دعوة قبيلة مان
الفصل 444 – دعوة قبيلة مان
أجاب مان دو بنبرة باكية واحمرت عيناه: “الأمر حق لا مراء فيه؛ وهزم شي وو شر هزيمة. ولم يظهر ذلك الرجل سوى نزر يسير من قواه حتى عبث بأقوى شيوخنا كأنه طفل، وبأسه الحقيقي بحر لا ساحل له. إلا أنني المسؤول الأول عن الإخفاق لتقصيري في جمع الأخبار؛ وإني لنادم أشد الندم، وأضرع إلى والدي أن ينزل بي العقوبة المستحقة!”
في ربوع السهول الشمالية حيث لا تعلو راية فوق راية القوة ولا ينال التوقير سوى أرباب البأس، استطاع مان دو كسب حظوة والده، وبلغ من النفوذ ما أتاح له تجييش شيوخ العشيرة لمنازلة قبيلة غي؛ وما ذلك إلا برهان ساطع على كفاءته وجرأته، وأنه لم ينحدر قط إلى مصاف الفتيان المترفين العاجزين.
ضحك مان دو ضحكة جافة مصطنعة: “أمر هين أيها الخبير الكبير! إن أعوزتك الأحجار البدائية، فهذا الصغير يتبرع بتقديم خمسمئة ألف حجر بدائي هدية لجنابك!”
التمعت في عيني فانغ يوان نظرة تسلية خفية: “أنا، تشانغ شان يين، نزلتُ ضيفًا على قبيلة غي بفضل الأقدار، وأعلم علم اليقين أعراف مروج الشمال؛ وصحيح أنه لا يجدر بي التدخل في نزاعات الآخرين. بيد أنني سمعتُ هذا الأخ الصغير للتو يعرض مئة ألف حجر بدائي؛ ولما كانت الأحجار تعوزني في هذه الأيام، فلِمَ أرد مالًا ساقه صاحبه إليّ؟”
اكفهر وجه مان دو، وغشيه خزي شديد؛ وأدرك أن لا جدوى من الجدال، فأطبق فمه ورمق شي وو بنظرة آمرة.
كاد شي وو، لسماع ذلك، يصفع شدقه ندمًا وحسرة.
تجمد زعيم قبيلة مان في مكانه مأخوذًا بذهول عميق.
ندب حظه في سره: “يا لشؤم لساني وسفاهة مقالتي! كيف جلبتُ لنفسي نقمة خبير من الرتبة الرابعة؟!” وغص فؤاده بمرارة لا توصف.
قطب فانغ يوان حاجبيه وزجره: “اغرب.”
ضحك مان دو ضحكة جافة مصطنعة: “أمر هين أيها الخبير الكبير! إن أعوزتك الأحجار البدائية، فهذا الصغير يتبرع بتقديم خمسمئة ألف حجر بدائي هدية لجنابك!”
ركز رجال غي خلف فانغ يوان أبصارهم، والتمعت عيونهم ترقبًا لصولات البطل الأسطوري.
بدا مغزى عرضه واضحًا وضوح الشمس: أراد شراء حياده وتنحيته جانبًا.
تنهد فانغ يوان قائلًا: “ارقد.” ومد إصبعًا واحدة بدت بطيئة للناظرين، لكنها لامست نصل الفأس في لمح البصر.
في تلك اللحظة، تعلقت أبصار أهل غي بفانغ يوان في وجل واضطراب.
وكان زعيم قبيلة مان مفتول العضلات ضخم البنية، يتربع في ذروة الرتبة الرابعة. وجلس فوق مقعده الوثير المفروش بجلد نمر يرمق ابنه بنظرات ثاقبة: “في هذه المرة، سقط زعيم غي طريح الفراش، واقتدتَ نخبة من أهل الرتبة الثالثة، فكيف أخفقتم؟ تقصيرك لا ريب فيه، بيد أن أنباء بلغتني تزعم ظهور خبير آخر من الرتبة الرابعة لدى قبيلة غي، أحق هذا؟”
فرغم ما حازه فانغ يوان من صيت أسطوري، إلا أن الصيت مجرد سمعة تتردد على الألسن، والذين يجسدون أفعال الأبطال في الواقع قلة نادرة.
