قياس همة الصناديد بمكيال الصغار
الفصل 450 – قياس همة الصناديد بمكيال الصغار
نصحه فانغ يوان بروية: “أصبتَ عين الصواب يا أخي غي؛ غير أن الوقت لا يسعفنا، وعلينا التعجيل بالرحيل في أقرب سانحة؛ فما إن نتحرك حتى تستنفر قبيلة مان وتفطن للأمر فورًا.”
كان كل ما تلا ذلك موافقًا لحسابات فانغ يوان وتوقعاته بدقة.
استطرد فانغ يوان: “سبق أن وعدتُ زعيم مان بزيارة دياره، غير أن ارتحال قبيلتكم يجعل سلامتي تقتضي الإحجام عن تلك الزيارة؛ وسأخط رسالة بيدي أعتذر فيها بذريعة تفرغي للخلوة واستعادة عافيتي القتالية التي لاحت بشائرها في الأيام الأخيرة، وسأكلفكم بإرسالها إلى معسكرهم.”
فبعد انقضاء يوم واحد لا غير، زار زعيم قبيلة غي فانغ يوان في خلوته، معلنًا أنه حسم أمره؛ وأنه عازف عن البقاء في وادي هونغ يان، بل استقر عزمه على ترحيل القبيلة برمتها شمالًا، للمشاركة في محفل الأبطال وانتزاع موطئ قدم في رحاب البلاط الإمبراطوري المبارك.
فوافق فانغ يوان دون إبطاء؛ فارتحاله وحيدًا في مروج الشمال محفوف بالمخاطر والمشاق، أما السير في ركاب قبيلة كاملة فيوفر له غطاءً حصينًا ويقلص المخاطر إلى أدنى حد.
فطن فانغ يوان لدوافع الزعيم العجوز؛ إذ أراد التترس بهيبة تشانغ شان يين مجددًا للتملص من قبضة قبيلة مان والتخلص من ضغوطها الخانقة.
وبعد ثلاثة أيام.
فوافق فانغ يوان دون إبطاء؛ فارتحاله وحيدًا في مروج الشمال محفوف بالمخاطر والمشاق، أما السير في ركاب قبيلة كاملة فيوفر له غطاءً حصينًا ويقلص المخاطر إلى أدنى حد.
فلو بقيت قبيلة غي في مرابعها ولم تبرح واديها، لما خشي فانغ يوان زيارة ديار مان قط؛ أما وقبيلة غي تعتزم الرحيل وتفلت من شباكهم، فلن تفرط قبيلة مان في فريستها السائغة بيسر؛ وخشيتهم من تحالف غي مع تشانغ شان يين قد تدفعهم للغدر به واحتجازه قسرًا لعزل قبيلة غي وتجريدها من سندها الأقوى، ومن ثم الاستفراد بها وتفكيك أوصالها دون مقاومة.
نصحه فانغ يوان بروية: “أصبتَ عين الصواب يا أخي غي؛ غير أن الوقت لا يسعفنا، وعلينا التعجيل بالرحيل في أقرب سانحة؛ فما إن نتحرك حتى تستنفر قبيلة مان وتفطن للأمر فورًا.”
ابتسم الوالد بمرارة مجيبًا: “أرباب السياسة وقادة العشائر ينظرون للأمور من شواهق عليا يا بني؛ فما قيمة بضع مئات من الأحجار أو بضعة ديدان عادية أمام عشيرة كبرى بحجم مان؟! كسب ود خبير أسطوري من طراز ملك الذئاب بهذا الثمن الزهيد صفقة رابحة بكل المقاييس؛ أترى كم بذلنا نحن له من أموال وأثمن ديداننا لننال رضاه ونحتمي بظله؟!”
اهتز فؤاد زعيم غي إكبارًا؛ فمن هذه العبارة وحدها، أدرك أن تشانغ شان يين يحيط بخفايا المشهد دون أن تفوته شاردة.
استطرد فانغ يوان: “سبق أن وعدتُ زعيم مان بزيارة دياره، غير أن ارتحال قبيلتكم يجعل سلامتي تقتضي الإحجام عن تلك الزيارة؛ وسأخط رسالة بيدي أعتذر فيها بذريعة تفرغي للخلوة واستعادة عافيتي القتالية التي لاحت بشائرها في الأيام الأخيرة، وسأكلفكم بإرسالها إلى معسكرهم.”
