بطولة الشطرنج
لم يكن الهدوء في قلعة «الرعب الأبدي» يومًا علامة جيدة. ففي العادة، تمتلئ أرجاء المكان بأصوات مألوفة تدل على أن العمل يسير كالمعتاد: صراخ الأرواح المعذبة في الأقبية، وقرقعة دروع الهياكل العظمية الصدئة أثناء تدريباتها الفاشلة في الفناء، أو الجدال الصاخب بين طباخ القلعة وأحد الغيلان حول معايير النظافة المعدومة. أما ذلك الصباح، فقد خيّم صمت مطبق على المكان، صمت ثقيل يثير الريبة، وكأن جدران القلعة نفسها تحبس أنفاسها.
لم يحرك قطعه بهدف تحقيق نصر سريع أو السيطرة على مواقع استراتيجية، بل سعى إلى تعطيل اللعب وخنق إيقاعه. تجنب الاشتباك المباشر ببراعة مستفزة، وكلما اقتربت إحدى قطع جورج مهددة، تراجع بحركة جانبية محسوبة تحافظ على المسافة وتغلق طرق الهجوم. وبعد ذلك، ظل يقضي دقائق في إعادة ترتيب القطع المأكولة على حافة الطاولة، حرصًا على اصطفافها وفق ترتيب هندسي دقيق، فيما يرمق جورج بنظرات فارغة توحي بأنه يملك وقتًا أكثر مما يملك خصمه من الصبر.
وقف ألكسندر أمام نافذة مكتبه القوطي المطلة على الفناء الداخلي، ممسكًا بكوب قهوة برد منذ نصف ساعة. بدا الفناء خاليًا تمامًا؛ فلا دوريات تجوب الأسوار الضبابية، ولا عمال صيانة يصلحون الحجارة المتساقطة من البرج الغربي.
«كيف ذلك؟».
استدار نحو تيموثي، فوجده جالسًا إلى مكتبه الخشبي، يحاول موازنة قلم رصاص فوق أنفه، غارقًا في الملل الوظيفي.
«الشطرنج؟» رمش ألكسندر ببطء “أعطيت لعبة تعتمد على التفكير الاستراتيجي العميق وحساب الاحتمالات لجنود من الهياكل العظمية ينسون أحيانًا الاتجاه الذي ينبغي لهم السير فيه؟»
«تيموثي، أين الجميع؟ هل قررت نقابة الموتى الأحياء الإضراب مجددًا؟ أم أن هناك غزوًا مقدسًا لم أُبلَّغ به في جدول أعمال اليوم؟» استفسر ألكسندر بهدوء شديد، قبل أن يضع كوب القهوة البارد على حافة النافذة.
«هل رأيت وتعلمت يا كالدور؟» دوّى صوته في القاعة المقببة «الهجوم المباشر والعنيف ليس دائمًا الحل الأمثل. أحيانًا، يكون إرهاق الخصم بالانتظار والتعقيدات اللفظية، وسلبه القدرة على المبادرة، هو السلاح الأمضى. خسر جورج أمامك لأنه امتص اندفاعك واستغله، وخسر أمامي لأنه لم يحتمل ملل الصبر الذي فرضته عليه.»
سقط القلم عن أنف تيموثي وتدحرج فوق المكتب. تنحنح الشاب واعتدل في جلسته، محاولًا ترتيب أوراقه المبعثرة «لا يا سيدي. لا يوجد إضراب ولا غزو. الجميع داخل أسوار القلعة. إنهم فقط… مشغولون.»
«اذهب يا جورج. إدارة الفطائر أهم بكثير من الشطرنج.»
«مشغولون بماذا؟ هل ينظفون الخندق المائي؟ الخندق الذي بدأت تنمو فيه طحالب ذات أسنان وتطالب بحصص من اللحم؟»
لم تعد القاعة تبدو كقاعة استقبال في قلعة مظلمة؛ فقد تحولت إلى ما يشبه مقهى شعبيًا مزدحمًا في ليلة عطلة. دُفعت طاولات الطعام الطويلة بعضها نحو بعض، وانتظمت في صفوف متوازية، وفوق كل منها رقعة شطرنج. رُسمت بعض الرقع بالطباشير الخشن مباشرة على الخشب، بينما صُنعت أخرى من بلاط الأرضيات المكسور الذي جُمع ولُوّن لهذا الغرض.
“حسنا…” تجنب تيموثي النظر في عيني مديره، وانشغل بالعبث بطرف محبرته النحاسية «أتذكر الأسبوع الماضي، حين اشتكى حراس البوابة من الملل الشديد خلال النوبات الليلية الطويلة، وطلبوا نشاطًا يملؤون به وقتهم بدلًا من رمي جماجمهم على الغربان المارة؟»
حدق كالدور في الرقعة، وبدأ وهج عينيه الزرقاوين يخفت تحت وطأة الصدمة. اكتشف أن ملكته محاصرة بين حصان جورج وبيدقين متواضعين، وأن ملكه مكشوف بعد أن جرّد خطوطه الخلفية من الحماية. لقد حشد قوته كلها للهجوم، وترك قاعدته بلا دفاع.
«نعم. وطلبت منك بوضوح أن تجد لهم نشاطًا ذهنيًا رخيصًا لا يحتاج إلى ميزانية إضافية. ماذا فعلت؟»
«سيدي؟» نظر كالدور إليه بصدمة، ويده لا تزال على سيفه «أتريد… أن تلعب بنفسك؟».
«عثرت في قبو الخردة على صندوق عتيق يحتوي على لعبة الشطرنج لذا أعطيتهم إياها وشرحت لهم القواعد الأساسية.»
وأخيرًا، قرر جورج كسر الجمود بأي ثمن. حرّك ملكته في هجوم متهور مكشوف، متجاوزًا خطوطه الدفاعية على أمل إجبار ألكسندر على الاشتباك. لكن ألكسندر إنتظر هذه الثغرة طوال الساعتين الماضيتين.
«الشطرنج؟» رمش ألكسندر ببطء “أعطيت لعبة تعتمد على التفكير الاستراتيجي العميق وحساب الاحتمالات لجنود من الهياكل العظمية ينسون أحيانًا الاتجاه الذي ينبغي لهم السير فيه؟»
«مشغولون بماذا؟ هل ينظفون الخندق المائي؟ الخندق الذي بدأت تنمو فيه طحالب ذات أسنان وتطالب بحصص من اللحم؟»
«كانت الفكرة أن تلهيهم لساعة أو ساعتين يا سيدي. لكن… يبدو أن الأمور خرجت عن المتوقع».
«هذا هراء عسكري! هذا الحصان يتحرك كأنه شخص مخمور فقد بوصلته! الجيوش الحقيقية لا تقفز فوق رؤوس بعضها بعضًا بهذه الطريقة الملتوية!»
«كيف ذلك؟».
– بعد 3 أيام:
«عليك أن تنزل لترى بنفسك».
