Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المتعاقد الميتافيزيقي 5

مؤرخ غاضب
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

مؤرخ غاضب

حمل الصباح في قلعة “الرعب الأبدي” طابعاً روتينياً كئيباً، متدثراً بضباب رمادي بارد يزحف فوق خندق المياه العكرة، وهو بالضبط نوع الهدوء الذي يفضله ألكسندر. لا أبطال يكسرون الأبواب بأحذيتهم المعدنية، ولا تنانين تشخر فوق الأبراج لتذيب قرميد السقف، ولا حتى أزمات عاطفية مبالغ فيها بين أطقم الدروع المسحورة. هدوء إداري ميت، لا يقطعه سوى الاحتكاك الجاف لريشة ألكسندر على ورق المعاملات. لكن هذا السكون المحسوب تحطم فجأة، عندما حُجب ضوء الشمس الشاحب الذي يتسلل بالكاد من نافذة المكتب القوطية العالية.

تقدم ألكسندر بخطوات هادئة ومتزنة، وعباءته تلتف حوله بهيبة “بروفيسور ثاديوس يا له من شرف غير متوقع إطلاقاً… إلى ماذا أعزو هذه الزيارة المفاجئة التي قاطعت أعمالنا الإدارية؟”.

رفع ألكسندر عينيه ببطء عن ميزانية الصيانة، ليجد أن زجاج النافذة قد غُطي بالكامل بسرب ضخم من البوم الرمادي. لم تكن طيوراً عادية؛ أعينها محاطة بنظارات طبية نحاسية صغيرة، وتحمل في مناقيرها رسائل ثقيلة مختومة بالشمع الأحمر الزاهي. بدأت الطيور تنقر على الزجاج بعصبية وإيقاع متزامن ومزعج، يشبه تماماً نقر أصابع دائن نفد صبره على الطاولة.

“دفاعا عن نفسي يا سيدي العطسة مشبعة بالمانا!، غضب جداً في البداية لأنه استيقظ لكنني أقنعته بأن القلعة بحاجة ماسة إلى خبرته لتنظيم أرشيفها المبعثر. اعتقدت أن توظيفه سيوفر علينا راتباً وأن حبه الدفين للكتب سيبقيه هادئاً ومعزولاً في القبو”.

توقف ألكسندر عن الكتابة، ووضع الريشة ببطء شديد. فرك جسر أنفه بإصبعيه، محاولاً استيعاب هذا الخرق الفاضح لقواعد الهدوء.

“بالضبط” أومأ ألكسندر مؤكداً انتصاره “وإغناطيوس يحصل في المقابل على منصة رسمية محترمة لنشر حقيقته المرة دون أن تهاجمنا البومات كل صباح” التفت ألكسندر نحو المؤرخ العظمي الذي يراقب الحوار بشك “ما رأيك يا إغناطيوس؟ نشر رسمي مع مراجعة كاملة وفصل مخصص لشتم طباخ الكتيبة وتوثيق إهماله في معركة التلال الوحلية؟”.

“تيموثي!” نادى ألكسندر دون أن يرفع صوته، ودون أن يرمش.

“إنها…” ارتجفت يده التي تمسك بالعصا السحرية بشكل ملحوظ. “إنها كذلك! الأدلة النصية والمخطوطات تؤكد أن جيشكم العظيم تراجع ببطء لإنهاك قوات العدو!”.

انفتح الباب الجانبي بصرير خافت، انزلق تيموثي إلى الداخل يحمل كدسة من الرسائل المطابقة تماماً لتلك التي تقبض عليها مناقير البوم في الخارج. اصبح شعر الساحر المساعد منفوشاً في كل الاتجاهات، مع هالات سوداء عميقة تحيط بعينيه المحمرتين، وكأنه لم يذق طعم النوم منذ أيام.

“لك كل ذلك مع ورق من النوع الفاخر أيضاً” أجاب ألكسندر بثقة.

“سيدي… لدينا أزمة” قال تيموثي بصوت مبحوح وهو يضع الورق الثقيل على سطح المكتب متجنباً النظر إلى النافذة المحتشدة بالريش “أزمة أكاديمية”.

“يا سيدي” قالت إيزابيلا بصوت يتردد كحفيف الحرير البارد “وصل مبعوث رسمي فجأة ويقف الآن في القاعة الكبرى مطالبا بمقابلتك. إنه البروفيسور ثاديوس شخصياً، رئيس قسم التاريخ الحديث في الأكاديمية ومعه اثنان من الحراس السحريين ومذكرة جلب وتوقيف مع… الكثير من الغرور الأكاديمي المقيت”.

عقد ألكسندر حاجبيه، ومال بجسده إلى الخلف “أكاديمية؟ هل اكتشف مفتشو النقابة أننا نستخدم أرواحاً ملعونة غير مرخصة لتدفئة مياه الجناح الشرقي؟ لقد أخبرتك أن تدس بضع عملات ذهبية في جيوبهم وتغلق الملف!”.

“دفاعا عن نفسي يا سيدي العطسة مشبعة بالمانا!، غضب جداً في البداية لأنه استيقظ لكنني أقنعته بأن القلعة بحاجة ماسة إلى خبرته لتنظيم أرشيفها المبعثر. اعتقدت أن توظيفه سيوفر علينا راتباً وأن حبه الدفين للكتب سيبقيه هادئاً ومعزولاً في القبو”.

“لا يا سيدي، الأمر أعمق من ذلك بكثير. لقد أعلنا بصفة رسمية الحرب على ‘أكاديمية السحرة الملكية للتاريخ والتوثيق’ أو بالأحرى… رئيس قسم الأرشيف الجديد في قلعتنا فعل ذلك”.

راقب ألكسندر تحفته الدبلوماسية من بعيد مع تيموثي بجانبه والذي يحمل كوباً ساخناً من القهوة بعينان لا تزالان تحملان آثار الصدمة.

تجمد الهواء في الغرفة. حدق ألكسندر في تيموثي بنظرة خالية من المشاعر، لكنها تنبض بخطر مكبوت “رئيس قسم الأرشيف الجديد؟ تيموثي، نحن لا نملك رئيس قسم أرشيف. آخر مرة تفقدت فيها القبو السفلي وجدته مجرد مستنقع من الجرذان الهيكلية التي تقتات على فواتيرنا القديمة”.

التقط لفة ضخمة من المخطوطات وطواها كبندقية تحت إبطه “ثاديوس؟ الدعيّ بنفسه يتجرأ على القدوم؟ ممتاز! أروني هذا الرجل. سأسحق مسيرته الأكاديمية الركيكة بالحواشي السفلية والمراجع الدامغة!”.

