ضيف مزعج
كانت ليلة عاصفة في وادي الظلال من ذلك النوع الكئيب الذي تتشبع فيه الغيوم بلون الرماد، وتجلد فيه الرياح جدران القلعة العتيقة كأنها أرواح تبحث عن ثغرة للدخول. داخل أروقة قلعة “الرعب الأبدي” لم تكن الملحمة تدور حول وحوش تلتهم العابرين أو تعاويذ تمزق السماء، بل حول ساحة معركة أشد قسوة: طاولة مكتب من خشب البلوط الأسود تكدست عليها جبال من المعاملات الورقية.
“سيدي” همست إيزابيلا وعيناها الفارغتان تتفحصان الشاب “هذا الأحمق يظن حقاً أن قلعة الرعب الأبدي هي فندق سياحي… إنها فرصة استراتيجية ذهبية! طرده في هذه العاصفة يعني موته المحتم بالبرد أو بين أنياب ذئاب الظل مما يستدعي غضب خاله. دعه يبيت ليلة واحدة، نستنزف فضته، ونطرده في الصباح الباكر مع تذكار رخيص… لا دم، لا فرسان، ولا خسائر”.
جلس ألكسندر في صمت مطبق ممررا إصبعه ببطء فوق السطور المكتوبة بحبر أحمر داكن على وثيقة معنونة بـ “طلب زيادة مخصصات الفحم لقسم التعذيب الحراري”. ألقى الضوء الشاحب المنبعث من بلورة مانا صغيرة بظلال حادة على ملامحه التي تجمدت في تعبير من الإرهاق المحسوب، في الجهة المقابلة فرز تيموثي فواتير الصيانة المتهالكة بينما يرتجف بخفة تحت قبعة صوفية رثة؛ نظام التدفئة السحري للجناح الغربي انهار مجدداً ولم تكن هناك سيولة نقدية لإصلاحه.
“انقل الميزانية بالكامل إلى قسم ‘الضيافة والاستقبال'” أصدر ألكسندر أمره الأخير قبل أن يستدير عائداً إلى العتمة “اطلب من جورج أن يبدأ في تجربة وصفات طعام نباتية خالية من الغلوتين… إذا انتشرت المراجعة يبدو أننا سنستقبل مجموعة من سحرة الطبيعة النباتيين في عطلة نهاية الأسبوع القادم”.
“تيموثي…” تحدث ألكسندر أخيراً وصوته الهادئ يمزق سكون الغرفة كشفرة جليدية “أخبر رئيس قسم التعذيب أن ميزانية الفحم لهذا الربع قد استُنزفت بالكامل، إذا أرادوا استخراج صرخات الأرواح الملعونة فليجبروها على التدقيق في التقارير المالية المتأخرة، صدقني العذاب البيروقراطي يمزق الروح بفعالية تفوق الكبريت المشتعل كما أنه أكثر توافقاً مع سياسة ترشيد الطاقة”.
استدار فين ولوّح لهم بسعادة ثم انطلق بخطوات مرحة في طريق الغابة يصفر لحناً مبتهجاً قبل أن يتلاشى تدريجياً بين الأشجار.
توقف قلم تيموثي في الهواء مبتلعا ريقه قبل أن يومئ بصمت محاولاً تدوين هذه القاعدة الإدارية القاسية، قبل أن يلامس سن الريشة الورق اهتز هواء المكتب بفعل ذبذبة صوتية شاذة تماماً عن المكان. لم يكن دوي انفجار خيميائي، ولا هديراً مكتوماً لغول جائع استيقظ في الخندق المائي، بل صوتاً معدنياً، رتيباً، ومفرطاً في التهذيب.
“نعم يا سيدي” وقف تيموثي عند الباب يمسك بمنشفة نظيفة محاولاً تجاهل تاريخ المرجل الدموي “إنها أملاح معدنية نادرة مستخرجة من… أعماق الجحيم… أقصد من الينابيع البركانية المحلية القريبة إنها مفيدة جداً لتخفيف آلام العضلات والمفاصل”.
دينغ… دونغ.
استدار فين ولوّح لهم بسعادة ثم انطلق بخطوات مرحة في طريق الغابة يصفر لحناً مبتهجاً قبل أن يتلاشى تدريجياً بين الأشجار.
رفع ألكسندر عينيه ببطء شديد عن الورقة حتى التقت نظراته بنظرات تيموثي المتوترة.
انخفضت درجة الحرارة في البهو فجأة وتشكل صقيع رقيق على الأعمدة معلناً ظهور إيزابيلا. طفت الشبح الأرستقراطية من الجدار الحجري وثوبها الفيكتوري الشفاف يتموج في هواء غير مرئي. اقتربت من ألكسندر لتهمس في أذنه بصوت يشبه حفيف الأوراق الجافة.
“هل هذا… جرس؟” سأل ألكسندر ونبرته تحمل مزيجاً من عدم الفهم والتهديد المبطن “منذ متى والقلعة تمتلك جرس باب؟”.
“سيدي” همست إيزابيلا وعيناها الفارغتان تتفحصان الشاب “هذا الأحمق يظن حقاً أن قلعة الرعب الأبدي هي فندق سياحي… إنها فرصة استراتيجية ذهبية! طرده في هذه العاصفة يعني موته المحتم بالبرد أو بين أنياب ذئاب الظل مما يستدعي غضب خاله. دعه يبيت ليلة واحدة، نستنزف فضته، ونطرده في الصباح الباكر مع تذكار رخيص… لا دم، لا فرسان، ولا خسائر”.
“إنه… تعديل طفيف أجريته الأسبوع الماضي، يا سيدي” تلعثم تيموثي محاولاً الحفاظ على نبرة احترافية رغم تعرقه “نقابة مندوبي المبيعات الملعونين قدمت التماساً رسمياً بعد أن قام رماة السهام العظميون بتخريم 3 من مندوبيهم قبل أن يتمكنوا حتى من عرض كتالوج المنتجات السحرية. الجرس مجرد تسوية قانونية لتجنب دعوى تعويضات”.
قبل أن يجيب تيموثي انشقت الأرضية الحجرية للمكتب بزمجرة مكتومة وتصاعد ضباب أسود كثيف تشكل منه اللورد كالدور. وقف قائد الجيوش الميتة بكامل عتاده، سيفه العظيم المسلول يقطر حقداً وتجاويف عينيه تشتعل بنيران زرقاء مجنونة.
أغمض ألكسندر عينيه للحظة مستوعباً حجم التنازلات التي تفرضها إدارة منشأة مظلمة في العصر الحديث، ثم مد يده نحو بلورة الرؤية الكبيرة المثبتة على حافة المكتب. بلمسة خفيفة من إصبعه انقشع الضباب الدخاني داخل البلورة لينقل صورة حية لما يجري أمام البوابة الرئيسية الضخمة.
وقف في الردهة يقطر ماءً والظلام المهيب للقلعة يحيط به. الأعمدة الحجرية المنحوتة على شكل جماجم تئن تحت وطأة المانا القديمة ورائحة الأوزون الممزوج بالدم العتيق تملأ المكان. سيفترض بأي فاني طبيعي أن يجثو على ركبتيه من فرط الرعب أو يفر هارباً. لكن أسارير فين انفرجت فجأة عن ابتسامة واسعة، مشرقة، ومستفزة تماماً.
وقف هناك شاب يرتجف تحت المطر المنهمر. يرتدي درعاً جلدياً لامعاً خالياً من أي خدش ينم عن خبرة قتالية، ويحمل على ظهره حقيبة تخييم ضخمة تكاد تقصم ظهره مزينة بملصقات ملونة لمدن مختلفة. قبض في يده اليمنى على خريطة ورقية ابتلعتها المياه، بينما استقرت قبعة عريضة تعلوها ريشة نعام صفراء فاقعة فوق رأسه وتتدلى بحزن تحت وطأة العاصفة.
“لا أستطيع أن أصف لكم مدى امتناني يا سيد ألكسندر” قال فين وهو يصافح ألكسندر بحرارة مزعجة “كانت ليلة استثنائية بكل المقاييس… الضيافة الدافئة، الطعام الغريب والمميز، والعرض المسرحي المذهل… قدمتم تجربة متكاملة لا تُنسى”.
“من هذا المهرج العبثي؟” همس ألكسندر وعيناه تضيقان محللا كل تفصيلة في مظهر الدخيل.
جلس ألكسندر في صمت مطبق ممررا إصبعه ببطء فوق السطور المكتوبة بحبر أحمر داكن على وثيقة معنونة بـ “طلب زيادة مخصصات الفحم لقسم التعذيب الحراري”. ألقى الضوء الشاحب المنبعث من بلورة مانا صغيرة بظلال حادة على ملامحه التي تجمدت في تعبير من الإرهاق المحسوب، في الجهة المقابلة فرز تيموثي فواتير الصيانة المتهالكة بينما يرتجف بخفة تحت قبعة صوفية رثة؛ نظام التدفئة السحري للجناح الغربي انهار مجدداً ولم تكن هناك سيولة نقدية لإصلاحه.