كان كل ما تلا ذلك موافقًا لحسابات فانغ يوان وتوقعاته بدقة.
فلو بقيت قبيلة غي في مرابعها ولم تبرح واديها، لما خشي فانغ يوان زيارة ديار مان قط؛ أما وقبيلة غي تعتزم الرحيل وتفلت من شباكهم، فلن تفرط قبيلة مان في فريستها السائغة بيسر؛ وخشيتهم من تحالف غي مع تشانغ شان يين قد تدفعهم للغدر به واحتجازه قسرًا لعزل قبيلة غي وتجريدها من سندها الأقوى، ومن ثم الاستفراد بها وتفكيك أوصالها دون مقاومة.
تردد غي غوانغ خجلًا: “يا أبتِ، أليس فض رسالة الرجل أمرًا…”
فقبيلة مان جزء من مسار الصلاح يحرصون على سمعتهم ويخشون القيل والقال وألسنة العشائر، ولن يجرؤوا على سفك دمه علانية؛ بيد أن إغراء ابتلاع قبيلة غي وضم أراضيها إغراء طاغٍ، وكفيل بدفعهم لوضع تشانغ شان يين رهن الإقامة الجبرية في ديارهم تحت ذرائع شتى من الضيافة والحماية حتى ينقضي أمر قبيلة غي!
وفطن زعيم غي العجوز في تلك اللحظة للحقيقة الصادمة المرة: ظنت قبيلة غي أنها تستغل شهرة تشانغ شان يين لمجابهة خصمها، إلا أن تشانغ شان يين كان يستغل الجميع باقتدار أدهى وتدبير أعمق! بدا كأنه فريسة محاصرة بين فكي كماشة، لكن الواقع أثبت أن كلا الطرفين يخشى بطشه ويتسابق لإرضائه، فغرف العطايا والمغانم من الجانبين دون أن يخسر حبة خردل واحدة!
قد تذكر الزعيم العجوز حادثة محاصرة ذئاب الرياح لولده غي غوانغ في مرج السموم؛ فمن المؤكد أنها جرت بتدبير خفي من قبيلة مان لتصفية وريث القبيلة في الخفاء دون ترك أثر.
تردد مان دو وانعقد لسانه، فاستطرد مان هاو متفهمًا: “أجل، ستتجرع قبيلة غي خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وستقل مغانمنا بلا شك عند ضمهم مقارنة باستسلامهم السلمي، بيد أن هذا ثمن لا مناص من دفعه لإخضاعهم وكسر شوكتهم نهائيًا.”
أطرق زعيم غي رأسه مليًا وهو يمعن النظر في ملامح فانغ يوان، ثم نهض من مقعده وانحنى مبجلًا بإكبار خالص: “أمام بصيرتك النافذة وحنكتك العميقة يا أخي، تتضاءل حيلتي وتتوارى مداركي؛ لقد كنتُ غارقًا في الغفلة وقصر النظر، بينما حطت عيناك الثاقبتان على جوهر الموقف بجلاء لا لبس فيه.”
اهتز فؤاد زعيم غي إكبارًا؛ فمن هذه العبارة وحدها، أدرك أن تشانغ شان يين يحيط بخفايا المشهد دون أن تفوته شاردة.
ابتسم فانغ يوان مواسيًا إياه برقة: “صاحب الحاجة أعمى يا أخي، والمبتلى في قومه تعرض له الغفلة في خضم المحن الجسام، فلا تثرب على نفسك؛ ومتى فارقنا هذه الربوع وتجاوزنا حدود نفوذهم، تنفست قبيلتكم نسيم الحرية ونجت من الهلاك المحدق!” ثم تناول ريشته وخط الرسالة بدقة وسلاسة، ودفع بها إلى الزعيم العجوز.
استطرد فانغ يوان: “أخي غي، عليّ الانكفاء على خلوتي واستئناف تدريبي، ولن أطيل وداعك.”
أجاب الزعيم بامتنان: “سمعًا وطاعة؛ سأباشر إعداد الرحيل وتوجيه الرسالة في التو واللحظة، إلى اللقاء.”