هبط ألكسندر برفقة تيموثي عبر الدرج الحلزوني المظلم حتى وصلا إلى القاعة الكبرى. وما إن أطل ألكسندر عليها حتى توقف في مكانه، وكأنه تلقى تعويذة تجميد من الدرجة الرابعة.
هبط ألكسندر برفقة تيموثي عبر الدرج الحلزوني المظلم حتى وصلا إلى القاعة الكبرى. وما إن أطل ألكسندر عليها حتى توقف في مكانه، وكأنه تلقى تعويذة تجميد من الدرجة الرابعة.
وقف ألكسندر أمام نافذة مكتبه القوطي المطلة على الفناء الداخلي، ممسكًا بكوب قهوة برد منذ نصف ساعة. بدا الفناء خاليًا تمامًا؛ فلا دوريات تجوب الأسوار الضبابية، ولا عمال صيانة يصلحون الحجارة المتساقطة من البرج الغربي.
لم تعد القاعة تبدو كقاعة استقبال في قلعة مظلمة؛ فقد تحولت إلى ما يشبه مقهى شعبيًا مزدحمًا في ليلة عطلة. دُفعت طاولات الطعام الطويلة بعضها نحو بعض، وانتظمت في صفوف متوازية، وفوق كل منها رقعة شطرنج. رُسمت بعض الرقع بالطباشير الخشن مباشرة على الخشب، بينما صُنعت أخرى من بلاط الأرضيات المكسور الذي جُمع ولُوّن لهذا الغرض.
جاءت المباراة متوترة وغريبة بقدر ما كان أسلوبا المتنافسين متباعدين.
تجمعت عشرات الهياكل العظمية والغيلان، إلى جانب بعض الأشباح الشفافة، حول الطاولات. لم يكن الصمت الذي سمعه ألكسندر من الأعلى دليلًا على خلو القاعة، بل على تركيز شديد لا يقطعه سوى احتكاك العظام ونقر القطع الخشبية فوق الرقع.
لم تعد القاعة تبدو كقاعة استقبال في قلعة مظلمة؛ فقد تحولت إلى ما يشبه مقهى شعبيًا مزدحمًا في ليلة عطلة. دُفعت طاولات الطعام الطويلة بعضها نحو بعض، وانتظمت في صفوف متوازية، وفوق كل منها رقعة شطرنج. رُسمت بعض الرقع بالطباشير الخشن مباشرة على الخشب، بينما صُنعت أخرى من بلاط الأرضيات المكسور الذي جُمع ولُوّن لهذا الغرض.
في الزاوية الأقرب، جلس هيكلان عظميان متقابلين. مد أحدهما يده العظمية ببطء، والتقط قطعة الحصان الخشبية، ثم نقلها بحركة دقيقة على شكل حرف L، وانتزع بيدقًا من خصمه ووضعه جانبًا في انتصار صامت. أما خصمه، فاكتفى بإمساك جمجمته بكلتا يديه العظميتين، في مشهد يلخص اليأس التكتيكي.
«سيدي، لدينا مشكلة حقيقية.»
«إنهم يلعبون فعلًا؟» تمتم ألكسندر، غير مصدق ما تراه عيناه «الغول هنري يلعب الشطرنج؟ هنري نفسه، الذي حاول الأسبوع الماضي أكل درعه لأنه ظنه بسكويتًا معدنيًا مقرمشًا؟».
اعتمدت خطته بالكامل على التسويف البيروقراطي.
«هنري يملك تقييمًا متقدمًا يا سيدي» أجاب تيموثي بجدية غير مألوفة، وهو يخرج دفترًا جلديًا صغيرًا من جيب سترته «يفضل افتتاحية دفاعية ويضحي بالبيادق بشراسة لخلق فرص للهجوم المضاد».
وقف ألكسندر وسط القاعة التي خلت تمامًا، بينما أخذ تيموثي يجمع بقايا تذاكر الرهان الممزقة من الأرض.
«ومن أين تعرف هذه المصطلحات الدقيقة؟» التفت ألكسندر إليه ببطء.
دخل ألكسندر بهيبته المعتادة، وجلس على كرسيه المرتفع المخصص لمدير القلعة والمشرف العام. ثم أشار بيده إشارة مقتضبة لبدء المباراة.
«أنا أدير حلقة رهانات مشبوهة…» قلّب تيموثي صفحات الدفتر الممتلئة بالأرقام والأسماء «أقصد أنا أحتفظ بسجل للمراهنات والمراهنين لضمان النظام يا سيدي. لقد فاز هنري بثلاث حصص إضافية من اللحم المقدد ليلة البارحة.»
وأخيرًا، قرر جورج كسر الجمود بأي ثمن. حرّك ملكته في هجوم متهور مكشوف، متجاوزًا خطوطه الدفاعية على أمل إجبار ألكسندر على الاشتباك. لكن ألكسندر إنتظر هذه الثغرة طوال الساعتين الماضيتين.
وقبل أن يتمكن ألكسندر من توبيخه على تحويل القاعة إلى صالة قمار، دوّت صرخة غاضبة من الطرف الآخر، حتى إن صداها ارتج في الجدران.
تنهد ألكسندر وشق طريقه بين الحشود حتى بلغ الطاولة المركزية.
«هذا هراء عسكري! هذا الحصان يتحرك كأنه شخص مخمور فقد بوصلته! الجيوش الحقيقية لا تقفز فوق رؤوس بعضها بعضًا بهذه الطريقة الملتوية!»
«تيموثي، أين الجميع؟ هل قررت نقابة الموتى الأحياء الإضراب مجددًا؟ أم أن هناك غزوًا مقدسًا لم أُبلَّغ به في جدول أعمال اليوم؟» استفسر ألكسندر بهدوء شديد، قبل أن يضع كوب القهوة البارد على حافة النافذة.
صاحب الصرخة هو اللورد كالدور.
ساد الصمت للحظات. نظر كالدور إلى الرقعة المبعثرة، ثم رفع عينيه نحو ألكسندر.
وقف قائد الجيوش الميتة بكامل درعه، يشير بغضب إلى رقعة شطرنج يقابله عند طرفها الآخر اللورد إغناطيوس، المؤرخ العسكري، الذي ظل يراقب الرقعة ببرود أكاديمي مستفز.
«ما الذي يحدث هنا؟» سأل بحزم.
تنهد ألكسندر وشق طريقه بين الحشود حتى بلغ الطاولة المركزية.
وقف ألكسندر وسط القاعة التي خلت تمامًا، بينما أخذ تيموثي يجمع بقايا تذاكر الرهان الممزقة من الأرض.
«ما الذي يحدث هنا؟» سأل بحزم.
«اذهب يا جورج. إدارة الفطائر أهم بكثير من الشطرنج.»
استدار كالدور، فيما راحت نيران عينيه الزرقاء تتوهج بغضب كاد يتطاير منه الشرر «سيدي! هذا المؤرخ العجوز يغش علنًا! لقد حرّك قطعته المسماة القلعة من طرف الرقعة إلى الطرف الآخر في خط مستقيم، ثم قضى على ملكتي في غفلة مني!».
«هذا هراء عسكري! هذا الحصان يتحرك كأنه شخص مخمور فقد بوصلته! الجيوش الحقيقية لا تقفز فوق رؤوس بعضها بعضًا بهذه الطريقة الملتوية!»
«هذه هي القواعد يا كالدور.» رد إغناطيوس ببرود، وهو يعدّل نظارته النصفية النحاسية على أرنبة أنفه العظمي «تتحرك القلعة في خطوط مستقيمة مهما بلغت المسافة. وإذا عجزت عن حماية أجنحة جيشك، فهذه مشكلة تكتيكية تخصك، وليست خللًا في القواعد.»
صاحب الصرخة هو اللورد كالدور.
«القلاع لا تتحرك!» زأر كالدور، وضرب الطاولة الرخامية بقبضته المدرعة حتى قفزت القطع في الهواء «القلعة مبنى حجري ثابت يزن أطنانًا! كيف يركض مبنى عبر ساحة المعركة ويدهس ملكة راجلة؟! ومن هذا المعتوه الذي صمم لعبة غبية تجعل الملك يتحرك خطوة واحدة فقط، كأنه رجل عجوز مصاب بالنقرس؟ الملك الحقيقي يجب أن يكون في الخطوط الأمامية، يقطع الرؤوس ويشعل حماس الجنود!».
وقف ألكسندر وسط القاعة التي خلت تمامًا، بينما أخذ تيموثي يجمع بقايا تذاكر الرهان الممزقة من الأرض.
«هذا يعكس الواقع البيروقراطي للحكم بدقة يا كالدور.» أجابه إغناطيوس بنبرة محاضر أكاديمي متعالٍ «الجنود الرعاع يموتون في المقدمة، بينما يختبئ الملك في الخلف ويتحرك بحذر. اللعبة دقيقة تاريخيًا، باستثناء أن الملكة تتولى معظم العمل الشاق وحدها، وهو تهميش واضح ومجحف لدور المشاة الثقيلة في تكتيكات العهد الثالث».
بدأ جورج يتململ في مقعده. اعتاد الخباز العمل المنظم ذي النتائج الواضحة: يعجن بدقة، ويضع العجين في الفرن بدرجة حرارة محددة، ثم يخرج الخبز ناضجًا. أما ألكسندر، فكان يرفض وضع العجين في الفرن من الأساس؛ يكتفي بتقليبه وإعادة تشكيله، ثم يتركه فوق الطاولة حتى يتيبس.
«كفى!» قاطعهما ألكسندر بنبرة آمرة أسكتت القاعة بأكملها «إنها مجرد لعبة لتمضية الوقت. كالدور، أنت قائد عسكري حقيقي، فلا داعي لأن تفقد صوابك بسبب قطع خشبية مدهونة. وإغناطيوس، لديك تقارير وكتب تنتظرك في القبو. عودوا إلى أعمالكم فورًا.»
«كيف ذلك؟».
ساد الصمت للحظات. نظر كالدور إلى الرقعة المبعثرة، ثم رفع عينيه نحو ألكسندر.
بعد نحو 20 نقلة، بدأ ألكسندر يفهم ما يفعله الخباز. لم يكن جورج يلعب بأسلوب عسكري يعتمد على الاختراق، بل يستوعب الهجمات ويمتصها. فقد بنى شبكة دفاعية معقدة من البيادق والفرسان، نجحت في احتواء هجمات كالدور العنيفة. وها هي القطع المهاجمة تتزاحم الآن في مساحة ضيقة، وقد باتت عاجزة عن التقدم أو التراجع من دون أن تترك ثغرات يستغلها الخصم.
«لن أفعل يا سيدي.» خرج صوته منخفضًا، لكن إصراره مرعب على نحو نادر «هذه ليست مجرد لعبة، بل اختبار حقيقي للقيادة والجدارة. إذا عجزت عن هزيمة هيكل عظمي لم يمسك سيفًا منذ 400 عام على رقعة مسطحة، فكيف سأقود جيوشك في الحروب القادمة؟ أطالب بالثأر. أطالب ببطولة رسمية تحسم الأمر.».
– بعد 3 أيام:
«بطولة؟» رفع ألكسندر حاجبه «كالدور، ليس لدينا الوقت ولا الموارد لـ…».
«كش مات. أنت الفائز يا سيدي، لا جدال في ذلك. والآن… هل يمكنني العودة إلى المطبخ؟ تركت عجينة الفطائر تختمر منذ 3 ساعات، وأخشى أنها تحولت إلى وحش حي.»
في تلك اللحظة، انخفضت درجة الحرارة، وانسلت إيزابيلا، الشبح الأرستقراطية، عبر الجدار الحجري بكامل أناقتها وبرودها المعتاد. كانت تحمل لوحًا خشبيًا مسطحًا تغطيه أوراق مرتبة بعناية.
«هنري يملك تقييمًا متقدمًا يا سيدي» أجاب تيموثي بجدية غير مألوفة، وهو يخرج دفترًا جلديًا صغيرًا من جيب سترته «يفضل افتتاحية دفاعية ويضحي بالبيادق بشراسة لخلق فرص للهجوم المضاد».
«يا سيدي أعتقد أن اللورد كالدور محق في هذه النقطة» ابتسمت ابتسامة عملية لا تخلو من الدهاء «لاحظت أن اللعبة رفعت الروح المعنوية بنسبة 70%. كما انخفضت الخلافات الدموية بين الأقسام بشكل ملحوظ، بعدما صاروا يحسمون نزاعاتهم على الرقعة بدلًا من استخدام الفؤوس. وقد أعددت بالفعل جدول تصفيات البطولة الكبرى لقلعة الرعب، وخصصت غرفةً للمباريات النهائية في قسم التعذيب، لما توفره إضاءتها من أجواء درامية مهيبة.»
جاءت المباراة متوترة وغريبة بقدر ما كان أسلوبا المتنافسين متباعدين.
تنقل ألكسندر بنظره بين لوح إيزابيلا المنظم، وتيموثي الذي عاد خلسة إلى تسجيل رهانات جديدة، وكالدور الذي حدّق في قطعة الحصان وكأنه يحاول إخضاعها بالترهيب.
«كش مات. أنت الفائز يا سيدي، لا جدال في ذلك. والآن… هل يمكنني العودة إلى المطبخ؟ تركت عجينة الفطائر تختمر منذ 3 ساعات، وأخشى أنها تحولت إلى وحش حي.»
أدرك عندها أنه فقد السيطرة الإدارية على قلعته لصالح 32 قطعة خشبية.
جاءت المباراة متوترة وغريبة بقدر ما كان أسلوبا المتنافسين متباعدين.
– بعد 3 أيام:
وأخيرًا، قرر جورج كسر الجمود بأي ثمن. حرّك ملكته في هجوم متهور مكشوف، متجاوزًا خطوطه الدفاعية على أمل إجبار ألكسندر على الاشتباك. لكن ألكسندر إنتظر هذه الثغرة طوال الساعتين الماضيتين.