قبل أن يجيب تيموثي انشقت الأرضية الحجرية للمكتب بزمجرة مكتومة وتصاعد ضباب أسود كثيف تشكل منه اللورد كالدور. وقف قائد الجيوش الميتة بكامل عتاده، سيفه العظيم المسلول يقطر حقداً وتجاويف عينيه تشتعل بنيران زرقاء مجنونة.
في المطبخ السفلي أصبح المشهد مأساوياً.
“سيدي!” زأر كالدور بصوت يرجّ الأرفف الخشبية “متسلل بشري أحمق يتجرأ على تدنيس عتبتنا! أعطني الأمر فقط وسأفصل رأسه عن جسده لأعلقه على أسوار…”.
“تيموثي…” تحدث ألكسندر أخيراً وصوته الهادئ يمزق سكون الغرفة كشفرة جليدية “أخبر رئيس قسم التعذيب أن ميزانية الفحم لهذا الربع قد استُنزفت بالكامل، إذا أرادوا استخراج صرخات الأرواح الملعونة فليجبروها على التدقيق في التقارير المالية المتأخرة، صدقني العذاب البيروقراطي يمزق الروح بفعالية تفوق الكبريت المشتعل كما أنه أكثر توافقاً مع سياسة ترشيد الطاقة”.
“اخفض صوتك يا كالدور وراقب بهدوء” قاطعه ألكسندر ببرود جليدي دون أن يرفع نظره عن البلورة “انظر إلى وقفته إنه لا يحمل سلاحاً مسلولاً ولا ينشر هالة سحرية دفاعية. إنه يحمل مظلة صغيرة فوق خريطته ليحميها من التلف! هذا ليس غازياً. تيموثي، طابق هويته مع قاعدة بيانات نقابة المغامرين فوراً”.
“إنه… تعديل طفيف أجريته الأسبوع الماضي، يا سيدي” تلعثم تيموثي محاولاً الحفاظ على نبرة احترافية رغم تعرقه “نقابة مندوبي المبيعات الملعونين قدمت التماساً رسمياً بعد أن قام رماة السهام العظميون بتخريم 3 من مندوبيهم قبل أن يتمكنوا حتى من عرض كتالوج المنتجات السحرية. الجرس مجرد تسوية قانونية لتجنب دعوى تعويضات”.
سحب تيموثي مجلداً أسود ضخماً وبدأت أصابعه تفرز الصفحات بسرعة جنونية حتى توقف عند إدخال معين. اتسع بؤبؤ عينه وتحول شحوبه الطبيعي إلى زرقة مرضية.
بمجرد أن توارى الضيف المزعج عن الأنظار استدار ألكسندر نحو طاقمه. اختفت الابتسامة المتكلفة لتحل محلها صرامة قائد عسكري يوزع مهام إنتحارية.
“الدرع الجلدي اللامع… ريشة النعام… الحقيبة المبالغ فيها… لقد وجدته يا سيدي” قال تيموثي بصوت يرتعش “إنه فينيلوس ‘فين’ الباحث… التصنيف: مغامر مبتدئ من الدرجة 10. مهارته الأساسية المسجلة هي… التوهان المتكرر في الغابات ولكن… هناك ملاحظة حمراء مشفرة في ملفه”.
وقف هناك شاب يرتجف تحت المطر المنهمر. يرتدي درعاً جلدياً لامعاً خالياً من أي خدش ينم عن خبرة قتالية، ويحمل على ظهره حقيبة تخييم ضخمة تكاد تقصم ظهره مزينة بملصقات ملونة لمدن مختلفة. قبض في يده اليمنى على خريطة ورقية ابتلعتها المياه، بينما استقرت قبعة عريضة تعلوها ريشة نعام صفراء فاقعة فوق رأسه وتتدلى بحزن تحت وطأة العاصفة.
“اقرأها” أمر ألكسندر.
“برافو! برافو!” هتف فين بسعادة غامرة “أعظم أداء مسرحي تفاعلي شاهدته في حياتي! تصميم الدمية، هندسة الإضاءة، والتزام الممثلين بأدوارهم! أنتم تستحقون جائزة نقابة الفنون بجدارة!”.
“إنه ابن شقيقة رئيس نقابة الفرسان المقدسين” ابتلع تيموثي ريقه بصعوبة.
“بالتأكيد! طاقمنا في قسم ‘المياه الحرارية’ يقومون بتجهيزه لك سيكون الماء ساخنا بعد العشاء”.
هوى صمت ثقيل وخانق على المكتب، صمت لم يجرؤ فيه حتى كالدور على التنفس بوضوح. عقل ألكسندر الذي صُقل على معالجة الأزمات كمعادلات رياضية صارمة بدأ في العمل بأقصى طاقة.
“بالتأكيد! طاقمنا في قسم ‘المياه الحرارية’ يقومون بتجهيزه لك سيكون الماء ساخنا بعد العشاء”.
ابن شقيقة رئيس نقابة الفرسان المقدسين… العبارة لم تكن تعني تهديداً لحياته بل تعني كارثة مالية ولوجستية محققة. الفرسان المقدسون لا يغزون بعشوائية؛ إنهم يجلبون معهم كلاب تعقب للأرواح وكهنة يطهرون الأرض بنور باهر يحرق السجاد العتيق ويفسد طلاء الجدران. حصار واحد من قبل 3 آلاف فارس مقدس يعني استنزاف 80% من احتياطي المانا الدفاعي للقلعة، وتدمير خطوط الإمداد الخارجية، ودفع أجور إضافية للغيلان للعمل ساعات إضافية في التخلص من الجثث المدرعة.
“هل هذا… جرس؟” سأل ألكسندر ونبرته تحمل مزيجاً من عدم الفهم والتهديد المبطن “منذ متى والقلعة تمتلك جرس باب؟”.
المعركة ستكون خاسرة حتى لو انتصر فيها.
“نزل… الغراب الأسود… الريفي؟” كرر ألكسندر الكلمات بهدوء قاتل وكأنه يزن كل حرف.
“إذاً نقتله وندمر روحه!” اقترح كالدور بحماس استراتيجي دموي غير مدرك لحجم الكارثة “نطحن عظامه ونعطيها للخباز ليصنع منها عجيناً ونمسح وجوده من التاريخ!”.
جلس ألكسندر في صمت مطبق ممررا إصبعه ببطء فوق السطور المكتوبة بحبر أحمر داكن على وثيقة معنونة بـ “طلب زيادة مخصصات الفحم لقسم التعذيب الحراري”. ألقى الضوء الشاحب المنبعث من بلورة مانا صغيرة بظلال حادة على ملامحه التي تجمدت في تعبير من الإرهاق المحسوب، في الجهة المقابلة فرز تيموثي فواتير الصيانة المتهالكة بينما يرتجف بخفة تحت قبعة صوفية رثة؛ نظام التدفئة السحري للجناح الغربي انهار مجدداً ولم تكن هناك سيولة نقدية لإصلاحه.
“نحن لا نخبز البشر يا كالدور” رد ألكسندر بصرامة بيننا يفرك صدغيه لتخفيف الصداع المتصاعد “جورج الخباز سيصاب بانهيار عصبي إذا أجبرته على استخدام طحين عضوي غير معتمد. بالإضافة إلى ذلك تعويذات التتبع المرتبطة بدم هذا الفتى ستنير قلعتنا كمنارة في منتصف الليل بمجرد توقف قلبه لذا الخيار العسكري مرفوض”.
انحنى كالدور بصلابة بآلية “اختيار ممتاز… لآخر وجبة لك… أقصد لوجبتك المسائية المفضلة”.
نهض ألكسندر من كرسيه وعباءته السوداء تنسدل بانسيابية مرعبة “لدينا مسار واحد يضمن سلامة ميزانيتنا. سنفتح الباب، نستوعب غباءه، ونتعامل مع الموقف بأدنى قدر من الاحتكاك المادي”.
رغم التناقض الصارخ مع الواقع انتصرت سذاجة فين وثقته في المراجعات السياحية.
هبط الثلاثة عبر السلالم الحلزونية المظلمة وصولاً إلى بهو الاستقبال الواسع. أشار ألكسندر بيده فاستجابت الهياكل العظمية الحارسة، أدارت البكرات الصدئة ببطء لينفتح الباب الخشبي العملاق بصرير مزعج يبعث القشعريرة في الأبدان.