ضحك والده ضحكة ذات مغزى: “سأعلمك درسًا جديدًا يا بني. هذه الرسالة موجهة إلى مان تو، فلِمَ لم يرسلها تشانغ شان يين عبر غو الرسائل في ظنك؟”
أخذ الزعيم العجوز الرسالة وغادر الحجرة، وما إن عاد إلى خيمته الكبرى، حتى استدعى سائر شيوخ القبيلة لاجتماع طارئ عاجل، وأصدر أوامره الحاسمة ببدء التجهيزات الفورية للرحيل الكبير نحو الشمال والمشاركة في محفل الأبطال.
فطن فانغ يوان لدوافع الزعيم العجوز؛ إذ أراد التترس بهيبة تشانغ شان يين مجددًا للتملص من قبضة قبيلة مان والتخلص من ضغوطها الخانقة.
عقب مهزلة المصاهرة المزعومة وتضحياتهم السابقة، كانت صدور شيوخ قبيلة غي تغلي بنقمة عارمة واحتقان شديد ضد غطرسة قبيلة مان، فهللوا جميعًا لهذا القرار الجريء واستبشروا به، وأثنوا على حكمة وشجاعة زعيمهم المحنك.
استطرد فانغ يوان: “سبق أن وعدتُ زعيم مان بزيارة دياره، غير أن ارتحال قبيلتكم يجعل سلامتي تقتضي الإحجام عن تلك الزيارة؛ وسأخط رسالة بيدي أعتذر فيها بذريعة تفرغي للخلوة واستعادة عافيتي القتالية التي لاحت بشائرها في الأيام الأخيرة، وسأكلفكم بإرسالها إلى معسكرهم.”
عقب خلوة الزعيم بابنه غي غوانغ في خيمة المشيخة، فض الزعيم العجوز رسالة فانغ يوان وقرأها فورًا.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
تردد غي غوانغ خجلًا: “يا أبتِ، أليس فض رسالة الرجل أمرًا…”
صفق مان دو كفيه في نشوة وإعجاب طافح: “يا لبراعة والدي وحكمته الفذة! فحين يطبق طوق الذئاب الكاسرة على رقابهم وسط القفار، سنهب لنجدتهم في اللحظة الحاسمة كمنقذين فرسان ونبتلع ما تبقى من قبيلتهم دون أن يلحق بنا أدنى لوم من أعراف مسار الصلاح! وتلك المؤن المهداة ستكون حجة دامغة تسكت كل من تسول له نفسه اتهامنا بالغدر أو التربص بهم! ولكن…”
ضحك والده ضحكة ذات مغزى: “سأعلمك درسًا جديدًا يا بني. هذه الرسالة موجهة إلى مان تو، فلِمَ لم يرسلها تشانغ شان يين عبر غو الرسائل في ظنك؟”
اقشعر بدن الزعيم العجوز من هول تلك الفكرة الشيطانية وسرت رجفة باردة في عروقه، على أنه سرعان ما أطرق رأسه وطرد تلك الهواجس من صدره قائلًا: “معاذ السماء! إن كان هذا البطل الأسطوري النبيل يملك مثل هذا المكر الخبيث والدهاء المظلم، فهل بقي في دنيا الناس موضع للحق والشهامة والوفاء؟! كلا، لستُ في ظني هذا إلا رجلًا واهمًا ضيق الأفق، يقيس قامة العظماء والصناديد بمكيال الصغار والجهال!”
فكر غي غوانغ وبرقت عيناه: “أيقصد إطلاعنا على فحواها عمدًا؟!”
صفق مان دو كفيه في نشوة وإعجاب طافح: “يا لبراعة والدي وحكمته الفذة! فحين يطبق طوق الذئاب الكاسرة على رقابهم وسط القفار، سنهب لنجدتهم في اللحظة الحاسمة كمنقذين فرسان ونبتلع ما تبقى من قبيلتهم دون أن يلحق بنا أدنى لوم من أعراف مسار الصلاح! وتلك المؤن المهداة ستكون حجة دامغة تسكت كل من تسول له نفسه اتهامنا بالغدر أو التربص بهم! ولكن…”
“أحسنتَ صنعًا! لقد بعث بها مكتوبة على قرطاس عادي لتقرأها أعيننا. ونحن على وشك الارتحال سويًا، وهذه الرسالة برهان ساطع على نيته الصادقة في مرافقتنا والتنسيق معنا. هلم نقرأها معًا.”