لم تعد القلعة مكانًا لإثارة الرعب الأبدي، بل تحولت إلى ما يشبه ناديًا مغلقًا لمحترفي الشطرنج المهووسين. توقفت أعمال الصيانة الروتينية تمامًا، وكاد الخندق المائي يجف لأن فريق الضخ انشغل بمتابعة تصفيات دور 16. حتى السجناء في الزنازين السفلية تخلوا عن محاولات الهرب اليائسة، وراحوا يقدمون النصائح التكتيكية للسجانين عبر القضبان الحديدية.
بقي ألكسندر في مكتبه يراجع تقريرًا مقلقًا عن تآكل الجدار الشمالي وتدهور الميزانية، حين دخل تيموثي بخطوات سريعة.
«جورج؟ الخباز؟» رفع ألكسندر رأسه أخيرًا وعقد حاجبيه «منذ متى يلعب جورج الشطرنج؟».
«سيدي، لدينا مشكلة حقيقية.»
شهق الحاضرون. أفلت دفتر المراهنات الثمين من يد تيموثي، فيما عدّلت إيزابيلا قبعتها باهتمام مفاجئ ولمعت عيناها.
«إذا أخبرتني أن بيدق الغول هنري رُقّي وطالب بتأمين صحي وراتب أعلى، فسألقي بك من النافذة إلى الخندق الجاف.» قال ألكسندر ببرود، من دون أن يرفع عينيه عن الأوراق المكدسة.
وقف ألكسندر وسط القاعة التي خلت تمامًا، بينما أخذ تيموثي يجمع بقايا تذاكر الرهان الممزقة من الأرض.
«لا يا سيدي. المشكلة هي كالدور. لقد فقد عقله تقريبًا بسبب البطولة. هزم الجميع بلا رحمة؛ سحق إغناطيوس تكتيكيًا، ودمر فريق الحرس في مباريات متزامنة، بل هزم إيزابيلا بعدما أمضى وقتًا طويلًا يصرخ في وجهها بأن حركاتها تخالف لوائح الموارد البشرية. وهو الآن في النهائي.»
احتشدت الهياكل العظمية والغيلان والأشباح في المدرجات المرتجلة المحيطة بالطاولة. وفي زاوية مظلمة، تولى تيموثي جمع العملات النحاسية وتوزيع أوراق الرهانات بمهارة صراف محترف.
«جيد. دعه يفوز بالبطولة اللعينة ويشبع غروره العسكري، ولنعد جميعًا إلى العمل.»
دخل ألكسندر بهيبته المعتادة، وجلس على كرسيه المرتفع المخصص لمدير القلعة والمشرف العام. ثم أشار بيده إشارة مقتضبة لبدء المباراة.
تردد تيموثي قبل أن يتابع «المشكلة هي خصمه في النهائي يا سيدي… إنه جورج.»
أدرك عندها أنه فقد السيطرة الإدارية على قلعته لصالح 32 قطعة خشبية.
«جورج؟ الخباز؟» رفع ألكسندر رأسه أخيرًا وعقد حاجبيه «منذ متى يلعب جورج الشطرنج؟».
“حسنا…” تجنب تيموثي النظر في عيني مديره، وانشغل بالعبث بطرف محبرته النحاسية «أتذكر الأسبوع الماضي، حين اشتكى حراس البوابة من الملل الشديد خلال النوبات الليلية الطويلة، وطلبوا نشاطًا يملؤون به وقتهم بدلًا من رمي جماجمهم على الغربان المارة؟»
«منذ أن أقنعه أحدهم في المطبخ بأن الرقعة تشبه صينية خبز مقسمة بالتساوي وتحتاج إلى تنظيم. لم يخسر جورج أي مباراة حتى الآن. أسلوبه لا يخضع لأي منطق عسكري معروف أو استراتيجية أكاديمية. كالدور يغلي غضبًا. ستُقام المباراة النهائية الليلة، وقد هدد علنًا بأنه إذا خسر أمام خباز معجنات، فسيفكك نفسه ويقدم عظامه حطبًا لفرن المطبخ تكفيرًا عن عاره.»
تأمل كالدور ملكه المحاصر في خزي، وارتجفت يده العظمية. ثم رفعها ببطء نحو مقبض سيفه العظيم، مستعدًا لتنفيذ وعده وتفكيك نفسه.
تنهد ألكسندر بعمق ونهض «كالدور من دون جيش ليس سوى هيكل عظمي غاضب يثير الضجيج، وجيش من دونه ليس إلا مجموعة من العظام الغبية التي لا تعرف يمينها من يسارها. عليّ التدخل وإدارة هذه الأزمة قبل أن نخسر قائد جيشنا بسبب لعبة لوحية.»
«هذه هي القواعد يا كالدور.» رد إغناطيوس ببرود، وهو يعدّل نظارته النصفية النحاسية على أرنبة أنفه العظمي «تتحرك القلعة في خطوط مستقيمة مهما بلغت المسافة. وإذا عجزت عن حماية أجنحة جيشك، فهذه مشكلة تكتيكية تخصك، وليست خللًا في القواعد.»
كانت غرفة التعذيب السابقة قد خلت من الأدوات الحادة والمناشير الصدئة، وحلّت محلها إنارة حمراء خافتة تسقط على طاولة حجرية ضخمة تتوسطها رقعة شطرنج فاخرة من الرخام الأبيض والأسود.
جلس كالدور على أحد جانبي الطاولة مرتديًا درعه القتالي الكامل، وقد أسند سيفه العظيم إلى جواره، كأنه يستعد لخوض حرب وجودية. أما على الجانب الآخر، فجلس جورج الخباز بمئزره الأبيض الملطخ بالطحين، هادئًا تمامًا، ينفخ برفق عن الغبار العالق بقطعة الملك الخشبية.
جلس كالدور على أحد جانبي الطاولة مرتديًا درعه القتالي الكامل، وقد أسند سيفه العظيم إلى جواره، كأنه يستعد لخوض حرب وجودية. أما على الجانب الآخر، فجلس جورج الخباز بمئزره الأبيض الملطخ بالطحين، هادئًا تمامًا، ينفخ برفق عن الغبار العالق بقطعة الملك الخشبية.
«كش مات. أنت الفائز يا سيدي، لا جدال في ذلك. والآن… هل يمكنني العودة إلى المطبخ؟ تركت عجينة الفطائر تختمر منذ 3 ساعات، وأخشى أنها تحولت إلى وحش حي.»
احتشدت الهياكل العظمية والغيلان والأشباح في المدرجات المرتجلة المحيطة بالطاولة. وفي زاوية مظلمة، تولى تيموثي جمع العملات النحاسية وتوزيع أوراق الرهانات بمهارة صراف محترف.
في المقابل، لعب جورج ببطء وروية. بدت حركاته في البداية مترددة، دفاعية وغير مترابطة، وكأنه يرفض الاشتباك تمامًا.
