تشاو ليان يون
الفصل 502 – تشاو ليان يون
‘أيها الأب المفروض، علامَ هذا التردد العقيم بعد كل هذا؟! احسم أمرك وقرر في التو!’ أحست الطفلة التي ترقب تذبذب ملامحه بغيظ وتوتر خانق في صدرها.
في مخدع دراسته الخاص، وضع زعيم عشيرة تشاو الوثيقة من يده في إعياء وإنهاك بادٍ.
بدت الطفلة كأنها تحفة نُحتت من أصفى اليشم، وتألقت بثيابها الحريرية المطرزة في غاية اللطافة؛ بيد أنها في تلك اللحظة راحت تنتحب ممسكة بجبهتها بكفها الصغيرة.
انسكبت أشعة الشمس عبر كوة النافذة لتغمر تقاطيع وجهه المتعب.
“اويلاه!” انتفض زعيم عشيرة تشاو من مقعده بملامح يعتصرها الألم والهلع: “كيف تسقط قرة عيني وحبيبة فؤادي؟! أأدمت جبهتها؟! أسرع وأدخلها إليّ فورًا!”
جراء انكفائه الطويل على تدبير معضلات العشيرة لسنوات خلت، خط الشيب الفضي شعر هذا السيد الخمسيني المستقر في المرحلة الابتدائية من المرتبة الخامسة، وحفرت التجاعيد الغائرة أخاديدها على محياه.
تنهد زعيم عشيرة تشاو ومسح على شعر الطفلة الحريري بملامح متهللة بالرضا: “بنيتي، إنكِ لرحيمة طيبة كأمكِ الراحلة تمامًا.”
طوال هذه الأيام، وبفعل الزحف العسكري الكاسح لحلف عشيرة هي والالتماس الشخصي الملح الوارد من دونغ فانغ يو ليانغ، انقسمت كبراء عشيرة تشاو إلى معسكرين متناحرين.
نزلت كلمات الطفلة كالصاعقة على ذهن زعيم عشيرة تشاو! فالمبتلى بالنازلة يعمى عن كنهها، بينما يرى المتفرج خفايا اللعبة بوضوح جلي؛ وأحيانًا يحتاج المرء الغارق في همومه إلى ومضة من لسان بريء لتستنير بصيرته.
استعر الجدال العقيم بين الفريقين دون انقطاع؛ ففريق نادى بالانضواء تحت لواء عشيرة دونغ فانغ لطي صفحة الأحقاد وتصفية الثارات القديمة، في حين رأى الفريق الآخر مبايعة عشيرة هي لكونها أضخم شأنًا وأوفر حظًا في اكتساح الميدان.
الفصل 502 – تشاو ليان يون
لكن هل يقوى التحالف مع دونغ فانغ على محو ضغائن أجيال تعاقبت؟! كلما جال في خاطره سيل الدماء والعداوات المترسخة بين العشيرتين عبر القرون، عجز زعيم عشيرة تشاو عن التفاؤل أو الجزم بحسن المآل.
لم يكن خيار الانحياز إلى عشيرة هي بأقوم سبيلًا.
لم يكن خيار الانحياز إلى عشيرة هي بأقوم سبيلًا.
انسكبت أشعة الشمس عبر كوة النافذة لتغمر تقاطيع وجهه المتعب.
فالمقر الرئيسي لعشيرة تشاو يربض في قلب تساو فو، بينما عشيرة هي حلفاء وافدون من ملتقى يو تيان؛ والالتحاق المتأخر بهم سيعرض تشاو للتهميش والازدراء، ولن تنال سوى فتات الغنائم، بل ربما يُزج برجالها دروعًا بشرية في أتون المحرقة.
أطلق تنهيدة عميقة وأسند ظهره المتعب إلى المقعد الوثير، يرمق ذرات الغبار السابحة في ضياء الشمس المنكسر.
هكذا، تخبط زعيم عشيرة تشاو في صراع داخلي مرير؛ وتعاظم كربه مع احتدام الصياح اليومي بين أعيان العشيرة؛ فتعين عليه التحسب لمكائد الداهية دونغ فانغ يو ليانغ الثعلبية من جهة، وإخماد الفتن الداخلية وقيادة سفينة عشيرته نحو بر الأمان من جهة أخرى، حتى استبد به الإرهاق وأثقل كاهله.
مسح الزعيم على شعر طفلته الصغير برقة بالغة: “يون يون، حمداً للأقدار أن وهبتني إياكِ؛ إن أباكِ لفي قمة السعادة والظفر بامتلاك ابنة نجيبة مثلكِ!”