تجمد زعيم قبيلة مان في مكانه مأخوذًا بذهول عميق.
فوق ذلك، تسري بين الناس حكمة مأثورة: ‘الحكيم يجاري الرياح’. فقبيلة غي في انحدار وشدة، في حين تتربع قبيلة مان على عرش المنعة والسطوة؛ وتشانغ شان يين مجرد غريب عابر، ولا مسوغ يدفعه للتورط وجلب المتاعب لنفسه.
هكذا، استحال فانغ يوان إلى قطب الرحى ومحط أنظار الجمع، وغدا موقفه الفيصل في تحديد مسار الأحداث.
لوح فانغ يوان بيده في ترفع: “أنت مجرد سيد من الرتبة الثالثة؛ فإن سخرتُ قواي لسحقك، ظن الناس أن تشانغ شان يين يستأسد على الضعفاء. انصرف.”
تحت تلك النظرات المترقبة، انطلقت من فانغ يوان ضحكة شامخة ملؤها الفخار: “الرجل الشهم لا ينال من المال إلا ما استطابه بعرق جبينه. وخمسمئة ألف حجر تأتيني هبة دون استحقاق لا أجد في نفسي موضعًا لقبولها؛ أما مئة ألف أنتزعها بحد السلاح في ساحة الوغى، فهي الغنيمة الحقة التي يطيب بها الخاطر! هلمّ إليّ، ووفقًا لنواميس السهول الشمالية، قبلتُ منازلتك!”
فلم يمضِ على انضوائه تحت لواء قبيلة مان سوى وقت يسير، وتقلد رتبة شيخ خارجي تواقًا لإثبات ولائه وإحراز الأمجاد. ورغم ضآلة رتبة مان دو، إلا أنه نجل الزعيم الثالث؛ فلما بلغه نبأ مرض زعيم غي القديم، رافقه مبادرًا بالتحدي. ومن تراه حَسِبَ أن تشانغ شان يين يقف له بالمرصاد؟!
ثم خطا فانغ يوان واعتلى ساحة النزال.
ندب حظه في سره: “يا لشؤم لساني وسفاهة مقالتي! كيف جلبتُ لنفسي نقمة خبير من الرتبة الرابعة؟!” وغص فؤاده بمرارة لا توصف.
صاح غي غوانغ من ورائه بصوت خنقته العبرات: “أيها العم تشانغ شان يين!” وتهللت أساريره بدموع الفرح التي غمرت وجنتيه، وارتفعت هتافاته مشجعة.
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
اهتزت جوانح شيوخ قبيلة غي تأثرًا وإكبارًا.
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
“كما عهدناك يا تشانغ شان يين، بطل حق يصدع بالصواب!”
ردها فانغ يوان مرارًا ترفعًا، ثم عاد وقبلها قائلًا: “نزلتُ بساحتكم ضيفًا، وإغاثتكم واجب يمليه الوفاء؛ ولما كنتُ في ضائقة حقيقية للأحجار البدائية، فسأقترضها منكم مؤقتًا.”
“رجل لا تفتنه الأموال ولا تزعزعه المغريات، نعم الفارس الأبي!”
وجاءت حركاته غير متوقعة، تتمايل كبتلات أزهار في مهب الريح؛ وأبرزت عريكة منكبيه ورشاقة خصره هيبة الفرسان وأناقة الصناديد.
“ما أكثر من يهديك الزهر في الرخاء، وما أقل من يمد يده بالعون في الشدة! سيظل تشانغ شان يين ضيف الشرف الأعظم في قبيلتنا إلى أبد الآبدين!”
رغم أن الخصم في المرحلة الابتدائية للرتبة الرابعة وهو في ذروة الرتبة الثالثة، وقد يبدو الفارق بينهما ضئيلًا للعيان، إلا أن شي وو يدرك تمامًا أن الهوة الفاصلة بين الرتبتين كالهوة بين السماء والطارق.
اكفهر وجه مان دو، وغشيه خزي شديد؛ وأدرك أن لا جدوى من الجدال، فأطبق فمه ورمق شي وو بنظرة آمرة.