عقب خلوة الزعيم بابنه غي غوانغ في خيمة المشيخة، فض الزعيم العجوز رسالة فانغ يوان وقرأها فورًا.
اتسمت الرسالة بإيجاز بليغ؛ اعتذر فيها عن تعذر الزيارة لحاجته الماسة للخلوة لاسترجاع قواه القتالية بعد أن لاحت بوادر تعافيه، معربًا عن أسفه لعدم تلبية الدعوة ووعده بالتعويض مستقبلا.
أجاب الزعيم بامتنان: “سمعًا وطاعة؛ سأباشر إعداد الرحيل وتوجيه الرسالة في التو واللحظة، إلى اللقاء.”
ثم ذيلها برغبته في شراء ما تبقى من غو خيزران العظام لدى قبيلة مان لقاء مئة وعشرين بالمئة من سعر السوق، فضلًا عن قائمة بخامات صقل الغو وديدان كغو الحراسة الثالثة.
فلو بقيت قبيلة غي في مرابعها ولم تبرح واديها، لما خشي فانغ يوان زيارة ديار مان قط؛ أما وقبيلة غي تعتزم الرحيل وتفلت من شباكهم، فلن تفرط قبيلة مان في فريستها السائغة بيسر؛ وخشيتهم من تحالف غي مع تشانغ شان يين قد تدفعهم للغدر به واحتجازه قسرًا لعزل قبيلة غي وتجريدها من سندها الأقوى، ومن ثم الاستفراد بها وتفكيك أوصالها دون مقاومة.
علق غي غوانغ بحسن نية: “العم تشانغ بحاجة ماسة لتلك الديدان والخامات لمواصلة زراعته؛ وحري بنا توفيرها له من خزائننا فورًا جزاء إحسانه العظيم وجميله الذي طوق أعناقنا.”
وفطن زعيم غي العجوز في تلك اللحظة للحقيقة الصادمة المرة: ظنت قبيلة غي أنها تستغل شهرة تشانغ شان يين لمجابهة خصمها، إلا أن تشانغ شان يين كان يستغل الجميع باقتدار أدهى وتدبير أعمق! بدا كأنه فريسة محاصرة بين فكي كماشة، لكن الواقع أثبت أن كلا الطرفين يخشى بطشه ويتسابق لإرضائه، فغرف العطايا والمغانم من الجانبين دون أن يخسر حبة خردل واحدة!
سكن الزعيم العجوز طويلًا، وحدق في القرطاس بعينين متقدتين تلتمعان ببريق بارد، وسرت في أوصاله قشعريرة خفية هزت أركان فؤاده.
تردد غي غوانغ خجلًا: “يا أبتِ، أليس فض رسالة الرجل أمرًا…”
فالمعركة الصامتة والمكائد الملتوية بين قبيلتي غي ومان دارت رحاها في الظلمات دون شق لعصا الطاعة أو إشهار للعداء علنًا، التزامًا بنواميس مسار الصلاح وأعراف السهول.
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
قُدمت في خضمها تضحيات جسام وأثمان باهظة؛ إذ سقط شيخ بارز من قبيلة غي صريعًا في مبارزة غادرة، وهلكت غي ياو، وافترست الذئاب البرية نخبة من سادتهم وفرسانهم؛ وخرج الفريقان من النزال دون ظفر بحسم أو نصر مبين: فقبيلة مان فقدت ذريعتها الكبرى، وقبيلة غي خسرت مكانتها وأُجبرت على الرحيل قسرًا.
وفطن زعيم غي العجوز في تلك اللحظة للحقيقة الصادمة المرة: ظنت قبيلة غي أنها تستغل شهرة تشانغ شان يين لمجابهة خصمها، إلا أن تشانغ شان يين كان يستغل الجميع باقتدار أدهى وتدبير أعمق! بدا كأنه فريسة محاصرة بين فكي كماشة، لكن الواقع أثبت أن كلا الطرفين يخشى بطشه ويتسابق لإرضائه، فغرف العطايا والمغانم من الجانبين دون أن يخسر حبة خردل واحدة!
بيد أن شخصًا واحدًا في هذا العالم غنم المجد والمال والسؤدد بمفرده دون منازع: إنه ‘تشانغ شان يين’!
فالمعركة الصامتة والمكائد الملتوية بين قبيلتي غي ومان دارت رحاها في الظلمات دون شق لعصا الطاعة أو إشهار للعداء علنًا، التزامًا بنواميس مسار الصلاح وأعراف السهول.