تسلل هواء العاصفة البارد إلى الداخل ومعه دخل الشاب “فين”.
“مدهش! حمام على الطراز الخيميائي!” صاح فين بحماس شديد متجرداً من درعه ليقفز بتهور في الماء الساخن “آآآه، هذا مذهل! الماء ساخن بشكل استثنائي… وهناك رائحة خفيفة تذكرني بـ… الكبريت؟ والرماد؟”.
وقف في الردهة يقطر ماءً والظلام المهيب للقلعة يحيط به. الأعمدة الحجرية المنحوتة على شكل جماجم تئن تحت وطأة المانا القديمة ورائحة الأوزون الممزوج بالدم العتيق تملأ المكان. سيفترض بأي فاني طبيعي أن يجثو على ركبتيه من فرط الرعب أو يفر هارباً. لكن أسارير فين انفرجت فجأة عن ابتسامة واسعة، مشرقة، ومستفزة تماماً.
“عبقري! تصميم فني عبقري!” صفق فين بيديه إعجاباً “أردت الاستفسار عن الحمام الساخن… هل المياه جاهزة؟”.
“يا لحسن حظي!” هتف فين بنبرة مفعمة بالحيوية وهو ينفض المياه عن حذائه المطاطي غير مكترث بالسجاد المخملي الملعون “كنت أدور في حلقات مفرغة داخل هذه الغابة الكئيبة لثلاث ساعات كاملة! الخريطة السياحية أصرت على أن ‘نزل الغراب الأسود الريفي’ يقع بالضبط في هذه الإحداثيات ولكن… لم أتوقع أبداً أن يكون التصميم الداخلي والتنفيذ غامراً ومتقناً إلى هذا الحد! أنتم تأخذون طابع ‘الرعب الفلكلوري’ بجدية مذهلة تستحق الاحترام!”.
“احم…” تنحنح فين الذي شعر لأول مرة بتوتر حقيقي طفيف “هل أنت النادل المكلف بطاولتي؟”.
تبادل ألكسندر وتيموثي نظرة خالية من أي تعبير، نظرة تجسد العبث المطلق للحظة.
“عفواً يا آنسة هل تستخدمين تعويذة إخفاء أقدام أو تمويه متقدم؟” نهض فين عن سريره وتفحصها بفضول علمي “يبدو وكأنك تطفوين بضعة إنشات فوق الأرض! هناك شفافية مذهلة على أطراف أصابعك!”.
“نزل… الغراب الأسود… الريفي؟” كرر ألكسندر الكلمات بهدوء قاتل وكأنه يزن كل حرف.
توقف قلم تيموثي في الهواء مبتلعا ريقه قبل أن يومئ بصمت محاولاً تدوين هذه القاعدة الإدارية القاسية، قبل أن يلامس سن الريشة الورق اهتز هواء المكتب بفعل ذبذبة صوتية شاذة تماماً عن المكان. لم يكن دوي انفجار خيميائي، ولا هديراً مكتوماً لغول جائع استيقظ في الخندق المائي، بل صوتاً معدنياً، رتيباً، ومفرطاً في التهذيب.
“نعم، بالتأكيد!” رفع فين الخريطة المبللة مشيراً إلى بقعة حمراء باهتة عليها “موصى به بشدة في دليل المسافرين الباحثين عن تجارب إقامة ‘خارج الصندوق’. هل أنت المدير؟ أود حجز غرفة مفردة لليلة واحدة. أتمنى أن تشمل وجبة عشاء ساخنة، وحماماً، أنا مستعد للدفع مقدماً بالفضة الخالصة!”.
—
انخفضت درجة الحرارة في البهو فجأة وتشكل صقيع رقيق على الأعمدة معلناً ظهور إيزابيلا. طفت الشبح الأرستقراطية من الجدار الحجري وثوبها الفيكتوري الشفاف يتموج في هواء غير مرئي. اقتربت من ألكسندر لتهمس في أذنه بصوت يشبه حفيف الأوراق الجافة.
في تلك اللحظة الحرجة ظهر فين أعلى الدرج يلف منشفة مبللة حول خصره وعيناه متسعتان في رعب خالص محدقا في الوحش الضخم.
“سيدي” همست إيزابيلا وعيناها الفارغتان تتفحصان الشاب “هذا الأحمق يظن حقاً أن قلعة الرعب الأبدي هي فندق سياحي… إنها فرصة استراتيجية ذهبية! طرده في هذه العاصفة يعني موته المحتم بالبرد أو بين أنياب ذئاب الظل مما يستدعي غضب خاله. دعه يبيت ليلة واحدة، نستنزف فضته، ونطرده في الصباح الباكر مع تذكار رخيص… لا دم، لا فرسان، ولا خسائر”.
“أنا؟ نادل؟!” زأر كالدور يعينان تشتعلان بغضب أحمر “أنا قاهر جيوش السهول الشمالية! أنا كابوس الإمبراطورية الساقطة! أنا لا أرتدي مئزراً وأقدم الحساء الرخيص للبشر المثيرين للشفقة!”.
إن ألكسندر يكره الارتجال بقدر كراهيته للضوء المقدس لكن المنطق البراغماتي في كلمات إيزابيلا لا يقبل الدحض لذا اتخذ قراره.
المعركة ستكون خاسرة حتى لو انتصر فيها.
رسم على وجهه ابتسامة متكلفة، باردة كسطح بحيرة متجمدة، وبسط ذراعيه في حركة ترحيبية آلية “أهلاً بك يا سيدي في نزل الغراب الأسود الريفي… أنا ألكسندر، المدير العام لهذه المنشأة وهذا… طاقم الضيافة”.
وقف في الردهة يقطر ماءً والظلام المهيب للقلعة يحيط به. الأعمدة الحجرية المنحوتة على شكل جماجم تئن تحت وطأة المانا القديمة ورائحة الأوزون الممزوج بالدم العتيق تملأ المكان. سيفترض بأي فاني طبيعي أن يجثو على ركبتيه من فرط الرعب أو يفر هارباً. لكن أسارير فين انفرجت فجأة عن ابتسامة واسعة، مشرقة، ومستفزة تماماً.
التفت فين بعينين تلمعان بالانبهار نحو كالدور “مدهش! ببساطة مدهش! المكياج على هذا الحارس تحفة فنية. يبدو وكأنه هيكل عظمي شرير حقيقي يرتدي درعاً يتآكل من الصدأ! هل تستخدمون السحر البصري الوهمي أم أنها أزياء تنكرية مدعومة بهيكل ميكانيكي؟”.
—
ارتعش فك كالدور العظمي بحدة وصدر منه هدير خافت، امتدت يده تلقائياً نحو مقبض سيفه لكن ألكسندر خطى خطوة سريعة وداس بقوة هائلة على قدمه العظمية من تحت عباءته.
“لن يتهور طالما أنني أراقبه” رد ألكسندر رغم أن قبضته مشدودة حول بلورة التواصل “كيف هو الحساء؟”.
“إنه… التزام صارم بأسلوب التمثيل المنهجي” أجاب ألكسندر من بين أسنانه المطبقة محافظاً على ابتسامته المتجمدة “نحن نأخذ تجربة اندماج الضيف على محمل الجد… تيموثي! تقدم إلى هنا”.
“سيدي…” همس تيموثي وصوته يرتجف برعب حقيقي لأول مرة منذ سنوات بينما ينظر إلى دفتر الحجوزات الفارغ في يده “هل قال للتو أنه سيخبر نقابة المغامرين بأكملها وربما العاصمة أن قلعة الرعب الأبدي… أصبحت وجهة سياحية ترفيهية آمنة للعائلات؟”.
تقدم تيموثي بخطوات بطيئة ومترددة.
وقف هناك شاب يرتجف تحت المطر المنهمر. يرتدي درعاً جلدياً لامعاً خالياً من أي خدش ينم عن خبرة قتالية، ويحمل على ظهره حقيبة تخييم ضخمة تكاد تقصم ظهره مزينة بملصقات ملونة لمدن مختلفة. قبض في يده اليمنى على خريطة ورقية ابتلعتها المياه، بينما استقرت قبعة عريضة تعلوها ريشة نعام صفراء فاقعة فوق رأسه وتتدلى بحزن تحت وطأة العاصفة.
“هذا تيموثي، عامل حمل الحقائب وموظف الاستقبال” أعلن ألكسندر “تيموثي، احمل حقيبة السيد فين ورافقه إلى جناح ‘الزنزانة الغربية’… أقصد جناح ‘الوردة القرمزية’ في الطابق الثاني”.
مرت ثوانٍ طويلة لم يكسرها سوى صوت المطر بالخارج.
حدق تيموثي في الحقيبة الجلدية التي تبدو وكأنها تحتوي على سبائك رصاص ثم رفع نظره إلى مديره بنظرة تحمل كراهية صافية ومكثفة.
