الفصل 738 – خشب الأرض القديمة، الزومبي الخالد غو يي
جبل كو مو؛ لم يكن ليشبه الجبال المعتادة بقدر ما بدا كشجرة خشبية ميتة عملاقة تعانق السحاب.
عُرف ذلك الخشب باسم خشب الأرض القديمة.
تمتع خشب الأرض القديمة بعمر مديد وحياة متطاولة للغاية، وتجاوز تاريخ هذا الجذع الخشبي الضخم بالذات مليون عام كاملة؛ فامتد وجوده من عصر الموقر الشيطاني الهمجي المتوحش، إلى عصر الموقر الشيطاني اللوتس الأحمر، ثم الموقر الخالد لوتس الأصل، والموقر الشيطاني سارق السماء، والموقر الخالد الشمس العملاقة، ثم توالى صامدًا حتى عصر الموقر الشيطاني الروح الطيفية والموقر الخالد أرض الجنة؛ وحتى بعد أن فارق الموقر الخالد أرض الجنة دنيا الوجود، ظلت هذه الشجرة العتيقة تنبض بالحياة وتقاوم الفناء.
حين اكتست بأوراقها الخضراء، حجبت كامل السماء، وطرحت ثمارًا لا حصر لها؛ وفوق أغصانها المتينة، أمكن تشييد مزارع شجرية فريدة.
خلال عصورها الذهبية، تناوبت أقوى القوى وأعتى خوالد الغو في السهول الشمالية على امتلاكها وبسط النفوذ عليها.
لكن مع جريان نهر الزمن، ذبلت أوراقها وتآكل جذعها، وانطوت أيام مجدها لتستحيل هيكلًا كئيبًا يلفه السكون.
تناحرت قوى لا تعد عليها وخاضت معارك طاحنة سالت فيها الدماء، غير أن أيامها الأخيرة اتسمت بالوحشة؛ ولم تعد أغصانها الجرداء تظلل سوى رقعة ضئيلة، في محاولة بائسة لمحاكاة مجدها الغابر.
في الوقت الراهن، مات معظم الجذع الرئيسي لشجرة خشب الأرض القديمة، ولم يتبقَ سوى نزر يسير يحفظ وميض الحياة فيها.
من كنز أسطوري تتسابق عليه النفوس، إلى أثر مهجور لا يزوره أحد، غدت كعملاق هرم انحنى ظهره وجلس فوق الأرض بهدوء يترقب دنو أجله المحتوم.
لم يقصد فانغ يوان هذا الموضع لتأمل جمال الشجرة العتيقة، بل استهدف الزومبي الخالد القاطن فوق قمة خشب الأرض القديمة.
عُد هذا الزومبي الخالد مزارعًا بارزًا لمسار الخشب إبان حياته ويدعى غو يي؛ وبغية الانضمام إلى تحالف الزومبي في السهول الشمالية، تعين على فانغ يوان الحصول على تزكية رسمية من أحد خوالد التحالف.
حاز فانغ يوان تفاصيل تحالف الزومبي ومعلوماته الجوهرية مسبقًا من الجنية لي شان؛ ولم يقع اختياره على غو يي لتميز خاص أو مكانة مرموقة، بل لكونه الأقرب مسافة إلى موقعه الجغرافي الراهن.
مع دنوه التدريجي من شجرة خشب الأرض القديمة، خفف فانغ يوان من سرعة طيرانه متوقعًا خروج الحارس، بيد أن غو يي لم يظهر للقائه.
عقد حاجبيه قليلًا من فرط الاستغراب؛ فيقظة هذا الخالد وحسه الأمني بديا متدنيين لدرجة مزرية تبعث على الرثاء.
حين حاذى شجرة خشب الأرض القديمة ووقف أمام جذعها الضخم، نادى فانغ يوان بصوت جهوري تردد في الأرجاء: “أحاضر لورد مدينة الأرض القديمة؟! يدعى هذا المتواضع شا هوانغ وقد شرفه الحضور للزيارة.”