“آه…”
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
أطلق تنهيدة عميقة وأسند ظهره المتعب إلى المقعد الوثير، يرمق ذرات الغبار السابحة في ضياء الشمس المنكسر.
لكن هل يقوى التحالف مع دونغ فانغ على محو ضغائن أجيال تعاقبت؟! كلما جال في خاطره سيل الدماء والعداوات المترسخة بين العشيرتين عبر القرون، عجز زعيم عشيرة تشاو عن التفاؤل أو الجزم بحسن المآل.
في ذلك الضوء الوضاء، تراءت له ذرات الهباء متأرجحة في الفضاء، فشعر وكأنه هو نفسه إحدى تلك الذرات المعلقة؛ تطفو اليوم في حيرة وتيه، وما يدريها أي عاصفة هوجاء ستذروها وتطوح بها أرضًا متى هبت الرياح العاتية.
“أستحق الموت والهلاك! العفو يا سيدي اللورد!” جثت المربية رعبًا وتصبب العرق من جبينها، بيد أن صدرها امتلأ بمرارة لا توصف؛ فهذه الطفلة أدهى كائن رأته، تتلاعب بالجميع وتختفي في طرفة عين لتزرع المتاعب؛ وما إن تحضر أمام والدها حتى تنقلب إلى ملاك وديع ببراعة تمثيلية تبدو فطرية، دون أن تترك خلفها ذرة دليل تدين مكرها!
لم تكن المعركة المرتقبة بين عشيرتي هي ودونغ فانغ سوى إعصار كاسح لا يبقي ولا يذر.
جراء انكفائه الطويل على تدبير معضلات العشيرة لسنوات خلت، خط الشيب الفضي شعر هذا السيد الخمسيني المستقر في المرحلة الابتدائية من المرتبة الخامسة، وحفرت التجاعيد الغائرة أخاديدها على محياه.
حيال هذا الإعصار الداهم، أي درب يلزم عشيرته أن تسلكه للنجاة؟!
راحت الطفلة ترقب تقلبات وجه الزعيم بدقة متناهية؛ وحين آنست اللحظة المواتية، استطردت قائلة: “أبي، سمعت القوافل تقول إن عشيرة ما بالغة البأس وتحسن وفادة المنضوين تحت لوائها؛ والخروف والحصان كلاهما يأكلان العشب والكلأ، بينما النمر والذئب يقتاتان على اللحوم والدماء؛ أفلن يكون من الأجدى والأوفق لنا أن نتحالف مع عشيرة ما؟!”
فيما غرق زعيم العشيرة في حيرته وقلقه، تناهى إلى سمعه فجأة صوت نشيج بكاء طفولي من خلف الباب.
“أوه، دعي أباكِ يتفقد الأمر.” أزاح زعيم العشيرة برفق خصلات الشعر الناعمة عن جبهة الصغير، فأبصر خدشًا سطحيًا طفيفًا احمر لونه قليلًا، دون أن يبلغ حد إسالة قطرة دم واحدة.
لدى سماعه ذلك الصوت الأليف لقلبه، قطب جبينه قليلًا وتملكه القلق، فبادر بالسؤال في لهفة: “ما الخطب هناك؟”
“أستحق الموت والهلاك! العفو يا سيدي اللورد!” جثت المربية رعبًا وتصبب العرق من جبينها، بيد أن صدرها امتلأ بمرارة لا توصف؛ فهذه الطفلة أدهى كائن رأته، تتلاعب بالجميع وتختفي في طرفة عين لتزرع المتاعب؛ وما إن تحضر أمام والدها حتى تنقلب إلى ملاك وديع ببراعة تمثيلية تبدو فطرية، دون أن تترك خلفها ذرة دليل تدين مكرها!
أجاب الحارس المرابط عند الباب على عجل: “سيدي اللورد، لقد زلت قدم الآنسة الكبرى فوق درجات السلم فارتطم رأسها وهي تركض نحو مخدعكم.”
“أبي، لقد خشيت يون يون عليك؛ سمعت الخدم يتهامسون بأن الشيوخ يتشاحنون مع أبي، وأنك غاضب وحبست نفسك في المخدع وحيدًا.” رفعت الطفلة عينيها السوداوين الواسعتين اللامعتين ترمق الزعيم بنظرة شفقة وبر العيال.