“أنصتوا إليّ بعناية فائقة” قال ألكسندر بصوت منخفض ومشبع بالتهديد “لمدة 12 ساعة قادمة هذه الجدران لا تضم قلعة رعب ملعونة. نحن فندق يقدم خدمة عملاء استثنائية. إيزابيلا، أنتِ مسؤولة خدمة الغرف. مهامك تشمل إخفاء أي أدوات تعذيب، سلاسل، أو مقاصل في جناحه، وتغطيتها بمفارش مزركشة. كالدور، أنت النادل المسؤول عن عشاء الليلة”.
“بالتأكيد، يا سيدي المدير. خدمة الضيوف الكرام هي… شغفي الأكبر في الحياة”.
اضطر كالدور لضرب الوحش بالجانب المسطح من سيفه معانياً لكبح قوته المدمرة بينما يلقي خطابات مسرحية مبتذلة سمعها من البشر “خذ هذه الضربة أيها الوحش الشرير الماكر! لن تدنس فندقنا العظيم بوجودك!”.
حمل تيموثي الحقيبة التي كادت أن تخلع كتفه، بدأ يجرها ببؤس خلف فين الذي يسير أمامه بخطوات واثقة، يتلفت يميناً ويساراً ويلمس الجدران بإعجاب.
نهض ألكسندر من كرسيه وعباءته السوداء تنسدل بانسيابية مرعبة “لدينا مسار واحد يضمن سلامة ميزانيتنا. سنفتح الباب، نستوعب غباءه، ونتعامل مع الموقف بأدنى قدر من الاحتكاك المادي”.
“انظروا إلى التفاصيل! خيوط العنكبوت لزجة وحقيقية! والروائح الكريهة المنبعثة من القبو تعطي انطباعاً بأن جثثاً تتعفن هناك! الاهتمام بالتفاصيل هنا يستحق خمس نجوم بلا شك!” ثرثر فين ببهجة بينما يمشي تيموثي خلفه بملامح تنذر بقرب انهياره.
“سيدي…” همس تيموثي وصوته يرتجف برعب حقيقي لأول مرة منذ سنوات بينما ينظر إلى دفتر الحجوزات الفارغ في يده “هل قال للتو أنه سيخبر نقابة المغامرين بأكملها وربما العاصمة أن قلعة الرعب الأبدي… أصبحت وجهة سياحية ترفيهية آمنة للعائلات؟”.
بمجرد أن توارى الضيف المزعج عن الأنظار استدار ألكسندر نحو طاقمه. اختفت الابتسامة المتكلفة لتحل محلها صرامة قائد عسكري يوزع مهام إنتحارية.
“أنا؟ نادل؟!” زأر كالدور يعينان تشتعلان بغضب أحمر “أنا قاهر جيوش السهول الشمالية! أنا كابوس الإمبراطورية الساقطة! أنا لا أرتدي مئزراً وأقدم الحساء الرخيص للبشر المثيرين للشفقة!”.
“أنصتوا إليّ بعناية فائقة” قال ألكسندر بصوت منخفض ومشبع بالتهديد “لمدة 12 ساعة قادمة هذه الجدران لا تضم قلعة رعب ملعونة. نحن فندق يقدم خدمة عملاء استثنائية. إيزابيلا، أنتِ مسؤولة خدمة الغرف. مهامك تشمل إخفاء أي أدوات تعذيب، سلاسل، أو مقاصل في جناحه، وتغطيتها بمفارش مزركشة. كالدور، أنت النادل المسؤول عن عشاء الليلة”.
بينما فين مغمض عينيه في استرخاء تام اهتزت القلعة فجأة ودوى صوت تحطم زجاج ضخم من الطابق العلوي تبعه زئير وحشي مزق سكون الليل.
“أنا؟ نادل؟!” زأر كالدور يعينان تشتعلان بغضب أحمر “أنا قاهر جيوش السهول الشمالية! أنا كابوس الإمبراطورية الساقطة! أنا لا أرتدي مئزراً وأقدم الحساء الرخيص للبشر المثيرين للشفقة!”.
“من هذا المهرج العبثي؟” همس ألكسندر وعيناه تضيقان محللا كل تفصيلة في مظهر الدخيل.
تقدم ألكسندر حتى لامس أنفه خوذة كالدور “بل ستقدم الحساء وستسكبه بنعومة وإبتسامة إن أمكنك ذلك. لأنك إذا أفسدت هذه المسرحية الدبلوماسية وجلبت لنا جيشاً من الفرسان المقدسين المهووسين بالضوء ليحرقوا أروقتنا، سأجعلك تكتب تقارير مستودع الدروع التالفة يدوياً لمدة 3 قرون… هل فهمت المهام الموكلة إليك؟”.
قرأ فين القائمة المكتوبة بخط تيموثي المرتعش “هممم… ‘حساء اللحم المجهول’..، ‘خبز صلب كالدروع’ و’عصير العنب الذي يشبه الدم’… يا لها من أسماء أطباق مبتكرة وعميقة! سآخذ حساء اللحم المجهول من فضلك”.
انحنى كالدور ببطء شديد متمتماً بسلسلة من الشتائم العتيقة باللغة الميتة، التي ترجمها السحر المحيط إلى طقطقة عظام غاضبة.
“إذاً نقتله وندمر روحه!” اقترح كالدور بحماس استراتيجي دموي غير مدرك لحجم الكارثة “نطحن عظامه ونعطيها للخباز ليصنع منها عجيناً ونمسح وجوده من التاريخ!”.
“فهمت… يا سيدي المدير”.
في صباح اليوم التالي انقشعت العاصفة لتشرق شمس خجولة على وادي الظلال.
“ممتاز! اذهب الآن إلى المطبخ. أخبر جورج الخباز أن يعد وجبة عشاء بشرية تقليدية، خالية تماماً من أي مكونات تنبض بالحياة، تصرخ عند طهيها، أو تحاول الهرب من الطبق… أريد طعاماً مملاً وعادياً لدرجة تثير الاكتئاب”.
قبل أن يجيب تيموثي انشقت الأرضية الحجرية للمكتب بزمجرة مكتومة وتصاعد ضباب أسود كثيف تشكل منه اللورد كالدور. وقف قائد الجيوش الميتة بكامل عتاده، سيفه العظيم المسلول يقطر حقداً وتجاويف عينيه تشتعل بنيران زرقاء مجنونة.
—
أما تيموثي فقد أدرك دوره في توفير “المؤثرات البصرية” لذا بدأ بإطلاق تعاويذ ضوئية ملونة بومضات زرقاء وحمراء لا تحمل أي ضرر حقيقي، امتنع عن استخدام سحر الظلام القاتل لتبدو المعركة وكأنها عرض ألعاب نارية رخيص في مهرجان قروي.
في المطبخ السفلي أصبح المشهد مأساوياً.
“مدهش! حمام على الطراز الخيميائي!” صاح فين بحماس شديد متجرداً من درعه ليقفز بتهور في الماء الساخن “آآآه، هذا مذهل! الماء ساخن بشكل استثنائي… وهناك رائحة خفيفة تذكرني بـ… الكبريت؟ والرماد؟”.
وقف جورج الذي يُعتبر فناناً في تحضير اللحوم الملعونة أمام موقد خافت مرتعشاً. تمايلت حوله سكاكين الجزار المعلقة بعنف تعبيراً عن إحباطها من المكونات الرخيصة. بكى جورج بحرقة بينما يلقي بضع حبات من البطاطس العادية وقطع الجزر في مرجل من الماء المغلي الصافي، شعر أن كرامته المهنية كطباخ ظلام تُسحق تحت وطأة خدمة العملاء.
في صباح اليوم التالي انقشعت العاصفة لتشرق شمس خجولة على وادي الظلال.
—
“إنه… تعديل طفيف أجريته الأسبوع الماضي، يا سيدي” تلعثم تيموثي محاولاً الحفاظ على نبرة احترافية رغم تعرقه “نقابة مندوبي المبيعات الملعونين قدمت التماساً رسمياً بعد أن قام رماة السهام العظميون بتخريم 3 من مندوبيهم قبل أن يتمكنوا حتى من عرض كتالوج المنتجات السحرية. الجرس مجرد تسوية قانونية لتجنب دعوى تعويضات”.
في جناح “الوردة القرمزية” الذي كان حتى الأمس القريب زنزانة لكبار الأمراء المتمردين، جلس فين مرتاحاً على السرير الحجري – الذي كُدس بجلود الدببة لإخفاء بقع الدم الجافة – ليكتب مذكراته بحماس المغامر الشغوف.
