاً مسيره في ذلك المدى المجهول.
في تلك اللحظة، لم يعد مجرد فتى يطارد الأوهام، بل غدا فلاحاً روحياً حقيقياً، يخطو خطواته الأولى في هذا العالم القاسي.
سار جومانجي وسط ذلك البياض الناصع بهدوءٍ مريب، ورغم أن الوقت بدأ ينسلّ من بين يديه دون أن تلوح في الأفق أي بادرة لشيء، إلا أنه لم يتردد؛ بل واصل تقدمه بعزيمة صلبة، نابذاً خلفه أي ذرة من التكاسل.
وكما هو الحال مع جومانجي، كان الصبية الآخرون يخوضون غمار المسافات الطويلة، تتقطع أنفاس إرادتهم في ذلك السديم دون جدوى، لكنهم مثله تماماً، أكملوا طريقهم مدفوعين بطموحٍ لا يرحم.
ما غاب عن إدراك الفتية جميعاً، بمن فيهم ذلك الشاب ذو الشعر الأبيض، هو أن الزمان في هذا الحيز المكاني كان ينسحق تحت وطأة قوانين مرعبة؛ فالوقت يمر بسرعة مهولة لا تخضع لمنطق العالم الخارجي.
الدقيقة الواحدة في الخارج كانت تلتهم في داخل عقولهم عشرة أيام كاملة من المسير والجهد.
كان تمدد الزمن هنا أسرع بكثير من ذلك الذي يوجد في مزرعة القبيلة.
لكن وطأة هذا التسارع كانت تنهش عقولهم وإدراكهم فحسب، دون أن تترك أثراً على أجسادهم الفانية؛ فلولا ذلك لكانت مزارعهم الروحية التي استيقظت لتوها لن تتحمل هذا العبء الزمني، وستتلاشى وكأنها لم تكن.
مضت الأيام في وعيهم، وبدأ نبض الوقت يتسارع بجنون، فاستبد الخوف بقلوب الصبية؛ إذ فقدوا القدرة على تمييز الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم..
هل انقضى يومٌ واحد في العالم الخارجي، أم يومان، أم أن المهلة قاربت على النفاد؟ كانوا يتحسسون استقرار مزارعهم الروحية بين الحين والآخر بقلوبٍ وجلة، وحين يجدونها لا تزال صامدة، يتنفسون الصعداء في ارتياحٍ مؤقت، مدركين أن هذا الهدوء هو الستر الرقيق الذي يسبق العاصفة.
كان الشاب ذو الشعر الأبيض أول من استشعر وطأة الخطر الزاحف؛ فخبرته جعلته يدرك جيداً المآل المأساوي الذي ينتظر المزرعة إن لم يتم تطعيمها بـ “جنين” روحي يمنحها الحياة.
ومع كل تسارعٍ جديد في وتيرة الزمان، انكب الصبية على مراقبة مزارعهم بحدة، باحثين عن أي تغييرٍ طفيف قد يطرأ على تكوينها.
في تلك الأثناء، استنتج الشاب ذو الشعر الأبيض بذكائه الحاد أنهم غارقون بالفعل في “اختبار” ذلك العليق المتكبر، لكن ماهية هذا الاختبار ظلت لغزاً مستعصياً حتى عليه.
أما جومانجي، فقد واصل مسيره وسط ذلك السديم بهدوءٍ لافت، لكنه كان هدوءاً مشوباً باليقظة؛ إذ كان يرمق مزرعته بين الفينة والأخرى، مترقباً ظهور أي “علامة” تنبئ بقرب الفناء.
كان الصراع يحتدم داخله في صمت: هل يواصل طريقه في هذا البياض اللامتناهي إن ظهرت اي علامة للإنهيار، أم يعود أدراجه ليبحث عن “عليقٍ” آخر أقل شأناً يضمن به بقاء أرضه؟ كانت مخاطرةً كبرى، فإما أن يظفر بالقمة أو يهوي إلى العدم مع مزرعته التي لم تكد تبصر النور.
كان جومانجي يدرك في أعماقه أن هذه الفرصة هي نقطة تحول لن تتكرر؛ فبعد أن تناهى إلى علمه القدرات الفذة لذلك العليق، أيقن أن الظفر به لن يكون مجرد انتصارٍ لحظي، بل سيكون حجر الأساس الذي سيُجنبه ويلاتٍ لا حصر لها في هذا العالم الغريب الذي لا يرحم الضعفاء.
كان يرى في ذلك العليق رفيقاً استراتيجياً قادراً على ترويض المستحيل، ومظلةً تحميه من عواصف المجهول؛ لذا، فإن التراجع الآن لم يكن مجرد خيارٍ آمن، بل كان بالنسبة له بمثابة وأدٍ لمستقبلٍ لم يبدأ بعد.
نهاية الفصل