“اويلاه!” انتفض زعيم عشيرة تشاو من مقعده بملامح يعتصرها الألم والهلع: “كيف تسقط قرة عيني وحبيبة فؤادي؟! أأدمت جبهتها؟! أسرع وأدخلها إليّ فورًا!”
عجزت الطفلة عن كبت دهائها، فاستطردت تحثه: “أبي، يجدر بنا الرحيل على الفور دون إبطاء؛ فهذا هو التوقيت الذهبي للفرار؛ فالنمر والذئب يتكاشران ويتأهبان للنزال، ولن يفضى لأحدهما بال لمطاردتنا أو الالتفات لشأننا!”
في سالف الأيام، رُزق زعيم عشيرة تشاو بعدة بنين، غير أن مكائد دونغ فانغ يو ليانغ الشيطانية حصدت أرواحهم جميعًا في الصراعات السابقة، ولم يتبقَّ له في هذه الدنيا سوى هذه الابنة الوحيدة.
‘أيها الأب المجاني، إنها مسألة حياة أو موت، وما زلت تسرف في التفاؤل والاطمئنان؟! يا لقلة الحيلة! من أجل صون رفاهيتي وسعادتي المستقبلية، لا مناص من استعراض دهائي وفضح مداركي رغماً عني!’
لم تتجاوز طفلته الخامسة أو السادسة من عمرها، وجبلت على طبع شقي مراوغ، بيد أن ملامحها البريئة نسخت صورة زوجته الراحلة بحذافيرها؛ ولهذا أغدق عليها الزعيم من الدلال والمحبة ما لا حد له.
ارتجف جسد زعيم عشيرة تشاو من هول الفكرة!
سرعان ما انفتح باب المخدع.
“بنيتي الحبيبة، لقد أصبتِ كبد الحقيقة! لا قبل لعشيرة تشاو بخوض هذا الصدام الطاحن، ولا يسعنا إلقاء أنفسنا في أتون تلك الدوامة المهلكة؛ نعم، سنحزم رحالنا ونرحل على الفور!” حسم زعيم عشيرة تشاو قراره نهائيًا.
دخل الحارس وهو يسند طفلة صغيرة تدلف إلى الحجرة.
صرخت الطفلة في سريرتها، ثم تظاهرت بعدم الاكتراث وهي تلوح بكفيها الصغيرتين قائلة: “أبي، ترى يون يون أن أولئك المتجادلين معك حمقى لا يفقهون شيئًا؛ فعشيرتنا تشاو تشبه خروفًا وديعًا، وعشيرة دونغ فانغ ذئب كاسر، بينما نمر يو تيان الضاري يزحف نحونا من بعيد؛ والذئب يعجز عن قهر النمر بمفرده، فيلتمس عون الخروف؛ لكن أياً كان الطرف الذي يعينه الخروف، فإن النمر أو الذئب سيفترسانه في نهاية المطاف!”
بدت الطفلة كأنها تحفة نُحتت من أصفى اليشم، وتألقت بثيابها الحريرية المطرزة في غاية اللطافة؛ بيد أنها في تلك اللحظة راحت تنتحب ممسكة بجبهتها بكفها الصغيرة.
صرخت الطفلة في سريرتها، ثم تظاهرت بعدم الاكتراث وهي تلوح بكفيها الصغيرتين قائلة: “أبي، ترى يون يون أن أولئك المتجادلين معك حمقى لا يفقهون شيئًا؛ فعشيرتنا تشاو تشبه خروفًا وديعًا، وعشيرة دونغ فانغ ذئب كاسر، بينما نمر يو تيان الضاري يزحف نحونا من بعيد؛ والذئب يعجز عن قهر النمر بمفرده، فيلتمس عون الخروف؛ لكن أياً كان الطرف الذي يعينه الخروف، فإن النمر أو الذئب سيفترسانه في نهاية المطاف!”
“يا ملاكي الصغير، يا يون يون الحبيبة، أين موضع الألم في رأسكِ؟” هرع زعيم العشيرة نحوها وجثا يضمها إلى صدره بحنان غامر، متفقدًا إياها بلهفة.
فقد رعاها بيده ورآها تشب أمام ناظريه يومًا بعد يوم!
‘أيها الأب العجوز، أأصابك العمى؟! الإصابة واضحة على جبهتي…’ صرخت الطفلة بحنق مستعر في سريرتها، إلا أنها على السطح أرخت رأسها بدلال فوق صدر زعيم العشيرة وتظاهرت بالمسكنة متدثرة بالبكاء: “أبي… رأس يون يون يؤلمها بشدة…”
طوال هذه الأيام، وبفعل الزحف العسكري الكاسح لحلف عشيرة هي والالتماس الشخصي الملح الوارد من دونغ فانغ يو ليانغ، انقسمت كبراء عشيرة تشاو إلى معسكرين متناحرين.