تنحنح تيموثي بتوتر، وبدأ يعبث بحافة قبعته الصوفية “نعم، بخصوص ذلك… الليلة الماضية طلبت مني ترتيب سجلات المقبرة الشرقية في أعمق طبقات القبو. كان المكان مغلقاً منذ قرون لذا أثناء تلاوتي للتعويذة ابتلعت كمية هائلة من الغبار العتيق… وأصبت بنوبة عطس قوية” ابتلع تيموثي ريقه بصعوبة “يبدو أن ذبذبات العطسة اختلطت مع سياق التعويذة فقمت دون قصد… بإيقاظ اللورد ‘إغناطيوس فون كويل’، المؤرخ العسكري والقائد الميداني من العهد الثالث الذي دفن تحت رفوف منهارة”.

نزلا عبر الدرج الحلزوني الملتوي حتى بلغا القبو السفلي العميق. ما يُفترض أن يكون مستودعاً صامتاً ومظلماً للوثائق تحول إلى ساحة معركة فكرية تعج بالفوضى. رائحة الورق المتعفن اختلطت برائحة الحبر الجاف والأوزون المتولد عن السحر الضعيف. طفت الكتب العتيقة والمخطوطات في الهواء ككواكب تدور حول مدارات جنونية، بينما تناثرت مئات الأوراق المجعدة على الأرضية الحجرية.

“أيقظت جنرالاً ميتاً بالخطأ؟ بصوت عطسة؟”.

“تيموثي!” نادى ألكسندر دون أن يرفع صوته، ودون أن يرمش.

“دفاعا عن نفسي يا سيدي العطسة مشبعة بالمانا!، غضب جداً في البداية لأنه استيقظ لكنني أقنعته بأن القلعة بحاجة ماسة إلى خبرته لتنظيم أرشيفها المبعثر. اعتقدت أن توظيفه سيوفر علينا راتباً وأن حبه الدفين للكتب سيبقيه هادئاً ومعزولاً في القبو”.

“الإدارة الناجحة يا تيموثي لا تعني القضاء الجسدي على الأعداء كما يعتقد كالدور، بل هي إيجاد ثغرة ذكية لجعل أعدائك يقومون بالعمل الورقي نيابة عنك وبحماس أيضاً” أخذ ألكسندر رشفة بطيئة من قهوته “بالإضافة إلى ذلك كله وجدت للتو الدور الإداري المثالي لإغناطيوس”.

“وما الذي فعله هذا الجنرال خلال ساعات معدودة ليجعل الأكاديمية الملكية ترسل لنا جيشاً من البوم الغاضب؟” أشار ألكسندر بحركة بطيئة نحو النافذة، حيث بدأت إحدى البومات في محاولة كسر الزجاج بمنقارها بنية عدوانية واضحة.

“الوثيقة 4 كتبها الملازم الجبان رولف! كما أنه كتبها وهو يختبئ مرتجفاً خلف شجرة بلوط محاولا بإستماتة إقناع القيادة العليا بأن تلوث المؤن هو خطة تمويه مدبرة وليس إهمالاً مباشراً منه! هل كلفت نفسك عناء مراجعة مذكرات طباخ الكتيبة؟ بالطبع لا! لأنكم في الأكاديمية المريحة تقرأون فقط ما يجعلكم تشعرون بالبطولة الزائفة، ولا تقرأون سجلات المطبخ والمراحيض العسكرية حيث يُصنع التاريخ الحقيقي والقذر!”.

“وجد بالصدفة كتاباً حديثاً عن التاريخ العسكري السحري… وبدأ في قراءته”.

حمل الصباح في قلعة “الرعب الأبدي” طابعاً روتينياً كئيباً، متدثراً بضباب رمادي بارد يزحف فوق خندق المياه العكرة، وهو بالضبط نوع الهدوء الذي يفضله ألكسندر. لا أبطال يكسرون الأبواب بأحذيتهم المعدنية، ولا تنانين تشخر فوق الأبراج لتذيب قرميد السقف، ولا حتى أزمات عاطفية مبالغ فيها بين أطقم الدروع المسحورة. هدوء إداري ميت، لا يقطعه سوى الاحتكاك الجاف لريشة ألكسندر على ورق المعاملات. لكن هذا السكون المحسوب تحطم فجأة، عندما حُجب ضوء الشمس الشاحب الذي يتسلل بالكاد من نافذة المكتب القوطية العالية.

نهض ألكسندر من كرسيه، وشد عباءته السوداء حول كتفيه “خذني إليه فوراً”.

“الإدارة الناجحة يا تيموثي لا تعني القضاء الجسدي على الأعداء كما يعتقد كالدور، بل هي إيجاد ثغرة ذكية لجعل أعدائك يقومون بالعمل الورقي نيابة عنك وبحماس أيضاً” أخذ ألكسندر رشفة بطيئة من قهوته “بالإضافة إلى ذلك كله وجدت للتو الدور الإداري المثالي لإغناطيوس”.

نزلا عبر الدرج الحلزوني الملتوي حتى بلغا القبو السفلي العميق. ما يُفترض أن يكون مستودعاً صامتاً ومظلماً للوثائق تحول إلى ساحة معركة فكرية تعج بالفوضى. رائحة الورق المتعفن اختلطت برائحة الحبر الجاف والأوزون المتولد عن السحر الضعيف. طفت الكتب العتيقة والمخطوطات في الهواء ككواكب تدور حول مدارات جنونية، بينما تناثرت مئات الأوراق المجعدة على الأرضية الحجرية.

“بالضبط! والآن…” التفت ألكسندر بعباءته السوداء ليعود أدراجه إلى مكتبه الهادئ “أخبر قسم التعذيب أن ميزانية الفحم التي رفضوها بالأمس تم تحويلها اليوم لشراء أطنان من الورق والحبر الفاخر، إذا أرادوا التعبير عن غضبهم من القرار فليكتبوا مقالاً نقدياً وينشروه ليراجعه إغناطيوس”.

في وسط هذه العاصفة الورقية، وقف هيكل عظمي ممشوق القوام يرتدي زياً عسكرياً مهترئاً يعود لقرون مضت، تغطيه أوسمة ونياشين فقدت بريقها تحت طبقات الصدأ. يضع نظارة قراءة نصفية نحاسية تستقر بأعجوبة تامة على عظمة أنفه المفقودة، امسك بريشتين في نفس الوقت وكتب بهما بسرعة جنونية على لفافتين من الورق بينما صوت احتكاك عظامه يتردد في القبو.

“هذا تشهير وتخريب مقصود! أنت تدمر التراث بأكمله! كيف سأواجه طلابي في المدرج إذا أخبرتهم أن أعظم جنرالات التاريخ فازوا بمحض الصدفة البحتة، وسوء الهضم، والأسقف المنهارة؟!” .