تردد صدى صوته بين جنبات الشجرة الخشبية وفروعها العارية، فتساقطت الأوراق الذابلة الجافة فوق الأديم؛ ومن عمق مظلم في خشب الأرض القديمة، برز خيال شخص وهو يصيح بحنق: “لمَ يتوافد المزيد من الناس دون انقطاع؟! أتحسبونني أنا غو يي لقمة سائغة يسهل على الجميع استضعافها والتطاول عليها؟!”
نضحت نبرته بحنق مكظوم وعجز وقهر يملأ الصدر.
انتصب غو يي أخيرًا في الفضاء أمام فانغ يوان.
بدا شاحب البشرة يميل لونه إلى الصفرة الذابلة، طويل القامة وهزيل البنية بدرجة تلفت النظر، ليحاكي خشب الأرض القديمة في مظهره وقوامه؛ وانتشرت خطوط وأخاديد خشبية فوق سائر جلده، فامتلك جسد زومبي خالد يشبه قطعة من الخشب الميت اليابس.
لدى رؤيته لفانغ يوان، تجمد غو يي في مكانه مذهولًا، وتبدد الغضب المتأجج عن محياه ليقول بنبرة تردد مشوبة بالحذر: “من يكون السيد الكريم؟”
ضم فانغ يوان قبضتيه مفصحًا عن غايته مباشرة دون مواربة: “أدعى شا هوانغ؛ تحولت إلى زومبي خالد مؤخرًا قسرًا وبلا حيلة تذكر؛ وأرغب بصدق في الانضمام إلى تحالف الزومبي في السهول الشمالية، فهل يتكرم لورد مدينة الأرض القديمة بمنحي تزكيته المعتمدة؟”
تبدلت أسارير غو يي في الحال، وسارع برد التحية مبتسمًا بارتياح واضح: “أوه، قادم جديد يرغب في الانضمام إلى التحالف! تشرفت بلقائك وسررت بحضورك؛ حسبت الأمر يتعلق بـ… على أية حال، دعنا نتجاوز ذلك ولا ننبش في الهموم؛ فجميعنا ركاب سفينة واحدة في بحر المعاناة، تفضل بالدخول إلى منزلي المتواضع.”
حلق فانغ يوان صاعدًا على مهل في أثره، واجتاز بصحبة غو يي ركام الأغصان المتآكلة والأوراق المتساقطة، حتى بلغا موضعًا غائرًا في أعماق تفرعات الشجرة العتيقة.
تجلى هناك مشهد مدينة فريدة
شيدت المدينة بأكملها فوق فروع خشب الأرض القديمة، وبدت كمدينة خشبية منحوتة بإتقان لافت.
اصطفت بيوت خشبية لا حصر لها بين مرتفع ومنخفض، وضمت ساحات عامة وأبراج مراقبة وأسوارًا متينة؛ وترابطت الشوارع والأزقة كالأوردة المنسابة على امتداد الأغصان الضخمة.
تدلت سلالم حبال متفرقة تتصل بين الأغصان المتجاورة.
من المؤسف أن تلك المدينة الخشبية تصدعت ودمر نصفها، وانهارت أعداد غفيرة من منازلها؛ وفقدت حبال السلالم الصفراء نضارتها وعجزت عن حمل الأوزان؛ ومع هبوب الرياح الباردة، تقطعت بعض الحبال وارتطمت بالأغصان محدثة فرقعة موحشة.
جال فانغ يوان ببصره في جنبات المدينة المتداعية وتنهد قائلًا: “هذه هي مدينة الأرض القديمة الشهيرة؛ ورغم هذا الحال المتردي الذي آلت إليه، لا تزال هيبتها وعظمتها ماثلة في الأرجاء؛ ففي العصور الغابرة، كانت مقصدًا شهيرًا تلتقي فيه ألمع الشخصيات وأقوى الخوالد، ومثلت بحق قلب السهول الشمالية النابض بالحياة والازدهار.”
