الفصل 749 – المزاد (3)
لوّح الباحث الطليق بيده لتشين باي شينغ وخاطبه بنبرة ودودة تكشف عن علاقة وثيقة تجمع بينهما: “أخي تشين، باشر مهامك ومشاغلك، فنحن نستطيع اختيار مقصورتنا بأنفسنا.”
ثم مضى الباحث الطليق بخطى وئيدة ليدلف إلى إحدى الغرف برفقة الجنية هونغ شيو.
عقب مغادرته، توالى وصول وفود خوالد الغو تباعًا؛ فاختار بعضهم الغرف المنفردة، بينما فضل السواد الأعظم الجلوس في بهو القاعة الرئيسية الفسيح؛ أما من آثروا حجز الغرف السرية، فقد سلكوا ممرات خاصة ليبلغوا مقاصيرهم دون أن يلحظهم جالسو القاعة.
أرسل تاي باي يون شنغ رسالة صوتية من الغرفة السرية الحادية عشرة معلقًا بإعجاب: “رغم أن تشين باي شينغ مزارع منفرد، إلا أنه يجمع بين البأس القتالي الرفيع وحسن معاشرة الناس، ويملك شبكة علاقات واسعة تضم كبار الخبراء.”
مثل هذا اللقاء أول تعارف بينهما، ومع ذلك حظي تشين باي شينغ بتقدير تاي باي يون شنغ البالغ.
رمق فانغ يوان بهو القاعة وحلل المشهد برؤية ثاقبة: “لا يعود الفضل في هذا الحشد لتشين باي شينغ بمفرده؛ فقبل فترة وجيزة، إثر انهيار مبنى يانغ الحقيقي الثامن والثمانين، ظفر خوالد السهول الشمالية بديدان غو خالدة عديدة، وباتوا بأمسّ الحاجة لمقايضتها لسد متطلباتهم الخاصة؛ وثمة أيضًا جوهر الميراث الحقيقي لمسار الحظ؛ فضلًا عن ذلك، ومع فناء أرض البلاط الإمبراطوري المباركة، تبدلت موازين القوى في السهول الشمالية بسرعة خاطفة، وألزمت القوى العظمى بصياغة قواعد جديدة؛ وبسبب تضافر هذا التوقيت الحرج وتلك الظروف الاستثنائية، اكتسب المزاد هذا الزخم الهائل؛ ولم يكن نجاح تشين باي شينغ والجنية لي شان في استقطاب خوالد الرتبة الثامنة وليد شهرتهما الشخصية فحسب.”
مع مرور الوقت، تلاحق توافد خوالد الغو على القاعة حتى غصت جنباتها بالحاضرين.
تصاعدت في أرجاء البهو نبرات النقاش وتكاثرت الأحاديث الصاخبة وتبادل الآراء.
رغم ما يحوزه خوالد الغو من سطوة جبارة وجوهر بدائي لامتناهٍ يسحق الفانين بلا عناء، إلا أنهم يستغرقون معظم أوقاتهم في إدارة فتحاتهم الخالدة وتدبير الاستعدادات الشاقة لمواجهة النكبات والمحن الدورية، ليبقى وقتهم الفعلي ضيقًا ومحدودًا للغاية.
علاوة على ذلك، فالعالم رحب فسيح وأعداد خوالد الغو شحيحة نادرة، ونادرًا ما تسنح لهم فرصة التلاقي والاجتماع؛ ولهذا مثلت هذه المناسبة التي جمعت ذلك الحشد الغفير من أرجاء السهول الشمالية فرصة فريدة لا تتكرر إلا بعد عقود طوال.
فخوالد الغو بحاجة دائمة للتواصل والتشاور، ويولون علاقاتهم الاجتماعية عناية فائقة.
فالغو الخالد فريد في الوجود ولا يتكرر؛ وكثيرًا ما يضطر الخالد لاستعارة ديدان الغو الخالدة من أقرانه لحل معضلاته الطارئة وتخطي أزمات زراعته؛ يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد في هذا العالم يفتقر للتطور السلس، وتعجز أحجار الجوهر الخالد عن شراء الكثير من الموارد النفيسة والأعشاب النادرة، مما يحصر المعاملات الكبرى في نظام المقايضة المباشرة بالمواد النادرة.
هكذا جمع هذا المزاد شمل خوالد الغو في السهول الشمالية قاطبة تقريبًا؛ وتناقل الحاضرون في القاعة الأخبار والمعلومات القيمة وتبادلوا الرؤى؛ بل إن بعض الخصوم الألداء وجدوا في هذا المحفل وسيلة لتهدئة الضغائن وتسوية النزاعات العالقة بصورة مؤقتة.