تأمل مساره العجيب؛ خرج من غياهب مرج السموم حافي القدمين أعزل اليدين لا يملك شروى نقير؛ فإذا به اليوم يقف شامخًا وفي جعبته ما يربو على مليون ونصف مليون حجر بدائي، وغو الشواهد والقرائن النادر من الرتبة الخامسة، وقطيع مهيب من الذئاب، وخزائن ملأى بأنفس الخامات والعتاد!
وقف زعيم قبيلة مان ونجله مان دو فوق ربوة مرتفعة تصفقها الرياح الباردة، يرمقان قوافل قبيلة غي الممتدة وهي تقوض مضاربها وترتحل بخطى حثيثة صوب الجنوب الغربي وسط مراعي السهول.
وفطن زعيم غي العجوز في تلك اللحظة للحقيقة الصادمة المرة: ظنت قبيلة غي أنها تستغل شهرة تشانغ شان يين لمجابهة خصمها، إلا أن تشانغ شان يين كان يستغل الجميع باقتدار أدهى وتدبير أعمق! بدا كأنه فريسة محاصرة بين فكي كماشة، لكن الواقع أثبت أن كلا الطرفين يخشى بطشه ويتسابق لإرضائه، فغرف العطايا والمغانم من الجانبين دون أن يخسر حبة خردل واحدة!
تابع الزعيم وفي صدره وجيب خفي واضطراب متصاعد: “تشانغ شان يين لا يطلب تجارة عابرة في هذه الرسالة، بل يمد حبل تواصل سياسي بالغ الدهاء! إنه يبعث برسالة مبطنة إلى مان تو مفادها: أنا، تشانغ شان يين، لستُ عبدًا لقبيلة غي ولا أسيرًا لأهوائهم؛ وإن كنتُ أعتذر عن زيارة معسكركم لترتيب شؤوني الخاصة، إلا أنني لا أعاديكم وأفتح باب الود والتجارة معكم. ومان تو ثعلب داهية سيلتقط الإشارة فورًا؛ فإن أهداه البضائع مجانًا، فقد قبل يده الممدودة وأرسى معه جسور المودة والسلام.”
تنهد الزعيم العجوز مستطردًا بنبرة ثقيلة: “لا حاجة لتقديم شيء من مخازننا يا بني؛ فقبيلة مان ستتكفل بإرسال تلك المطالب كاملة إلى خيمته، بل ستهديها له دون مقابل وترجو قبوله لها!”
وقف زعيم قبيلة مان ونجله مان دو فوق ربوة مرتفعة تصفقها الرياح الباردة، يرمقان قوافل قبيلة غي الممتدة وهي تقوض مضاربها وترتحل بخطى حثيثة صوب الجنوب الغربي وسط مراعي السهول.
تعجب غي غوانغ وفتح فاه مذهولًا: “وكيف يعقل هذا وقبيلة مان ألد أعدائنا المتربصين بنا، والعم تشانغ يقف في صفنا ويناصر قضيتنا علانية؟!”
بيد أن شخصًا واحدًا في هذا العالم غنم المجد والمال والسؤدد بمفرده دون منازع: إنه ‘تشانغ شان يين’!
ابتسم الوالد بمرارة مجيبًا: “أرباب السياسة وقادة العشائر ينظرون للأمور من شواهق عليا يا بني؛ فما قيمة بضع مئات من الأحجار أو بضعة ديدان عادية أمام عشيرة كبرى بحجم مان؟! كسب ود خبير أسطوري من طراز ملك الذئاب بهذا الثمن الزهيد صفقة رابحة بكل المقاييس؛ أترى كم بذلنا نحن له من أموال وأثمن ديداننا لننال رضاه ونحتمي بظله؟!”
واسترجع غي غوانغ في ذهنه صرة المليون حجر وغو الرتبة الخامسة الثمين الذي بذلوه طواعية.
تعجب غي غوانغ وفتح فاه مذهولًا: “وكيف يعقل هذا وقبيلة مان ألد أعدائنا المتربصين بنا، والعم تشانغ يقف في صفنا ويناصر قضيتنا علانية؟!”
