الرجل الذي جلس في النعش أمامه لم يكن شبحًا.
بل أول مسؤول في مدينة داتشانغ، فنغ تشيوان.
كان قد اختفى من قبل بسبب حادثة قرية هوانغ قانغ الخارقة، وبحسب الزمن فقد مضى على اختفائه أكثر من ثلاثة أشهر.
وبقي فنغ تشيوان حيًّا بعد هذا الغياب الطويل.
وهذا بحد ذاته أمر لا يُصدَّق.
فلو عاش أي شخص وحده كل هذه المدة في قرية الأشباح المرعبة لمات منذ زمن.
ورغم أن يانغ جيان لا يعرف كيف بقي فنغ تشيوان حيًّا، فلا بال له بهذا الآن.
وأمام مساءلة يانغ جيان.
قال فنغ تشيوان بهدوء: «في الحقيقة أبلغت المقر العام بما يجري هنا. لو تحركتم فيجب أن تكونوا قد حصلتم على ذلك الملف، وكل من قرأه يعرف حالتي… وبصراحة، لا أستطيع في حالتي هذه أن أخبركم بنفسي. لا أقدر إلا على التحكم بالقرويين بصعوبة وإعطائكم تلميحًا، لكن هذا التحكم هش، فحالتي الآن سيئة جدًا.»
«ثم إنني لم أكن واثقًا في البداية من الغاية الحقيقية التي جاءت بجماعة من مروّضي الأشباح إلى هنا.»
«أما تلك العجوز، فأنا من وجّهها إلى هناك فعلًا. وذلك السعال لم يكن تضليلًا متعمدًا، بل تنبيهًا إلى أن أحدًا يساعدكم وليس عدوًا لكم، لتتجه أنظاركم إلى ذلك الشبح لا إليّ.»
«لكن للأسف، أخطأتم فهم قصدي.»
قال يانغ جيان بشيء من الغضب: «لا تُلقِ التبعة كلها على غيرك وتنتهي. في الواقع لولا تنبيهك لما علمت أصلًا بوجود شخص مثلك هنا. وقد قرأت ذلك الملف، وفيه حذف، ومُسحت منه المعلومات الأساسية.»
«تبدو كأنك تساعدني بنية حسنة، وفي الحقيقة ضلّلت تفكيري. كان يكفيني أن أواجه شبحًا واحدًا، ووجودك جعل هذه الحادثة شديدة التعقيد.»
اعتذر فنغ تشيوان، لكن وجهه ظل باردًا كعادته ولا أثر فيه للأسف: «آسف، هذا ما لم أتوقعه.»
قال يانغ جيان مرة أخرى: «لم تتوقعه؟ أم أنك أردت فعلًا أن تقضي علينا جميعًا؟ سبق أن جئت إلى قاعة العزاء مرة وحاولت فتح النعش، فمنعتني.»
«أنت لا تريد أن أفتح النعش. مما تخاف؟ من أن يقتلك شبح شرس؟»
«أظن أن المكان الآمن الوحيد في هذه القرية هو داخل هذا النعش.»
نظر إليه فنغ تشيوان نظرة مخدرة، ولم يقدّم تفسيرًا، واكتفى بالقول: «السبب الذي يمنعني من مغادرة النعش ليس خوفي من الموت، بل أنني لا أسمح للشبح الذي في الخارج بالعودة إلى النعش.»
«ما إن يدخله حتى يرتفع مستوى رعبه إلى حد لا يُتصور.»
«ليس قرية فقط، بل مدينة كاملة ستسقط. وإن كان ظهوركم سيفسد الأمر، فقد يكون الموت هنا خيارًا لا بأس به. حين فتحت النعش كان ذلك الشبح بجانبك، ولم أستطع المخاطرة.»
سمع يانغ جيان ذلك، فامتزج غضبه ببرد في قلبه.
حين فتح النعش حينها كان الشبح الضاري بجانبه؟
«مستحيل. حين فتحت النعش أول مرة لم يكن في قاعة العزاء شبح. لقد تفقدت المكان.»
ردّ فنغ تشيوان بسؤال: «هل أنت متأكد أنك تفقدت فعلًا؟»
أدرك يانغ جيان فجأة شيئًا، فنظر إلى الصورة على طاولة القرابين.
في تلك اللحظة لم تعد في إطار الصورة صورة… صار فارغًا. وكانت الصورة سليمة عند دخول القرية.
كانت لشاب وسيم.
«الصورة؟»
أدرك ذلك فجأة، وحدّق بالإطار الفارغ بإمعان.
«الرجل الذي في الصورة هو… الشبح؟»
قال فنغ تشيوان: «بالضبط، إنه شبح، وهو يلازم هذا النعش دائمًا. حيثما وُضع النعش وُضعت الصورة، ولا أستطيع التخلص منه… لذلك كان الشبح ينظر إليك وأنت تفتح النعش.»
«كان ينتظر فرصة، فرصة لفتح النعش. وما إن يدخله حتى أموت أنا وتموت أنت ويموت كل من هنا. لو كنت مكاني، هل كنت تسمح بفتحه؟»
«ثم إنك جلست في قاعة العزاء ليلة كاملة ولم تُقتل، لا لأن القاعة آمنة، بل لأنني كنت في النعش… فلم تكن منفردًا حينها، ولم يجد الشبح فرصة لمهاجمتك.»
«لا بد أن أقول إنك ذكي. أخطأت في التخمين لكن النتيجة صحيحة. قاعة العزاء أخطر مكان وأأمنه معًا. الشبح فيها وأنا فيها، وما دمت لا تتهور فأنت آمن مؤقتًا.»