فندرة الخوالد جعلت دائرتهم الاجتماعية محصورة للغاية؛ وإن لم يكن المرء صديقًا فهو خصم، وحتى الغريب سرعان ما تتصل خيوطه بالآخرين بمجرد التطرق للأصدقاء والمعارف المشتركين.
عقب استقرار الباحث الطليق، دلف شيخ وقور يتوكأ على عصا بخطى متئدة وئيدة إلى قاعة المزاد.
رآه تشين باي شينغ فتهلل وجهه بالبشر والاستبشار، وسارع بالتقدم نحوه وانحنى بتبجيل فائق: “تشين باي شينغ يقدم احترامه للورد ياو هوانغ!”
ياو هوانغ… أحد خوالد الغو الخمسة الكبار من الرتبة الثامنة في السهول الشمالية قاطبة.
ساد الصمت المطبق أرجاء القاعة في لمح البصر، وعجز الخوالد عن البقاء في مقاعدهم، فهبوا جميعًا وقوفًا يقدمون التحية بإجلال ومهابة:
“اللورد ياو هوانغ، أنت صاحب فضل عظيم عليّ، فتقبل فائق احترامي وعرفاني.”
“لولا بلسم يديك يا لورد ياو هوانغ، لما شفيت إصابتي وظللت أعاني حتى اللحظة.”
“اللورد ياو هوانغ، أتذكرني؟ أنا شياو سي، الذي جلب لك دودة برعم الفاصوليا في سالف الأيام.”
بل إن الخوالد المقيمين في الغرف المنفردة خرجوا إلى الرواق لتقديم واجب التحية لياو هوانغ وإظهار التقدير لمقامه.
لوّح ياو هوانغ بيده مبتسمًا بألفة وتواضع جم: “مرحبًا بالجميع، يومكم طيب، يومكم مبارك.”، ولم يبدِ أي استعلاء أو غطرسة على الإطلاق.
مثل تاي باي يون شنغ، تخصص ياو هوانغ في مسار الشفاء كخالد مرموق في المسار الصالح، متمتعًا بدماء هوانغ جين الخالصة؛ وبصفته المسؤول الأسمى الأول لقبيلة ياو العظمى، حاز هيبة سامية في السهول الشمالية تعد الأرفع والأكثر قبولًا بين خوالد الرتبة الثامنة الخمسة قاطبة.
تعددت الحكايات المنسوبة لياو هوانغ حتى ليعجز المرء عن حصرها وتدوينها في أيام وليالٍ طوال.
ارتبطت إحدى أشهر تلك الحكايات بصلة غير مباشرة بفانغ يوان، إذ وقعت فصولها قبل بضعة عقود.
فقد عكف ياو هوانغ على ابتكار غو خالد علاجي جديد، وظل لقرن كامل يطلب أجساد الزومبي الخالدين من تحالف الزومبي لإجراء أبحاثه وتجاربه الصيدلانية.
مع تعمق أبحاثه، حقق نتائج مذهلة واستطاع تحويل نفسه مؤقتًا إلى زومبي خالد؛ وانطلت الحيلة على كبار الخبراء، وظن الجميع أن عمر ياو هوانغ قد شارف على النفاد واضطر مكرهًا للتحول إلى زومبي خالد لتفادي الموت.
أعلن ياو هوانغ آنذاك رغبته في الانضمام الرسمي لتحالف الزومبي؛ وفي تلك الفترة بالذات، كانت زعيمة التحالف، الشيطانة المتقدة، قد غادرت السهول الشمالية صوب البحر الشرقي؛ وفي غيابها، انحصرت حراسة المقر في يين ليو غونغ والنائبين الآخرين من الرتبة السابعة.
عجز خوالد التحالف عن كشف تمويه ياو هوانغ المتقن، بيد أنه تعثر في الخطوة الأخيرة أمام باب قاعة المداولات الحجري؛ فمهما بذل من جهد، عجز عن فتح الباب، ليتبادل الزومبي الخالدون النظرات في دهشة وحيرة عارمة.
في النهاية، أطلق ياو هوانغ ضحكة مجلجة وأزال تنكره كاشفًا حقيقة أبحاثه للعيان.
رغم خداعه لهم، فإن مكانته الشاهقة ورتبته العالية منعت خوالد الزومبي من مؤاخذته، بل ودعوه في ختام الزيارة بمنتهى التبجيل والأدب والحرص.