“هراء! تدليس! خيانة لا تُغتفر للأمانة العلمية!” صرخ الهيكل العظمي بصوت جاف يشبه تمزيق الورق القديم، وهو ينقر بريشته بقوة كادت تثقب الرق “كيف يجرؤ هذا المعتوه المسمى ‘البروفيسور ثاديوس’ على ادعاء أن ‘تكتيك الكماشة’ هو سبب انتصارنا المجيد في معركة التلال الوحلية؟! لم تكن هناك أي كماشة! لقد كنا ضائعين تماماً في ضباب كثيف، وكالدور الأحمق تعثر بسبب بقرة شاردة مما أدى إلى انهيار صخري أباد طليعة العدو بطريق الخطأ! هذا ليس تكتيكاً عسكرياً، هذا غباء جيولوجي بحت!”.

“بالضبط! والآن…” التفت ألكسندر بعباءته السوداء ليعود أدراجه إلى مكتبه الهادئ “أخبر قسم التعذيب أن ميزانية الفحم التي رفضوها بالأمس تم تحويلها اليوم لشراء أطنان من الورق والحبر الفاخر، إذا أرادوا التعبير عن غضبهم من القرار فليكتبوا مقالاً نقدياً وينشروه ليراجعه إغناطيوس”.

تقدم ألكسندر ببطء، متفادياً كتاباً طائراً كاد يرتطم برأسه “اللورد إغناطيوس؟”.

“أيقظت جنرالاً ميتاً بالخطأ؟ بصوت عطسة؟”.

توقف إغناطيوس عن الكتابة والتفت بحدة نحو ألكسندر. محدقا فيه عبر نظارته النصفية بعينين تشتعلان بلهب أزرق خافت “أنت مدير هذه المنشأة المتداعية؟ ممتاز! أريد حبراً سرياً إضافياً وميزانية طارئة لاستئجار غرابين من فئة ‘التوصيل السريع للموتى’. هذه البومات التابعة للأكاديمية بطيئة جداً ومثيرة للشفقة. يجب أن أرد على هذا المقال المنشور في ‘دورية التاريخ السحري’ قبل صدور العدد القادم وإلا ستموت الحقيقة!”.

سجلت إيزابيلا التي تقف بجوار ألكسندر ملاحظات سريعة في دفتر صغير.

“إغناطيوس” قال ألكسندر بنبرة هادئة ومدروسة محاولا السيطرة على مجريات الموقف “أنا أقدر جداً شغفك النبيل بالدقة التاريخية ولكن يبدو أنك أرسلت ما يقرب من 300 رسالة تصحيح لاذعة إلى الأكاديمية الملكية خلال ليلة واحدة”.

تدخل ألكسندر رافعاً يده بهدوء ليسيطر على المشهد “يا سادة أرجوكم… كالدور، توقف عن تشجيع إغناطيوس بإيماءاتك”.

“302” صحح إغناطيوس بصرامة رافعاً إصبعاً عظمياً طويلاً “ولم تكن ‘رسائل تصحيح’. انها مراجعات نقدية شاملة ومفصلة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن عميد الأكاديمية الحالي يعاني من نقص حاد في الفهم الاستراتيجي، وأنه يعتمد في مصادره الموثوقة على أغاني الحانات الرخيصة بدلاً من الوقائع العسكرية. هل تعلم أنه ادعى في الفصل الرابع أن الفرسان المدرعين استخدموا تعويذة الرياح للهبوط بخفة خلف خطوط العدو؟ الفرسان! المدرعون! في العهد الثالث! نحن لم نكن نعرف تعويذة الرياح حينها! لقد سقطنا من الجرف ببساطة لأن الخرائط التي وزعوها علينا مقلوبة!”.

“إنها…” ارتجفت يده التي تمسك بالعصا السحرية بشكل ملحوظ. “إنها كذلك! الأدلة النصية والمخطوطات تؤكد أن جيشكم العظيم تراجع ببطء لإنهاك قوات العدو!”.

“لورد إغناطيوس” تدخل تيموثي بصوت ضعيف، محتمياً خلف عباءة ألكسندر “الأكاديمية تهدد بشن حملة تطهير سحرية شاملة علينا إذا لم تتوقف فوراً عن إرسال الرسائل التي تصف كبار باحثيهم بـ ‘حفنة من الهواة المتبلدين’ الذين لا يفرقون بين الرمح وعود تخليل الأسنان'”.

بدأ ألكسندر يزن ألكسندر خياراته وحساب تكلفة الصدام السحري مقارنة بالانصياع، ولكن قبل أن يتمكن من صياغة رد دبلوماسي لاذع يطرد فيه البروفيسور بذكاء، دُفع باب القاعة الثقيل بقوة هائلة حيث اقتحم إغناطيوس المكان حاملاً رزم المخطوطات بين ذراعيه العظميتين.

رفع إغناطيوس رأسه العظمي بشموخ عسكري ونفخ صدره الخالي من الرئتين “الحقيقة قاسية يا فتى. إذا لم يتمكنوا من تحمل وطأة الحقيقة المرة فعليهم ألا يتجرؤوا على كتابة التاريخ. أنا مصدر أولي حي أو ميت… لا يهم! أنا كنت هناك! أنا من كتب تقرير الخسائر الفادحة الذي ادعوا لاحقاً أنه ‘ضاع في الحريق المأساوي’. لم يضع في أي حريق بل أكلته عنزة قائد الإمدادات الجشع!”.

خطا ألكسندر خطوتين بسلاسة ووقف بين الهيكل العظمي الغاضب والأكاديمي المنهار.

في تلك اللحظة انخفضت درجة حرارة القبو فجأة حيث ظهرت إيزابيلا – منسلة عبر الجدار الصخري الكثيف. حمل وجهها الشفاف تعبيراً من الانزعاج الأرستقراطي العميق وكأنها شمت رائحة قمامة.

سجلت إيزابيلا التي تقف بجوار ألكسندر ملاحظات سريعة في دفتر صغير.

“يا سيدي” قالت إيزابيلا بصوت يتردد كحفيف الحرير البارد “وصل مبعوث رسمي فجأة ويقف الآن في القاعة الكبرى مطالبا بمقابلتك. إنه البروفيسور ثاديوس شخصياً، رئيس قسم التاريخ الحديث في الأكاديمية ومعه اثنان من الحراس السحريين ومذكرة جلب وتوقيف مع… الكثير من الغرور الأكاديمي المقيت”.

“هذا تشهير وتخريب مقصود! أنت تدمر التراث بأكمله! كيف سأواجه طلابي في المدرج إذا أخبرتهم أن أعظم جنرالات التاريخ فازوا بمحض الصدفة البحتة، وسوء الهضم، والأسقف المنهارة؟!” .

اظهر إغناطيوس ابتسامة واسعة أو بالأحرى اتسعت فجوة فكه العظمي بشكل مرعب.

“الإدارة الناجحة يا تيموثي لا تعني القضاء الجسدي على الأعداء كما يعتقد كالدور، بل هي إيجاد ثغرة ذكية لجعل أعدائك يقومون بالعمل الورقي نيابة عنك وبحماس أيضاً” أخذ ألكسندر رشفة بطيئة من قهوته “بالإضافة إلى ذلك كله وجدت للتو الدور الإداري المثالي لإغناطيوس”.

