محاولة تعويض الخسائر
ان أول شعور انتاب سيفن هو الغثيان. أما الشعور الثاني فكان الألم، وثقل شيء ما يضغط على صدرها. وهي في حالة ذهول، حاولت أن تفتح عينيها، لكن حبيبات الصخور المتساقطة جعلت رؤيتها مشوشة. رمشت بعينيها، محاولةً تصفية الرؤية، وتكافح من أجل كل نفس.
استغرق الأمر منها عدة ثوانٍ من التنفس المتعثر لتتذكر ما حدث. لماذا كانت جالسة مدفونة تحت عدة أقدام من الأنقاض، تكافح من أجل التنفس أصلاً. لكن الأسوأ من الألم في صدرها كان الألم الحارق والنابض في ذراعها. توضحت رؤيتها أخيرًا، لكنها وجدت نفسها في ظلام أعمق. كان ضوء خافت ومتوهج يتسلل من ثغرة في الظلام — شق بين الصخور؟ هل كان بوكيت قد جاء لإنقاذها؟ مجرد التفكير في ذلك أرسل وخزة في أحشائها. هي التي تسببت في هذا الانهيار، وإذا لم ينجُ بوكيت و لوكا… أغمضت عينيها بشدة لتبعد تلك الفكرة وركزت بدلاً من ذلك على الخروج من تحت الأنقاض. “شيء واحد في كل مرة”، قالت لنفسها. حاولت تحرير ذراعيها، لكن يديها لم تجد سوى الصخور الحادة لتتشبث بها. دفعت، لكن القوة التي كانت تمتلكها قبل الانهيار قد تلاشت بوضوح. تذكرت بشكل غامض ومضة ضوء أثناء سقوطها — ربما كانت آخر بقايا تلك القوة التي تغادر جسدها. ربما كان ذلك هو السبب الوحيد لبقائها على قيد الحياة. “انتهى الأمر”، فكرت. ثم تجمدت في مكانها، وشعرت بوخزة من الذعر في أحشائها. ماذا لو كانت مدفونة حيةً حقًّا؟ في حالة من الذعر، تقلبت في مكانها، فتحركت الصخور قليلاً جدًّا. ظنت أنها سمعت أصواتًا من الجانب الآخر. ومع ذلك، ازداد الثقل على صدرها، فسبت بهدوء، وتجمدت مرة أخرى، حذرة من أن تزيد الأمر سوءًا. لم تكن تعاني أبدًا من مشكلة مع الأماكن المغلقة بشكل خاص؛ فقد كانت فيلهوم مليئة بالأزقة الضيقة والغرف الأصغر حجمًا والحانات السرية، المختبئة خلف المباني نفسها. كانت تلك أماكن للاستكشاف، وأماكن للهروب من الشعور الممل بالتوقعات التي كانت تعذبها مع كل خطوة. لكن الآن، بدا ذلك المكان المغلق حقيقيًا للغاية، ومميتًا للغاية إذا لم تستطع الهروب. “لا يمكنني أن أصاب بالذعر”، فكرت، وهي تحاول تهدئة دقات قلبها. بالتأكيد لم تسقط من ارتفاع كبير إلى هذا الحد. بالتأكيد كان لوكا وبوكيت في مكان قريب، يبحثان عنها. وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فلا بد أن هناك مخرجًا — حتى لو كانت قد استنفدت قوتها تمامًا جراء السقوط. دفعت ذعرها جانبًا، وكذلك الرغبة التي كادت لا تُقاوم في التقيؤ، محاولةً التركيز على الموقف الحالي. كان عليها أن تظل ساكنة — أو على الأقل تتحرك بحذر، تحسبًا لكون إصابتها أشد مما تظن. “أنا بحاجة حقًا لاختبار حدود هذا الشيء أيا كان”، فكرت. فمعرفة مدى سرعة استنزاف قوتها، وعدد النردات التي تحتاجها لاستعادتها، قد ينقذ حياتها. هذا إذا تمكنت من النجاة من هذا الموقف. إذا تحركت بسرعة كبيرة، فقد تتحرك الصخور، مما يقطع عنها الهواء تمامًا. لكنها لم تكن متأكدة إلى متى ستتمكن من تحمل التنفسات السطحية المتقطعة التي أُجبرت عليها. كان عليها أن تفعل شيئًا، على الأقل. “مغامرة أخرى”، فكرت بوجوم. ورغم أنها كانت من محبي المخاطرة، إلا أنها كانت تستمتع بالمخاطر في إطار يمكنها التحكم فيه أكثر بكثير من تلك التي تتعلق بحياتها. ومع ذلك، كان عليها أن تخرج — إن لم يكن من أجل نفسها، فمن أجل بوكيت ولوكا. بصراحة، لم تكن تريد التفكير في أي منهما على الإطلاق. كل ما كانت تنوي فعله هو حفر ثقب في الجدار لتوفير ممر هروب لهما — وليس دفنهم الثلاثة أحياء. حركت بضع أصابع، على أمل أن تفك بعض الصخور. انفتح فجوة بضع بوصات تحت أصابعها، وتمكنت من إدخال يدها في الفجوة. تحركت الكومة، لكنها صمدت. “حتى الآن، كل شيء على ما يرام”، فكرت بوجوم. وبعد أن انتهت من ذلك، انتزعت ذراعها من قبضة الصخور الحديدية. انحسرت الصخور حول وجهها، وشعرت سيفن ببعض الهواء يتدفق مرة أخرى إلى رئتيها. كانت تتوقع أن يغمرها الضوء، لكنها بدلاً من ذلك وجدت نفسها وجهاً لوجه مع بوكيت المتوهج. “بوكيت”، قالت وهي تلهث، وصوتها يخرج خشنًا ومتقطعًا. وميض بوكيت بعدة ألوان في آن واحد، ثم بدا أنه استقر على لون أرجواني باهت ينم عن الذعر. “على قيد الحياة. بائع الفطائر على قيد الحياة!” قفز ذهابًا وإيابًا على الأرض أمامها، ولم يبدُ عليه أي أثر للتعب، وشعرت سيفن بأن بعض توترها يذوب أمام خفة دمه. “سأقدم مطالبة بتعويض عن إصابة عمل”، تابع. “أضرار عاطفية. صدمة وجودية. كل شيء.” “بوكيت”، قالت، وهي تحاول الضحك فتتحول إلى نوبة سعال خانقة، “أنت بخير. وأنا من لا يزال عالقًا تحت الأنقاض.” “أنا لست بخير. هل تعرفين كيف يشعر “السلايم” عند السقوط؟ كل شيء يهتز في كل مكان ولا توجد أي جاذبية لتثبيت كل هذا”. “أين لوكا؟” سألت سيفن، خائفة من التحرك أكثر. بفضل ضوء بوكيت، كان من السهل رؤية حجم الكومة التي كانت محاصرة تحتها — وكيف أنه لا يوجد مكان آخر يمكن أن تذهب إليه. إذا تحركت بشكل خاطئ، فقد تتسبب في انهيار الكومة بأكملها فوقها وفوق بوكيت معًا. “ذهب ليبحث عنكِ”، قال بوكيت بهدوء. “على الجانب الآخر من…” “سيفن.” دوى صوت لوكا في أرجاء الممر، ودخل وهو يعرج في ضوء بوكيت الخافت، يبدو عليه أنه مصاب بكدمات وجروح، لكنه لم يتضرر بشكل خطير. “يا إلهي، هل أنتِ…” “لم أمت بعد”، قالت بصوت خشن، ثم أشارت برأسها إلى الكومة. “ساعدني، لكن كن حذرًا — لست متأكدة من مدى ثبات تلك الكومة”. “ليست ثابتة جدًّا”، علق، وهو ينظر إليها بقلق. ومع ذلك، ركع وساعدها ببطء ودقة على سحب نفسها من بين الصخور، شيئًا فشيئًا. كانت العملية مؤلمة بشكل لا يطاق، وفي كل مرة كانت سيفن تعتقد أنها تحررت، كانت الكومة تتحرك أكثر، فتدفنها في الأنقاض من جديد. في النهاية، وبصوت أنين، تمكن لوكا أخيرًا من تحريرها. في الأعلى، دوت الصخور، وسقطت بضع صخور طائشة على الأرض. صرّت سيفن أسنانها، وهي تراقب الكومة، خائفة من أن تقول أي شيء، خائفة حتى من أن تتحرك خوفًا من اهتزاز الكومة. حتى بوكيت كان هادئًا، يراقب بعيون حمراء مذعورة أضاءت النفق بضوء قرمزي. أخيرًا، عندما قررت سيفن أنها لن تُدفن بسبب المزيد من قراراتها الخاطئة، أطلقت تنهيدة طويلة مرتجفة وبدأت في تقييم الوضع. كان بوكيت ولوكا سالمين. لم تكن متأكدة كيف بالضبط، نظرًا لأنها كانت متأكدة تمامًا من أنها كانت ستتعرض لإصابات أسوأ بكثير لولا تلك القوى التي كانت تحميها بطريقة ما. في الواقع… استدارت، تبحث عن الحقيبة المعلقة على وركها، ووجدتها لحسن الحظ هناك. “ألا تعتقدين أن لدينا أمورًا أهم لنقلق بشأنها من مسألة ما إذا كنا قد هربنا بالشظايا أم لا؟” سأل لوكا، وهو منزعج بوضوح. “لو كنتِ تركتِ بيرت يأخذها، لما كنا في هذا الموقف.” “لا،” وافقت سيفن، وهي تفك رباط حقيبتها. “لكنه كان سيستمر في فعل ذلك مرارًا وتكرارًا. على الأقل الآن أصبح يعلم أنه من الأفضل ألا يتورط معنا.” “وهذا لا يهم إذا كنا ميتين،” قال لوكا بحدة، وصوته يتصدع. “لماذا تتفقدين غنيمتك؟” نظرت سيفن داخل الحقيبة وعبست. حسنًا، هذا بالتأكيد يفسر سبب بقائها على قيد الحياة. بالإضافة إلى ضعفها. ألقت الحقيبة نحو لوكا. “لا توجد غنيمة تذكر،” قالت، وهي تتفقد جذعها بحثًا عن كدمات. كانت متأكدة إلى حد ما من أنها كسرت ضلعًا. “كلها غير حادة.” “لم تكن كذلك من قبل”، قال لوكا، وقد فقد صوته بعضًا من نيرانه بسبب المشكلة المثيرة للاهتمام التي أمامه. ومع ذلك، حتى لو جمع بين الأمور، فإنه لم يقل شيئًا. “لن يضر ذلك بأي شيء”، فكرت سيفن، وهي تتألم وهي تضغط على أضلاعها. “ليس وكأنه يعرف ما يكفي لإلحاق أي ضرر.” “حسنًا، هم كذلك الآن”، قالت. “يمكننا أن نجد شيئًا آخر ونحن في طريقنا للخروج.” “إن كان هناك طريق للخروج أصلاً”، تمتم لوكا. “ذكّريني ألا أصادق أي شخص أبدًا مرة أخرى — خاصةً عندما يعرضون عليّ شظايا. كان ذلك نذير شؤم.” “اسمع، هل كنت تفضل أن أتركك تحت رحمة متنمر في ساحة المدرسة؟” قالت بحدة، وهي تنهض على قدميها. دارت الغرفة حولها، واضطرت إلى التماسك على كومة الصخور القريبة. حسنًا، هذا ليس جيدًا. هل كانت قوتها تتضاءل بسبب نقص شظايا النرد؟ أم الأسوأ من ذلك، هل كان السبب هو النرد الذي أخفته في كفها في اليوم السابق؟ بالتأكيد لن تؤثر إصاباتها عليها بهذه الشدة. “أفضل أن تبقي بعيدًا عن شؤوني إن كان الأمر لا يهمك،” قال لوكا. “أعرف احتمالاتي، وأعرف متى أتصرف بحذر. ربما تريدين إثبات شيء ما، لكنني نجوت كل هذه المدة هنا في الأسفل لأنني لا أغضب أشخاصًا مثل بيرت.” “البقاء على قيد الحياة ليس كافيًا،” ردت سيفن بحدة. “البقاء على قيد الحياة هو مجرد طريقة أخرى للموت.” “يبدو أن هذه طريقة ممتازة للموت، إذا جاز لي أن أقول ذلك بنفسي،” قال لوكا، وهو ينطلق غاضبًا عبر النفق. تبعته سيفن، وهي تشعر بالانزعاج فجأة. “ليس معك حتى مصباح،” قالت. “إذا سقطت في حفرة، كيف يكون ذلك خطئي؟ وعلى أي حال، الأمر ليس سيئًا بالكامل. يمكننا الحصول على بعض الخام عالي الجودة هنا في الأسفل، وإيجاد طريقنا للعودة إلى السطح. إنه مجرد نفق. يمكننا—” توقفت عندما أدركت أنها لم تعد ترى يدها أمام وجهها. “بوكيت، هل يمكنك مساعدتي قليلاً؟” قرر بوكيت، الذي كان جالسًا على كتفها يصدر أصوات انفجارات صغيرة، أن يفي بالوعد الذي قطعه لها في أول يوم لها في LMC. فأطلق ضوءًا ساطعًا على النفق، كان ساطعًا وقويًّا لدرجة أن سيفن اضطرت إلى تغطية عينيها للحظة. لكن كانت هناك مشكلة واحدة فقط. لم يكن ذلك نفقًا على الإطلاق. بل كانت كاتدرائية.
ان أول شعور انتاب سيفن هو الغثيان. أما الشعور الثاني فكان الألم، وثقل شيء ما يضغط على صدرها. وهي في حالة ذهول، حاولت أن تفتح عينيها، لكن حبيبات الصخور المتساقطة جعلت رؤيتها مشوشة. رمشت بعينيها، محاولةً تصفية الرؤية، وتكافح من أجل كل نفس.
