طوال أسبوعين كاملين، انطوى آزر داخل غرفته المظلمة.
لم يطأ الباب بقدمه قط، ولم يعرِ أدنى اهتمام لتلك الصرخات والشتائم المتوحشة التي كانت تنهال على بابه الخشبي من الخارج.
كان التلاميذ يتوافدون كل يوم، يتناوبون على قذف الحجارة والعبارات البذيئة، متهمين إياه بالجبن والهروب من المواجهة، بينما كان هو جالساً على حصيرة الصمت في عتمة الغرفة، يغوص في أعماق تأمله، ويصقل مساراته المنهكة ببطء شديد، محولاً تلك العزلة إلى بوتقة لقسوة روحه وصلابتها.
وفي اليوم الخامس عشر، وسط سكون الظهيرة.. انفتح الباب ببطء.
دخلت يوري وعيناها محمرتان من كثرة البكاء، لكنها توقفت مكانها فجأة..
وحين فتح آزر عينيه، سرت في عمودها الفقري قشعريرة مرعبة ونافذة؛
لم تكن تلك نظرة إنسان محاصر، بل نظرة مفترس انهى لتوّه سباته الطويل.
— إذاً.. هل حان الوقت؟
سأل آزر ببرود وهو ينهض ببطء متزن.
اومأت يوري برأسها بخفة وهي تعض شفتها بأسى، قبل أن يسألها بنبرة جافة:
— هل وجدتي أي شيء؟
ردت بصوت خفيض ونبرة متألمة:
— إنه تلميذ عادي بدون أي خلفية.
انضم للطائفة منذ سنوات مع أخته، وشق طريقه بالقوة، حتى وصل إلى التكوين وأصبح تلميذاً داخلياً.
عقد آزر حاجبيه مفكراً في صمت، قبل أن تستطرد يوري بسرعة:
— لكن.. لقد عرفت من أبي أن أخته في الذروة، ومريضة منذ فترة طويلة.
وكان منغ يبحث منذ أشهر عن أي علاج لها، وجلب العديد من الأطباء، لكن لا أحد استطاع مساعدتها.
لمعت في عيني آزر وميض مظلم، وابتسم ببرود خفي.
أمسك بمعصمها وفتح الباب، لكن لم يكن في الممر أحد؛ فقد ذهب الجميع مبكراً إلى ساحة المسابقة الكبرى في الجبل الخارجي.
وما إن وصلا إلى أطراف الساحة حتى استقبلهما طوفان من الهمس والشتائم:
— انظروا.. لقد وصل الجبان!
— يختبئ خلف ابنة الشيخ لاو.. ياله من حقير!
— أهذا هو نفس الشخص الذي قتل الحارسين؟ إنه مجرد حثالة لا يجيد سوى الاختباء خلف النساء!
تجاهل آزر تلك الأصوات تماماً، وكأنها هواء عابر لا قيمة له، حتى علت صرخة حادة قطعت الهواء:
— صمتاً!
صعد المعلم المشرف إلى المنصة العالية، فهبط الصمت تدريجياً على الحشود المتراصة.
ترنح المعلم، وبنبرة جافة أعلن:
— اليوم سنبدأ الحدث الأفضل لكم في السنة.. مسابقة الجبل الخارجي!
ستتقاتلون جميعاً فيما بينكم، وفقط المراكز الثلاثة الأولى من سيدخلون بركة المدد الروحي!
هتف تلميذ من الصفوف الخلفية بذهول:
— إذن.. ألن يحصل الباقون على أي شيء؟
شخر المعلم ببرود قاسي وهو يرمقه بازدراء:
— أتظن أنكم مهمون؟ أنتم مجرد حثالة خارجية!
— فلا تحلموا بأي شيء إن لم تستطيعوا حتى الوصول إلى المراكز الثلاثة الأولى.
ابتلع التلميذ ريقه بصعوبة وتراجع صامتاً.
أكمل المعلم بنبرة ذات مغزى، وهو يرمق زاوية من الساحة بنظرة جانبية خاطفة قبل أن يثبت عينيه على آزر:
— وقبل أن نبدأ.. يُمنع القتل قطعاً.
أدرك آزر المغزى في الحال؛
فالأمر لم يكن مجرد مسابقة عادية، بل فخٌ مدروس.
ذاك المعلم كان هو نفسه صاحب الضغينة القديمة، والتابع المخلص للشيخ فينغ.
لم تكن الصدفة وحدها هي ما جمعت هؤلاء؛ فبينما تخلص آزر من تشو فينغ وآرون وقائد وادي الأنياب، شعر الآن بوجود سبعة هالات كاملة في مرحلة الذروة، وأكثر من اثنتي عشرة هالة في مرحلة الاستقرار تحيط به من كل جانب.
لا يعلم إن كان هذا ترتيباً مقصوداً من الطائفة أم أن هؤلاء التلاميذ قد خرجوا للتو من عزلتهم، لكن النتيجة واحدة:
فالجميع هنا يريد رأسه.
— والآن لنبدأ.. ليتقدم كل تلميذ ويسحب ورقة تحمل رقماً، وكل ورقة توجد لها اخرى مطابقة لها تماماً.
— سأنادي الأرقام بالترتيب، وكل اثنين يحملان الرقم ذاته سيصعدان إلى ساحة القتال.
مرت المواجهات تباعاً وسط أصوات الضربات وصيحات التشجيع، حتى نادى المعلم بصوت أجش:
— رقم اربعة وثلاثون.. تقدما.
تقدم آزر بهدوء متزن..
وكما توقع، برز من بين الصفوف خصمه؛ تلميذ يرتدي ثوباً أزرق داكناً، بشعر قرمزي طويل ينسدل على كتفيه، وعينين حادتين تنبع فيهما نية القتل، وبشرة بيضاء نقية ترتسم على شفتيه ابتسامة واثقة.
وقبل أن يخطو آزر نحو الساحة، امتدت يد يوري وأمسكت بطرف ردائه بقوة، وكانت عيناها ممتلئتين برهبة خوف عميق.
التفت آزر، وربت برفق على رأسها بابتسامة خفيفة، ثم تجاوزها ودخل الساحة.
صاح المعلم بصوت مسموع:
— آزر، موباي.. أذّكركم للمرة الأخيرة
— يُمنع القتل، وإذا قال الخصم “أنا انسحب”، يُمنع تماماً استئناف المعركة تحت أي ظرف!
اومأ الاثنان، بينما تبادل المعلم وموباي نظرة خاطفة التقطها آزر بحدقة عينه.
— فليبدأ القتال!
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.