التقط لفة ضخمة من المخطوطات وطواها كبندقية تحت إبطه “ثاديوس؟ الدعيّ بنفسه يتجرأ على القدوم؟ ممتاز! أروني هذا الرجل. سأسحق مسيرته الأكاديمية الركيكة بالحواشي السفلية والمراجع الدامغة!”.

“الوثيقة 4 كتبها الملازم الجبان رولف! كما أنه كتبها وهو يختبئ مرتجفاً خلف شجرة بلوط محاولا بإستماتة إقناع القيادة العليا بأن تلوث المؤن هو خطة تمويه مدبرة وليس إهمالاً مباشراً منه! هل كلفت نفسك عناء مراجعة مذكرات طباخ الكتيبة؟ بالطبع لا! لأنكم في الأكاديمية المريحة تقرأون فقط ما يجعلكم تشعرون بالبطولة الزائفة، ولا تقرأون سجلات المطبخ والمراحيض العسكرية حيث يُصنع التاريخ الحقيقي والقذر!”.

“لا أحد سيسحق أحداً” قال ألكسندر بحزم قاطع رافعا يده ليوقف الجنرال المتحمس “سأتعامل مع هذا البروفيسور بأسلوبي. إغناطيوس، ابق هنا في القبو لا أريد أي احتكاك مادي يفسد دبلوماسيتي”.

استعاد ثاديوس رباطة جأشه بصعوبة بالغة ورفع عصاه السحرية موجهاً إياها نحو إغناطيوس “لن أقف هنا لحظة أخرى لأجادل بقايا استحضار أرواح فاسدة! أبحاثي نُشرت وتمت مراجعتها بعناية من قبل مجلس كبار السحرة والمؤرخين! أنت تدمر السردية التاريخية المجيدة لمملكتنا العظيمة!”.

“هذا ليس احتكاكاً مادياً يا سيدي!” صرخ إغناطيوس متجاوزاً ألكسندر ليتبعه صعوداً على الدرج وخطواته تطقطق بحدة “هذه مناظرة منهجية خالصة! والمناظرة الحقيقية تتطلب وجود الخصوم في نفس الغرفة وجهاً لوجه!”.

التقط لفة ضخمة من المخطوطات وطواها كبندقية تحت إبطه “ثاديوس؟ الدعيّ بنفسه يتجرأ على القدوم؟ ممتاز! أروني هذا الرجل. سأسحق مسيرته الأكاديمية الركيكة بالحواشي السفلية والمراجع الدامغة!”.

—

نهض ألكسندر من كرسيه، وشد عباءته السوداء حول كتفيه “خذني إليه فوراً”.

في القاعة الكبرى وقف البروفيسور ثاديوس متأملا المكان باشمئزاز. يبدو تماماً كما تتخيل أكاديميا لم تطأ قدماه ساحة معركة قط ويعيش منعزلاً في برج عاجي: ارتدى عباءة مخملية باهظة الثمن بلون عنابي، ووضع نظارة ذهبية صغيرة كما أنه امسك عصا سحرية في طرفها بلورة تضيء بوميض أزرق متغطرس، وقف خلفه حارسان صامتان بدروع فضية لامعة تخلو من أي خدش.

حمل الصباح في قلعة “الرعب الأبدي” طابعاً روتينياً كئيباً، متدثراً بضباب رمادي بارد يزحف فوق خندق المياه العكرة، وهو بالضبط نوع الهدوء الذي يفضله ألكسندر. لا أبطال يكسرون الأبواب بأحذيتهم المعدنية، ولا تنانين تشخر فوق الأبراج لتذيب قرميد السقف، ولا حتى أزمات عاطفية مبالغ فيها بين أطقم الدروع المسحورة. هدوء إداري ميت، لا يقطعه سوى الاحتكاك الجاف لريشة ألكسندر على ورق المعاملات. لكن هذا السكون المحسوب تحطم فجأة، عندما حُجب ضوء الشمس الشاحب الذي يتسلل بالكاد من نافذة المكتب القوطية العالية.

في الزاوية المقابلة وقف كالدور ساكناً قابضا في يده الضخمة على مقبض سيفه العظيم، مسحت نظراته المجوفة الحراس الفضيين وكأنه يقيم بصمت أيهم سيكون أسهل في التقطيع العرضي.

تحول وجه ثاديوس من الأحمر إلى الأرجواني الداكن وبدا وكأنه على وشك الإصابة بجلطة سحرية.

تقدم ألكسندر بخطوات هادئة ومتزنة، وعباءته تلتف حوله بهيبة “بروفيسور ثاديوس يا له من شرف غير متوقع إطلاقاً… إلى ماذا أعزو هذه الزيارة المفاجئة التي قاطعت أعمالنا الإدارية؟”.

في القاعة الكبرى وقف البروفيسور ثاديوس متأملا المكان باشمئزاز. يبدو تماماً كما تتخيل أكاديميا لم تطأ قدماه ساحة معركة قط ويعيش منعزلاً في برج عاجي: ارتدى عباءة مخملية باهظة الثمن بلون عنابي، ووضع نظارة ذهبية صغيرة كما أنه امسك عصا سحرية في طرفها بلورة تضيء بوميض أزرق متغطرس، وقف خلفه حارسان صامتان بدروع فضية لامعة تخلو من أي خدش.

توقفت عصا ثاديوس عن التلويح وعدل نظارته الذهبية محدقا في ألكسندر بازدراء مكشوف “أفترض أنك مدير هذا الخراب؟ سأختصر الأمر ولن أضيع وقتي الثمين، قلعتكم تؤوي كياناً مارقاً يتقمص شخصية القائد التاريخي العظيم إغناطيوس. هذا الكيان الخبيث يقوم بإمطار أكاديميتنا برسائل مزعجة مليئة بالافتراءات والتشكيك الوقح في أبحاث استغرقت منا سنوات طوال من المراجعات المنهجية المعقدة… جئنا لتسلمه لنا لتطهيره فوراً أو سنقوم بإغلاق هذه القلعة نهائياً بمرسوم ملكي عاجل”.

بدأ ألكسندر يزن ألكسندر خياراته وحساب تكلفة الصدام السحري مقارنة بالانصياع، ولكن قبل أن يتمكن من صياغة رد دبلوماسي لاذع يطرد فيه البروفيسور بذكاء، دُفع باب القاعة الثقيل بقوة هائلة حيث اقتحم إغناطيوس المكان حاملاً رزم المخطوطات بين ذراعيه العظميتين.

بدأ ألكسندر يزن ألكسندر خياراته وحساب تكلفة الصدام السحري مقارنة بالانصياع، ولكن قبل أن يتمكن من صياغة رد دبلوماسي لاذع يطرد فيه البروفيسور بذكاء، دُفع باب القاعة الثقيل بقوة هائلة حيث اقتحم إغناطيوس المكان حاملاً رزم المخطوطات بين ذراعيه العظميتين.