في لحظة ولوج ياو هوانغ، أقبل يين ليو غونغ بدوره.
التفت ياو هوانغ وحياه بود وألفة: “أوه، ليو الصغير.”
سارع يين ليو غونغ بابتسامة متملقة وانحنى احترامًا: “الصغير يقدم احترامه للورد ياو هوانغ.”
ابتسم ياو هوانغ شاكرًا: “لقد قبل تحالف الزومبي مهمتي في الوقت المناسب تمامًا، وحضر ذلك الزومبي الخالد إلى قبيلة ياو دون أن تتعطل أبحاثي؛ والفضل يرجع في ذلك إلى تعاون تحالفكم الكريم.”
رد يين ليو غونغ بحصافة ودبلوماسية بارعة: “أفرطت في مديحنا يا سيدي؛ بل الشرف لنا في التعاون مع اللورد ياو هوانغ؛ وحين يكلل مسعاك بالنجاح في ابتكار الغو الخالد الجديد، سيعم نفعه وخيره على خوالد السهول الشمالية بأسرهم.”
مد ياو هوانغ ذراعه المجعدة وأمسك بيد يين ليو غونغ: “تعال يا ليو الصغير، لنجلس معًا ونتبادل الحديث.”
قبل أن يملك يين ليو غونغ خيار الاعتذار، التفت ياو هوانغ نحو تشين باي شينغ: “تشين الصغير، خصص لنا غرفة منفردة.”
هكذا، وتحت نظرات الغبطة من الحاضرين، دلف الاثنان معًا إلى إحدى الغرف المنفردة.
مثل ياو هوانغ أول خوالد الرتبة الثامنة حضورًا، وتلاه تباعًا اللورد السماوي باي زو، وسيد العناصر الخمسة العظيم، والسلف العجوز شيويه هو.
أثار ظهور كل قطب من هؤلاء ضجة عارمة وزلزالًا في بهو القاعة.
فقبل بزوغ الموقرة الخالدة الحلم العظيم في الأزمان القادمة، مثلت الرتبة الثامنة ذروة القوة القتالية في عالم خوالد الغو قاطبة.
احتل خوالد الرتبة الثامنة الخمسة في السهول الشمالية مكانة رفيعة حظيت بمهابة مطلقة لا تدانى؛ ومن بينهم، مثل السلف العجوز شيويه هو القطب الأول في المسار الشيطاني وزعيم أرض جبل الثلج المباركة؛ بينما قاد ياو هوانغ قبيلة ياو في المسار الصالح؛ أما اللورد السماوي باي زو وسيد العناصر الخمسة العظيم فكانا مزارعين منفردين يقفان في صفوف الحياد التام.
أخيرًا، تواجد الأمير فونغ شيان المنتمي للمسار الصالح، غير أنه شغل منصب مسؤول أسمى خارجي لقبيلة غونغ دون أن يحمل دماء هوانغ جين، مما جعل موقعه حساسًا للغاية؛ وبسبب خلافات سابقة مع قبيلة غونغ، عاش في الخارج لسنوات طوال، مقتصرًا على نجدتهم في الأزمات الكبرى دون أن يعمل تحت إمرتهم المباشرة.
ضمت الرتبة الثامنة قطبين في المسار الصالح، وقطبًا في المسار الشيطاني، وقطبين محايدين؛ وجسد هذا التوزيع الدقيق توازن القوى الراهن في السهول الشمالية.
اختار أقطاب الرتبة الثامنة الثلاثة غرفًا منفردة على الفور لمتابعة وقائع المزاد.
غص بهو القاعة الآن بنحو خمسين من خوالد الغو.
همس بعضهم: “من بين خوالد الرتبة الثامنة الخمسة، حضر أربعة بالفعل؛ ولم يتبقَ سوى الأمير فونغ شيان.”
علق آخر: “إنه حدث مهيب قلما يتكرر عبر مئات السنين! ومجرد ترك انطباع طيب لدى هؤلاء العمالقة يجعل هذه الرحلة غنيمة كبرى.”
بينما ساد الترقب في الأرجاء، دلفت خالدة غو باردة الملامح بهدوء تام دون أي جلبة.
لم تكن سوى فنغ جيو غي متنكرًا ببراعة في هيئة الجنية يو لان.
علم الكثيرون بطبيعة الصلة الوثيقة التي تربط الجنية يو لان بالأمير فونغ شيان، فتحولت الأنظار والاهتمام صوبها على الفور.
سارع تشين باي شينغ لاستقبالها بلباقة وترحاب.