“الدرع الجلدي اللامع… ريشة النعام… الحقيبة المبالغ فيها… لقد وجدته يا سيدي” قال تيموثي بصوت يرتعش “إنه فينيلوس ‘فين’ الباحث… التصنيف: مغامر مبتدئ من الدرجة 10. مهارته الأساسية المسجلة هي… التوهان المتكرر في الغابات ولكن… هناك ملاحظة حمراء مشفرة في ملفه”.
انفتح الباب بصمت لتدخل إيزابيلا التي ترتدي مئزراً نظيفاً فوق فستانها وتبذل جهداً هائلاً لتبدو كبشرية تمشي على الأرض بدلاً من الطفو كشبح.
“تيموثي”.
“مساء الخير يا سيدي” قالت إيزابيلا بصوتها البارد المعتاد محاولة رسم ابتسامة لطيفة “العشاء جاهز”.
ضغط كالدور على أسنانه العظمية بقوة كادت أن تحطمها وقال بصوت عميق يهتز كهدير بركان يوشك على الانفجار “نعم… أيها الفاني… أنا… النادل… تفضل… قائمة الطعام”.
“عفواً يا آنسة هل تستخدمين تعويذة إخفاء أقدام أو تمويه متقدم؟” نهض فين عن سريره وتفحصها بفضول علمي “يبدو وكأنك تطفوين بضعة إنشات فوق الأرض! هناك شفافية مذهلة على أطراف أصابعك!”.
قبل أن يجيب تيموثي انشقت الأرضية الحجرية للمكتب بزمجرة مكتومة وتصاعد ضباب أسود كثيف تشكل منه اللورد كالدور. وقف قائد الجيوش الميتة بكامل عتاده، سيفه العظيم المسلول يقطر حقداً وتجاويف عينيه تشتعل بنيران زرقاء مجنونة.
تجمدت إيزابيلا وكادت أن تخنقه بهالة الرعب الخاص بها لكنها تذكرت تهديد ألكسندر.
“مفهوم! وإلى أين نوجه تلك الأموال المتبقية؟”.
ابتسمت باحترافية شبحية “إنها مجرد خدعة ضوئية متطورة نعتمد فيها على بلورات الانعكاس المخبأة في الزوايا… هذا جزء أساسي من سحر النزل لخلق الأجواء”.
انفتح الباب بصمت لتدخل إيزابيلا التي ترتدي مئزراً نظيفاً فوق فستانها وتبذل جهداً هائلاً لتبدو كبشرية تمشي على الأرض بدلاً من الطفو كشبح.
“عبقري! تصميم فني عبقري!” صفق فين بيديه إعجاباً “أردت الاستفسار عن الحمام الساخن… هل المياه جاهزة؟”.
وقف في الردهة يقطر ماءً والظلام المهيب للقلعة يحيط به. الأعمدة الحجرية المنحوتة على شكل جماجم تئن تحت وطأة المانا القديمة ورائحة الأوزون الممزوج بالدم العتيق تملأ المكان. سيفترض بأي فاني طبيعي أن يجثو على ركبتيه من فرط الرعب أو يفر هارباً. لكن أسارير فين انفرجت فجأة عن ابتسامة واسعة، مشرقة، ومستفزة تماماً.
“بالتأكيد! طاقمنا في قسم ‘المياه الحرارية’ يقومون بتجهيزه لك سيكون الماء ساخنا بعد العشاء”.
“إنه… تعديل طفيف أجريته الأسبوع الماضي، يا سيدي” تلعثم تيموثي محاولاً الحفاظ على نبرة احترافية رغم تعرقه “نقابة مندوبي المبيعات الملعونين قدمت التماساً رسمياً بعد أن قام رماة السهام العظميون بتخريم 3 من مندوبيهم قبل أن يتمكنوا حتى من عرض كتالوج المنتجات السحرية. الجرس مجرد تسوية قانونية لتجنب دعوى تعويضات”.
(في تلك اللحظة تصارع 4 من الهياكل العظمية في القبو لمنع نيران شيطانية من إذابة مرجل حديدي، بينما يصرخ تيموثي فيهم ألا يزيدوا نسبة الكبريت حتى لا يذوب جلد الضيف بمجرد ملامسته للماء).
“ممتاز! اذهب الآن إلى المطبخ. أخبر جورج الخباز أن يعد وجبة عشاء بشرية تقليدية، خالية تماماً من أي مكونات تنبض بالحياة، تصرخ عند طهيها، أو تحاول الهرب من الطبق… أريد طعاماً مملاً وعادياً لدرجة تثير الاكتئاب”.
—
“تيموثي…” تحدث ألكسندر أخيراً وصوته الهادئ يمزق سكون الغرفة كشفرة جليدية “أخبر رئيس قسم التعذيب أن ميزانية الفحم لهذا الربع قد استُنزفت بالكامل، إذا أرادوا استخراج صرخات الأرواح الملعونة فليجبروها على التدقيق في التقارير المالية المتأخرة، صدقني العذاب البيروقراطي يمزق الروح بفعالية تفوق الكبريت المشتعل كما أنه أكثر توافقاً مع سياسة ترشيد الطاقة”.
نزل فين إلى قاعة الطعام الكبرى حيث أضاءت بشموع حمراء ورغم أنها تتسع ل50 شخصاً إلا أنه جلس وحيداً في المنتصف كملك مسرحية هزلية.
تبادل ألكسندر وتيموثي وكالدور نظرات محملة بالمعاناة الصامتة.
رُكل باب المطبخ بقوة وخرج كالدور، ظهر مشهد لا يصدق؛ قاهر الجيوش يرتدي مئزراً أسود صغيراً بالكاد يغطي صدر درعه العظمي ويضع منشفة بيضاء مطوية بعناية فائقة على ساعده، كل خطوة يخطوها ترج الأرضية الخشبية وكل حركة مشبعة بنية قتل مكبوتة لدرجة أن مفاصله تئن بصوت مسموع.
—
توقف أمام طاولة فين في صمت خانق وبعينان تشتعلان بنار زرقاء مركزة على الشاب.
في تلك اللحظة الحرجة ظهر فين أعلى الدرج يلف منشفة مبللة حول خصره وعيناه متسعتان في رعب خالص محدقا في الوحش الضخم.
مرت ثوانٍ طويلة لم يكسرها سوى صوت المطر بالخارج.
أغمض ألكسندر عينيه للحظة مستوعباً حجم التنازلات التي تفرضها إدارة منشأة مظلمة في العصر الحديث، ثم مد يده نحو بلورة الرؤية الكبيرة المثبتة على حافة المكتب. بلمسة خفيفة من إصبعه انقشع الضباب الدخاني داخل البلورة لينقل صورة حية لما يجري أمام البوابة الرئيسية الضخمة.
“احم…” تنحنح فين الذي شعر لأول مرة بتوتر حقيقي طفيف “هل أنت النادل المكلف بطاولتي؟”.
“شكراً لك يا سيدي” اعطاه ألكسندر انحناءة مسرحية ساخرة يخفي خلفها إحباطه العميق “نحن نسعى دائماً لرضا الضيوف الكرام… الان أعتقد أن وقت الراحة قد حان”.
ضغط كالدور على أسنانه العظمية بقوة كادت أن تحطمها وقال بصوت عميق يهتز كهدير بركان يوشك على الانفجار “نعم… أيها الفاني… أنا… النادل… تفضل… قائمة الطعام”.
“فهمت… يا سيدي المدير”.
ألقى كالدور لوحاً خشبياً ضخماً على الطاولة بقوة جعلت الشموع ترتجف والأطباق تقفز.
وقف في الردهة يقطر ماءً والظلام المهيب للقلعة يحيط به. الأعمدة الحجرية المنحوتة على شكل جماجم تئن تحت وطأة المانا القديمة ورائحة الأوزون الممزوج بالدم العتيق تملأ المكان. سيفترض بأي فاني طبيعي أن يجثو على ركبتيه من فرط الرعب أو يفر هارباً. لكن أسارير فين انفرجت فجأة عن ابتسامة واسعة، مشرقة، ومستفزة تماماً.
قرأ فين القائمة المكتوبة بخط تيموثي المرتعش “هممم… ‘حساء اللحم المجهول’..، ‘خبز صلب كالدروع’ و’عصير العنب الذي يشبه الدم’… يا لها من أسماء أطباق مبتكرة وعميقة! سآخذ حساء اللحم المجهول من فضلك”.
“لا أستطيع أن أصف لكم مدى امتناني يا سيد ألكسندر” قال فين وهو يصافح ألكسندر بحرارة مزعجة “كانت ليلة استثنائية بكل المقاييس… الضيافة الدافئة، الطعام الغريب والمميز، والعرض المسرحي المذهل… قدمتم تجربة متكاملة لا تُنسى”.