“سيدي، لقد حولت أزمة دبلوماسية كادت تودي بنا إلى حملة تطهير إلى صفقة نشر كتب مربحة” قال تيموثي بإنبهار مرهق وتنهيدة طويلة.

“كيان مارق يتقمص شخصية؟!” زأر إغناطيوس وخطى نحو البروفيسور بخطوات عسكرية غاضبة زلزلت الأرضية متجاهلاً تماماً الحراس الذين استلوا سيوفهم فوراً “أنا لا أتقمص شخصية أحد أيها الكاتب المكتبي الرخو ذو اليدين الناعمتين! أنا إغناطيوس فون كويل لحماً… أقصد عظماً ودماً! وأنت؟ أنت الرجل الكاذب الذي كتب في مجلده أن معركة الوادي الضيق هي ‘انتصار تكتيكي مبني على استراتيجية الاستنزاف العبقري!”.

تقدم ألكسندر بخطوات هادئة ومتزنة، وعباءته تلتف حوله بهيبة “بروفيسور ثاديوس يا له من شرف غير متوقع إطلاقاً… إلى ماذا أعزو هذه الزيارة المفاجئة التي قاطعت أعمالنا الإدارية؟”.

تراجع ثاديوس خطوة إلى الوراء مذهولاً من رؤية هيكل عظمي يرتدي زياً عسكرياً مهترئاً ويتحدث بلغة أكاديمية رصينة ومدمرة في آن واحد.

بدأ ألكسندر يزن ألكسندر خياراته وحساب تكلفة الصدام السحري مقارنة بالانصياع، ولكن قبل أن يتمكن من صياغة رد دبلوماسي لاذع يطرد فيه البروفيسور بذكاء، دُفع باب القاعة الثقيل بقوة هائلة حيث اقتحم إغناطيوس المكان حاملاً رزم المخطوطات بين ذراعيه العظميتين.

“إنها…” ارتجفت يده التي تمسك بالعصا السحرية بشكل ملحوظ. “إنها كذلك! الأدلة النصية والمخطوطات تؤكد أن جيشكم العظيم تراجع ببطء لإنهاك قوات العدو!”.

اتسعت عينا ثاديوس واحمر وجهه غضباً حتى كاد يضاهي لون عباءته، بدأ يمسح قطرات العرق الباردة التي تجمعت على جبينه “هذا مستحيل! هذا هراء محض! الوثيقة رقم 4 في أرشيف المكتبة الملكية تذكر بوضوح تام ‘حركة تكتيكية مدروسة لتخفيف الضغط على الميمنة’!”.

“كذبة غبية!” ألقى إغناطيوس إحدى اللفافات الثقيلة على الأرض وركلها بقدمه العظمية باشمئزاز “تراجعنا ببطء مقيت لأن 50% من الجنود أُصيبوا بتسمم غذائي حاد بعد تناول لحم غرير فاسد من مؤن المعسكر القذرة! كنا نسير ببطء لأننا لم نكن نستطيع الركض دون… حسناً دون فقدان ما تبقى من كرامتنا داخل دروعنا الحديدية! لقد كان انسحاباً اضطرارياً بسبب عسر الهضم الجماعي وليس استنزافاً استراتيجياً عبقرياً!”.

راقب ألكسندر تحفته الدبلوماسية من بعيد مع تيموثي بجانبه والذي يحمل كوباً ساخناً من القهوة بعينان لا تزالان تحملان آثار الصدمة.

اتسعت عينا ثاديوس واحمر وجهه غضباً حتى كاد يضاهي لون عباءته، بدأ يمسح قطرات العرق الباردة التي تجمعت على جبينه “هذا مستحيل! هذا هراء محض! الوثيقة رقم 4 في أرشيف المكتبة الملكية تذكر بوضوح تام ‘حركة تكتيكية مدروسة لتخفيف الضغط على الميمنة’!”.

صمت ثاديوس رغماً عنه والتزم الحراس الصمت التام مشدودين.

“الوثيقة 4 كتبها الملازم الجبان رولف! كما أنه كتبها وهو يختبئ مرتجفاً خلف شجرة بلوط محاولا بإستماتة إقناع القيادة العليا بأن تلوث المؤن هو خطة تمويه مدبرة وليس إهمالاً مباشراً منه! هل كلفت نفسك عناء مراجعة مذكرات طباخ الكتيبة؟ بالطبع لا! لأنكم في الأكاديمية المريحة تقرأون فقط ما يجعلكم تشعرون بالبطولة الزائفة، ولا تقرأون سجلات المطبخ والمراحيض العسكرية حيث يُصنع التاريخ الحقيقي والقذر!”.

“تيموثي!” نادى ألكسندر دون أن يرفع صوته، ودون أن يرمش.

تدخل ألكسندر رافعاً يده بهدوء ليسيطر على المشهد “يا سادة أرجوكم… كالدور، توقف عن تشجيع إغناطيوس بإيماءاتك”.

“هراء! تدليس! خيانة لا تُغتفر للأمانة العلمية!” صرخ الهيكل العظمي بصوت جاف يشبه تمزيق الورق القديم، وهو ينقر بريشته بقوة كادت تثقب الرق “كيف يجرؤ هذا المعتوه المسمى ‘البروفيسور ثاديوس’ على ادعاء أن ‘تكتيك الكماشة’ هو سبب انتصارنا المجيد في معركة التلال الوحلية؟! لم تكن هناك أي كماشة! لقد كنا ضائعين تماماً في ضباب كثيف، وكالدور الأحمق تعثر بسبب بقرة شاردة مما أدى إلى انهيار صخري أباد طليعة العدو بطريق الخطأ! هذا ليس تكتيكاً عسكرياً، هذا غباء جيولوجي بحت!”.

زمجر كالدور الذي يقف في الخلف ويومئ برأسه بحماس شديد لكل كلمة يتفوه بها المؤرخ العظمي بخيبة أمل مكتومة “ولكنه محق تماماً يا سيدي! التاريخ يكتبه المنتصرون، أو في حالتنا المأساوية يكتبه الذين نجوا بأعجوبة من التسمم الغذائي!”.

“هذا ليس احتكاكاً مادياً يا سيدي!” صرخ إغناطيوس متجاوزاً ألكسندر ليتبعه صعوداً على الدرج وخطواته تطقطق بحدة “هذه مناظرة منهجية خالصة! والمناظرة الحقيقية تتطلب وجود الخصوم في نفس الغرفة وجهاً لوجه!”.

استعاد ثاديوس رباطة جأشه بصعوبة بالغة ورفع عصاه السحرية موجهاً إياها نحو إغناطيوس “لن أقف هنا لحظة أخرى لأجادل بقايا استحضار أرواح فاسدة! أبحاثي نُشرت وتمت مراجعتها بعناية من قبل مجلس كبار السحرة والمؤرخين! أنت تدمر السردية التاريخية المجيدة لمملكتنا العظيمة!”.