«قلت كل ما عندي. هل بقي لديك سؤال؟ وإن لم يبق، فأظن أننا نستطيع أن نتعاون لحبس ذلك الشبح وحل حادثة قرية هوانغ قانغ نهائيًا.»
اضطربت مشاعر يانغ جيان بعد أن سمع ذلك.
لم يعرف هل يغضب من فنغ تشيوان أم يلوم القدر الذي عبث به.
ثم إنه لا يحق له أن يلوم فنغ تشيوان.
فقد نبّههم من قبل فعلًا إلى أن يجتمعوا حتى لا يُقتل أحد منفردًا.
وقد أثمر ذلك فعلًا لاحقًا.
لكن التنبيهات والتلميحات التالية جعلت يانغ جيان ومن معه يخطئون فهمها، فظنوا أن العجوز هي الشبح.
وفي الحقيقة كان فنغ تشيوان ينبههم بوجود العجوز إلى أنه في صفهم.
سأل تشانغ هان فجأة، وكان صامتًا يستمع طوال الوقت: «عندي بضعة أسئلة. القرويون الذين رأيناهم قبل قليل، هل هم بشر أم أشباح؟»
كان قد تيقن أن الجثة التي جلست في النعش إنسان.
لكن الحيرة بقيت في صدره.
«هم أناس غير موجودين.»
قال فنغ تشيوان: «لا أعرف كيف أحدد وجودهم. كل ما أعرفه أنهم لا يوجدون إلا في هذه القرية، يشبهون التوابع الشبحية ولا يشبهونها. التابع الشبحي يوجد بسبب شبح شرس، أما هم فيوجدون بسبب النعش الشبحي، والذي يرقد في النعش الشبحي ليس شبحًا بل أنا. ولعل هذا هو السبب في أنهم يبدون أشبه بالبشر.»
«وبسبب رقادي الدائم في النعش الشبحي أستطيع التأثير في بعض تفكيرهم، وأستعملهم لمحاولة التواصل معكم ونقل المعلومات.»
سأل يانغ جيان: «قلتَ إن هذا النعش اسمه النعش الشبحي، فما فائدته؟»
قال فنغ تشيوان: «معلومات النعش الشبحي أدرجتها في التقرير السابق. وما دمت لم تجدها في الملف فمستواك لا يكفي. ولعلك… لست مسؤولًا بعد. هذه المعلومة لا أستطيع إخبارك بها، فهذا إفشاء للأسرار.»
اربدّ وجه يانغ جيان.
قال فنغ تشيوان: «لا داعي للغضب. ستعرف حين يحين وقت معرفتك. المهم ألا ندع هذا النعش يقع في يد ذلك الشبح الشرس، نحن الثلاثة، بأي حال.»
«خرجت بنفسي هذه المرة لأن التوازن هنا قد اختل. مستوى رعب الشبح يزداد بحسب عدد الأشباح في هذه القرية، وبسبب كثرة موتاكم سيطر هذا الشبح عليها سيطرة كاملة. لكن حيلتك السابقة كانت قوية. في وضع شبه محتوم بالموت خطر لك أن تطلق أشباحًا أخرى لتنتزع الشبح الذي في القرية وتضعف قوته.»
قال يانغ جيان: «ألم تكن تنوي أنت أيضًا أن تطلق شبحي؟»
قال فنغ تشيوان: «لا. ذلك الذي سعل خارج الباب تلك الليلة هو القروي المدعو ليو قن رونغ، وكان تحت سيطرتي. أردت فقط أن أخيفك لتعود وتتجمع لا أن تبقى منفردًا. ثم فشلت سيطرتي، فصار ليو قن رونغ تحت سيطرة الشبح الذي هنا، ثم دخل غرفتك.»
«فالذي أراد حينها انتزاع الشبح الذي في صندوقك لم أكن أنا، بل هو… ولا أعرف لأي سبب تخلى عن ذلك في النهاية.»
قال ذلك ثم نظر إلى الصورة على طاولة القرابين.
«قلت لك إن الوضع هنا خاص. هؤلاء الذين رأيتهم يكونون أحيانًا بشرًا، وأحيانًا أنا، وأحيانًا أشباحًا… لكن أستطيع أن أقول لك إن القرية بلا أحياء منذ زمن، وكل شيء فيها، عدانا نحن الثلاثة، موجود بسبب هذا النعش الشبحي.»
قال يانغ جيان: «هكذا إذن… فمهمتنا هذه في ظاهرها حل حادثة خارقة، وفي الحقيقة جئنا لإنقاذك.»
«يمكن قول ذلك. لكن الخطر كبير إن فشل الأمر، فقد ينكسر التوازن ويخرج الشبح الذي هنا عن السيطرة. أرى أنكم ما كان ينبغي أن تأتوا لإنقاذي. ولكن إن أصرّت الجهات العليا على ذلك، فأظن أنها لا تفعله من أجل سلامتي، بل من أجل هذا الشيء.»
أشار فنغ تشيوان إلى النعش الأحمر المطلي.
من أجل النعش الشبحي؟
حدّق يانغ جيان في النعش بضع نظرات.
نعش عادي جدًا.
لكن هذا النعش هو الذي تتنازعه حتى الأشباح.
لا بد أنه شديد الخصوصية.
غير أن هذه الخصوصية لا يعرفها هنا إلا فنغ تشيوان، وهو لا ينوي قولها.
قال تشانغ هان فجأة بتوتر: «هل انتهيتما من الكلام؟ أشعر أن الوضع في الخارج صار غير طبيعي.»
أشار إلى الخارج.
القرية التي عاد إليها الضوء بدأت تعتم تدريجيًا من جديد.
ورغم أن الظلام لا يهبط بسرعته السابقة، فهو ينذر بشيء سيئ جدًا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.