انحنى كالدور بصلابة بآلية “اختيار ممتاز… لآخر وجبة لك… أقصد لوجبتك المسائية المفضلة”.
“ممتاز! اذهب الآن إلى المطبخ. أخبر جورج الخباز أن يعد وجبة عشاء بشرية تقليدية، خالية تماماً من أي مكونات تنبض بالحياة، تصرخ عند طهيها، أو تحاول الهرب من الطبق… أريد طعاماً مملاً وعادياً لدرجة تثير الاكتئاب”.
استدار النادل المرعب وعاد أدراجه نحو المطبخ بخطوات غاضبة تاركا خلفه آثار حروق خفيفة على الأرضية من شدة غضبه المكبوت.
قرأ فين القائمة المكتوبة بخط تيموثي المرتعش “هممم… ‘حساء اللحم المجهول’..، ‘خبز صلب كالدروع’ و’عصير العنب الذي يشبه الدم’… يا لها من أسماء أطباق مبتكرة وعميقة! سآخذ حساء اللحم المجهول من فضلك”.
—
—
خلف أحد الأعمدة المجاورة راقب ألكسندر وتيموثي العرض الصامت بتوتر الإدارة العليا.
انحنى كالدور ببطء شديد متمتماً بسلسلة من الشتائم العتيقة باللغة الميتة، التي ترجمها السحر المحيط إلى طقطقة عظام غاضبة.
“كالدور سيقتله” همس تيموثي وهو يمسح العرق البارد عن جبينه “أستطيع رؤية ذبذبات رغبته في طعن الشاب بشوكة السلطة”.
توقف قلم تيموثي في الهواء مبتلعا ريقه قبل أن يومئ بصمت محاولاً تدوين هذه القاعدة الإدارية القاسية، قبل أن يلامس سن الريشة الورق اهتز هواء المكتب بفعل ذبذبة صوتية شاذة تماماً عن المكان. لم يكن دوي انفجار خيميائي، ولا هديراً مكتوماً لغول جائع استيقظ في الخندق المائي، بل صوتاً معدنياً، رتيباً، ومفرطاً في التهذيب.
“لن يتهور طالما أنني أراقبه” رد ألكسندر رغم أن قبضته مشدودة حول بلورة التواصل “كيف هو الحساء؟”.
“مريع! جورج منهار تماماً في المطبخ ويندب حظه لأن الطبخ دون استخدام دماء الزواحف يفقد الطعام روحه الفنية”.
“مريع! جورج منهار تماماً في المطبخ ويندب حظه لأن الطبخ دون استخدام دماء الزواحف يفقد الطعام روحه الفنية”.
جلس ألكسندر في صمت مطبق ممررا إصبعه ببطء فوق السطور المكتوبة بحبر أحمر داكن على وثيقة معنونة بـ “طلب زيادة مخصصات الفحم لقسم التعذيب الحراري”. ألقى الضوء الشاحب المنبعث من بلورة مانا صغيرة بظلال حادة على ملامحه التي تجمدت في تعبير من الإرهاق المحسوب، في الجهة المقابلة فرز تيموثي فواتير الصيانة المتهالكة بينما يرتجف بخفة تحت قبعة صوفية رثة؛ نظام التدفئة السحري للجناح الغربي انهار مجدداً ولم تكن هناك سيولة نقدية لإصلاحه.
رغم بساطة الطعام وانعدام طعمه التهمه فين بشهية المغامر المنهك بينما يثني بصوت عالٍ على “الأجواء الكئيبة المصطنعة بحرفية”، غير مدرك لكالدور الذي وقف في الزاوية المظلمة يراقب كل لقمة وكأنه يحسب الوقت اللازم لتمزيق أمعائه.
—
—
انحنى كالدور بصلابة بآلية “اختيار ممتاز… لآخر وجبة لك… أقصد لوجبتك المسائية المفضلة”.
بعد العشاء طلب فين الانتقال إلى الحمام الساخن أين تم اقتياده إلى القبو السري، وُضع مرجل حديدي استخدم سابقاً لغلي أعداء القلعة لكنه مملوءاً الآن بماء تتصاعد منه أبخرة خضراء.
اضطر كالدور لضرب الوحش بالجانب المسطح من سيفه معانياً لكبح قوته المدمرة بينما يلقي خطابات مسرحية مبتذلة سمعها من البشر “خذ هذه الضربة أيها الوحش الشرير الماكر! لن تدنس فندقنا العظيم بوجودك!”.
“مدهش! حمام على الطراز الخيميائي!” صاح فين بحماس شديد متجرداً من درعه ليقفز بتهور في الماء الساخن “آآآه، هذا مذهل! الماء ساخن بشكل استثنائي… وهناك رائحة خفيفة تذكرني بـ… الكبريت؟ والرماد؟”.
دينغ… دونغ.
“نعم يا سيدي” وقف تيموثي عند الباب يمسك بمنشفة نظيفة محاولاً تجاهل تاريخ المرجل الدموي “إنها أملاح معدنية نادرة مستخرجة من… أعماق الجحيم… أقصد من الينابيع البركانية المحلية القريبة إنها مفيدة جداً لتخفيف آلام العضلات والمفاصل”.
“احم…” تنحنح فين الذي شعر لأول مرة بتوتر حقيقي طفيف “هل أنت النادل المكلف بطاولتي؟”.
بينما فين مغمض عينيه في استرخاء تام اهتزت القلعة فجأة ودوى صوت تحطم زجاج ضخم من الطابق العلوي تبعه زئير وحشي مزق سكون الليل.
“مساء الخير يا سيدي” قالت إيزابيلا بصوتها البارد المعتاد محاولة رسم ابتسامة لطيفة “العشاء جاهز”.
“ما هذا الصوت؟” فتح فين عينيه بفزع.
رغم بساطة الطعام وانعدام طعمه التهمه فين بشهية المغامر المنهك بينما يثني بصوت عالٍ على “الأجواء الكئيبة المصطنعة بحرفية”، غير مدرك لكالدور الذي وقف في الزاوية المظلمة يراقب كل لقمة وكأنه يحسب الوقت اللازم لتمزيق أمعائه.
شحب تيموثي أكثر فقد ميز صاحب الزئير فوراً بكونه “مانتيكور” – وحش برأس أسد وجناحي خفاش وذيل عقرب تقطر منه السموم، إنه من المفترسات العلوية في وادي الظلال التي تهاجم أحياناً بدافع الجوع، اندفع تيموثي صعوداً عبر السلالم ليجد المشهد الكارثي في بهو الاستقبال؛ حطم المانتيكور النافذة الزجاجية العتيقة ووقف يزمجر بينما يسيل لعابه الحمضي ليحرق السجاد الثمين.
“سيدي” همست إيزابيلا وعيناها الفارغتان تتفحصان الشاب “هذا الأحمق يظن حقاً أن قلعة الرعب الأبدي هي فندق سياحي… إنها فرصة استراتيجية ذهبية! طرده في هذه العاصفة يعني موته المحتم بالبرد أو بين أنياب ذئاب الظل مما يستدعي غضب خاله. دعه يبيت ليلة واحدة، نستنزف فضته، ونطرده في الصباح الباكر مع تذكار رخيص… لا دم، لا فرسان، ولا خسائر”.
وقف ألكسندر هناك بهدوء استراتيجي واستل كالدور سيفه العظيم أخيراً بابتسامة نشوة مرعبة ترتسم على فكه العظمي.
انقض المانتيكور وبدأت أغرب معركة في تاريخ القلعة.
“أخيراً! شيء مادي يمكنني تقطيعه وإراقة دمه!” زأر كالدور مندفعا.
إن ألكسندر يكره الارتجال بقدر كراهيته للضوء المقدس لكن المنطق البراغماتي في كلمات إيزابيلا لا يقبل الدحض لذا اتخذ قراره.
“توقفوا!” صرخ تيموثي “الضيف قادم!”.
“مريع! جورج منهار تماماً في المطبخ ويندب حظه لأن الطبخ دون استخدام دماء الزواحف يفقد الطعام روحه الفنية”.
في تلك اللحظة الحرجة ظهر فين أعلى الدرج يلف منشفة مبللة حول خصره وعيناه متسعتان في رعب خالص محدقا في الوحش الضخم.
إن ألكسندر يكره الارتجال بقدر كراهيته للضوء المقدس لكن المنطق البراغماتي في كلمات إيزابيلا لا يقبل الدحض لذا اتخذ قراره.
“يا إلهي!” صرخ فين “هل هذا مانتيكور حقيقي اقتحم المكان؟!”.