اتسعت عينا ثاديوس لأن الجشع الأكاديمي والرغبة العارمة في احتكار سوق النشر تفوقا في لحظة على غضبه المنهجي.

“السردية التاريخية!” سخر إغناطيوس بمرارة مقترباً بخطوة واسعة حتى لامس وجهه العظمي البارد أنف ثاديوس المحتقن “في الفصل 12 وصفت خطابي الحماسي قبل معركة الحصن الأسود بأنه ‘خطبة ملحمية أشعلت نار الشجاعة التي لا تنطفئ في القلوب’… هل تريد أن تعرف ماذا قلت لرجالي حقاً في ذلك الصباح الملعون؟”.

“إنها…” ارتجفت يده التي تمسك بالعصا السحرية بشكل ملحوظ. “إنها كذلك! الأدلة النصية والمخطوطات تؤكد أن جيشكم العظيم تراجع ببطء لإنهاك قوات العدو!”.

صمت ثاديوس رغماً عنه والتزم الحراس الصمت التام مشدودين.

حمل الصباح في قلعة “الرعب الأبدي” طابعاً روتينياً كئيباً، متدثراً بضباب رمادي بارد يزحف فوق خندق المياه العكرة، وهو بالضبط نوع الهدوء الذي يفضله ألكسندر. لا أبطال يكسرون الأبواب بأحذيتهم المعدنية، ولا تنانين تشخر فوق الأبراج لتذيب قرميد السقف، ولا حتى أزمات عاطفية مبالغ فيها بين أطقم الدروع المسحورة. هدوء إداري ميت، لا يقطعه سوى الاحتكاك الجاف لريشة ألكسندر على ورق المعاملات. لكن هذا السكون المحسوب تحطم فجأة، عندما حُجب ضوء الشمس الشاحب الذي يتسلل بالكاد من نافذة المكتب القوطية العالية.

“قلت لهم بصريح العبارة: ‘إذا لم نخرج من هذا الحصن اللعين الآن ونقتل أولئك الأوغاد في الخارج فإن سقف هذا المبنى المتداعي سيسقط على رؤوسنا جميعاً لأن قسم الصيانة الفاسد سرق ميزانية الترميم!’… لم تكن شجاعة أسطورية بل هروباً يائساً إلى الأمام للنجاة من سقف آيل للسقوط!”.

تراجع ثاديوس خطوة إلى الوراء مذهولاً من رؤية هيكل عظمي يرتدي زياً عسكرياً مهترئاً ويتحدث بلغة أكاديمية رصينة ومدمرة في آن واحد.

سجلت إيزابيلا التي تقف بجوار ألكسندر ملاحظات سريعة في دفتر صغير.

“فكّر في الأمر كرجل أعمال ومؤلف يسعى للمجد” ابتسم ألكسندر ببرود وعيناه تلمعان بمكر التجارة “ما الذي يحقق أعلى نسب مبيعات في أسواق الأكاديميات اليوم؟ ‘النسخ المنقحة بشدة’ و’الكشف المثير والمحرم’… ماذا لو قمنا بإنشاء شراكة غير معلنة؟ اللورد إغناطيوس سيكف تماماً عن إرسال رسائل التهديد المحرجة، وبدلاً من ذلك سيتعاون معك حصرياً لتأليف كتاب جديد وصادم بعنوان: ‘التاريخ الخفي: اعترافات الجنرال إغناطيوس الصادمة’. أنت تضع اسمك الرنان كمحرر مشارك وناشر رسمي محتكرا هذه المعلومات التاريخية الحصرية التي ستزلزل الأوساط العلمية”.

“بصراحة يا سي.ي” همست بإعجاب حقيقي “هذا الرجل يمتلك موهبة نادرة ورائعة في تدمير الأوهام… أحبه بالفعل”.

زمجر كالدور الذي يقف في الخلف ويومئ برأسه بحماس شديد لكل كلمة يتفوه بها المؤرخ العظمي بخيبة أمل مكتومة “ولكنه محق تماماً يا سيدي! التاريخ يكتبه المنتصرون، أو في حالتنا المأساوية يكتبه الذين نجوا بأعجوبة من التسمم الغذائي!”.

تحول وجه ثاديوس من الأحمر إلى الأرجواني الداكن وبدا وكأنه على وشك الإصابة بجلطة سحرية.

“الإدارة الناجحة يا تيموثي لا تعني القضاء الجسدي على الأعداء كما يعتقد كالدور، بل هي إيجاد ثغرة ذكية لجعل أعدائك يقومون بالعمل الورقي نيابة عنك وبحماس أيضاً” أخذ ألكسندر رشفة بطيئة من قهوته “بالإضافة إلى ذلك كله وجدت للتو الدور الإداري المثالي لإغناطيوس”.

“هذا تشهير وتخريب مقصود! أنت تدمر التراث بأكمله! كيف سأواجه طلابي في المدرج إذا أخبرتهم أن أعظم جنرالات التاريخ فازوا بمحض الصدفة البحتة، وسوء الهضم، والأسقف المنهارة؟!” .

سجلت إيزابيلا التي تقف بجوار ألكسندر ملاحظات سريعة في دفتر صغير.

“ستخبرهم بالحقيقة المجردة!” قرقع إغناطيوس بصوت ملأ القاعة “الحرب ليست شعراً رومانسياً أو لوحة زيتية نظيفة تُعلق في متحفك! الحرب هي الفوضى المطلقة، الطين، الغباء الإداري المتفشي، ومحاولة النجاة البائسة من قرارات القادة الحمقى الذين يجلسون في خيام مريحة… مثلكم تماماً!”.

“تيموثي!” نادى ألكسندر دون أن يرفع صوته، ودون أن يرمش.

راقب ألكسندر المشهد بعين خبير فقد أدرك أن الموقف خرج تماماً عن السيطرة العادية لكن بطريقة عبقرية قابلة للاستثمار، كاد ثاديوس يبكي بينما حراسه يقفون في حيرة تامة غير قادرين قانونياً على استخدام السيف لتبرير حجة تاريخية فندها مصدر حي.

“هراء! تدليس! خيانة لا تُغتفر للأمانة العلمية!” صرخ الهيكل العظمي بصوت جاف يشبه تمزيق الورق القديم، وهو ينقر بريشته بقوة كادت تثقب الرق “كيف يجرؤ هذا المعتوه المسمى ‘البروفيسور ثاديوس’ على ادعاء أن ‘تكتيك الكماشة’ هو سبب انتصارنا المجيد في معركة التلال الوحلية؟! لم تكن هناك أي كماشة! لقد كنا ضائعين تماماً في ضباب كثيف، وكالدور الأحمق تعثر بسبب بقرة شاردة مما أدى إلى انهيار صخري أباد طليعة العدو بطريق الخطأ! هذا ليس تكتيكاً عسكرياً، هذا غباء جيولوجي بحت!”.