“أوه، دعي أباكِ يتفقد الأمر.” أزاح زعيم العشيرة برفق خصلات الشعر الناعمة عن جبهة الصغير، فأبصر خدشًا سطحيًا طفيفًا احمر لونه قليلًا، دون أن يبلغ حد إسالة قطرة دم واحدة.
فالمقر الرئيسي لعشيرة تشاو يربض في قلب تساو فو، بينما عشيرة هي حلفاء وافدون من ملتقى يو تيان؛ والالتحاق المتأخر بهم سيعرض تشاو للتهميش والازدراء، ولن تنال سوى فتات الغنائم، بل ربما يُزج برجالها دروعًا بشرية في أتون المحرقة.
مع ذلك، اعتصر فؤاد الزعيم ألمًا مفرطًا على طفلته.
مع ذلك، اعتصر فؤاد الزعيم ألمًا مفرطًا على طفلته.
طمأن ابنته بكلمات دافئة تفيض عطفًا، قبل أن يلتفت غاضبًا نحو المربية العجوز التي أقبلت تلهث: “أيتها المربية وو، ما الذي تصنعينه؟! ألم آمركِ بملازمتها كظلها وحمايتها في كل خطوة؟! انظري، لقد جُرحت جبهتها!”
لدى سماعه ذلك الصوت الأليف لقلبه، قطب جبينه قليلًا وتملكه القلق، فبادر بالسؤال في لهفة: “ما الخطب هناك؟”
“أستحق الموت والهلاك! العفو يا سيدي اللورد!” جثت المربية رعبًا وتصبب العرق من جبينها، بيد أن صدرها امتلأ بمرارة لا توصف؛ فهذه الطفلة أدهى كائن رأته، تتلاعب بالجميع وتختفي في طرفة عين لتزرع المتاعب؛ وما إن تحضر أمام والدها حتى تنقلب إلى ملاك وديع ببراعة تمثيلية تبدو فطرية، دون أن تترك خلفها ذرة دليل تدين مكرها!
أجاب الحارس المرابط عند الباب على عجل: “سيدي اللورد، لقد زلت قدم الآنسة الكبرى فوق درجات السلم فارتطم رأسها وهي تركض نحو مخدعكم.”
“أبي، لا تعاتب المربية؛ إنه خطأ يون يون لأنها ركضت دون انتباه.” همست الطفلة بصوت رقيق بريء.
فكم يبلغ عمر هذه الطفلة الصغيرة؟!
أضافت في قرارة نفسها: ‘هذه العجوز مزعجة للغاية، تلتصق بي طوال اليوم كالكابوس؛ ولولا أنني تعمدت إيذاء نفسي لما تمكنت من الإفلات منها ودخول هذا المخدع! أتظنون الأمر يسيرًا عليّ يا سادة?!’
‘أيها الأب العجوز، أأصابك العمى؟! الإصابة واضحة على جبهتي…’ صرخت الطفلة بحنق مستعر في سريرتها، إلا أنها على السطح أرخت رأسها بدلال فوق صدر زعيم العشيرة وتظاهرت بالمسكنة متدثرة بالبكاء: “أبي… رأس يون يون يؤلمها بشدة…”
تنهد زعيم عشيرة تشاو ومسح على شعر الطفلة الحريري بملامح متهللة بالرضا: “بنيتي، إنكِ لرحيمة طيبة كأمكِ الراحلة تمامًا.”
الفصل 502 – تشاو ليان يون
بينما صرخت المربية العجوز في دخيلتها رعبًا: ‘أيها الزعيم، لقد خُدعت تمامًا، إن ابنتك هذه شيطان رجيم…’
“أبي، لقد خشيت يون يون عليك؛ سمعت الخدم يتهامسون بأن الشيوخ يتشاحنون مع أبي، وأنك غاضب وحبست نفسك في المخدع وحيدًا.” رفعت الطفلة عينيها السوداوين الواسعتين اللامعتين ترمق الزعيم بنظرة شفقة وبر العيال.
لكنها كتمت صراخها في صدرها؛ لعلمها التام أن أحدًا لن يصدق دعواها، ولو باحت بسرها لذاقت من كيد هذه الطفلة ومقالبها ما لا تطيقه.
لم يكن خيار الانحياز إلى عشيرة هي بأقوم سبيلًا.