الوحش الذي دخل بحثاً عن وليمة سهلة وجد نفسه محاصراً في سيرك عبثي، تعرض لضربات موجعة بالصواني والسيوف المسطحة وسط أضواء مزعجة وخطابات غير مفهومة. في النهاية وتحت ضغط غضبه المكبوت وجه كالدور ضربة قاضية بمقبض سيفه، أصابت نقطة عصبية في رقبة المانتيكور ليسقط الوحش فاقداً للوعي دون أن تراق قطرة دم واحدة.
هنا تجلت عبقرية ألكسندر الإدارية وقدرته الفذة على التكيف، التفت نحو فين مخفيا ملامحه الباردة ليظهر بدلاً منها حيوية مقدم برامج مسرحية.
“اخفض صوتك يا كالدور وراقب بهدوء” قاطعه ألكسندر ببرود جليدي دون أن يرفع نظره عن البلورة “انظر إلى وقفته إنه لا يحمل سلاحاً مسلولاً ولا ينشر هالة سحرية دفاعية. إنه يحمل مظلة صغيرة فوق خريطته ليحميها من التلف! هذا ليس غازياً. تيموثي، طابق هويته مع قاعدة بيانات نقابة المغامرين فوراً”.
“بالطبع لا يا سيد فين!” نادى ألكسندر بصوت مرح وعالٍ يغطي على زمجرة الوحش “هذا هو… العرض الترفيهي المسائي الحصري لضيوفنا! نحن نطلق عليه: ‘صراع الوحوش’! تفضل بالجلوس على المدرج العلوي لتستمتع بالمسرحية التفاعلية!”.
“انظروا إلى التفاصيل! خيوط العنكبوت لزجة وحقيقية! والروائح الكريهة المنبعثة من القبو تعطي انطباعاً بأن جثثاً تتعفن هناك! الاهتمام بالتفاصيل هنا يستحق خمس نجوم بلا شك!” ثرثر فين ببهجة بينما يمشي تيموثي خلفه بملامح تنذر بقرب انهياره.
رغم التناقض الصارخ مع الواقع انتصرت سذاجة فين وثقته في المراجعات السياحية.
—
جلس على السلم الحجري وبدأ يصفق بحرارة “رائع! المؤثرات الصوتية والمكانية مذهلة! تصميم الدمية يبدو وكأنها حية تماماً وتتنفس!”.
“إنه… التزام صارم بأسلوب التمثيل المنهجي” أجاب ألكسندر من بين أسنانه المطبقة محافظاً على ابتسامته المتجمدة “نحن نأخذ تجربة اندماج الضيف على محمل الجد… تيموثي! تقدم إلى هنا”.
“سمعتم الضيف” وجه ألكسندر نظرة تحذيرية حادة لطاقمه “هذا العرض ترفيهي… اقضوا على الوحش ولكن اجعلو الأمر يبدو استعراضياً وجمالياً… لا أريد دماء كثيرة تتناثر على السجاد إن تكلفة التنظيف السحري باهظة!”.
“على العكس! سأخبر الجميع بلا استثناء!” أخرج فين دفتر ملاحظاته الصغير ولوّح به كمنتصر “بصفتي مرشداً محلياً معتمداً في نقابة المغامرين سأكتب مراجعة تفصيلية من فئة 5 نجوم وأعلقها شخصياً على لوحة الإعلانات المركزية بالعاصمة!، سأدعو كل المغامرين الباحثين عن تجربة ‘الرعب الآمن والممتع’ أن يأتوا أفواجاً إلى نزل الغراب الأسود! ستحصلون على حجوزات كاملة أعدكم بذلك!”.
انقض المانتيكور وبدأت أغرب معركة في تاريخ القلعة.
“نزل… الغراب الأسود… الريفي؟” كرر ألكسندر الكلمات بهدوء قاتل وكأنه يزن كل حرف.
اضطر كالدور لضرب الوحش بالجانب المسطح من سيفه معانياً لكبح قوته المدمرة بينما يلقي خطابات مسرحية مبتذلة سمعها من البشر “خذ هذه الضربة أيها الوحش الشرير الماكر! لن تدنس فندقنا العظيم بوجودك!”.
—
حلقت إيزابيلا التي تخلت عن كبريائها الأرستقراطي حول الوحش وضربته بصواني فضية بينما تصرخ ببرودها المعتاد “لن تفلت من دفع تعويض النافذة المكسورة أيها الوغد الهمجي!”.
“إنه… تعديل طفيف أجريته الأسبوع الماضي، يا سيدي” تلعثم تيموثي محاولاً الحفاظ على نبرة احترافية رغم تعرقه “نقابة مندوبي المبيعات الملعونين قدمت التماساً رسمياً بعد أن قام رماة السهام العظميون بتخريم 3 من مندوبيهم قبل أن يتمكنوا حتى من عرض كتالوج المنتجات السحرية. الجرس مجرد تسوية قانونية لتجنب دعوى تعويضات”.
أما تيموثي فقد أدرك دوره في توفير “المؤثرات البصرية” لذا بدأ بإطلاق تعاويذ ضوئية ملونة بومضات زرقاء وحمراء لا تحمل أي ضرر حقيقي، امتنع عن استخدام سحر الظلام القاتل لتبدو المعركة وكأنها عرض ألعاب نارية رخيص في مهرجان قروي.
جلس الطاقم يلهثون من التعب النفسي أكثر من الجسدي بينما وقف فين يصفر بحماس ويصفق بحرارة شديدة من مكانه الآمن على السلم.
الوحش الذي دخل بحثاً عن وليمة سهلة وجد نفسه محاصراً في سيرك عبثي، تعرض لضربات موجعة بالصواني والسيوف المسطحة وسط أضواء مزعجة وخطابات غير مفهومة. في النهاية وتحت ضغط غضبه المكبوت وجه كالدور ضربة قاضية بمقبض سيفه، أصابت نقطة عصبية في رقبة المانتيكور ليسقط الوحش فاقداً للوعي دون أن تراق قطرة دم واحدة.
انفتح الباب بصمت لتدخل إيزابيلا التي ترتدي مئزراً نظيفاً فوق فستانها وتبذل جهداً هائلاً لتبدو كبشرية تمشي على الأرض بدلاً من الطفو كشبح.
جلس الطاقم يلهثون من التعب النفسي أكثر من الجسدي بينما وقف فين يصفر بحماس ويصفق بحرارة شديدة من مكانه الآمن على السلم.
“بالتأكيد، يا سيدي المدير. خدمة الضيوف الكرام هي… شغفي الأكبر في الحياة”.
“برافو! برافو!” هتف فين بسعادة غامرة “أعظم أداء مسرحي تفاعلي شاهدته في حياتي! تصميم الدمية، هندسة الإضاءة، والتزام الممثلين بأدوارهم! أنتم تستحقون جائزة نقابة الفنون بجدارة!”.
إن ألكسندر يكره الارتجال بقدر كراهيته للضوء المقدس لكن المنطق البراغماتي في كلمات إيزابيلا لا يقبل الدحض لذا اتخذ قراره.
تبادل ألكسندر وتيموثي وكالدور نظرات محملة بالمعاناة الصامتة.
“بالتأكيد! طاقمنا في قسم ‘المياه الحرارية’ يقومون بتجهيزه لك سيكون الماء ساخنا بعد العشاء”.
ارتجف كالدور بشدة لاضطراره لعدم تمزيق الوحش بينما اعاد عقل ألكسندر حساب ميزانية الصيانة لتشمل نافذة جديدة.
استدار فين ولوّح لهم بسعادة ثم انطلق بخطوات مرحة في طريق الغابة يصفر لحناً مبتهجاً قبل أن يتلاشى تدريجياً بين الأشجار.
“شكراً لك يا سيدي” اعطاه ألكسندر انحناءة مسرحية ساخرة يخفي خلفها إحباطه العميق “نحن نسعى دائماً لرضا الضيوف الكرام… الان أعتقد أن وقت الراحة قد حان”.
“تيموثي”.
—
هبط الثلاثة عبر السلالم الحلزونية المظلمة وصولاً إلى بهو الاستقبال الواسع. أشار ألكسندر بيده فاستجابت الهياكل العظمية الحارسة، أدارت البكرات الصدئة ببطء لينفتح الباب الخشبي العملاق بصرير مزعج يبعث القشعريرة في الأبدان. تسلل هواء العاصفة البارد إلى الداخل ومعه دخل الشاب “فين”.
في صباح اليوم التالي انقشعت العاصفة لتشرق شمس خجولة على وادي الظلال.
تجمدت إيزابيلا وكادت أن تخنقه بهالة الرعب الخاص بها لكنها تذكرت تهديد ألكسندر.
وقف ألكسندر عند الباب الرئيسي المفتوح وبجانبه تيموثي الذي يحمل حقيبة فين الثقيلة، وقف فين بكامل عتاده اللامع ليودعهم بابتسامة عريضة ومشرقة.