خطا ألكسندر خطوتين بسلاسة ووقف بين الهيكل العظمي الغاضب والأكاديمي المنهار.

حمل الصباح في قلعة “الرعب الأبدي” طابعاً روتينياً كئيباً، متدثراً بضباب رمادي بارد يزحف فوق خندق المياه العكرة، وهو بالضبط نوع الهدوء الذي يفضله ألكسندر. لا أبطال يكسرون الأبواب بأحذيتهم المعدنية، ولا تنانين تشخر فوق الأبراج لتذيب قرميد السقف، ولا حتى أزمات عاطفية مبالغ فيها بين أطقم الدروع المسحورة. هدوء إداري ميت، لا يقطعه سوى الاحتكاك الجاف لريشة ألكسندر على ورق المعاملات. لكن هذا السكون المحسوب تحطم فجأة، عندما حُجب ضوء الشمس الشاحب الذي يتسلل بالكاد من نافذة المكتب القوطية العالية.

“بروفيسور ثاديوس” قال ألكسندر بصوت بارد وحازم يحمل نبرة مفاوض لا يُهزم “يبدو أننا وصلنا إلى مأزق منهجي خطير، أنت تمتلك السلطة الأكاديمية والغطاء الرسمي ونحن نمتلك المصدر الأولي شخصياً… يمكننا بالتأكيد أن ندخل في حرب قانونية وسحرية مدمرة للطرفين ولكن كعقلين راجحين ما رأيك في تسوية براغماتية تفيد كلا الجانبين؟”.

تقدم ألكسندر بخطوات هادئة ومتزنة، وعباءته تلتف حوله بهيبة “بروفيسور ثاديوس يا له من شرف غير متوقع إطلاقاً… إلى ماذا أعزو هذه الزيارة المفاجئة التي قاطعت أعمالنا الإدارية؟”.

رمش ثاديوس وعصاه تنخفض قليلاً “تسوية؟ أي تسوية ممكنة مع هذا الـ… المنظر الرجعي الذي يريد هدم كل شيء؟”.

توقف إغناطيوس عن الكتابة والتفت بحدة نحو ألكسندر. محدقا فيه عبر نظارته النصفية بعينين تشتعلان بلهب أزرق خافت “أنت مدير هذه المنشأة المتداعية؟ ممتاز! أريد حبراً سرياً إضافياً وميزانية طارئة لاستئجار غرابين من فئة ‘التوصيل السريع للموتى’. هذه البومات التابعة للأكاديمية بطيئة جداً ومثيرة للشفقة. يجب أن أرد على هذا المقال المنشور في ‘دورية التاريخ السحري’ قبل صدور العدد القادم وإلا ستموت الحقيقة!”.

“فكّر في الأمر كرجل أعمال ومؤلف يسعى للمجد” ابتسم ألكسندر ببرود وعيناه تلمعان بمكر التجارة “ما الذي يحقق أعلى نسب مبيعات في أسواق الأكاديميات اليوم؟ ‘النسخ المنقحة بشدة’ و’الكشف المثير والمحرم’… ماذا لو قمنا بإنشاء شراكة غير معلنة؟ اللورد إغناطيوس سيكف تماماً عن إرسال رسائل التهديد المحرجة، وبدلاً من ذلك سيتعاون معك حصرياً لتأليف كتاب جديد وصادم بعنوان: ‘التاريخ الخفي: اعترافات الجنرال إغناطيوس الصادمة’. أنت تضع اسمك الرنان كمحرر مشارك وناشر رسمي محتكرا هذه المعلومات التاريخية الحصرية التي ستزلزل الأوساط العلمية”.

“فكّر في الأمر كرجل أعمال ومؤلف يسعى للمجد” ابتسم ألكسندر ببرود وعيناه تلمعان بمكر التجارة “ما الذي يحقق أعلى نسب مبيعات في أسواق الأكاديميات اليوم؟ ‘النسخ المنقحة بشدة’ و’الكشف المثير والمحرم’… ماذا لو قمنا بإنشاء شراكة غير معلنة؟ اللورد إغناطيوس سيكف تماماً عن إرسال رسائل التهديد المحرجة، وبدلاً من ذلك سيتعاون معك حصرياً لتأليف كتاب جديد وصادم بعنوان: ‘التاريخ الخفي: اعترافات الجنرال إغناطيوس الصادمة’. أنت تضع اسمك الرنان كمحرر مشارك وناشر رسمي محتكرا هذه المعلومات التاريخية الحصرية التي ستزلزل الأوساط العلمية”.

اتسعت عينا ثاديوس لأن الجشع الأكاديمي والرغبة العارمة في احتكار سوق النشر تفوقا في لحظة على غضبه المنهجي.

راقب ألكسندر المشهد بعين خبير فقد أدرك أن الموقف خرج تماماً عن السيطرة العادية لكن بطريقة عبقرية قابلة للاستثمار، كاد ثاديوس يبكي بينما حراسه يقفون في حيرة تامة غير قادرين قانونياً على استخدام السيف لتبرير حجة تاريخية فندها مصدر حي.

“كتاب جديد… بوثائق حصرية غير مسبوقة… وتفكيك جريء للسرديات الكلاسيكية… هذا… هذا قد يضمن لي رئاسة الأكاديمية لعقود قادمة!”.

“الوثيقة 4 كتبها الملازم الجبان رولف! كما أنه كتبها وهو يختبئ مرتجفاً خلف شجرة بلوط محاولا بإستماتة إقناع القيادة العليا بأن تلوث المؤن هو خطة تمويه مدبرة وليس إهمالاً مباشراً منه! هل كلفت نفسك عناء مراجعة مذكرات طباخ الكتيبة؟ بالطبع لا! لأنكم في الأكاديمية المريحة تقرأون فقط ما يجعلكم تشعرون بالبطولة الزائفة، ولا تقرأون سجلات المطبخ والمراحيض العسكرية حيث يُصنع التاريخ الحقيقي والقذر!”.

“بالضبط” أومأ ألكسندر مؤكداً انتصاره “وإغناطيوس يحصل في المقابل على منصة رسمية محترمة لنشر حقيقته المرة دون أن تهاجمنا البومات كل صباح” التفت ألكسندر نحو المؤرخ العظمي الذي يراقب الحوار بشك “ما رأيك يا إغناطيوس؟ نشر رسمي مع مراجعة كاملة وفصل مخصص لشتم طباخ الكتيبة وتوثيق إهماله في معركة التلال الوحلية؟”.

تراجع ثاديوس خطوة إلى الوراء مذهولاً من رؤية هيكل عظمي يرتدي زياً عسكرياً مهترئاً ويتحدث بلغة أكاديمية رصينة ومدمرة في آن واحد.

فرك إغناطيوس ذقنه العظمي بحركة تفكير عميقة وصوت العظام الخشن يملأ الصمت “هل يمكنني التدخل في اختيار نوع الخط المستخدم للطباعة؟ أريد أن تكون الحواشي السفلية بحجم خط واضح جداً، لا أريد أن يتهرب أي قارئ كسول من قراءة التفاصيل المملة لتوريد الدروع المصدأة والصفقات المشبوهة”.