خاطبته فنغ جيو غي بنبرة جادة صارمة دون ابتسام: “سيدي منشغل بتوفيق طاقات مغارته الخالدة، وسأمثله رسميًا في هذا المزاد.”، وجسد حضورها جرأة استثنائية؛ فكخالد غو وافد من منطقة القارة الوسطى الخارجية، تجرأ على حضور مزاد السهول الشمالية في هذا التوقيت الحساس والمتوتر.
تعمد فنغ جيو غي إعلان ذلك بصوت مسموع لردع المتربصين، متخذًا من اسم الأمير فونغ شيان درعًا يحميه أثناء مجريات المزايدة.
حين علم الحاضرون بغياب الأمير فونغ شيان، سرت موجة خيبة أمل خافتة في القاعة.
حافظ فنغ جيو غي على هدوئه التام؛ فقد أثبتت حركة وجه مألوف على نحو مبهم القاتلة براعة فائقة، وعجز خوالد القاعة عن رصد أي ثغرة في تنكره؛ يضاف إلى ذلك احترام الخوالد لخصوصيات بعضهم وتفاديهم استخدام ديدان الاستقصاء بلا مبرر، فضلًا عن وقوف خبير من الرتبة الثامنة خلف الجنية يو لان، واستبعاد الجميع لمثل هذه الجرأة الصادمة.
تحت الأبصار المترقبة، خطت الجنية يو لان نحو إحدى الغرف المنفردة.
كما فعل فانغ يوان، جربت ديدان الغو الفانية لتبديل بيئة الغرفة، ثم التقطت غو النافذة الشرقية لتفحص محتوياته وقائمة المعروضات.
فجأة، خفق قلب فنغ جيو غي بقوة حين وقع بصره على القائمة.
“أثر موجة العالم، وبهجة الماء والجبل… أليست هذه الديدان تمثل النواة الأساسية لبيت الغو الخالد جناح الماء التابع لطائفتنا؟! كيف يعقل ظهورها هنا في السهول الشمالية؟!”
مضت الصدمة في عيني فنغ جيو غي، لكنها سرعان ما انجلت واستعاد رباطة جأشه المعتادة، مبرهنًا على سيطرة فولاذية فوق تقلبات النفس وانفعالاتها.
استرجع في خاطره: “يبدو أن تكهنات شيوخ الطائفة أصابت عين الصواب؛ ففي ذلك الزمان، جلبت قديسة طائفتنا، مو ياو، بيت الغو الخالد جناح الماء إلى أرض البلاط الإمبراطوري المباركة؛ ولولا عون جناح الماء لما استطاعت النفاذ إلى هناك؛ وعقب دمار الأرض المباركة وانهيار مبنى يانغ الحقيقي، تفكك جناح الماء وتفرقت ديدانه الأساسية لتستقر في أيدي خوالد السهول الشمالية.”
ثم تسمرت عيناه في دهشة: “أوه؟ ثمة غو جلب الكارثة الخالد أيضًا! استنادًا لسجلات الطائفة، ظفرت القديسة مو ياو بجوهر مسار الحظ داخل مبنى يانغ الحقيقي، وصقلت غو جلب الكارثة الخالد لمساعدة زوجها بو تشينغ؛ غير أن محنة بو تشينغ فاقت كل حد، ورغم امتصاص الغو لجزء من البلاء، فقد هلك كلاهما في المحنة ودمر الغو في غمارها؛ فكيف ظهر غو جلب الكارثة من جديد؟!”
أثارت هذه المعطيات شكوكًا متلاحقة في صدر فنغ جيو غي: من أين جاء غو جلب الكارثة؟ ومن صقله؟ هل هو صاحب العرض ذاته، أم تطاير الغو في الآفاق عقب دمار الأرض المباركة فالتقطه مزارع محظوظ؟ وما صلة ذلك بإرث مو ياو؟ وهل يضم إرثها طريقة صقل هذا الغو؟!
غرق فنغ جيو غي في تدبر عميق وتدافعت الاحتمالات والفرضيات في ذهنه.
ثم ابتسم في سريرته: “حقًا، حضور هذا المزاد مكسب باهر لم يخب ظني فيه؛ فبمجرد دخولي، ظفرت بكل هذه الدلائل الثمينة؛ ومهما كلف الأمر، لا بد من استعادة بهجة الماء والجبل وأثر موجة العالم؛ فطائفة تقارب الروح فقدت جناح الماء لأمد طويل! أما غو جلب الكارثة فمن الرتبة السابعة وثمن مقايضته باهظ للغاية، وسأرى كيف تجري الأمور أولًا.”
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.