لكنه ما إن بدأ حديثه، حتى وثب زعيم قبيلة مان عن مقعده مذهولًا، وحدق في ابنه بحدة: “أقال إن اسمه تشانغ شان يين؟! أي تشانغ شان يين يعني؟! أمتيقن أنت من هذا الاسم؟!”
استشعر شي وو ثقل نظرة مان دو، وتجرع غصة مرة في حلقه.
اصفر وجه شي وو، واندحرت شجاعته بالكامل؛ فقد أحكم فانغ يوان قبضته على الميدان، كليث يعبث بحمل وديع. وأيقن شي وو بعجزه، وكلما اشتد به هذا الهاجس، تضاءلت طاقته وساء حاله.
فلم يمضِ على انضوائه تحت لواء قبيلة مان سوى وقت يسير، وتقلد رتبة شيخ خارجي تواقًا لإثبات ولائه وإحراز الأمجاد. ورغم ضآلة رتبة مان دو، إلا أنه نجل الزعيم الثالث؛ فلما بلغه نبأ مرض زعيم غي القديم، رافقه مبادرًا بالتحدي. ومن تراه حَسِبَ أن تشانغ شان يين يقف له بالمرصاد؟!
وبعد انقضاء بضعة أيام، في مخيم قبيلة غي.
رغم أن الخصم في المرحلة الابتدائية للرتبة الرابعة وهو في ذروة الرتبة الثالثة، وقد يبدو الفارق بينهما ضئيلًا للعيان، إلا أن شي وو يدرك تمامًا أن الهوة الفاصلة بين الرتبتين كالهوة بين السماء والطارق.
“كما عهدناك يا تشانغ شان يين، بطل حق يصدع بالصواب!”
بيد أنه في هذا الموقف وجد نفسه في مأزق لا فكاك منه؛ فإن نكص عن القتال، تلاحقه وصمة الجبن والعار؛ وفي بيئة السهول الشمالية التي تقدس الجرأة والشجاعة، سينسف ذلك مستقبله إلى غير رجعة.
وبعد انقضاء بضعة أيام، في مخيم قبيلة غي.
كز شي وو على نواجذه، واقتحم ساحة النزال مرغمًا.
طاخ! طاخ! طاخ!
انحنى أمام فانغ يوان معتصرًا ابتسامة باهتة: “تفضل.”
هكذا، استحال فانغ يوان إلى قطب الرحى ومحط أنظار الجمع، وغدا موقفه الفيصل في تحديد مسار الأحداث.
أومأ فانغ يوان برأسه إيماءة خفيفة، وثبت في مكانه؛ وفجأة، نبت على جسده فراء ذئب لازوردي بسرعة خاطفة.
تحرك فانغ يوان كخيال خاطف، والتحم به عن قرب ملتحفًا بقوة يديه؛ فبثلاث ضربات ساحقة، هشم دروع العظام الثلاثة واستحالت إلى شظايا متطايرة!
غطى فراء الذئب جسده قاطبة، كاسيًا أذنيه ووجهه وأطرافه.
استشعر شي وو ثقل نظرة مان دو، وتجرع غصة مرة في حلقه.
غاص قلب شي وو في صدره: “إنه غو جلد ذئب اللازورد!” ورغم أن هذا الغو شائع من ديدان الرتبة الرابعة، إلا أن حصانته الدفاعية صلبة يعجز سيد غو من الرتبة الثالثة عن اختراقها بيسر.
“تبًا له! لم يظهر شي وو ذرة من بأسه، وخلع الخصم فؤاده رعبًا! ومع ذلك، فهذا السيد من الرتبة الرابعة جبار المراس؛ قهر الشيخ شي وو دون أن يتصبب منه عرق! وإن هلك شي وو هنا، فقدتُ شيخًا من أركان قبيلتي، وسأواجه نقمة إخوتي وغضب والدي حين أرجع!”
ركز رجال غي خلف فانغ يوان أبصارهم، والتمعت عيونهم ترقبًا لصولات البطل الأسطوري.
ردد في سره بذهول: “تشانغ شان يين، تشانغ شان يين… من تكون بحق السماء؟!”
بل صاح بعضهم بحدة: “اقتله! إنه قاتل شيخنا الثالث!”