اتسعت عينا ثاديوس واحمر وجهه غضباً حتى كاد يضاهي لون عباءته، بدأ يمسح قطرات العرق الباردة التي تجمعت على جبينه “هذا مستحيل! هذا هراء محض! الوثيقة رقم 4 في أرشيف المكتبة الملكية تذكر بوضوح تام ‘حركة تكتيكية مدروسة لتخفيف الضغط على الميمنة’!”.

“لك كل ذلك مع ورق من النوع الفاخر أيضاً” أجاب ألكسندر بثقة.

سجلت إيزابيلا التي تقف بجوار ألكسندر ملاحظات سريعة في دفتر صغير.

في غضون نصف ساعة فقط تبدل المشهد في القاعة جذرياً.

“إغناطيوس” قال ألكسندر بنبرة هادئة ومدروسة محاولا السيطرة على مجريات الموقف “أنا أقدر جداً شغفك النبيل بالدقة التاريخية ولكن يبدو أنك أرسلت ما يقرب من 300 رسالة تصحيح لاذعة إلى الأكاديمية الملكية خلال ليلة واحدة”.

جلس ثاديوس وإغناطيوس جنباً إلى جنب على الطاولة الكبيرة، يتجادلان بحماس وحيوية حول ترتيب العناوين الفرعية للفصول. العداء الشرس تحول إلى تعاون استغلالي متبادل؛ هذه ولادة للكابوس الأكاديمي المثالي.

“تيموثي!” نادى ألكسندر دون أن يرفع صوته، ودون أن يرمش.

راقب ألكسندر تحفته الدبلوماسية من بعيد مع تيموثي بجانبه والذي يحمل كوباً ساخناً من القهوة بعينان لا تزالان تحملان آثار الصدمة.

في الزاوية المقابلة وقف كالدور ساكناً قابضا في يده الضخمة على مقبض سيفه العظيم، مسحت نظراته المجوفة الحراس الفضيين وكأنه يقيم بصمت أيهم سيكون أسهل في التقطيع العرضي.

“سيدي، لقد حولت أزمة دبلوماسية كادت تودي بنا إلى حملة تطهير إلى صفقة نشر كتب مربحة” قال تيموثي بإنبهار مرهق وتنهيدة طويلة.

رفع ألكسندر عينيه ببطء عن ميزانية الصيانة، ليجد أن زجاج النافذة قد غُطي بالكامل بسرب ضخم من البوم الرمادي. لم تكن طيوراً عادية؛ أعينها محاطة بنظارات طبية نحاسية صغيرة، وتحمل في مناقيرها رسائل ثقيلة مختومة بالشمع الأحمر الزاهي. بدأت الطيور تنقر على الزجاج بعصبية وإيقاع متزامن ومزعج، يشبه تماماً نقر أصابع دائن نفد صبره على الطاولة.

“الإدارة الناجحة يا تيموثي لا تعني القضاء الجسدي على الأعداء كما يعتقد كالدور، بل هي إيجاد ثغرة ذكية لجعل أعدائك يقومون بالعمل الورقي نيابة عنك وبحماس أيضاً” أخذ ألكسندر رشفة بطيئة من قهوته “بالإضافة إلى ذلك كله وجدت للتو الدور الإداري المثالي لإغناطيوس”.

اتسعت عينا ثاديوس لأن الجشع الأكاديمي والرغبة العارمة في احتكار سوق النشر تفوقا في لحظة على غضبه المنهجي.

“هل سيعود إلى أرشيف القلعة في القبو؟”.

اتسعت عينا ثاديوس لأن الجشع الأكاديمي والرغبة العارمة في احتكار سوق النشر تفوقا في لحظة على غضبه المنهجي.

“لا، هذا تضييع فادح لموهبته التدميرية! منذ اليوم سيحمل إغناطيوس لقب ‘المبعوث السامي للتفاوض البيروقراطي والدفاع الإداري’. أي شكوى نتلقاها او تفتيش مفاجئ أو أي مفتش غبي يجرؤ على دخول قلعتنا ليجادل حول قوانين البناء العتيقة أو التهرب الضريبي، سأرسل له إغناطيوس ليحاضره بلا رحمة لمدة 6 ساعات متواصلة عن تاريخ صناعة الطوب في العهد الثاني حتى يفقد الرغبة في الحياة ويهرب باكياً”.

“إنها…” ارتجفت يده التي تمسك بالعصا السحرية بشكل ملحوظ. “إنها كذلك! الأدلة النصية والمخطوطات تؤكد أن جيشكم العظيم تراجع ببطء لإنهاك قوات العدو!”.

اظهر تيموثي ابتسامة خفيفة وبدأ لونه يعود لطبيعته “إنه بمثابة سلاح حصار إداري شامل يا سيدي”.

فرك إغناطيوس ذقنه العظمي بحركة تفكير عميقة وصوت العظام الخشن يملأ الصمت “هل يمكنني التدخل في اختيار نوع الخط المستخدم للطباعة؟ أريد أن تكون الحواشي السفلية بحجم خط واضح جداً، لا أريد أن يتهرب أي قارئ كسول من قراءة التفاصيل المملة لتوريد الدروع المصدأة والصفقات المشبوهة”.

“بالضبط! والآن…” التفت ألكسندر بعباءته السوداء ليعود أدراجه إلى مكتبه الهادئ “أخبر قسم التعذيب أن ميزانية الفحم التي رفضوها بالأمس تم تحويلها اليوم لشراء أطنان من الورق والحبر الفاخر، إذا أرادوا التعبير عن غضبهم من القرار فليكتبوا مقالاً نقدياً وينشروه ليراجعه إغناطيوس”.

“قلت لهم بصريح العبارة: ‘إذا لم نخرج من هذا الحصن اللعين الآن ونقتل أولئك الأوغاد في الخارج فإن سقف هذا المبنى المتداعي سيسقط على رؤوسنا جميعاً لأن قسم الصيانة الفاسد سرق ميزانية الترميم!’… لم تكن شجاعة أسطورية بل هروباً يائساً إلى الأمام للنجاة من سقف آيل للسقوط!”.

–+–

“لك كل ذلك مع ورق من النوع الفاخر أيضاً” أجاب ألكسندر بثقة.

 

في تلك اللحظة انخفضت درجة حرارة القبو فجأة حيث ظهرت إيزابيلا – منسلة عبر الجدار الصخري الكثيف. حمل وجهها الشفاف تعبيراً من الانزعاج الأرستقراطي العميق وكأنها شمت رائحة قمامة.

“سيدي، لقد حولت أزمة دبلوماسية كادت تودي بنا إلى حملة تطهير إلى صفقة نشر كتب مربحة” قال تيموثي بإنبهار مرهق وتنهيدة طويلة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط