المحققة السماوية الناشئة
الفصل 174 – المحققة السماوية الناشئة
انساب ضوء القمر الفضي في ذلك المساء كبساط من حرير.
استأنف تيه شيويه لنغ حديثه قائلًا: “والآن، حللي لي شخصية هذا الفتى فانغ يوان.”
هزت تيه روو نان رأسها نفيًا: “كلا، فأسياد الغو يضعون شرف العشيرة وسمعتهم الشخصية فوق أرواحهم، ولا سيما فئة الشباب الذين تغلي الدماء الحارة في عروقهم حماسةً وعزة نفس. ما لم يكن المرء متبلد المشاعر صفيق الوجه، وعديم الحياء إلى أقصى حد.”
فوجئت تيه روو نان وسألت: “أبي، أتضع فانغ يوان في دائرة الاتهام؟” ثم استطردت موضحة: “بدا لي شخصًا رصينًا حاضر الذهن، وحين استعرض معالم القرية جاءت كل كلمة من فمه في موضعها الدقيق وبنسق محكم… مهلًا!…”
“طبيعة شيطانية؟”
شهقت تيه روو نان فجأة وسحبت نفسًا عميقًا من الهواء البارد.
أدركت ضآلة الأمل في العثور على شهود من تلك النواحي.
قطبت حاجبيها واستطردت: “لم ألتفت إلى هذا الأمر من قبل، غير أن تنبيهك نبهني إليه في التو! هذا الفتى بارع في الحديث إلى أبعد الحدود؛ جاء كل ما ساقه مجردًا من العواطف الشخصية، ونقل الوقائع بحياد مطلق كشاهد عيان يقف على الحياد. لم يترك في حديثه أي ثغرة يُستدل منها على قرينة خفية؛ بدت كلماته نقية… نقية للغاية.”
غادر فانغ يوان المكان دون تردد.
ترددت الفتاة قليلًا قبل أن تستقر على وصف كلماته بالنقاء التام.
ردت الفتاة بفطنة: “كلا؛ فأهم ميزة في النعل هي ملاءمته التامة لقدمه. ولو كان مسلوبًا لما طابق حجم قدميه المشوهتين بدقة. انظر إلى هذا: ساقه اليسرى أقصر قليلًا، وفقدت ثلاثة أصابع، لذا جاء النعل الأيسر أقصر ومفصلًا بدقة على مقاس القدم المبتورة. والقطع في الأصابع مستوٍ تمامًا، مما يرجح أنه وطئ فخًا من فخاخ الصيد بطريق الخطأ في شبابه.”
أومأ تيه شيويه لنغ برأسه مؤيدًا ثم هز رأسه نافيًا: “لم يتخلَ عن عواطفه؛ فكل إنسان تجري العواطف في عروقه، حتى أعتى القتلة قساوة يملكون مشاعر. غير أنه أتقن ستر دخيلته، وفرض سيطرة مطلقة على انفعالاته. هذا الفتى ينطوي على طبيعة شيطانية خالصة.”
فكرت تيه روو نان في سرها: ‘هذا مجرد افتراض يفتقر إلى البينة القاطعة. وسواء أكان القاتل أم لا، فلا بد من استجلاء أمره؛ فلعله الخيط الذي يقودنا إلى الحقيقة الغائبة!’
“طبيعة شيطانية؟”
——
“بالتأكيد؛ أمعني التفكير في صنيعه إبان المأدبة؛ لقد جهر بالحقيقة مجردة وأقر أمام الملأ بأنه كان جبانًا ويخاف من الموت، وبذلك نجا من العقوبة ولم تُطبق عليه أحكام العشيرة. ولكن أي فتى في مثل سنه يجرؤ على قول مثل هذا الكلام أمام الجميع مفرطًا في سمعته ومكانته الشخصية؟” تساءل تيه شيويه لنغ.
قطبت حاجبيها واستطردت: “لم ألتفت إلى هذا الأمر من قبل، غير أن تنبيهك نبهني إليه في التو! هذا الفتى بارع في الحديث إلى أبعد الحدود؛ جاء كل ما ساقه مجردًا من العواطف الشخصية، ونقل الوقائع بحياد مطلق كشاهد عيان يقف على الحياد. لم يترك في حديثه أي ثغرة يُستدل منها على قرينة خفية؛ بدت كلماته نقية… نقية للغاية.”
هزت تيه روو نان رأسها نفيًا: “كلا، فأسياد الغو يضعون شرف العشيرة وسمعتهم الشخصية فوق أرواحهم، ولا سيما فئة الشباب الذين تغلي الدماء الحارة في عروقهم حماسةً وعزة نفس. ما لم يكن المرء متبلد المشاعر صفيق الوجه، وعديم الحياء إلى أقصى حد.”
قطبت الفتاة جبينها وسألت: “أثبت ذلك باعتراف صريح منه؟” بينما وقف والدها تيه شيويه لنغ بجانبها بقناعه النحاسي كتمثال أصم.
قاطعها تيه شيويه لنغ بحزم: “كلا؛ فالصفاقة وانعدام الحياء خصلتان من خصال الدهماء والأراذل. ولكن هل رمقتِ تعابير وجه فانغ يوان في تلك اللحظة؟ لقد بدت ملامحه طبيعية وساكنة للغاية، مفعمة بصدق تام؛ وكان يتحدث بالفعل من صميم قلبه دون أدنى مواربة. فكري في الأمر مليًّا: من ذا الذي يقبل التخلي عن سمعته طواعية؟”
قطبت حاجبيها واستطردت: “لم ألتفت إلى هذا الأمر من قبل، غير أن تنبيهك نبهني إليه في التو! هذا الفتى بارع في الحديث إلى أبعد الحدود؛ جاء كل ما ساقه مجردًا من العواطف الشخصية، ونقل الوقائع بحياد مطلق كشاهد عيان يقف على الحياد. لم يترك في حديثه أي ثغرة يُستدل منها على قرينة خفية؛ بدت كلماته نقية… نقية للغاية.”
غرقت تيه روو نان في التفكير لبرهة، ثم تبدلت قسمات وجهها فجأة وقالت: “أولئك الذين ظهروا في سجلات التاريخ وضحوا بسمعتهم… كانوا جميعًا شخصيات استثنائية وأفذاذًا عظامًا!”
رغب في الفرار من مستنقع السياسة، غير أن مو تشن جذبه إلى قاعه قسرًا؛ فتحاصره أطماع الفصائل، ويشرع تيه شيويه لنغ في نبش القضية، بينما استعاد باي نينغ بينغ ذراعه في الطرف الآخر.
“أصبتِ كبد الحقيقة. فطوال مسيرة التاريخ، لم يفرط أولئك الذين ضحوا بسمعتهم إلا لأحد مقصدين اثنين: إما لتنويم يقظة الآخرين وخفض حذرهم لتحقيق غاياتهم الكبرى، وإما للنجاة بحياتهم، فيتخلون عن السمعة لتبديد الشبهات وإبعاد الأنظار عنهم!”
شهقت تيه روو نان فجأة وسحبت نفسًا عميقًا من الهواء البارد.
التمع بريق حاد في عيني تيه روو نان: “أبي، هل تقصد إذن أن…”
لم يثبت تيه شيويه لنغ قولها ولم ينفه، وامتنع عن إبداء أي تعليق تقويمي؛ تاركًا لروو نان حرية التصرف كما وعدها.
قاطعها تيه شيويه لنغ قائلًا: “لقد أمعنتِ في الظنون وتجاوزتِ الحد. كل ما في الأمر أنني أجد هذا الشاب مثيرًا للاهتمام بحق، غير أن المؤسف أنه لا يحمل سوى موهبة من الدرجة ج…”
مضى نصف النهار وعادت خالية الوفاض؛ فالمد الأخير تفوق شراسة على كل ما سبقه تاريخيًا، وأباد القرى التابعة عن بكرة أبيها، مسقطًا كل أمل في استجواب الناجين.
——
دهش تيه شيويه لنغ من دقة ملاحظتها.
انساب ضوء القمر الفضي في ذلك المساء كبساط من حرير.
استطردت موضحة: “الجثة لرجل في منتصف العمر، ذراعه اليمنى أغلظ من اليسرى، وتكسو راحتيه طبقة غليظة من الجلبات المتصلبة غير المتناسقة. تكسو بدنه جراح مميتة تشهد على شراسة نزاله الأخير؛ غير أن جسده يحمل كذلك آثار إصابات قديمة، ولا سيما قدمه اليسرى التي فقدت ثلاثة أصابع منذ سنوات خلت.”
مشى فانغ يوان في الشارع الخالي بخطى ثابتة ملؤها العزم والصلابة.
لم يثبت تيه شيويه لنغ قولها ولم ينفه، وامتنع عن إبداء أي تعليق تقويمي؛ تاركًا لروو نان حرية التصرف كما وعدها.
أثبت احتكاكه المباشر بتيه شيويه لنغ صحة ما تواتر عنه من أنباء؛ يملك هذا الرجل بصيرة تنفذ إلى خبايا النفوس، وذكاءً يماثل لجج البحار عمقًا. صال وجال في أرجاء الحدود الجنوبية لعقود خلت مخلدًا اسمه بحروف من ذهب، وهو بلا ريب فذ من نوابغ الدهر.
انضوى فصيل الدواء في الأصل تحت لواء زعيم العشيرة، لكنه بات مؤهلًا للاستقلال برايته. وسواء اختارت غو يوي ياو جي الانفصال أو البقاء تحت عباءة الزعيم، فإنها ستسعى لالتهام فصيلي مو وتشي الضعيفين لتعزيز نفوذها.
تعد تبرئة الساحة أمام قامة كهذه مهمة في غاية العسر؛ فإن أُتيح له الوقت الكافي، فسينجلي له وجه الحق لا محالة.
ردت الفتاة بفطنة: “كلا؛ فأهم ميزة في النعل هي ملاءمته التامة لقدمه. ولو كان مسلوبًا لما طابق حجم قدميه المشوهتين بدقة. انظر إلى هذا: ساقه اليسرى أقصر قليلًا، وفقدت ثلاثة أصابع، لذا جاء النعل الأيسر أقصر ومفصلًا بدقة على مقاس القدم المبتورة. والقطع في الأصابع مستوٍ تمامًا، مما يرجح أنه وطئ فخًا من فخاخ الصيد بطريق الخطأ في شبابه.”
‘المعركة الحالية سباق محموم مع الزمن. غير أن رغبة فصيل مو في استمالتي تمثل ورقة رابحة يمكن توظيفها بحنكة.’
التمع بريق حاد في عيني تيه روو نان: “أبي، هل تقصد إذن أن…”
طلب فانغ يوان في الجوسق الصيفي طلبات تعجيزية مقابل الزواج من مو يان؛ فاشترط الحصول على مئة ألف حجر بدائي، وعشر ديدان غو نادرة لا تقل رتبتها عن المرتبة الثالثة!
‘المعركة الحالية سباق محموم مع الزمن. غير أن رغبة فصيل مو في استمالتي تمثل ورقة رابحة يمكن توظيفها بحنكة.’
أشعلت هذه الشروط حنق الشيخ غو يوي مو تشن وغضبه؛ فبدلًا من أن يقدم مهره لخطبة حفيدته المصونة، يطالب الفصيل بتلك المطالب الجائرة؟!
سأل تيه شيويه لنغ في اللحظة المناسبة: “انقطع هذا الخيط؛ فما وجهتكِ التالية؟”
عد مو تشن تلك الجرأة وقاحة واستغلالًا لا يطاق؛ فانفض السامر وطرده الشيخ من داره على الفور.
فإذا بأول نبأ يطرق مسامعها يقطع بأن الجاني نال جزاءه بالفعل!
غادر فانغ يوان المكان دون تردد.
رغب في الفرار من مستنقع السياسة، غير أن مو تشن جذبه إلى قاعه قسرًا؛ فتحاصره أطماع الفصائل، ويشرع تيه شيويه لنغ في نبش القضية، بينما استعاد باي نينغ بينغ ذراعه في الطرف الآخر.