ضحك غو يي بمرارة وانكسار: “ماتت المدينة ولم يتبقَ منها شيء؛ وتسميتي بلورد مدينة الأرض القديمة مجرد لقب أجوف لا قيمة له؛ ولو لم يواصل هذا المكان إنتاج مورد نادر لمسار الخشب يدعى الجوهر الذابل، فمن كان ليلقي له بالًا؟”
أومأ فانغ يوان برأسه موافقًا: “هذا صحيح تمامًا، فالواقع يفرض منطقه دائمًا.”
تنهد غو يي بعمق وقال بأسى: “لو علمتُ بمدى قحط هذا المكان لما قبلت هذه المهمة من تحالف الزومبي؛ لكن مدة تكليفي شارفت على الانتهاء، وسأغادر هذا الجحيم قريبًا؛ فانظر إلى حالتي البائسة واتعظ منها يا أخي، وإياك واختيار مهمة حراسة خشب الأرض القديمة حين تنضم للتحالف.”
فطن فانغ يوان لإصابة غو يي، فصوب نظراته نحو وجهه بصورة طبيعية.
بدا وجه غو يي متورمًا يشبه حبة خوخ وردية منتفخة على أحد خديه، بينما انخسف الجانب الآخر وعلته شقوق عميقة ورضوض بالغة؛ وبدا رأسه بالكامل مشوه الملامح كبطيخة معيبة فقدت استدارتها.
فضلاً عن ذلك، شق صدره ندب طويل غائر.
رغم ضحالة الندب، إلا أن مساحة الجرح اتسعت، وحامت حوله أبخرة سامة بلون أرجواني داكن.
سأله فانغ يوان بفضول: “حتى لو لم يذكر الأخ غو ذلك، لكنتُ سأستفسر بدافع الاهتمام؛ من أين أتتك هذه الإصابات البالغة والجراح المستعصية؟”
تنهد غو يي بحزن عميق وألم ظاهر: “بما أنك تحولت إلى زومبي خالد حديثًا، فلا تزال تجهل أوجاع الزومبي الخالد ومرارته الحارقة في هذا العالم…”، وهمّ بسرد تفاصيل محنته حين دوى ارتطام هائل مروع في الخارج، فاهتزت شجرة خشب الأرض القديمة وتساقطت أوراقها، وتحطمت أغصان متآكلة كأعمدة وهوت نحو الأرض.
تبدلت سحنة غو يي وامتقع لونه.
تناهى صوت صياح هادر ومستكبر من الخارج: “غو يي، اخرج فورًا دون إبطاء؛ لقد جاء هذا اللورد الإلهي ليعقد صفقة تجارية معك!”
ازداد وجه غو يي قبحًا واشتعلت عيناه بنيران الغيظ وصك على أسنانه: “إنه اللورد الإلهي تيان دو اللعين مجددًا!”
بام!
دوى ارتطام آخر أشد عنفًا زلزل خشب الأرض القديمة.
اهتزت الشجرة مجددًا، وانهمرت الأوراق كالمطر، وانهارت بيوت خشبية متسببة في تصاعد الغبار.
صاح خالد آخر من الخارج بنبرة فظة متهكمة: “غو يي، أنت بالداخل أليس كذلك؟! اخرج في الحال وقابلنا، أنا شي هو؛ لدينا مسألة مهمة لنناقشها معك.”
أتبع كلماته بضربة مدوية ثالثة أحدثت صريرًا مفجعًا في خشب الأرض القديمة.
بدا واضحًا أنهما لن يتوقفا حتى يخرج غو يي لمواجهتهما.
احتقن وجه غو يي بغيظ، وقبض يديه وأخذ أنفاسًا عميقة، ثم ابتسم بتكلف لفانغ يوان: “الأخ شا، تفضل بالجلوس وسأعود سريعًا.”
رد فانغ يوان: “لا تقلق، سأخرج برفقتك.”
تأثر غو يي وضم قبضتيه: “أشكر الأخ شا على نخوته.”
خرج الاثنان من الشجرة، ليريا خالدين من الرتبة السادسة يطفوان في السماء.
امتلك أحدهما بنية عضلية وبشرة برونزية تحيط بها صواعق البرق، ويدعى اللورد الإلهي تيان دو.