تحت تلك النظرات المترقبة، انطلقت من فانغ يوان ضحكة شامخة ملؤها الفخار: “الرجل الشهم لا ينال من المال إلا ما استطابه بعرق جبينه. وخمسمئة ألف حجر تأتيني هبة دون استحقاق لا أجد في نفسي موضعًا لقبولها؛ أما مئة ألف أنتزعها بحد السلاح في ساحة الوغى، فهي الغنيمة الحقة التي يطيب بها الخاطر! هلمّ إليّ، ووفقًا لنواميس السهول الشمالية، قبلتُ منازلتك!”
ارتعدت فرائص شي وو لسماع ذلك، وأدرك فداحة الورطة: “ويل لي! بعد المنازلات السابقة، لم يتبقَ في بحر جوهري سوى ثلاثين بالمئة من الجوهر البدائي؛ وما عهدتُ في نفسي طاقة لمجابهته في أوج عافيتي، فكيف بي الآن؟!”
هكذا، استحال فانغ يوان إلى قطب الرحى ومحط أنظار الجمع، وغدا موقفه الفيصل في تحديد مسار الأحداث.
لمح فانغ يوان نظرات شي وو الزائغة وحركاته المترددة، فابتسم في سره سخرية منه؛ فقد تبددت عزيمة الرجل، وحتى لو حاز كامل قواه، لما استطاع بذل نصفها، فضلًا عن نفاد جوهره البدائي.
أجاب مان دو بلهفة: “لو مُنحتُ عشرة آلاف روح، لما جرؤتُ على الكذب على والدي!”
خصم كهذا، في ميزان فانغ يوان، لا يعدو كونه سمكة فوق لوح التقطيع.
ابتسم فانغ يوان ابتسامة خفيفة، ووضع يديه خلف ظهره دون قتال، مفعلًا غو خطو الذئب ليراوغ بخفة ورشاقة.
غير أن فانغ يوان لم يعتزم قتله.
وزأر بأعلى صوته: “آاااااخ!” ورفع الفأسين واندفع في هجوم يائس.
لأي غاية يزهق روحه؟
توقف فانغ يوان ولم يتابع هجومه، مانحًا إياه فرصة لالتقاط أنفاسه: “أفرغتَ جعبتك، أم في قوسك منزع؟ أخرج ما لديك.”
فالرجل شيخ خارجي لقبيلة مان، وقتله صفعة في وجه تلك العشيرة الجبارة؛ ورغم أن فانغ يوان لا يهاب النزاع، إلا أنه يربأ بنفسه عن اصطناع عداوات لا طائل من ورائها.
صرخ غي غوانغ من ورائه معترضًا: “العم تشانغ شان يين! لا تصفح عن هذا الأثيم!”
أما دم شيخ قبيلة غي، فشأن يخصهم وحدهم ولا ناقة له فيه ولا جمل!
في تلك اللحظة، تعلقت أبصار أهل غي بفانغ يوان في وجل واضطراب.
“تقدم!”
ركز رجال غي خلف فانغ يوان أبصارهم، والتمعت عيونهم ترقبًا لصولات البطل الأسطوري.
ثب فانغ يوان مفعلًا غو عدو الذئب، فانطلق كالسهم المارق مخلفًا وراءه أطيافًا متحركة.
امتقع وجه الزعيم العجوز، ودفع بالبطاقة والهدية إلى فانغ يوان قائلًا بلهجة مثقلة: “أخي شان يين، لقد علم زعيم قبيلة مان بمقامك بيننا، وها هو يبعث بدعوته لتنزل ضيفًا مكرمًا في رحاب قبيلته!”
وتملك اليأس فؤاد شي وو، وحين رأى هجوم فانغ يوان الهادر، تراجع في فزع مطبق.
اهتزت جوانح شيوخ قبيلة غي تأثرًا وإكبارًا.
وفي الوقت ذاته، استدعى ثلاثة دروع من العظام الطائرة لحمايته.
بل صاح بعضهم بحدة: “اقتله! إنه قاتل شيخنا الثالث!”
طاخ! طاخ! طاخ!
وتملك اليأس فؤاد شي وو، وحين رأى هجوم فانغ يوان الهادر، تراجع في فزع مطبق.
تحرك فانغ يوان كخيال خاطف، والتحم به عن قرب ملتحفًا بقوة يديه؛ فبثلاث ضربات ساحقة، هشم دروع العظام الثلاثة واستحالت إلى شظايا متطايرة!
وزأر بأعلى صوته: “آاااااخ!” ورفع الفأسين واندفع في هجوم يائس.
تدحرج شي وو على الأرض مذعورًا، واستدعى ثلاثة دروع عظمية أخرى.
“كما عهدناك يا تشانغ شان يين، بطل حق يصدع بالصواب!”
طاخ! طاخ! طاخ!
ابتسم فانغ يوان ابتسامة خفيفة، ووضع يديه خلف ظهره دون قتال، مفعلًا غو خطو الذئب ليراوغ بخفة ورشاقة.
وبضربات خاطفة كالبرق من فانغ يوان، تهشمت الدروع مجددًا.
اهتزت جوانح شيوخ قبيلة غي تأثرًا وإكبارًا.
فهو يملك قوة عشرين جونًا، ورغم عجزه عن تفجيرها دفعة واحدة، إلا أن تحطيم هذه الحواجز أهون عليه من سحق الزجاج.
توقف فانغ يوان ولم يتابع هجومه، مانحًا إياه فرصة لالتقاط أنفاسه: “أفرغتَ جعبتك، أم في قوسك منزع؟ أخرج ما لديك.”
فرغم ما حازه فانغ يوان من صيت أسطوري، إلا أن الصيت مجرد سمعة تتردد على الألسن، والذين يجسدون أفعال الأبطال في الواقع قلة نادرة.
تصبب العرق من جبين شي وو كالمطر، وكز على أسنانه حانقًا، واستل فأسين عريضتين من عظام الحديد.
ضحك مان دو ضحكة جافة مصطنعة: “أمر هين أيها الخبير الكبير! إن أعوزتك الأحجار البدائية، فهذا الصغير يتبرع بتقديم خمسمئة ألف حجر بدائي هدية لجنابك!”
وزأر بأعلى صوته: “آاااااخ!” ورفع الفأسين واندفع في هجوم يائس.
صاح غي غوانغ من ورائه بصوت خنقته العبرات: “أيها العم تشانغ شان يين!” وتهللت أساريره بدموع الفرح التي غمرت وجنتيه، وارتفعت هتافاته مشجعة.
ابتسم فانغ يوان ابتسامة خفيفة، ووضع يديه خلف ظهره دون قتال، مفعلًا غو خطو الذئب ليراوغ بخفة ورشاقة.
طاخ! طاخ! طاخ!
وجاءت حركاته غير متوقعة، تتمايل كبتلات أزهار في مهب الريح؛ وأبرزت عريكة منكبيه ورشاقة خصره هيبة الفرسان وأناقة الصناديد.
زمجر شي وو في غيظ، ومهما أعمل فأسيه، عجز عن ملامسة أطراف رداء فانغ يوان، وغدا كاللعبة بين يديه.
زمجر شي وو في غيظ، ومهما أعمل فأسيه، عجز عن ملامسة أطراف رداء فانغ يوان، وغدا كاللعبة بين يديه.
“تقدم!”
تنهد فانغ يوان قائلًا: “ارقد.” ومد إصبعًا واحدة بدت بطيئة للناظرين، لكنها لامست نصل الفأس في لمح البصر.
اصفر وجه شي وو، واندحرت شجاعته بالكامل؛ فقد أحكم فانغ يوان قبضته على الميدان، كليث يعبث بحمل وديع. وأيقن شي وو بعجزه، وكلما اشتد به هذا الهاجس، تضاءلت طاقته وساء حاله.
وقد أخذ الدوار من شي وو كل مأخذ جراء مراوغات فانغ يوان، فما إن تلقى تلك الدفعة حتى اختل توازنه، وهوى ساقطًا على وجهه يرتطم بالتراب.
لأي غاية يزهق روحه؟
ضجت صفوف قبيلة غي بالهتاف لرؤية هذا الخزي، وتحول الزئير إلى صرخة واحدة: “اقتله! اقتله!”
بيد أنه في هذا الموقف وجد نفسه في مأزق لا فكاك منه؛ فإن نكص عن القتال، تلاحقه وصمة الجبن والعار؛ وفي بيئة السهول الشمالية التي تقدس الجرأة والشجاعة، سينسف ذلك مستقبله إلى غير رجعة.
اصفر وجه شي وو، واندحرت شجاعته بالكامل؛ فقد أحكم فانغ يوان قبضته على الميدان، كليث يعبث بحمل وديع. وأيقن شي وو بعجزه، وكلما اشتد به هذا الهاجس، تضاءلت طاقته وساء حاله.
في تلك اللحظة، تعلقت أبصار أهل غي بفانغ يوان في وجل واضطراب.
وهوى فؤاد مان دو إلى الحضيض.
ثب فانغ يوان مفعلًا غو عدو الذئب، فانطلق كالسهم المارق مخلفًا وراءه أطيافًا متحركة.
“تبًا له! لم يظهر شي وو ذرة من بأسه، وخلع الخصم فؤاده رعبًا! ومع ذلك، فهذا السيد من الرتبة الرابعة جبار المراس؛ قهر الشيخ شي وو دون أن يتصبب منه عرق! وإن هلك شي وو هنا، فقدتُ شيخًا من أركان قبيلتي، وسأواجه نقمة إخوتي وغضب والدي حين أرجع!”
وقد أخذ الدوار من شي وو كل مأخذ جراء مراوغات فانغ يوان، فما إن تلقى تلك الدفعة حتى اختل توازنه، وهوى ساقطًا على وجهه يرتطم بالتراب.
غير أن ما حدث خالف كل التوقعات؛ إذ كف فانغ يوان عن الهجوم.
ارتعد مان دو دهشة؛ فوالده رجل تنوء به الأعباء الجسام، وتوليه هذا الشأن بنفسه يقطع بعظمة شأن هذا الفارس.
لوح فانغ يوان بيده في ترفع: “أنت مجرد سيد من الرتبة الثالثة؛ فإن سخرتُ قواي لسحقك، ظن الناس أن تشانغ شان يين يستأسد على الضعفاء. انصرف.”
اكفهر وجه مان دو، وغشيه خزي شديد؛ وأدرك أن لا جدوى من الجدال، فأطبق فمه ورمق شي وو بنظرة آمرة.
صرخ غي غوانغ من ورائه معترضًا: “العم تشانغ شان يين! لا تصفح عن هذا الأثيم!”
فرغم ما حازه فانغ يوان من صيت أسطوري، إلا أن الصيت مجرد سمعة تتردد على الألسن، والذين يجسدون أفعال الأبطال في الواقع قلة نادرة.
لكن فانغ يوان لم يعره التفاتًا.
اصفر وجه شي وو، واندحرت شجاعته بالكامل؛ فقد أحكم فانغ يوان قبضته على الميدان، كليث يعبث بحمل وديع. وأيقن شي وو بعجزه، وكلما اشتد به هذا الهاجس، تضاءلت طاقته وساء حاله.
فطن شي وو للأمر سريعًا، ونهض من عثرته تطفح على ملامحه نشوة النجاة من الهلاك: “شكرًا لسيدي على إقالة عثرتي، شكرًا لسيدي على إبقائي حيًا!”
صاح غي غوانغ من ورائه بصوت خنقته العبرات: “أيها العم تشانغ شان يين!” وتهللت أساريره بدموع الفرح التي غمرت وجنتيه، وارتفعت هتافاته مشجعة.
قطب فانغ يوان حاجبيه وزجره: “اغرب.”
ضجت صفوف قبيلة غي بالهتاف لرؤية هذا الخزي، وتحول الزئير إلى صرخة واحدة: “اقتله! اقتله!”
“أمرك، أمرك!” استدار شي وو وولى الأدبار.
هكذا، استحال فانغ يوان إلى قطب الرحى ومحط أنظار الجمع، وغدا موقفه الفيصل في تحديد مسار الأحداث.
انحنى مان دو بوقار: “أستأذن سيدي في الانصراف.” ثم اعتلى صهوة جواده؛ وانطلق فرسان مان وسط سخرية أهل غي وشتائمهم، يجرون أذيال الهوان.
ندب حظه في سره: “يا لشؤم لساني وسفاهة مقالتي! كيف جلبتُ لنفسي نقمة خبير من الرتبة الرابعة؟!” وغص فؤاده بمرارة لا توصف.
…
غير أن فانغ يوان لم يعتزم قتله.
“أبتي، لقد خذلتك، وجئتُ طالبًا العقاب.” ركع مان دو أرضًا مطرقًا رأسه في وجل وخجل.
فطن شي وو للأمر سريعًا، ونهض من عثرته تطفح على ملامحه نشوة النجاة من الهلاك: “شكرًا لسيدي على إقالة عثرتي، شكرًا لسيدي على إبقائي حيًا!”
وكان زعيم قبيلة مان مفتول العضلات ضخم البنية، يتربع في ذروة الرتبة الرابعة. وجلس فوق مقعده الوثير المفروش بجلد نمر يرمق ابنه بنظرات ثاقبة: “في هذه المرة، سقط زعيم غي طريح الفراش، واقتدتَ نخبة من أهل الرتبة الثالثة، فكيف أخفقتم؟ تقصيرك لا ريب فيه، بيد أن أنباء بلغتني تزعم ظهور خبير آخر من الرتبة الرابعة لدى قبيلة غي، أحق هذا؟”
وبعد انقضاء بضعة أيام، في مخيم قبيلة غي.
أجاب مان دو بنبرة باكية واحمرت عيناه: “الأمر حق لا مراء فيه؛ وهزم شي وو شر هزيمة. ولم يظهر ذلك الرجل سوى نزر يسير من قواه حتى عبث بأقوى شيوخنا كأنه طفل، وبأسه الحقيقي بحر لا ساحل له. إلا أنني المسؤول الأول عن الإخفاق لتقصيري في جمع الأخبار؛ وإني لنادم أشد الندم، وأضرع إلى والدي أن ينزل بي العقوبة المستحقة!”
تنهد فانغ يوان قائلًا: “ارقد.” ومد إصبعًا واحدة بدت بطيئة للناظرين، لكنها لامست نصل الفأس في لمح البصر.
لان جانب الزعيم لسماع اعترافه: “انهض؛ فرغم إخفاقك، تظل ولدي. قص عليّ ما جرى بالتفصيل.”
تدحرج شي وو على الأرض مذعورًا، واستدعى ثلاثة دروع عظمية أخرى.
سارع مان دو بسرد وقائع اللقاء.
ندب حظه في سره: “يا لشؤم لساني وسفاهة مقالتي! كيف جلبتُ لنفسي نقمة خبير من الرتبة الرابعة؟!” وغص فؤاده بمرارة لا توصف.
لكنه ما إن بدأ حديثه، حتى وثب زعيم قبيلة مان عن مقعده مذهولًا، وحدق في ابنه بحدة: “أقال إن اسمه تشانغ شان يين؟! أي تشانغ شان يين يعني؟! أمتيقن أنت من هذا الاسم؟!”
سارع مان دو بسرد وقائع اللقاء.
أجاب مان دو بلهفة: “لو مُنحتُ عشرة آلاف روح، لما جرؤتُ على الكذب على والدي!”
وتملك اليأس فؤاد شي وو، وحين رأى هجوم فانغ يوان الهادر، تراجع في فزع مطبق.
تجمد زعيم قبيلة مان في مكانه مأخوذًا بذهول عميق.
وهوى فؤاد مان دو إلى الحضيض.
ناداه ابنه في حيرة: “أبتي، أبتي… ألهذا الفارس تشانغ شان يين شأن عظيم؟”
وبضربات خاطفة كالبرق من فانغ يوان، تهشمت الدروع مجددًا.
استعاد الزعيم رباطة جأشه، واكتست ملامحه بجدية صارمة: “لا أجزم بشيء بعد؛ فقد يكون منتحلًا مدعيًا. لكنه إن كان الخبر حقًا، فقد انبعث في سماء الشمال مارد جبار من غياهب الغياب… انصرف الآن، وسأتولى أنا تصريف هذا الأمر بنفسي.”