أدرك فانغ يوان مأزق مو تشن، وتيقن أن الشيخ سيقدم تنازلات حتمية في نهاية المطاف؛ وما شروطه الباهظة إلا تكتيك مدروس للمساومة؛ يبخس السعر عند الشراء، ويرفعه إلى السماء عند البيع.
ردت الفتاة بفطنة: “كلا؛ فأهم ميزة في النعل هي ملاءمته التامة لقدمه. ولو كان مسلوبًا لما طابق حجم قدميه المشوهتين بدقة. انظر إلى هذا: ساقه اليسرى أقصر قليلًا، وفقدت ثلاثة أصابع، لذا جاء النعل الأيسر أقصر ومفصلًا بدقة على مقاس القدم المبتورة. والقطع في الأصابع مستوٍ تمامًا، مما يرجح أنه وطئ فخًا من فخاخ الصيد بطريق الخطأ في شبابه.”
‘غير أن هذا السبيل يحمل مغانم ومغارم متكافئة. فبينما تتيح الأحجار البدائية تغذية لوتس كنز الجوهر السماوي، ستحبط خطتي السابقة في النأي بنفسي عن معمعة السياسة. ضحى مو تشن بسمعته في المأدبة لإنقاذ مكانتي، وسيجلب ذلك عليّ نقمة الشيوخ الآخرين وتربصهم.’
‘غير أن هذا السبيل يحمل مغانم ومغارم متكافئة. فبينما تتيح الأحجار البدائية تغذية لوتس كنز الجوهر السماوي، ستحبط خطتي السابقة في النأي بنفسي عن معمعة السياسة. ضحى مو تشن بسمعته في المأدبة لإنقاذ مكانتي، وسيجلب ذلك عليّ نقمة الشيوخ الآخرين وتربصهم.’
تلخص المشهد السياسي في قرية غو يوي على النحو التالي: زعيم العشيرة في أوج عافيته؛ أما كبار الشيوخ، فهلك غو يوي تشي ليان غير أن فصيل تشي لم يندثر لوجود الوريث تشي تشنغ وبقاء الشيخ تشي تشونغ. في المقابل، فُجع فصيل مو بمصرع وريثه الوحيد وتردت زراعة مو تشن إلى المرتبة الثانية، وبات عاجزًا حتى عن الاحتفاظ برتبة الشيخ.
***
انحدر الفصيلان العريقان نحو الهاوية، في حين صعد فصيل الدواء بفضل اعتماده على أسياد غو معالجين؛ إذ سلموا من المذابح المباشرة وحافظوا على كامل قوتهم، ليتأهبوا لبسط هيمنتهم.
انضوى فصيل الدواء في الأصل تحت لواء زعيم العشيرة، لكنه بات مؤهلًا للاستقلال برايته. وسواء اختارت غو يوي ياو جي الانفصال أو البقاء تحت عباءة الزعيم، فإنها ستسعى لالتهام فصيلي مو وتشي الضعيفين لتعزيز نفوذها.
أطلق المحقق السماوي تنهيدة ملؤها الفخر والرضا: “لقد نضجتِ بحق يا ابنتي.”
إن لم تبادر بالانقضاض الآن، فسيصعب عليها ذلك متى استرد الفصيلان تماسكهما الداخلي.
قاطعها تيه شيويه لنغ بحزم: “كلا؛ فالصفاقة وانعدام الحياء خصلتان من خصال الدهماء والأراذل. ولكن هل رمقتِ تعابير وجه فانغ يوان في تلك اللحظة؟ لقد بدت ملامحه طبيعية وساكنة للغاية، مفعمة بصدق تام؛ وكان يتحدث بالفعل من صميم قلبه دون أدنى مواربة. فكري في الأمر مليًّا: من ذا الذي يقبل التخلي عن سمعته طواعية؟”
تأمل فانغ يوان صفحة السماء، وأطلق زفرة خافتة: “العيش بين بني البشر يجر القيود، فما بالي لا أطلق شعري ليعانق الريح وأبحر في عباب البحار؟ أمضي مع الرياح وأشق الأمواج قاطعًا ثلاثين ألف لي، ذلك هو المسار الشيطاني الحقيقي الذي أرتضيه لنفسي!”
أمضت تيه روو نان ردحًا من الوقت في الفحص والتدقيق، ثم نهضت تشتعل شغفًا.
رغب في الفرار من مستنقع السياسة، غير أن مو تشن جذبه إلى قاعه قسرًا؛ فتحاصره أطماع الفصائل، ويشرع تيه شيويه لنغ في نبش القضية، بينما استعاد باي نينغ بينغ ذراعه في الطرف الآخر.
أطلق المحقق السماوي تنهيدة ملؤها الفخر والرضا: “لقد نضجتِ بحق يا ابنتي.”
وجد نفسه كربان سفينة وحيدة تمخر عباب الظلمات وسط الأخطار المحدقة؛ فكيف السبيل لشق طريق النجاة؟
***
——
‘المعركة الحالية سباق محموم مع الزمن. غير أن رغبة فصيل مو في استمالتي تمثل ورقة رابحة يمكن توظيفها بحنكة.’
في صباح اليوم التالي.
تأمل فانغ يوان صفحة السماء، وأطلق زفرة خافتة: “العيش بين بني البشر يجر القيود، فما بالي لا أطلق شعري ليعانق الريح وأبحر في عباب البحار؟ أمضي مع الرياح وأشق الأمواج قاطعًا ثلاثين ألف لي، ذلك هو المسار الشيطاني الحقيقي الذي أرتضيه لنفسي!”
صعقت تيه روو نان وسألت بارتباك: “ماذا؟ أتقول إن قاتل جيا جين شنغ عُثر عليه وقُتل في حينه؟”
أدرك فانغ يوان مأزق مو تشن، وتيقن أن الشيخ سيقدم تنازلات حتمية في نهاية المطاف؛ وما شروطه الباهظة إلا تكتيك مدروس للمساومة؛ يبخس السعر عند الشراء، ويرفعه إلى السماء عند البيع.
استيقظت الفتاة مع تباشير الصباح لتشرع رسميًا في إجراءات التحقيق.
أمضت تيه روو نان ردحًا من الوقت في الفحص والتدقيق، ثم نهضت تشتعل شغفًا.
فإذا بأول نبأ يطرق مسامعها يقطع بأن الجاني نال جزاءه بالفعل!
استأنف تيه شيويه لنغ حديثه قائلًا: “والآن، حللي لي شخصية هذا الفتى فانغ يوان.”
أوضح أحد الشيوخ: “نعم؛ تمثل القاتل في سيد غو شيطاني تسلل لقتل نابغة عشيرتنا الصاعد، ولقي مصرعه في ساحة النزال.”
“بالتأكيد؛ أمعني التفكير في صنيعه إبان المأدبة؛ لقد جهر بالحقيقة مجردة وأقر أمام الملأ بأنه كان جبانًا ويخاف من الموت، وبذلك نجا من العقوبة ولم تُطبق عليه أحكام العشيرة. ولكن أي فتى في مثل سنه يجرؤ على قول مثل هذا الكلام أمام الجميع مفرطًا في سمعته ومكانته الشخصية؟” تساءل تيه شيويه لنغ.
قطبت الفتاة جبينها وسألت: “أثبت ذلك باعتراف صريح منه؟” بينما وقف والدها تيه شيويه لنغ بجانبها بقناعه النحاسي كتمثال أصم.
استطردت بحماسة: “تحيط بمصرع هذا الصياد الشيطاني ريبة كبرى: أولًا، ما الدافع الذي حمله على استهداف فانغ تشنغ تحديدًا؟ وما الجرم الذي اقترفه الفتى ليجازف هذا الرجل بحياته في عملية انتحارية محتومة الهلاك؟ والأهم من ذلك: ما دام من أهل الجبل، فكيف عجز الجميع عن التعرف على هويته بعد مقتله؟”
هز الشيخ كتفيه: “لم يعترف؛ لكن إن لم يكن هو الفاعل، فمن عساه يكون؟”
دهش تيه شيويه لنغ من دقة ملاحظتها.