تابع الزعيم وفي صدره وجيب خفي واضطراب متصاعد: “تشانغ شان يين لا يطلب تجارة عابرة في هذه الرسالة، بل يمد حبل تواصل سياسي بالغ الدهاء! إنه يبعث برسالة مبطنة إلى مان تو مفادها: أنا، تشانغ شان يين، لستُ عبدًا لقبيلة غي ولا أسيرًا لأهوائهم؛ وإن كنتُ أعتذر عن زيارة معسكركم لترتيب شؤوني الخاصة، إلا أنني لا أعاديكم وأفتح باب الود والتجارة معكم. ومان تو ثعلب داهية سيلتقط الإشارة فورًا؛ فإن أهداه البضائع مجانًا، فقد قبل يده الممدودة وأرسى معه جسور المودة والسلام.”
بيد أن شخصًا واحدًا في هذا العالم غنم المجد والمال والسؤدد بمفرده دون منازع: إنه ‘تشانغ شان يين’!
وهنا، لمعت في ذهن الزعيم العجوز فجأة خاطرة سوداء مرعبة كالصاعقة: “أتراه تشانغ شان يين لم ينحز إلينا بدافع النخوة والشهامة، بل لأن مناصرة قبيلتنا الضعيفة توفر له أقصى درجات النفوذ والمغانم الحصرية؟! بل ما الذي يمنعه، إن رأى مصلحته تقتضي ذلك، من بيع قبيلة غي لغريمه مان تو، والتواطؤ معهم لابتلاعنا واقتسام ثرواتنا ومواشينا في الطريق؟!”
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
فقبيلة مان جبارة ذات شوكة وانضمامه إليها مجرد حلية تزين عرشهم؛ أما قبيلتنا فضعيفة كسيحة، وهيبته الأسطورية بيننا تزن الجبال الرواسي وتمنحه السيطرة المطلقة على مقدراتنا وقراراتنا!
واسترجع غي غوانغ في ذهنه صرة المليون حجر وغو الرتبة الخامسة الثمين الذي بذلوه طواعية.
اقشعر بدن الزعيم العجوز من هول تلك الفكرة الشيطانية وسرت رجفة باردة في عروقه، على أنه سرعان ما أطرق رأسه وطرد تلك الهواجس من صدره قائلًا: “معاذ السماء! إن كان هذا البطل الأسطوري النبيل يملك مثل هذا المكر الخبيث والدهاء المظلم، فهل بقي في دنيا الناس موضع للحق والشهامة والوفاء؟! كلا، لستُ في ظني هذا إلا رجلًا واهمًا ضيق الأفق، يقيس قامة العظماء والصناديد بمكيال الصغار والجهال!”
“أحسنتَ صنعًا! لقد بعث بها مكتوبة على قرطاس عادي لتقرأها أعيننا. ونحن على وشك الارتحال سويًا، وهذه الرسالة برهان ساطع على نيته الصادقة في مرافقتنا والتنسيق معنا. هلم نقرأها معًا.”
…
أخذ الزعيم العجوز الرسالة وغادر الحجرة، وما إن عاد إلى خيمته الكبرى، حتى استدعى سائر شيوخ القبيلة لاجتماع طارئ عاجل، وأصدر أوامره الحاسمة ببدء التجهيزات الفورية للرحيل الكبير نحو الشمال والمشاركة في محفل الأبطال.
وبعد ثلاثة أيام.
أجاب الزعيم بامتنان: “سمعًا وطاعة؛ سأباشر إعداد الرحيل وتوجيه الرسالة في التو واللحظة، إلى اللقاء.”
وقف زعيم قبيلة مان ونجله مان دو فوق ربوة مرتفعة تصفقها الرياح الباردة، يرمقان قوافل قبيلة غي الممتدة وهي تقوض مضاربها وترتحل بخطى حثيثة صوب الجنوب الغربي وسط مراعي السهول.
هز مان دو رأسه نافيًا قائلًا: “لستُ أخشى قلة المغانم أو كثرة القتلى… بل أخشى تشانغ شان يين نفسه؛ فالرجل يحمل لقب ملك الذئاب الأسطوري، أتراه يعجز حقًا عن ترويض تلك الوحوش وسلب قيادتها من أيدينا؟!”