أما الآخر فتميز بشعر أشعث وهيئة فظة كقاطع طريق يحمل جمجمة، وهو شي هو.
فوجئ اللورد الإلهي تيان دو برؤية فانغ يوان وضحك باستهزاء: “لم أتوقع أن يجد غو يي عونًا؛ لكن يا للأسف، مجرد زومبي خالد آخر!”
لم يخفِ في نبرته احتقارًا صريحًا للزومبي الخالد.
استشاط غو يي غضبًا وهمّ بالرد: “أنتما!”
لوح اللورد الإلهي تيان دو بيده بضجر: “لن أضيع وقتي في الثرثرة؛ أعلم أنك تحوز بعض الجوهر الذابل؛ وصديقي يحمل حجر جوهر خالد ويريد شراء مائة وخمسين كيلوغرامًا منه.”
صاح غو يي وداس الأرض بقدمه حنقًا: “حجر جوهر خالد واحد مقابل مائة وخمسين كيلوغرامًا؟! ألا تخجلان من هذا السطو العلني؟!”
سخر شي هو بصلف: “السطو متاح أيضًا، لكن مراعاة لصداقتك مع اللورد الإلهي أردت مجاملتك.”
حدق غو يي بعينين متقدتين وكاد صدره ينفجر: “أنتما بلا حياء، قطاع طرق حقيقيون!”
لكنه لم يبادر بالهجوم في نهاية المطاف.
غلى صدره غيظًا، غير أنه وجد نفسه مقيدًا بالعجز المطلق.
فالخصمان خالدان حيان من الرتبة السادسة، بينما هو مجرد زومبي خالد ميت الفتحة، ولا يحوز سوى بضعة عشر حجرًا من الجوهر الخالد؛ فحتى لو اشتبك معهما، ماذا سيجني بعد ذلك؟!
بصرف النظر عن إمكانية انتصاره، فخوض النزال سيستنزف جوهر العنب الأخضر الخالد؛ وفي غياب تجدد الجوهر من فتحته الميتة، سيضطر لتعويضه بأحجاره القليلة ليواجه الإفلاس التام عقب معركة واحدة.
امتلأ غو يي بالهموم والتفت نحو فانغ يوان بجانبه.
في الواقع، كان تيان دو وشي هو يتفحصان فانغ يوان أيضًا؛ فقد ابتز تيان دو غو يي مرارًا، لكنه جهل كل شيء عن فانغ يوان.
أدرك فانغ يوان نظراتهم، فرسم تعبير التردد على وجهه وسأل غو يي: “الأخ غو، ما الذي يجري هنا؟ من هؤلاء ليتجرأوا على هذه المطالب الجائرة؟! ولمَ لا يتدخل تحالف الزومبي لحمايتك؟”
رأى غو يي تردد فانغ يوان، فتبدد أمله وتنهد بأسى: “يستطيع التحالف التدخل، لكني أعجز عن تحمل تكلفة استدعائه؛ كان الحال أفضل بوجود الزعيمة، أما الآن… دعنا من ذلك؛ وحين تنضم للتحالف ستفهم كل شيء بنفسك يا أخي.”
تلاقت نظرات تيان دو وشي هو ورأى كل منهما الغبطة في عيني الآخر.
تواصلا ذهنيًا: “إذن هذا الزومبي الخالد الجديد جاء راغبًا في الانضمام للتحالف فحسب!”
“سننجح في ابتزازه مجددًا دون عناء!”
كما توقعا، اضطر غو يي صاغرًا للقبول بشروطهما الظالمة؛ وباع في النهاية مائة وخمسين كيلوغرامًا من الجوهر الذابل مقابل حجر جوهر خالد يتيم.
قهقه الاثنان عاليًا وهما يغادران: “صفقة تجارية رابحة وممتعة!”
“غو يي، حين تطلب النجدة في المرة القادمة، احرص على دعوة شخص حي على الأقل!”
أطرق غو يي برأسه غارقًا في الخيبة والانكسار وتمتم بحزن دفين: “هذا المكان الموبوء، لا أطيق البقاء فيه لنفس واحد إضافي بعد اليوم.”
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.