“نزل… الغراب الأسود… الريفي؟” كرر ألكسندر الكلمات بهدوء قاتل وكأنه يزن كل حرف.
“لا أستطيع أن أصف لكم مدى امتناني يا سيد ألكسندر” قال فين وهو يصافح ألكسندر بحرارة مزعجة “كانت ليلة استثنائية بكل المقاييس… الضيافة الدافئة، الطعام الغريب والمميز، والعرض المسرحي المذهل… قدمتم تجربة متكاملة لا تُنسى”.
“مدهش! حمام على الطراز الخيميائي!” صاح فين بحماس شديد متجرداً من درعه ليقفز بتهور في الماء الساخن “آآآه، هذا مذهل! الماء ساخن بشكل استثنائي… وهناك رائحة خفيفة تذكرني بـ… الكبريت؟ والرماد؟”.
“هذا من دواعي سرورنا يا سيد فين نتمنى ألا تخبر… أعني نتمنى لك رحلة عودة آمنة وموفقة” سحب ألكسندر يده بسرعة متجنباً انتقال عدوى الحماس المفرط.
“انقل الميزانية بالكامل إلى قسم ‘الضيافة والاستقبال'” أصدر ألكسندر أمره الأخير قبل أن يستدير عائداً إلى العتمة “اطلب من جورج أن يبدأ في تجربة وصفات طعام نباتية خالية من الغلوتين… إذا انتشرت المراجعة يبدو أننا سنستقبل مجموعة من سحرة الطبيعة النباتيين في عطلة نهاية الأسبوع القادم”.
“على العكس! سأخبر الجميع بلا استثناء!” أخرج فين دفتر ملاحظاته الصغير ولوّح به كمنتصر “بصفتي مرشداً محلياً معتمداً في نقابة المغامرين سأكتب مراجعة تفصيلية من فئة 5 نجوم وأعلقها شخصياً على لوحة الإعلانات المركزية بالعاصمة!، سأدعو كل المغامرين الباحثين عن تجربة ‘الرعب الآمن والممتع’ أن يأتوا أفواجاً إلى نزل الغراب الأسود! ستحصلون على حجوزات كاملة أعدكم بذلك!”.
“من هذا المهرج العبثي؟” همس ألكسندر وعيناه تضيقان محللا كل تفصيلة في مظهر الدخيل.
استدار فين ولوّح لهم بسعادة ثم انطلق بخطوات مرحة في طريق الغابة يصفر لحناً مبتهجاً قبل أن يتلاشى تدريجياً بين الأشجار.
“عبقري! تصميم فني عبقري!” صفق فين بيديه إعجاباً “أردت الاستفسار عن الحمام الساخن… هل المياه جاهزة؟”.
بقي ألكسندر وتيموثي متسمرين عند الباب لأن الصمت الذي أعقب رحيله أثقل من صخرة عملاقة تستقر على الصدر.
“أنا؟ نادل؟!” زأر كالدور يعينان تشتعلان بغضب أحمر “أنا قاهر جيوش السهول الشمالية! أنا كابوس الإمبراطورية الساقطة! أنا لا أرتدي مئزراً وأقدم الحساء الرخيص للبشر المثيرين للشفقة!”.
“سيدي…” همس تيموثي وصوته يرتجف برعب حقيقي لأول مرة منذ سنوات بينما ينظر إلى دفتر الحجوزات الفارغ في يده “هل قال للتو أنه سيخبر نقابة المغامرين بأكملها وربما العاصمة أن قلعة الرعب الأبدي… أصبحت وجهة سياحية ترفيهية آمنة للعائلات؟”.
ارتجف كالدور بشدة لاضطراره لعدم تمزيق الوحش بينما اعاد عقل ألكسندر حساب ميزانية الصيانة لتشمل نافذة جديدة.
أغلق ألكسندر عينيه مستنشقا هواء الصباح البارد بعمق شديد ومحاولاً السيطرة على رغبة مفاجئة تماماً في القفز من أعلى برج متوفر في القلعة، المنطق والاستراتيجية وحسابات المنفعة كلها قادته إلى انتصار تكتيكي لكنها أسفرت عن هزيمة استراتيجية مرعبة.
“برافو! برافو!” هتف فين بسعادة غامرة “أعظم أداء مسرحي تفاعلي شاهدته في حياتي! تصميم الدمية، هندسة الإضاءة، والتزام الممثلين بأدوارهم! أنتم تستحقون جائزة نقابة الفنون بجدارة!”.
“تيموثي”.
“يا إلهي!” صرخ فين “هل هذا مانتيكور حقيقي اقتحم المكان؟!”.
“نعم، يا سيدي؟”.
“مدهش! حمام على الطراز الخيميائي!” صاح فين بحماس شديد متجرداً من درعه ليقفز بتهور في الماء الساخن “آآآه، هذا مذهل! الماء ساخن بشكل استثنائي… وهناك رائحة خفيفة تذكرني بـ… الكبريت؟ والرماد؟”.
“قم فورا بإلغاء ميزانية قسم التعذيب بالكامل”.
“بالطبع لا يا سيد فين!” نادى ألكسندر بصوت مرح وعالٍ يغطي على زمجرة الوحش “هذا هو… العرض الترفيهي المسائي الحصري لضيوفنا! نحن نطلق عليه: ‘صراع الوحوش’! تفضل بالجلوس على المدرج العلوي لتستمتع بالمسرحية التفاعلية!”.
“مفهوم! وإلى أين نوجه تلك الأموال المتبقية؟”.
جلس ألكسندر في صمت مطبق ممررا إصبعه ببطء فوق السطور المكتوبة بحبر أحمر داكن على وثيقة معنونة بـ “طلب زيادة مخصصات الفحم لقسم التعذيب الحراري”. ألقى الضوء الشاحب المنبعث من بلورة مانا صغيرة بظلال حادة على ملامحه التي تجمدت في تعبير من الإرهاق المحسوب، في الجهة المقابلة فرز تيموثي فواتير الصيانة المتهالكة بينما يرتجف بخفة تحت قبعة صوفية رثة؛ نظام التدفئة السحري للجناح الغربي انهار مجدداً ولم تكن هناك سيولة نقدية لإصلاحه.
تنهد ألكسندر تنهيدة طويلة، مظلمة، ومثقلة بيأس رجل أدرك أخيراً الحقيقة الكونية: الجحيم الحقيقي ليس النار والكبريت، ولا الغيلان الجائعة؛ الجحيم الحقيقي هو قطاع الخدمات وإدارة خدمة العملاء السياحية.
إن ألكسندر يكره الارتجال بقدر كراهيته للضوء المقدس لكن المنطق البراغماتي في كلمات إيزابيلا لا يقبل الدحض لذا اتخذ قراره.
“انقل الميزانية بالكامل إلى قسم ‘الضيافة والاستقبال'” أصدر ألكسندر أمره الأخير قبل أن يستدير عائداً إلى العتمة “اطلب من جورج أن يبدأ في تجربة وصفات طعام نباتية خالية من الغلوتين… إذا انتشرت المراجعة يبدو أننا سنستقبل مجموعة من سحرة الطبيعة النباتيين في عطلة نهاية الأسبوع القادم”.
“قم فورا بإلغاء ميزانية قسم التعذيب بالكامل”.
أغلق تيموثي الباب الخشبي الثقيل بينما يتردد صوت كالدور من أعماق القبو مطالباً بالسماح له بقطع رأس شخص واحد لتهدئة أعصابه المنهارة، في قلعة الرعب الأبدي لم تعد الأزمة هي البقاء على قيد الحياة بل كيفية الحفاظ على تقييم 5 نجوم دون التسبب في إبادة جماعية للضيوف.
انفتح الباب بصمت لتدخل إيزابيلا التي ترتدي مئزراً نظيفاً فوق فستانها وتبذل جهداً هائلاً لتبدو كبشرية تمشي على الأرض بدلاً من الطفو كشبح.
–+–
في صباح اليوم التالي انقشعت العاصفة لتشرق شمس خجولة على وادي الظلال.
“ممتاز! اذهب الآن إلى المطبخ. أخبر جورج الخباز أن يعد وجبة عشاء بشرية تقليدية، خالية تماماً من أي مكونات تنبض بالحياة، تصرخ عند طهيها، أو تحاول الهرب من الطبق… أريد طعاماً مملاً وعادياً لدرجة تثير الاكتئاب”.
“ممتاز! اذهب الآن إلى المطبخ. أخبر جورج الخباز أن يعد وجبة عشاء بشرية تقليدية، خالية تماماً من أي مكونات تنبض بالحياة، تصرخ عند طهيها، أو تحاول الهرب من الطبق… أريد طعاماً مملاً وعادياً لدرجة تثير الاكتئاب”.