دخل ألكسندر بهيبته المعتادة، وجلس على كرسيه المرتفع المخصص لمدير القلعة والمشرف العام. ثم أشار بيده إشارة مقتضبة لبدء المباراة.
سقط القلم عن أنف تيموثي وتدحرج فوق المكتب. تنحنح الشاب واعتدل في جلسته، محاولًا ترتيب أوراقه المبعثرة «لا يا سيدي. لا يوجد إضراب ولا غزو. الجميع داخل أسوار القلعة. إنهم فقط… مشغولون.»
جاءت المباراة متوترة وغريبة بقدر ما كان أسلوبا المتنافسين متباعدين.
احتشدت الهياكل العظمية والغيلان والأشباح في المدرجات المرتجلة المحيطة بالطاولة. وفي زاوية مظلمة، تولى تيموثي جمع العملات النحاسية وتوزيع أوراق الرهانات بمهارة صراف محترف.
اعتمد كالدور هجومًا كاسحًا يكاد يكون انتحاريًا. دفع قطعه إلى الأمام كما لو كانت كتيبة اقتحام لا تعرف التراجع، وزج بفرسانه في قلب المعركة منذ البداية، وضحى بالبيادق بلا تردد لفتح ثغرات في خطوط خصمه. ومع كل حركة هجومية، ضرب القطع بالرقعة بقوة مطلقا زمجرة تهز القاعة.
احتشدت الهياكل العظمية والغيلان والأشباح في المدرجات المرتجلة المحيطة بالطاولة. وفي زاوية مظلمة، تولى تيموثي جمع العملات النحاسية وتوزيع أوراق الرهانات بمهارة صراف محترف.
«هجوم الأجنحة الساحق! سأحطم دفاعاتك الهشة والمخبوزة أيها الخباز! لا مكان للرحمة في ساحة المعركة!» صاح وهو يدفع قلعته إلى الأمام.
«توقف!» شق صوت ألكسندر البارد القاعة، قاطعًا اللحظة الدرامية كحد السكين.
في المقابل، لعب جورج ببطء وروية. بدت حركاته في البداية مترددة، دفاعية وغير مترابطة، وكأنه يرفض الاشتباك تمامًا.
«كفى!» قاطعهما ألكسندر بنبرة آمرة أسكتت القاعة بأكملها «إنها مجرد لعبة لتمضية الوقت. كالدور، أنت قائد عسكري حقيقي، فلا داعي لأن تفقد صوابك بسبب قطع خشبية مدهونة. وإغناطيوس، لديك تقارير وكتب تنتظرك في القبو. عودوا إلى أعمالكم فورًا.»
«أنت تستعجل الأمور وتفسد الطبخة يا جنرال.» مسح يديه الخشنتين بمئزره لإزالة الطحين، ثم تابع بصوته الدافئ «العجين يحتاج إلى وقت كي يختمر ويرتاح. إذا رفعت حرارة الفرن بسرعة هائلة سيحترق الخبز من الخارج ويبقى نيئًا ولزجًا من الداخل… أنا فقط أترك قطعي تختمر على مهل.»
تأمل كالدور ملكه المحاصر في خزي، وارتجفت يده العظمية. ثم رفعها ببطء نحو مقبض سيفه العظيم، مستعدًا لتنفيذ وعده وتفكيك نفسه.
دفع جورج بيدقًا مربعًا واحدًا إلى الأمام، في حركة لم يظهر لها أي هدف تكتيكي واضح.
وقف ألكسندر أمام نافذة مكتبه القوطي المطلة على الفناء الداخلي، ممسكًا بكوب قهوة برد منذ نصف ساعة. بدا الفناء خاليًا تمامًا؛ فلا دوريات تجوب الأسوار الضبابية، ولا عمال صيانة يصلحون الحجارة المتساقطة من البرج الغربي.
بعد نحو 20 نقلة، بدأ ألكسندر يفهم ما يفعله الخباز. لم يكن جورج يلعب بأسلوب عسكري يعتمد على الاختراق، بل يستوعب الهجمات ويمتصها. فقد بنى شبكة دفاعية معقدة من البيادق والفرسان، نجحت في احتواء هجمات كالدور العنيفة. وها هي القطع المهاجمة تتزاحم الآن في مساحة ضيقة، وقد باتت عاجزة عن التقدم أو التراجع من دون أن تترك ثغرات يستغلها الخصم.
«منذ أن أقنعه أحدهم في المطبخ بأن الرقعة تشبه صينية خبز مقسمة بالتساوي وتحتاج إلى تنظيم. لم يخسر جورج أي مباراة حتى الآن. أسلوبه لا يخضع لأي منطق عسكري معروف أو استراتيجية أكاديمية. كالدور يغلي غضبًا. ستُقام المباراة النهائية الليلة، وقد هدد علنًا بأنه إذا خسر أمام خباز معجنات، فسيفكك نفسه ويقدم عظامه حطبًا لفرن المطبخ تكفيرًا عن عاره.»
حدق كالدور في الرقعة، وبدأ وهج عينيه الزرقاوين يخفت تحت وطأة الصدمة. اكتشف أن ملكته محاصرة بين حصان جورج وبيدقين متواضعين، وأن ملكه مكشوف بعد أن جرّد خطوطه الخلفية من الحماية. لقد حشد قوته كلها للهجوم، وترك قاعدته بلا دفاع.
دفع جورج بيدقًا مربعًا واحدًا إلى الأمام، في حركة لم يظهر لها أي هدف تكتيكي واضح.
«كش مات يا جنرال» حرّك جورج فيله بخفة ليغلق آخر منفذ أمام ملك كالدور، ثم ابتسم برضا «الخبز أصبح جاهزًا ومقرمشًا.»
في تلك اللحظة، انخفضت درجة الحرارة، وانسلت إيزابيلا، الشبح الأرستقراطية، عبر الجدار الحجري بكامل أناقتها وبرودها المعتاد. كانت تحمل لوحًا خشبيًا مسطحًا تغطيه أوراق مرتبة بعناية.
خيّم صمت مميت على القاعة، ولم يجرؤ أحد على إصدار أدنى صوت.
تنهد ألكسندر بعمق ونهض «كالدور من دون جيش ليس سوى هيكل عظمي غاضب يثير الضجيج، وجيش من دونه ليس إلا مجموعة من العظام الغبية التي لا تعرف يمينها من يسارها. عليّ التدخل وإدارة هذه الأزمة قبل أن نخسر قائد جيشنا بسبب لعبة لوحية.»
تأمل كالدور ملكه المحاصر في خزي، وارتجفت يده العظمية. ثم رفعها ببطء نحو مقبض سيفه العظيم، مستعدًا لتنفيذ وعده وتفكيك نفسه.
«كانت الفكرة أن تلهيهم لساعة أو ساعتين يا سيدي. لكن… يبدو أن الأمور خرجت عن المتوقع».
«توقف!» شق صوت ألكسندر البارد القاعة، قاطعًا اللحظة الدرامية كحد السكين.
«توقف!» شق صوت ألكسندر البارد القاعة، قاطعًا اللحظة الدرامية كحد السكين.