فكرت تيه روو نان في سرها: ‘هذا مجرد افتراض يفتقر إلى البينة القاطعة. وسواء أكان القاتل أم لا، فلا بد من استجلاء أمره؛ فلعله الخيط الذي يقودنا إلى الحقيقة الغائبة!’
استأنف تيه شيويه لنغ حديثه قائلًا: “والآن، حللي لي شخصية هذا الفتى فانغ يوان.”
رفعت الفتاة رأسها وقالت بحزم: “أين دُفنت جثته؟ أريد فحص الجثمان فورًا!”
استطردت موضحة: “الجثة لرجل في منتصف العمر، ذراعه اليمنى أغلظ من اليسرى، وتكسو راحتيه طبقة غليظة من الجلبات المتصلبة غير المتناسقة. تكسو بدنه جراح مميتة تشهد على شراسة نزاله الأخير؛ غير أن جسده يحمل كذلك آثار إصابات قديمة، ولا سيما قدمه اليسرى التي فقدت ثلاثة أصابع منذ سنوات خلت.”
رقد الجثمان داخل تابوت خشبي بالٍ متداعٍ.
تصلبت ملامح الفتاة فجأة.
هبت رائحة التعفن الكريهة من التابوت، مما دفع الخدم والحراس إلى الفرار بعيدًا للاحتماء من النتن.
هز الشيخ كتفيه: “لم يعترف؛ لكن إن لم يكن هو الفاعل، فمن عساه يكون؟”
أما المحقق وابنته فثبتا كطودين راسخين؛ ولمعت عينا تيه روو نان بحماسة بالغة، ومدت يدها تشرع في تفحص الجثة بدقة.
تختزن أجساد الموتى قرائن لا حصر لها، وقد تكفي كدمة ضئيلة أو خدش يسير للإشارة إلى هوية القاتل!
رغب في الفرار من مستنقع السياسة، غير أن مو تشن جذبه إلى قاعه قسرًا؛ فتحاصره أطماع الفصائل، ويشرع تيه شيويه لنغ في نبش القضية، بينما استعاد باي نينغ بينغ ذراعه في الطرف الآخر.
بدت معالم الجثة واضحة رغم كثرة الجراح، وظل الميت مرتديًا ثيابه الأصلية.
تختزن أجساد الموتى قرائن لا حصر لها، وقد تكفي كدمة ضئيلة أو خدش يسير للإشارة إلى هوية القاتل!
أمضت تيه روو نان ردحًا من الوقت في الفحص والتدقيق، ثم نهضت تشتعل شغفًا.
قطبت الفتاة جبينها وسألت: “أثبت ذلك باعتراف صريح منه؟” بينما وقف والدها تيه شيويه لنغ بجانبها بقناعه النحاسي كتمثال أصم.
سأل تيه شيويه لنغ بهدوء يختبر فراستها: “هل ظفرتِ بشيء؟”
اعترض الأب ممتحنًا: “ما الذي يؤكد كونه من سكان الجبل؟ لعل النعل سُلب من قروي محلي بعد قتله!”
أجابت الفتاة: “ظنت عشيرة غو يوي أن هذا الرجل هو قاتل جيا جين شنغ، لذا حفظوا جثته بعناية. وثمة ألغاز تحيط بهذا الجثمان.”
سأل تيه شيويه لنغ: “إلى أي نتيجة يقودكِ هذا الاستنتاج؟”
استطردت موضحة: “الجثة لرجل في منتصف العمر، ذراعه اليمنى أغلظ من اليسرى، وتكسو راحتيه طبقة غليظة من الجلبات المتصلبة غير المتناسقة. تكسو بدنه جراح مميتة تشهد على شراسة نزاله الأخير؛ غير أن جسده يحمل كذلك آثار إصابات قديمة، ولا سيما قدمه اليسرى التي فقدت ثلاثة أصابع منذ سنوات خلت.”
شهقت تيه روو نان فجأة وسحبت نفسًا عميقًا من الهواء البارد.
واصلت استنتاجها بثقة: “احترف هذا الرجل الصيد في أصله؛ وثمة قرائن تثبت ذلك: عدم تناسق عضلات جانبيه والجلبات المتصلبة في يديه تشير إلى كونه رامي سهام متمرسًا. وتحمل بشرته ندوب مخالب وعضات وحوش ضارية، مما يبرهن على خوضه نِزالات متكررة مع كواسر الغاب. فوق ذلك، لا تشبه ثيابه أزياء أسياد الغو التقليدية، ونعله مصنوع من عشب قنب الخيزران الذي لا ينمو إلا قرب خيزران تشينغ ماو؛ وجبل تشينغ ماو وحده هو من ينبت هذا الخيزران دون الجبال المجاورة.”
فكرت تيه روو نان في سرها: ‘هذا مجرد افتراض يفتقر إلى البينة القاطعة. وسواء أكان القاتل أم لا، فلا بد من استجلاء أمره؛ فلعله الخيط الذي يقودنا إلى الحقيقة الغائبة!’
سأل تيه شيويه لنغ: “إلى أي نتيجة يقودكِ هذا الاستنتاج؟”
“طبيعة شيطانية؟”
لمعت عينا الفتاة: “قبل أن يسلك هذا الرجل المسار الشيطاني، عاش صيادًا على جبل تشينغ ماو!”
الفصل 174 – المحققة السماوية الناشئة
اعترض الأب ممتحنًا: “ما الذي يؤكد كونه من سكان الجبل؟ لعل النعل سُلب من قروي محلي بعد قتله!”
رفعت الفتاة رأسها وقالت بحزم: “أين دُفنت جثته؟ أريد فحص الجثمان فورًا!”
ردت الفتاة بفطنة: “كلا؛ فأهم ميزة في النعل هي ملاءمته التامة لقدمه. ولو كان مسلوبًا لما طابق حجم قدميه المشوهتين بدقة. انظر إلى هذا: ساقه اليسرى أقصر قليلًا، وفقدت ثلاثة أصابع، لذا جاء النعل الأيسر أقصر ومفصلًا بدقة على مقاس القدم المبتورة. والقطع في الأصابع مستوٍ تمامًا، مما يرجح أنه وطئ فخًا من فخاخ الصيد بطريق الخطأ في شبابه.”
‘المعركة الحالية سباق محموم مع الزمن. غير أن رغبة فصيل مو في استمالتي تمثل ورقة رابحة يمكن توظيفها بحنكة.’
لم يثبت تيه شيويه لنغ قولها ولم ينفه، وامتنع عن إبداء أي تعليق تقويمي؛ تاركًا لروو نان حرية التصرف كما وعدها.
تذكرت في التو أن جبل تشينغ ماو مر للتو بكارثة مد الذئاب الماحقة؛ وإذا كانت القرى الرئيسية ترنحت تحت وطأتها، فما عسى أن يحل بالقرى الصغيرة المتناثرة؟
تابعت الفتاة: “بناءً على هذه الفرضية، يمكننا التقصي في القرى التابعة للجبل للوصول إلى طرف الخيط… مهلًا!”
أجابت الفتاة: “ظنت عشيرة غو يوي أن هذا الرجل هو قاتل جيا جين شنغ، لذا حفظوا جثته بعناية. وثمة ألغاز تحيط بهذا الجثمان.”
تصلبت ملامح الفتاة فجأة.
قطبت الفتاة جبينها وسألت: “أثبت ذلك باعتراف صريح منه؟” بينما وقف والدها تيه شيويه لنغ بجانبها بقناعه النحاسي كتمثال أصم.
تذكرت في التو أن جبل تشينغ ماو مر للتو بكارثة مد الذئاب الماحقة؛ وإذا كانت القرى الرئيسية ترنحت تحت وطأتها، فما عسى أن يحل بالقرى الصغيرة المتناثرة؟
الفصل 174 – المحققة السماوية الناشئة
أدركت ضآلة الأمل في العثور على شهود من تلك النواحي.
أمضت تيه روو نان ردحًا من الوقت في الفحص والتدقيق، ثم نهضت تشتعل شغفًا.
‘رغم ضآلة الأمل، لا بد لي من المحاولة ما دامت ثمة بارقة احتمال!’ انطلقت الفتاة مفعمة بالحماسة في قضيتها الأولى المستقلة.
في صباح اليوم التالي.
مضى نصف النهار وعادت خالية الوفاض؛ فالمد الأخير تفوق شراسة على كل ما سبقه تاريخيًا، وأباد القرى التابعة عن بكرة أبيها، مسقطًا كل أمل في استجواب الناجين.
غرقت تيه روو نان في التفكير لبرهة، ثم تبدلت قسمات وجهها فجأة وقالت: “أولئك الذين ظهروا في سجلات التاريخ وضحوا بسمعتهم… كانوا جميعًا شخصيات استثنائية وأفذاذًا عظامًا!”
سأل تيه شيويه لنغ في اللحظة المناسبة: “انقطع هذا الخيط؛ فما وجهتكِ التالية؟”
ردت الفتاة بفطنة: “كلا؛ فأهم ميزة في النعل هي ملاءمته التامة لقدمه. ولو كان مسلوبًا لما طابق حجم قدميه المشوهتين بدقة. انظر إلى هذا: ساقه اليسرى أقصر قليلًا، وفقدت ثلاثة أصابع، لذا جاء النعل الأيسر أقصر ومفصلًا بدقة على مقاس القدم المبتورة. والقطع في الأصابع مستوٍ تمامًا، مما يرجح أنه وطئ فخًا من فخاخ الصيد بطريق الخطأ في شبابه.”
جزت الفتاة على أسنانها بإصرار وعناد: “كلا، لم ينقطع الأمل بعد. لقد علمتني يا أبي أن الخيوط الحقيقية تقبع غائرة في الأعماق، ولا تطفو إلا لمن يثابر في التنقيب عنها.”
إن لم تبادر بالانقضاض الآن، فسيصعب عليها ذلك متى استرد الفصيلان تماسكهما الداخلي.
استطردت بحماسة: “تحيط بمصرع هذا الصياد الشيطاني ريبة كبرى: أولًا، ما الدافع الذي حمله على استهداف فانغ تشنغ تحديدًا؟ وما الجرم الذي اقترفه الفتى ليجازف هذا الرجل بحياته في عملية انتحارية محتومة الهلاك؟ والأهم من ذلك: ما دام من أهل الجبل، فكيف عجز الجميع عن التعرف على هويته بعد مقتله؟”
هز الشيخ كتفيه: “لم يعترف؛ لكن إن لم يكن هو الفاعل، فمن عساه يكون؟”
دهش تيه شيويه لنغ من دقة ملاحظتها.
رفعت الفتاة رأسها وقالت بحزم: “أين دُفنت جثته؟ أريد فحص الجثمان فورًا!”
أطلق المحقق السماوي تنهيدة ملؤها الفخر والرضا: “لقد نضجتِ بحق يا ابنتي.”
إن لم تبادر بالانقضاض الآن، فسيصعب عليها ذلك متى استرد الفصيلان تماسكهما الداخلي.
***
مضى نصف النهار وعادت خالية الوفاض؛ فالمد الأخير تفوق شراسة على كل ما سبقه تاريخيًا، وأباد القرى التابعة عن بكرة أبيها، مسقطًا كل أمل في استجواب الناجين.
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.تأمل فانغ يوان صفحة السماء، وأطلق زفرة خافتة: “العيش بين بني البشر يجر القيود، فما بالي لا أطلق شعري ليعانق الريح وأبحر في عباب البحار؟ أمضي مع الرياح وأشق الأمواج قاطعًا ثلاثين ألف لي، ذلك هو المسار الشيطاني الحقيقي الذي أرتضيه لنفسي!”
أما المحقق وابنته فثبتا كطودين راسخين؛ ولمعت عينا تيه روو نان بحماسة بالغة، ومدت يدها تشرع في تفحص الجثة بدقة.