سأل مان دو والده في حيرة وعتب: “يا أبتِ… لقد استوعبتُ تمامًا مسوغ إهداء تشانغ شان يين مطالبه مجانًا دون مقابل لكسب وده وتحييده، في حين أن ما أعجز عن فهمه هو سبب إغداقك على قبيلة غي بألف وخمسمئة طن كاملة من المؤن والزاد الوفير والحبوب؟! طريدتنا تفلت من شباكنا بعد كل هذا التخطيط، فهل نكافئها ونهديها الزاد بأيدينا لتعبر بسلام؟!”
تابع الزعيم وفي صدره وجيب خفي واضطراب متصاعد: “تشانغ شان يين لا يطلب تجارة عابرة في هذه الرسالة، بل يمد حبل تواصل سياسي بالغ الدهاء! إنه يبعث برسالة مبطنة إلى مان تو مفادها: أنا، تشانغ شان يين، لستُ عبدًا لقبيلة غي ولا أسيرًا لأهوائهم؛ وإن كنتُ أعتذر عن زيارة معسكركم لترتيب شؤوني الخاصة، إلا أنني لا أعاديكم وأفتح باب الود والتجارة معكم. ومان تو ثعلب داهية سيلتقط الإشارة فورًا؛ فإن أهداه البضائع مجانًا، فقد قبل يده الممدودة وأرسى معه جسور المودة والسلام.”
أجاب مان تو بوقار وهدوء، وظلت عيناه شاخصتين نحو القوافل المرتحلة: “يا مان هاو، اشرح له سر التدبير.”
وبعد ثلاثة أيام.
قهقه الشيخ مان هاو ضحكة مكتومة كاشفًا خيوط المخطط الرهيب: “لا تجزع ولا تتعجل الحكم يا سيدي الصغير؛ فزعيمنا المفدى لا يخطو خطوة واحدة عبثًا أو عفو الخاطر! تلك المؤن والزاد لم تكن سوى طعم مسموم؛ فقد دُس في جوف أكياس الحبوب وحزم اللحوم مقادير هائلة من مسحوق غو جذب الذئاب الفتاك، بحيث تنفث رائحة خفية تسري مع الرياح لمسافات شاسعة! وعلاوة على ذلك، يرابط في الشعاب والوهاد على امتداد مسار طريقهم نخبة فرساننا الأشداء يقودون ثلاثة قطعان متوحشة من رتبة عشرة آلاف ذئب، تحيط بمسارهم إحاطة السوار بالمعصم!”
ضحك والده ضحكة ذات مغزى: “سأعلمك درسًا جديدًا يا بني. هذه الرسالة موجهة إلى مان تو، فلِمَ لم يرسلها تشانغ شان يين عبر غو الرسائل في ظنك؟”
صفق مان دو كفيه في نشوة وإعجاب طافح: “يا لبراعة والدي وحكمته الفذة! فحين يطبق طوق الذئاب الكاسرة على رقابهم وسط القفار، سنهب لنجدتهم في اللحظة الحاسمة كمنقذين فرسان ونبتلع ما تبقى من قبيلتهم دون أن يلحق بنا أدنى لوم من أعراف مسار الصلاح! وتلك المؤن المهداة ستكون حجة دامغة تسكت كل من تسول له نفسه اتهامنا بالغدر أو التربص بهم! ولكن…”
وفطن زعيم غي العجوز في تلك اللحظة للحقيقة الصادمة المرة: ظنت قبيلة غي أنها تستغل شهرة تشانغ شان يين لمجابهة خصمها، إلا أن تشانغ شان يين كان يستغل الجميع باقتدار أدهى وتدبير أعمق! بدا كأنه فريسة محاصرة بين فكي كماشة، لكن الواقع أثبت أن كلا الطرفين يخشى بطشه ويتسابق لإرضائه، فغرف العطايا والمغانم من الجانبين دون أن يخسر حبة خردل واحدة!
تردد مان دو وانعقد لسانه، فاستطرد مان هاو متفهمًا: “أجل، ستتجرع قبيلة غي خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وستقل مغانمنا بلا شك عند ضمهم مقارنة باستسلامهم السلمي، بيد أن هذا ثمن لا مناص من دفعه لإخضاعهم وكسر شوكتهم نهائيًا.”
كان كل ما تلا ذلك موافقًا لحسابات فانغ يوان وتوقعاته بدقة.