غطى فراء الذئب جسده قاطبة، كاسيًا أذنيه ووجهه وأطرافه.
ارتعد مان دو دهشة؛ فوالده رجل تنوء به الأعباء الجسام، وتوليه هذا الشأن بنفسه يقطع بعظمة شأن هذا الفارس.
“كما عهدناك يا تشانغ شان يين، بطل حق يصدع بالصواب!”
ردد في سره بذهول: “تشانغ شان يين، تشانغ شان يين… من تكون بحق السماء؟!”
التمعت في عيني فانغ يوان نظرة تسلية خفية: “أنا، تشانغ شان يين، نزلتُ ضيفًا على قبيلة غي بفضل الأقدار، وأعلم علم اليقين أعراف مروج الشمال؛ وصحيح أنه لا يجدر بي التدخل في نزاعات الآخرين. بيد أنني سمعتُ هذا الأخ الصغير للتو يعرض مئة ألف حجر بدائي؛ ولما كانت الأحجار تعوزني في هذه الأيام، فلِمَ أرد مالًا ساقه صاحبه إليّ؟”
…
تجمد زعيم قبيلة مان في مكانه مأخوذًا بذهول عميق.
وبعد انقضاء بضعة أيام، في مخيم قبيلة غي.
اكفهر وجه مان دو، وغشيه خزي شديد؛ وأدرك أن لا جدوى من الجدال، فأطبق فمه ورمق شي وو بنظرة آمرة.
خاطب زعيم قبيلة غي العجوز فانغ يوان بامتنان وقد بدا عليه الشحوب والشيب كأنه هرم عشر سنين لفراق كريمته: “لولا نجدتك يا أخي شان يين قبل أيام، لحلت بنا قارعة؛ وهذه خمسمئة ألف حجر بدائي عربون عرفان متواضع، نرجو أن تتفضل بقبولها منا.”
اكفهر وجه مان دو، وغشيه خزي شديد؛ وأدرك أن لا جدوى من الجدال، فأطبق فمه ورمق شي وو بنظرة آمرة.
ردها فانغ يوان مرارًا ترفعًا، ثم عاد وقبلها قائلًا: “نزلتُ بساحتكم ضيفًا، وإغاثتكم واجب يمليه الوفاء؛ ولما كنتُ في ضائقة حقيقية للأحجار البدائية، فسأقترضها منكم مؤقتًا.”
وزأر بأعلى صوته: “آاااااخ!” ورفع الفأسين واندفع في هجوم يائس.
أثنى الزعيم العجوز عليه: “أخلاقك رفيعة يا أخي، وأنت بطل الشمال الحق.”
فرغم ما حازه فانغ يوان من صيت أسطوري، إلا أن الصيت مجرد سمعة تتردد على الألسن، والذين يجسدون أفعال الأبطال في الواقع قلة نادرة.
وبينما هما في حديثهما، دخل حارس يحمل بطاقة دعوة فاخرة ومعها هدية نفيسة.
لوح فانغ يوان بيده في ترفع: “أنت مجرد سيد من الرتبة الثالثة؛ فإن سخرتُ قواي لسحقك، ظن الناس أن تشانغ شان يين يستأسد على الضعفاء. انصرف.”
امتقع وجه الزعيم العجوز، ودفع بالبطاقة والهدية إلى فانغ يوان قائلًا بلهجة مثقلة: “أخي شان يين، لقد علم زعيم قبيلة مان بمقامك بيننا، وها هو يبعث بدعوته لتنزل ضيفًا مكرمًا في رحاب قبيلته!”
طاخ! طاخ! طاخ!
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
غطى فراء الذئب جسده قاطبة، كاسيًا أذنيه ووجهه وأطرافه.
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
وقد أخذ الدوار من شي وو كل مأخذ جراء مراوغات فانغ يوان، فما إن تلقى تلك الدفعة حتى اختل توازنه، وهوى ساقطًا على وجهه يرتطم بالتراب.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
ثم خطا فانغ يوان واعتلى ساحة النزال.
تصبب العرق من جبين شي وو كالمطر، وكز على أسنانه حانقًا، واستل فأسين عريضتين من عظام الحديد.