نهض من كرسيه وسار بخطوات محسوبة نحو الطاولة. نظر إلى كالدور، الذي بدا محطم الكبرياء العسكري، ثم إلى جورج الذي يبتسم ببراءة ويسوّي مئزره.
«مباراة ممتازة يا جورج.» قال ألكسندر بنبرة محايدة «لكن وفقًا للمادة 14 المعدلة من لائحة الأنشطة الترفيهية لقلعة الرعب، يتعين على بطل أي بطولة غير مرخصة مواجهة الإدارة العليا لاختبار كفاءته.»
«كش مات يا جنرال» حرّك جورج فيله بخفة ليغلق آخر منفذ أمام ملك كالدور، ثم ابتسم برضا «الخبز أصبح جاهزًا ومقرمشًا.»
شهق الحاضرون. أفلت دفتر المراهنات الثمين من يد تيموثي، فيما عدّلت إيزابيلا قبعتها باهتمام مفاجئ ولمعت عيناها.
«أنا أمارس الإدارة الاستراتيجية يا جورج.» حرّك ألكسندر حصانه إلى الخلف للمرة الثالثة، من دون أن يتغير شيء في ملامحه «في الإدارة، لا يعني الفوز بالضرورة القضاء على الخصم بضربة قاضية. الفوز الحقيقي هو إطالة أمد المشكلة وتعقيدها حتى يستسلم الطرف الآخر طواعية من شدة الملل، أو يرتكب خطأ كارثيًا بسبب الإحباط والتوتر».
«سيدي؟» نظر كالدور إليه بصدمة، ويده لا تزال على سيفه «أتريد… أن تلعب بنفسك؟».
أدرك عندها أنه فقد السيطرة الإدارية على قلعته لصالح 32 قطعة خشبية.
«أدير قلعة كاملة مليئة بالوحوش المتمردة، والموتى الأحياء الأغبياء، والبيروقراطية القاتلة التي تخنق الروح. أتظن حقًا أنني لا أجيد المناورة على رقعة خشبية صغيرة؟» أزاح ألكسندر كالدور عن الكرسي بلطف حازم، ثم جلس أمام جورج «رتّب القطع يا جورج. لنرَ إن كنت تستطيع خبز الإدارة ومناوراتها.»
كانت غرفة التعذيب السابقة قد خلت من الأدوات الحادة والمناشير الصدئة، وحلّت محلها إنارة حمراء خافتة تسقط على طاولة حجرية ضخمة تتوسطها رقعة شطرنج فاخرة من الرخام الأبيض والأسود.
بدأت المباراة النهائية الحقيقية.
“حسنا…” تجنب تيموثي النظر في عيني مديره، وانشغل بالعبث بطرف محبرته النحاسية «أتذكر الأسبوع الماضي، حين اشتكى حراس البوابة من الملل الشديد خلال النوبات الليلية الطويلة، وطلبوا نشاطًا يملؤون به وقتهم بدلًا من رمي جماجمهم على الغربان المارة؟»
لم يتبع ألكسندر أسلوب كالدور الهجومي المندفع، ولا أسلوب جورج الدفاعي البطيء. اختار طريقة أربكت الحاضرين وأثارت اشمئزاز إغناطيوس المنهجي، الذي يراقب كل حركة من الصف الأول.
نهض ألكسندر وتفحص الحشود التي بدأت تستفيق من غفوتها. ثم التفت إلى كالدور، الذي يراقبه بمزيج من الرهبة والخزي والاحترام العميق لمقدار مكره.
اعتمدت خطته بالكامل على التسويف البيروقراطي.
«إدارة أزمات ممتازة وحاسمة يا سيدي» قال تيموثي بصدق نادر «لكن ماذا نفعل بأموال الرهانات التي جمعتها؟ في الدفتر نحو 30 قطعة فضية و5 أرطال من اللحم المقدد الممتاز.»
لم يحرك قطعه بهدف تحقيق نصر سريع أو السيطرة على مواقع استراتيجية، بل سعى إلى تعطيل اللعب وخنق إيقاعه. تجنب الاشتباك المباشر ببراعة مستفزة، وكلما اقتربت إحدى قطع جورج مهددة، تراجع بحركة جانبية محسوبة تحافظ على المسافة وتغلق طرق الهجوم. وبعد ذلك، ظل يقضي دقائق في إعادة ترتيب القطع المأكولة على حافة الطاولة، حرصًا على اصطفافها وفق ترتيب هندسي دقيق، فيما يرمق جورج بنظرات فارغة توحي بأنه يملك وقتًا أكثر مما يملك خصمه من الصبر.
«أدير قلعة كاملة مليئة بالوحوش المتمردة، والموتى الأحياء الأغبياء، والبيروقراطية القاتلة التي تخنق الروح. أتظن حقًا أنني لا أجيد المناورة على رقعة خشبية صغيرة؟» أزاح ألكسندر كالدور عن الكرسي بلطف حازم، ثم جلس أمام جورج «رتّب القطع يا جورج. لنرَ إن كنت تستطيع خبز الإدارة ومناوراتها.»
مرت ساعة كاملة، ولم يخسر أي من الطرفين سوى بيدق واحد.
شهق الحاضرون. أفلت دفتر المراهنات الثمين من يد تيموثي، فيما عدّلت إيزابيلا قبعتها باهتمام مفاجئ ولمعت عيناها.
بدأ جورج يتململ في مقعده. اعتاد الخباز العمل المنظم ذي النتائج الواضحة: يعجن بدقة، ويضع العجين في الفرن بدرجة حرارة محددة، ثم يخرج الخبز ناضجًا. أما ألكسندر، فكان يرفض وضع العجين في الفرن من الأساس؛ يكتفي بتقليبه وإعادة تشكيله، ثم يتركه فوق الطاولة حتى يتيبس.
استدار كالدور، فيما راحت نيران عينيه الزرقاء تتوهج بغضب كاد يتطاير منه الشرر «سيدي! هذا المؤرخ العجوز يغش علنًا! لقد حرّك قطعته المسماة القلعة من طرف الرقعة إلى الطرف الآخر في خط مستقيم، ثم قضى على ملكتي في غفلة مني!».
«سيدي…» خاطبه جورج بتوتر واضح، وقد بدأ يتعرق رغم برودة القبو «أنت لا تهاجم إطلاقًا. كل ما تفعله هو نقل القطع من مربع إلى آخر ذهابًا وإيابًا، من دون هدف تكتيكي واضح.»
«لن أفعل يا سيدي.» خرج صوته منخفضًا، لكن إصراره مرعب على نحو نادر «هذه ليست مجرد لعبة، بل اختبار حقيقي للقيادة والجدارة. إذا عجزت عن هزيمة هيكل عظمي لم يمسك سيفًا منذ 400 عام على رقعة مسطحة، فكيف سأقود جيوشك في الحروب القادمة؟ أطالب بالثأر. أطالب ببطولة رسمية تحسم الأمر.».
«أنا أمارس الإدارة الاستراتيجية يا جورج.» حرّك ألكسندر حصانه إلى الخلف للمرة الثالثة، من دون أن يتغير شيء في ملامحه «في الإدارة، لا يعني الفوز بالضرورة القضاء على الخصم بضربة قاضية. الفوز الحقيقي هو إطالة أمد المشكلة وتعقيدها حتى يستسلم الطرف الآخر طواعية من شدة الملل، أو يرتكب خطأ كارثيًا بسبب الإحباط والتوتر».
«لا يا سيدي. المشكلة هي كالدور. لقد فقد عقله تقريبًا بسبب البطولة. هزم الجميع بلا رحمة؛ سحق إغناطيوس تكتيكيًا، ودمر فريق الحرس في مباريات متزامنة، بل هزم إيزابيلا بعدما أمضى وقتًا طويلًا يصرخ في وجهها بأن حركاتها تخالف لوائح الموارد البشرية. وهو الآن في النهائي.»
انقضت ساعة أخرى ثقيلة.
«يا سيدي أعتقد أن اللورد كالدور محق في هذه النقطة» ابتسمت ابتسامة عملية لا تخلو من الدهاء «لاحظت أن اللعبة رفعت الروح المعنوية بنسبة 70%. كما انخفضت الخلافات الدموية بين الأقسام بشكل ملحوظ، بعدما صاروا يحسمون نزاعاتهم على الرقعة بدلًا من استخدام الفؤوس. وقد أعددت بالفعل جدول تصفيات البطولة الكبرى لقلعة الرعب، وخصصت غرفةً للمباريات النهائية في قسم التعذيب، لما توفره إضاءتها من أجواء درامية مهيبة.»
بدأ الجمهور يغفو. وتدلت جماجم بعض الهياكل العظمية فوق صدورها من شدة النعاس، بينما ظل كالدور يحدق في الرقعة محاولًا فهم هذا التكتيك الذي بدا جبانًا، لكنه فعال على نحو مرعب.
ساد الصمت للحظات. نظر كالدور إلى الرقعة المبعثرة، ثم رفع عينيه نحو ألكسندر.
أما جورج، الذي اشتهر بصبر الخبازين، فقد بدأ يفقد أعصابه تدريجيًا. أراد إنهاء هذه المهزلة والعودة إلى مطبخه وأفرانه الدافئة؛ فالملل الإداري الذي فرضه ألكسندر أسوأ من احتراق صينية معجنات كاملة في ليلة شتوية.
«بالضبط.» استدار ألكسندر نحو القاعة ورفع صوته ليسمعه الجميع «انتهت البطولة. أعلن فوز الإدارة، كالعادة. وبموجب سلطتي المطلقة في هذه القلعة، أعلن الشطرنج اللعبة الرسمية المعتمدة هنا… ولكن! لن يُسمح بلعبها إلا خلال استراحة الغداء، ومدتها 20 دقيقة لا غير. وكل من يُضبط وهو يلعب أو يراهن خلال ساعات العمل الرسمية، فسيُعيّن مساعدًا شخصيًا للورد إغناطيوس في أرشيف السجلات التاريخية السفلي.»
وأخيرًا، قرر جورج كسر الجمود بأي ثمن. حرّك ملكته في هجوم متهور مكشوف، متجاوزًا خطوطه الدفاعية على أمل إجبار ألكسندر على الاشتباك. لكن ألكسندر إنتظر هذه الثغرة طوال الساعتين الماضيتين.
«مباراة ممتازة يا جورج.» قال ألكسندر بنبرة محايدة «لكن وفقًا للمادة 14 المعدلة من لائحة الأنشطة الترفيهية لقلعة الرعب، يتعين على بطل أي بطولة غير مرخصة مواجهة الإدارة العليا لاختبار كفاءته.»
بحركة واحدة محسوبة بدقة، حرّك قلعته التي ظلت كامنة في الخلف، فحاصر ملكة جورج في زاوية مغلقة، وفتح في الوقت نفسه مسارًا لفيله يهدد ملك الخصم بكش مات لا مفر منه.
لم تعد القلعة مكانًا لإثارة الرعب الأبدي، بل تحولت إلى ما يشبه ناديًا مغلقًا لمحترفي الشطرنج المهووسين. توقفت أعمال الصيانة الروتينية تمامًا، وكاد الخندق المائي يجف لأن فريق الضخ انشغل بمتابعة تصفيات دور 16. حتى السجناء في الزنازين السفلية تخلوا عن محاولات الهرب اليائسة، وراحوا يقدمون النصائح التكتيكية للسجانين عبر القضبان الحديدية.
«فخ الروتين الإداري المحكم» استند ألكسندر إلى ظهر كرسيه وشبك أصابعه براحة «لقد نفد صبرك، فمنحتني التنازل الذي أحتاج إليه طواعية، وعلى طبق من ذهب.»
«الشطرنج؟» رمش ألكسندر ببطء “أعطيت لعبة تعتمد على التفكير الاستراتيجي العميق وحساب الاحتمالات لجنود من الهياكل العظمية ينسون أحيانًا الاتجاه الذي ينبغي لهم السير فيه؟»
حدق جورج في الرقعة بذهول، ولم يستوعب ما حدث إلا بعد فوات الأوان. ثم ابتسم ابتسامة مرهقة وتنهد، واضعًا يديه المعفرتين بالطحين على ركبتيه.
«سيدي؟» نظر كالدور إليه بصدمة، ويده لا تزال على سيفه «أتريد… أن تلعب بنفسك؟».
«كش مات. أنت الفائز يا سيدي، لا جدال في ذلك. والآن… هل يمكنني العودة إلى المطبخ؟ تركت عجينة الفطائر تختمر منذ 3 ساعات، وأخشى أنها تحولت إلى وحش حي.»
لم يتبع ألكسندر أسلوب كالدور الهجومي المندفع، ولا أسلوب جورج الدفاعي البطيء. اختار طريقة أربكت الحاضرين وأثارت اشمئزاز إغناطيوس المنهجي، الذي يراقب كل حركة من الصف الأول.
«اذهب يا جورج. إدارة الفطائر أهم بكثير من الشطرنج.»
«كيف ذلك؟».
نهض ألكسندر وتفحص الحشود التي بدأت تستفيق من غفوتها. ثم التفت إلى كالدور، الذي يراقبه بمزيج من الرهبة والخزي والاحترام العميق لمقدار مكره.
«إنهم يلعبون فعلًا؟» تمتم ألكسندر، غير مصدق ما تراه عيناه «الغول هنري يلعب الشطرنج؟ هنري نفسه، الذي حاول الأسبوع الماضي أكل درعه لأنه ظنه بسكويتًا معدنيًا مقرمشًا؟».
«هل رأيت وتعلمت يا كالدور؟» دوّى صوته في القاعة المقببة «الهجوم المباشر والعنيف ليس دائمًا الحل الأمثل. أحيانًا، يكون إرهاق الخصم بالانتظار والتعقيدات اللفظية، وسلبه القدرة على المبادرة، هو السلاح الأمضى. خسر جورج أمامك لأنه امتص اندفاعك واستغله، وخسر أمامي لأنه لم يحتمل ملل الصبر الذي فرضته عليه.»
– بعد 3 أيام:
وقف كالدور وأدى التحية العسكرية، ضاربًا قبضته بصدره المدرع «لقد فهمت الدرس الاستراتيجي يا سيدي. التكتيك العظيم لا يتطلب دائمًا إراقة الدماء، بل قد يتطلب… تجميد دماء العدو في عروقه من فرط الملل والروتين.»
بدأ الجمهور يغفو. وتدلت جماجم بعض الهياكل العظمية فوق صدورها من شدة النعاس، بينما ظل كالدور يحدق في الرقعة محاولًا فهم هذا التكتيك الذي بدا جبانًا، لكنه فعال على نحو مرعب.
«بالضبط.» استدار ألكسندر نحو القاعة ورفع صوته ليسمعه الجميع «انتهت البطولة. أعلن فوز الإدارة، كالعادة. وبموجب سلطتي المطلقة في هذه القلعة، أعلن الشطرنج اللعبة الرسمية المعتمدة هنا… ولكن! لن يُسمح بلعبها إلا خلال استراحة الغداء، ومدتها 20 دقيقة لا غير. وكل من يُضبط وهو يلعب أو يراهن خلال ساعات العمل الرسمية، فسيُعيّن مساعدًا شخصيًا للورد إغناطيوس في أرشيف السجلات التاريخية السفلي.»
حدق كالدور في الرقعة، وبدأ وهج عينيه الزرقاوين يخفت تحت وطأة الصدمة. اكتشف أن ملكته محاصرة بين حصان جورج وبيدقين متواضعين، وأن ملكه مكشوف بعد أن جرّد خطوطه الخلفية من الحماية. لقد حشد قوته كلها للهجوم، وترك قاعدته بلا دفاع.
سرت همهمة من الرعب الحقيقي بين الموتى الأحياء. اللعب أثناء العمل يعني الاستماع إلى محاضرات إغناطيوس عن تاريخ صناعة الطوب وقوانين التموين. وذلك في نظرهم عقاب أسوأ من الاحتراق بنار الجحيم.
بدأ جورج يتململ في مقعده. اعتاد الخباز العمل المنظم ذي النتائج الواضحة: يعجن بدقة، ويضع العجين في الفرن بدرجة حرارة محددة، ثم يخرج الخبز ناضجًا. أما ألكسندر، فكان يرفض وضع العجين في الفرن من الأساس؛ يكتفي بتقليبه وإعادة تشكيله، ثم يتركه فوق الطاولة حتى يتيبس.
في غضون ثوانٍ، تفرق الجميع كأنهم تبخروا. اختفت رقع الشطرنج، وعادت الهياكل العظمية إلى مواقع حراستها على الأسوار، وهرع الغيلان إلى تنظيف الخندق المائي بأيديهم العارية، فيما اندفع فريق الصيانة لترميم الجدار الشمالي بحماس لم يسبق له مثيل.
حدق كالدور في الرقعة، وبدأ وهج عينيه الزرقاوين يخفت تحت وطأة الصدمة. اكتشف أن ملكته محاصرة بين حصان جورج وبيدقين متواضعين، وأن ملكه مكشوف بعد أن جرّد خطوطه الخلفية من الحماية. لقد حشد قوته كلها للهجوم، وترك قاعدته بلا دفاع.
وقف ألكسندر وسط القاعة التي خلت تمامًا، بينما أخذ تيموثي يجمع بقايا تذاكر الرهان الممزقة من الأرض.
استدار نحو تيموثي، فوجده جالسًا إلى مكتبه الخشبي، يحاول موازنة قلم رصاص فوق أنفه، غارقًا في الملل الوظيفي.
«إدارة أزمات ممتازة وحاسمة يا سيدي» قال تيموثي بصدق نادر «لكن ماذا نفعل بأموال الرهانات التي جمعتها؟ في الدفتر نحو 30 قطعة فضية و5 أرطال من اللحم المقدد الممتاز.»
جلس كالدور على أحد جانبي الطاولة مرتديًا درعه القتالي الكامل، وقد أسند سيفه العظيم إلى جواره، كأنه يستعد لخوض حرب وجودية. أما على الجانب الآخر، فجلس جورج الخباز بمئزره الأبيض الملطخ بالطحين، هادئًا تمامًا، ينفخ برفق عن الغبار العالق بقطعة الملك الخشبية.
التفت ألكسندر إليه بابتسامة خفيفة.
اعتمد كالدور هجومًا كاسحًا يكاد يكون انتحاريًا. دفع قطعه إلى الأمام كما لو كانت كتيبة اقتحام لا تعرف التراجع، وزج بفرسانه في قلب المعركة منذ البداية، وضحى بالبيادق بلا تردد لفتح ثغرات في خطوط خصمه. ومع كل حركة هجومية، ضرب القطع بالرقعة بقوة مطلقا زمجرة تهز القاعة.
«أودع الفضة فورًا في ميزانية الصيانة العاجلة لسقف الجناح الشرقي قبل أن ينهار فوق رؤوسنا. أما اللحم المقدد…» ألقى نظرة على الرقعة الرخامية التي خلت من القطع «فأعطه لجورج. يستحق مكافأة مجزية لأنه الخصم الوحيد الذي كاد يجعلني أغفو فعلًا خلال مباراة نهائية.»
«عليك أن تنزل لترى بنفسك».
عاد ألكسندر إلى مكتبه يجر عباءته الطويلة، وقد ارتاح أخيرًا لزوال الهدوء المريب وعودة أصوات العمل والقرقعة المعتادة إلى أرجاء قلعة الرعب الأبدي.
«هذا يعكس الواقع البيروقراطي للحكم بدقة يا كالدور.» أجابه إغناطيوس بنبرة محاضر أكاديمي متعالٍ «الجنود الرعاع يموتون في المقدمة، بينما يختبئ الملك في الخلف ويتحرك بحذر. اللعبة دقيقة تاريخيًا، باستثناء أن الملكة تتولى معظم العمل الشاق وحدها، وهو تهميش واضح ومجحف لدور المشاة الثقيلة في تكتيكات العهد الثالث».
لعبة الشطرنج ممتعة بلا شك، لكن لا أحد في العوالم كلها يستطيع هزيمة المدير في لعبته المفضلة والأكثر فتكًا: بيروقراطية الاستنزاف.
«توقف!» شق صوت ألكسندر البارد القاعة، قاطعًا اللحظة الدرامية كحد السكين.
–+–
تنهد ألكسندر وشق طريقه بين الحشود حتى بلغ الطاولة المركزية.
«جورج؟ الخباز؟» رفع ألكسندر رأسه أخيرًا وعقد حاجبيه «منذ متى يلعب جورج الشطرنج؟».
«سيدي؟» نظر كالدور إليه بصدمة، ويده لا تزال على سيفه «أتريد… أن تلعب بنفسك؟».