“أيتها العاجزة، لولا شفاعة يون يون لكِ… همف، انصرفي عن وجهي!” لوح الزعيم بيده طاردًا المربية، ثم التفت نحو طفلته بنظرات تفيض حنانًا: “يا صغيرتي الغالية، ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟”
مسح الزعيم على شعر طفلته الصغير برقة بالغة: “يون يون، حمداً للأقدار أن وهبتني إياكِ؛ إن أباكِ لفي قمة السعادة والظفر بامتلاك ابنة نجيبة مثلكِ!”
“أبي، لقد خشيت يون يون عليك؛ سمعت الخدم يتهامسون بأن الشيوخ يتشاحنون مع أبي، وأنك غاضب وحبست نفسك في المخدع وحيدًا.” رفعت الطفلة عينيها السوداوين الواسعتين اللامعتين ترمق الزعيم بنظرة شفقة وبر العيال.
مع ذلك، اعتصر فؤاد الزعيم ألمًا مفرطًا على طفلته.
بيد أنها في حقيقة أمرها راحت تزأر في باطنها: ‘هراء في هراء! لو لم آتِ بنفسي لغدت حياتي كلها في مهب الريح! أيها الأب المفروض عليّ، إنك لمفرط في التردد والبطء؛ فمع وصول الأمور إلى هذا المنزلق الخطر، أما زلت تحجم عن الهرب السريع؟! علامَ هذا التردد العقيم بحق الجحيم؟!’
“ههههه! يا لكِ من بنيّة صالحة؛ إنكِ لحبة قلبي وروحي!” انطلقت قهقهات زعيم عشيرة تشاو تملأ جنبات المخدع بالبشر والسرور.
شعر زعيم عشيرة تشاو برقة تسري في أنفه، واحمرت عيناه تأثرًا وكادت دموعه تفرط: “بنيتي البارة، لقد كبرتِ وبات قلبكِ يحمل هموم أبيكِ؛ لم يضع حبي ورعايتي لكِ سدى! لا تقلقي، فصحة أبيكِ على خير ما يرام، وانشرح صدري بمجرد رؤياكِ.”
حين رأى وجل طفلته من عتابه، فاض فؤاده بحنان أبوي جارف لا حد له.
‘أيها الأب المجاني، إنها مسألة حياة أو موت، وما زلت تسرف في التفاؤل والاطمئنان؟! يا لقلة الحيلة! من أجل صون رفاهيتي وسعادتي المستقبلية، لا مناص من استعراض دهائي وفضح مداركي رغماً عني!’
لم يكن خيار الانحياز إلى عشيرة هي بأقوم سبيلًا.
صرخت الطفلة في سريرتها، ثم تظاهرت بعدم الاكتراث وهي تلوح بكفيها الصغيرتين قائلة: “أبي، ترى يون يون أن أولئك المتجادلين معك حمقى لا يفقهون شيئًا؛ فعشيرتنا تشاو تشبه خروفًا وديعًا، وعشيرة دونغ فانغ ذئب كاسر، بينما نمر يو تيان الضاري يزحف نحونا من بعيد؛ والذئب يعجز عن قهر النمر بمفرده، فيلتمس عون الخروف؛ لكن أياً كان الطرف الذي يعينه الخروف، فإن النمر أو الذئب سيفترسانه في نهاية المطاف!”
“أوه، دعي أباكِ يتفقد الأمر.” أزاح زعيم العشيرة برفق خصلات الشعر الناعمة عن جبهة الصغير، فأبصر خدشًا سطحيًا طفيفًا احمر لونه قليلًا، دون أن يبلغ حد إسالة قطرة دم واحدة.
نزلت كلمات الطفلة كالصاعقة على ذهن زعيم عشيرة تشاو! فالمبتلى بالنازلة يعمى عن كنهها، بينما يرى المتفرج خفايا اللعبة بوضوح جلي؛ وأحيانًا يحتاج المرء الغارق في همومه إلى ومضة من لسان بريء لتستنير بصيرته.
تنهد زعيم عشيرة تشاو ومسح على شعر الطفلة الحريري بملامح متهللة بالرضا: “بنيتي، إنكِ لرحيمة طيبة كأمكِ الراحلة تمامًا.”
‘نعم، هذا عين الحقيقة! فسواء حالفنا دونغ فانغ أو ارتمينا في أحضان هي، فكأننا نلتمس النجاة من شدق وحش مفترس! لكن هل بوسع عشيرة تشاو النأي بنفسها والبقاء خارج المعمعة؟’
بيد أنها في حقيقة أمرها راحت تزأر في باطنها: ‘هراء في هراء! لو لم آتِ بنفسي لغدت حياتي كلها في مهب الريح! أيها الأب المفروض عليّ، إنك لمفرط في التردد والبطء؛ فمع وصول الأمور إلى هذا المنزلق الخطر، أما زلت تحجم عن الهرب السريع؟! علامَ هذا التردد العقيم بحق الجحيم؟!’
‘مستحيل! فالكارثة الثلجية التي تدك السهول الشمالية كل عشر سنوات تقضي بألا ملاذ آمن في هذا الصقيع؛ والظفر بموطئ قدم في البلاط الإمبراطوري أمر مصيري؛ فمن يدخل تلك الأرض المباركة يحصد منافع مذهلة تصون عشيرته؛ فإلى أي جهة ينبغي لتشاو أن تميل؟’
ارتجف جسد زعيم عشيرة تشاو من هول الفكرة!
راحت الطفلة ترقب تقلبات وجه الزعيم بدقة متناهية؛ وحين آنست اللحظة المواتية، استطردت قائلة: “أبي، سمعت القوافل تقول إن عشيرة ما بالغة البأس وتحسن وفادة المنضوين تحت لوائها؛ والخروف والحصان كلاهما يأكلان العشب والكلأ، بينما النمر والذئب يقتاتان على اللحوم والدماء؛ أفلن يكون من الأجدى والأوفق لنا أن نتحالف مع عشيرة ما؟!”
بيد أنها في حقيقة أمرها راحت تزأر في باطنها: ‘هراء في هراء! لو لم آتِ بنفسي لغدت حياتي كلها في مهب الريح! أيها الأب المفروض عليّ، إنك لمفرط في التردد والبطء؛ فمع وصول الأمور إلى هذا المنزلق الخطر، أما زلت تحجم عن الهرب السريع؟! علامَ هذا التردد العقيم بحق الجحيم؟!’
ارتجف جسد زعيم عشيرة تشاو من هول الفكرة!
“أبي، لا تعاتب المربية؛ إنه خطأ يون يون لأنها ركضت دون انتباه.” همست الطفلة بصوت رقيق بريء.
‘حقًا… لِمَ لا؟! ما الذي يمنعنا من ذلك؟!’
طالما أظهرت مثل هذا الذكاء الوقاد في هذه السن المبكرة، فلا مراء في أن موهبتها التدريبية المستقبلية ستكون خارقة للعادة.
فعشيرة ما تختلف عن عشيرتي هي ودونغ فانغ المستندتين إلى أسلاف خالدين وأراضٍ عتيدة تؤهلهما لمكانة العشائر الفائقة.
“آه…”
أما عشيرة ما فتفتقر لسند خالد مباشر وتسعى جاهدة لبلوغ تلك المرتبة، وسيرحب زعيمها بانضمام تشاو بحفاوة؛ غير أن الارتحال صوب تيان تشوان شاق ومحفوف بالمخاطر…
مسح الزعيم على شعر طفلته الصغير برقة بالغة: “يون يون، حمداً للأقدار أن وهبتني إياكِ؛ إن أباكِ لفي قمة السعادة والظفر بامتلاك ابنة نجيبة مثلكِ!”
‘أيها الأب المفروض، علامَ هذا التردد العقيم بعد كل هذا؟! احسم أمرك وقرر في التو!’ أحست الطفلة التي ترقب تذبذب ملامحه بغيظ وتوتر خانق في صدرها.
بيد أن زعيم تشاو أطرق يفكر في البعد الشاسع لإقليم تيان تشوان؛ فالدرب الطويل يزخر بالكمائن والضواري، مما أعاده إلى دائرة التردد.
دخل الحارس وهو يسند طفلة صغيرة تدلف إلى الحجرة.
عجزت الطفلة عن كبت دهائها، فاستطردت تحثه: “أبي، يجدر بنا الرحيل على الفور دون إبطاء؛ فهذا هو التوقيت الذهبي للفرار؛ فالنمر والذئب يتكاشران ويتأهبان للنزال، ولن يفضى لأحدهما بال لمطاردتنا أو الالتفات لشأننا!”
أطلق تنهيدة عميقة وأسند ظهره المتعب إلى المقعد الوثير، يرمق ذرات الغبار السابحة في ضياء الشمس المنكسر.
ارتعش فؤاد زعيم عشيرة تشاو واهتزت قناعته.
بدت الطفلة كأنها تحفة نُحتت من أصفى اليشم، وتألقت بثيابها الحريرية المطرزة في غاية اللطافة؛ بيد أنها في تلك اللحظة راحت تنتحب ممسكة بجبهتها بكفها الصغيرة.
“صحيح، ما بالي أتردد وأضيع الوقت؟! فإن تماديت في الحيرة، فستفلت منا فرصة النجاة الذهبية! فسواء كانت عشيرة هي أو دونغ فانغ، فكلاهما لا يرحم؛ وإن رغبت عشيرتي في نيل موطئ قدم في سباق البلاط الإمبراطوري، فإن المقامرة مع هؤلاء الطغاة انتحار محقق!”
هكذا، تخبط زعيم عشيرة تشاو في صراع داخلي مرير؛ وتعاظم كربه مع احتدام الصياح اليومي بين أعيان العشيرة؛ فتعين عليه التحسب لمكائد الداهية دونغ فانغ يو ليانغ الثعلبية من جهة، وإخماد الفتن الداخلية وقيادة سفينة عشيرته نحو بر الأمان من جهة أخرى، حتى استبد به الإرهاق وأثقل كاهله.
“بنيتي الحبيبة، لقد أصبتِ كبد الحقيقة! لا قبل لعشيرة تشاو بخوض هذا الصدام الطاحن، ولا يسعنا إلقاء أنفسنا في أتون تلك الدوامة المهلكة؛ نعم، سنحزم رحالنا ونرحل على الفور!” حسم زعيم عشيرة تشاو قراره نهائيًا.
سرعان ما انفتح باب المخدع.
كادت الطفلة المستندة إلى صدره تذرف دموع الفرح الحارقة، وتنفست الصعداء في سريرتها: ‘أيها العجوز، أخيرًا تفتحت بصيرتك ورأيت النور! آه، لم يضع تعبي وعنائي في الركض وإيذاء نفسي لإقناعك سدى…’
‘نعم، هذا عين الحقيقة! فسواء حالفنا دونغ فانغ أو ارتمينا في أحضان هي، فكأننا نلتمس النجاة من شدق وحش مفترس! لكن هل بوسع عشيرة تشاو النأي بنفسها والبقاء خارج المعمعة؟’
“لكن يا يون يون، هل فكرتِ في كل هذه الحجج البالغة بمفردكِ؟! ألقنكِ إياها أحد الحكماء؟ أخبري أباكِ بصراحة: من وراء هذا الكلام؟” فطن زعيم العشيرة أخيرًا لغرابة الأمر، فركز نظراته الفاحصة في عيني ابنته.
“آه…”
خفق قلب الطفلة خفقة وجلة، لكنها بادرت بطرف عينيها الواسعتين بملامح براءة طفولية آسرة: “لم يعلمني أحد يا أبي؛ يون يون فكرت في هذا وحدها؛ فأبي يعمل بكد ومشقة كل يوم، ويون يون تكره أن ترى أباها مرهقًا حزينًا، فأردت أن أرفع العبء عن كاهل أبي فحسب.”
“أستحق الموت والهلاك! العفو يا سيدي اللورد!” جثت المربية رعبًا وتصبب العرق من جبينها، بيد أن صدرها امتلأ بمرارة لا توصف؛ فهذه الطفلة أدهى كائن رأته، تتلاعب بالجميع وتختفي في طرفة عين لتزرع المتاعب؛ وما إن تحضر أمام والدها حتى تنقلب إلى ملاك وديع ببراعة تمثيلية تبدو فطرية، دون أن تترك خلفها ذرة دليل تدين مكرها!
ثم أطرقت برأسها بخوف مصطنع وتمسكن ملحوظ: “أبي… أأخطأت يون يون في شيء؟”
“لكن يا يون يون، هل فكرتِ في كل هذه الحجج البالغة بمفردكِ؟! ألقنكِ إياها أحد الحكماء؟ أخبري أباكِ بصراحة: من وراء هذا الكلام؟” فطن زعيم العشيرة أخيرًا لغرابة الأمر، فركز نظراته الفاحصة في عيني ابنته.
تألقت عينا زعيم عشيرة تشاو بومضة دهشة غامرة وفرح فائق؛ ولم يدر بخلده قط أن هذا الملاك الصغير الماثل أمامه يمكن أن يخادعه أو يضمر مكرًا.
في سالف الأيام، رُزق زعيم عشيرة تشاو بعدة بنين، غير أن مكائد دونغ فانغ يو ليانغ الشيطانية حصدت أرواحهم جميعًا في الصراعات السابقة، ولم يتبقَّ له في هذه الدنيا سوى هذه الابنة الوحيدة.
فكم يبلغ عمر هذه الطفلة الصغيرة؟!
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
فقد رعاها بيده ورآها تشب أمام ناظريه يومًا بعد يوم!
“بنيتي الحبيبة، لقد أصبتِ كبد الحقيقة! لا قبل لعشيرة تشاو بخوض هذا الصدام الطاحن، ولا يسعنا إلقاء أنفسنا في أتون تلك الدوامة المهلكة؛ نعم، سنحزم رحالنا ونرحل على الفور!” حسم زعيم عشيرة تشاو قراره نهائيًا.
طالما أظهرت مثل هذا الذكاء الوقاد في هذه السن المبكرة، فلا مراء في أن موهبتها التدريبية المستقبلية ستكون خارقة للعادة.
صرخت الطفلة في سريرتها، ثم تظاهرت بعدم الاكتراث وهي تلوح بكفيها الصغيرتين قائلة: “أبي، ترى يون يون أن أولئك المتجادلين معك حمقى لا يفقهون شيئًا؛ فعشيرتنا تشاو تشبه خروفًا وديعًا، وعشيرة دونغ فانغ ذئب كاسر، بينما نمر يو تيان الضاري يزحف نحونا من بعيد؛ والذئب يعجز عن قهر النمر بمفرده، فيلتمس عون الخروف؛ لكن أياً كان الطرف الذي يعينه الخروف، فإن النمر أو الذئب سيفترسانه في نهاية المطاف!”
حين رأى وجل طفلته من عتابه، فاض فؤاده بحنان أبوي جارف لا حد له.
“اويلاه!” انتفض زعيم عشيرة تشاو من مقعده بملامح يعتصرها الألم والهلع: “كيف تسقط قرة عيني وحبيبة فؤادي؟! أأدمت جبهتها؟! أسرع وأدخلها إليّ فورًا!”
مسح الزعيم على شعر طفلته الصغير برقة بالغة: “يون يون، حمداً للأقدار أن وهبتني إياكِ؛ إن أباكِ لفي قمة السعادة والظفر بامتلاك ابنة نجيبة مثلكِ!”
“ههههه! يا لكِ من بنيّة صالحة؛ إنكِ لحبة قلبي وروحي!” انطلقت قهقهات زعيم عشيرة تشاو تملأ جنبات المخدع بالبشر والسرور.
‘آه، لا مفر من هذا المسلك؛ فطالما كُتب عليّ الانتقال إلى هذا العالم الغريب والولادة من جديد؛ ففي هذه الحياة، يملك المرء اختيار رفاقه، لكن والديه قدر مقضي لا حيلة له فيه؛ وطالما أحسنت معاملتي وأغدقت عليّ عطفك، فسأرد لك الجميل حتمًا…’
سرعان ما انفتح باب المخدع.
حدثت الطفلة نفسها بتلك الخواطر، إلا أنها على السطح طوقت عنق زعيم عشيرة تشاو بذراعيها الصغيرتين، وطبعت قبلة بريئة على وجنة هذا الأب المجاني: “أبي، ابنتك تحبك أكثر من أي شيء في الدنيا!”
فكم يبلغ عمر هذه الطفلة الصغيرة؟!
“ههههه! يا لكِ من بنيّة صالحة؛ إنكِ لحبة قلبي وروحي!” انطلقت قهقهات زعيم عشيرة تشاو تملأ جنبات المخدع بالبشر والسرور.
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
لكن هل يقوى التحالف مع دونغ فانغ على محو ضغائن أجيال تعاقبت؟! كلما جال في خاطره سيل الدماء والعداوات المترسخة بين العشيرتين عبر القرون، عجز زعيم عشيرة تشاو عن التفاؤل أو الجزم بحسن المآل.
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
أجاب الحارس المرابط عند الباب على عجل: “سيدي اللورد، لقد زلت قدم الآنسة الكبرى فوق درجات السلم فارتطم رأسها وهي تركض نحو مخدعكم.”
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
جراء انكفائه الطويل على تدبير معضلات العشيرة لسنوات خلت، خط الشيب الفضي شعر هذا السيد الخمسيني المستقر في المرحلة الابتدائية من المرتبة الخامسة، وحفرت التجاعيد الغائرة أخاديدها على محياه.
حين رأى وجل طفلته من عتابه، فاض فؤاده بحنان أبوي جارف لا حد له.