هز مان دو رأسه نافيًا قائلًا: “لستُ أخشى قلة المغانم أو كثرة القتلى… بل أخشى تشانغ شان يين نفسه؛ فالرجل يحمل لقب ملك الذئاب الأسطوري، أتراه يعجز حقًا عن ترويض تلك الوحوش وسلب قيادتها من أيدينا؟!”
استطرد فانغ يوان: “سبق أن وعدتُ زعيم مان بزيارة دياره، غير أن ارتحال قبيلتكم يجعل سلامتي تقتضي الإحجام عن تلك الزيارة؛ وسأخط رسالة بيدي أعتذر فيها بذريعة تفرغي للخلوة واستعادة عافيتي القتالية التي لاحت بشائرها في الأيام الأخيرة، وسأكلفكم بإرسالها إلى معسكرهم.”
عقد مان تو حاجبيه قلقًا؛ فتلك الهواجس المقلقة راودت خياله هو الآخر ولم تفارقه قط؛ إلا أن رحيل قبيلة غي الخاطف والمفاجئ لم يمهلهم لتدبير مكيدة أشد إحكامًا، ولم يسعهم إلا حشد تلك القطعان الثلاثة على عجل لقطع طريقهم.
كان كل ما تلا ذلك موافقًا لحسابات فانغ يوان وتوقعاته بدقة.
ضحك مان هاو في استخفاف وغطرسة بالغة: “لا تبتئس ولا تجزع يا سيدي الصغير؛ فأسطورة ملك الذئاب وصيته المدوّي مضى عليهما عشرون عامًا من الزمان! وقوته الراهنة هبطت إلى المرحلة الابتدائية للرتبة الرابعة، وروحه تقهقرت إلى مجرد روح مئة رجل عادية، وما في حوزته سوى بضعة آلاف ذئب هزيل لا يقوون على حسم وطيس حرب طاحنة؛ فكيف يقف هذا الشيخ أمام ثلاثين ألف ذئب كاسر من ذئاب ظهور السلاحف وذئاب الليل وذئاب الرياح الجائعة؟! إنه اليوم مجرد ذئب هرم كسير الأنياب، يوشك أن يدفن مجده التليد تحت أقدام قطيعنا الجبار!”
سأل مان دو والده في حيرة وعتب: “يا أبتِ… لقد استوعبتُ تمامًا مسوغ إهداء تشانغ شان يين مطالبه مجانًا دون مقابل لكسب وده وتحييده، في حين أن ما أعجز عن فهمه هو سبب إغداقك على قبيلة غي بألف وخمسمئة طن كاملة من المؤن والزاد الوفير والحبوب؟! طريدتنا تفلت من شباكنا بعد كل هذا التخطيط، فهل نكافئها ونهديها الزاد بأيدينا لتعبر بسلام؟!”
أطرق مان دو رأسه وتمتم متنهدًا: “عسى أن تصدق نبوءتك ولا تخيب حساباتنا!”
استطرد فانغ يوان: “أخي غي، عليّ الانكفاء على خلوتي واستئناف تدريبي، ولن أطيل وداعك.”
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
ضحك والده ضحكة ذات مغزى: “سأعلمك درسًا جديدًا يا بني. هذه الرسالة موجهة إلى مان تو، فلِمَ لم يرسلها تشانغ شان يين عبر غو الرسائل في ظنك؟”
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
الفصل 450 – قياس همة الصناديد بمكيال الصغار
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
فبعد انقضاء يوم واحد لا غير، زار زعيم قبيلة غي فانغ يوان في خلوته، معلنًا أنه حسم أمره؛ وأنه عازف عن البقاء في وادي هونغ يان، بل استقر عزمه على ترحيل القبيلة برمتها شمالًا، للمشاركة في محفل الأبطال وانتزاع موطئ قدم في رحاب البلاط الإمبراطوري المبارك.
فلو بقيت قبيلة غي في مرابعها ولم تبرح واديها، لما خشي فانغ يوان زيارة ديار مان قط؛ أما وقبيلة غي تعتزم الرحيل وتفلت من شباكهم، فلن تفرط قبيلة مان في فريستها السائغة بيسر؛ وخشيتهم من تحالف غي مع تشانغ شان يين قد تدفعهم للغدر به واحتجازه قسرًا لعزل قبيلة غي وتجريدها من سندها الأقوى، ومن ثم الاستفراد بها وتفكيك أوصالها دون مقاومة.
