بعد أن انكشفت كل الألغاز، لم يبقَ أمام الثلاثة إلا أمر واحد.
حبس هذا الشبح الذي أمامهم.
وحل حادثة قرية هوانغ قانغ الخارقة، ثم مغادرة المكان حيّين.
مهما كان بينهم من خلافات سابقة، ومهما أضمروا في صدورهم من حسابات.
فمنذ لحظة ظهور الشبح لم يعد شيء من ذلك مهمًا.
لم يعد هناك طريق للرجوع.
قال تشانغ هان بصوت خافت: «توقف، وكأنه لا ينوي الدخول. فماذا نفعل الآن؟»
وكان يُسمع من نبرته أنه شديد التوتر.
كان وجه يانغ جيان متجهمًا. البيت كله داخل نطاقه الشبحي، وقد رسم الباب حدًّا واضحًا بين القرية وقاعة العزاء.
لكن الرجل الشاحب الوجه، الوسيم الملامح، ظل واقفًا عند الباب بلا حركة، لا يغادر ولا يدخل، ولا يُعرف أينتظر أم يحرس الباب كي لا يخرج من في البيت… وهذا السكون يزيد الحذر منه.
لأنك لا تعرف ما الذي يملكه من قدرات مخيفة أخرى.
ولا يُعرف إلا أن المنفرد أمام هذا الشبح ميت لا محالة، أما كيف يموت فلا أحد يدري.
فكل من رأى طريقة قتله قد مات.
قال يانغ جيان وهو ينقل نظره إلى فنغ تشيوان: «هذا السؤال يُوجَّه إلى فنغ تشيوان. هو أعلم مني.»
كان فنغ تشيوان شاحب الوجه بلا دم هو الآخر، وعيناه مخدرتان بلا بريق، ولو وقف إلى جانب الشبح الذي في الخارج لبدا أخًا له، فما عدا الملامح كل شيء متشابه.
الغرابة نفسها، وانعدام الحياة نفسه.
لكن فنغ تشيوان قال فقط: «فشلت في مهمتي الأولى واختبأت في هذا النعش الشبحي، وبقائي حيًّا إلى الآن إنجاز. لو كنت أعرف هذا الشبح لتخلصت من مأزقي منذ زمن، ولما انتظرت حتى الآن لأخرج.»
تجهم وجه يانغ جيان.
لم يصدّق كلام فنغ تشيوان. من عاش كل هذه المدة في هذا المكان واقترب من الأشباح مرات كثيرة لا بد أن يكون قد استخرج بعض القواعد، فكيف لا يعرف شيئًا.
إنه لا يريد أن يتكلم.
قال يانغ جيان في نفسه: «بقائي حيًّا مع أمثال هؤلاء الشواذ معجزة. فما من مروّض أشباح فيهم يبدو سويًّا.»
استنشق نفسًا خفيفًا.
لا حيلة.
فما دام فنغ تشيوان يتظاهر بالجهل، وتشانغ هان لا يجرؤ على التصرف، والشبح في الخارج لا يغادر ولا يدخل.
فعليه هو أن يبادر ويكسر هذا الجمود.
«تشش~!»
وفي اللحظة التالية.
ارتعش ضوء قاعة العزاء مرة، وتغير لون كل ما حولها فورًا.
غشيها هالة حمراء.
أظهر نطاقه الشبحي.
ولم يعد يخشى انكشاف قدرته في هذا الوقت.
وبعد أن غطى الضوء الأحمر قاعة العزاء امتد تدريجيًا إلى الخارج، كخيط ضوء يخرج من داخل البيت إلى خارجه.
يتقدم ببطء على الأرض.
أراد يانغ جيان أن يضم هذا الشبح إلى نطاقه، فإن نجح أمكنه على الأقل أن يختبر قدرته بطرق أكثر أمانًا، بل أن يحبسه مباشرة.
قال تشانغ هان بلا تمالك: «احذر.»
ورغم أن يانغ جيان وحده من يختبر، فقد تهيأ هو للتحرك في أي لحظة.
وبسرعة.
وصل الضوء الأحمر إلى جانب الشبح الذي في الخارج.
وظل ساكنًا.
فبحسب تجربته السابقة مع الظل الشبحي بلا رأس، ينبغي أن يستطيع النطاق الشبحي إدخال الأشباح الأخرى.
لكن في اللحظة التالية لاحظ يانغ جيان فجأة.
أن النطاق الشبحي الممتد اعترضه عائق، كالماء إذا اصطدم بصخرة.
لم يستطع تغطيته، واكتفى بالالتفاف حوله.
غمر الضوء الأحمر ما حول البيت من الخارج، ودخلت المنطقة المحيطة كلها في النطاق الشبحي.
وحده موضع الشبح خارج الباب بقي على حاله، لا يتأثر بالنطاق الشبحي.
قال يانغ جيان وقد عقد حاجبيه: «هل بطل النطاق الشبحي؟»
يبدو أن الاعتماد على النطاق الشبحي وحده لحل أمر هذا الشبح غير واقعي، فهذا شبح آخر يقاوم النطاق الشبحي.
لكن فعله هذا بدا كأنه استفز الشبح الذي في الخارج.
فالوجه الشاحب الذي ظل واقفًا خارج الباب بلا حركة تحرك فجأة.
خطا خطوة إلى الأمام دون عجلة.
هذه الخطوة داست مباشرة المنطقة التي يغطيها الضوء الأحمر.
دخل نطاق يانغ جيان الشبحي بالقوة كما فعلت العجوز من قبل.
لكنه مختلف عن العجوز. فحين دخلت العجوز لم يشعر يانغ جيان بشيء غير عادي، أما حين دخل هذا الشبح فتغير الأمر… فقد النطاق الشبحي السيطرة.
نعم، كأن قدرة شبح شرس قد سُلبت، ووجد يانغ جيان أنه لم يعد يستطيع التحكم بنطاقه الشبحي إطلاقًا.
قال يانغ جيان: «ما… ما هذا؟»
فتح عينيه واسعتين ونظر بشيء من الرعب إلى هذا الشبح الذي دخل النطاق الشبحي من الخارج.
النطاق الشبحي لم يؤثر فيه، بل هو الذي أثر في النطاق الشبحي.
قال تشانغ هان وقد أحس أن الأمر سيئ فأسرع: «يانغ جيان، قدرتك لم تؤثر فيه؟»
كان الشبح قد دخل قاعة العزاء.
ورغم أن الثلاثة على أهبة الاستعداد، فقد أحس كل منهم برعب يقشعر له البدن.
ازدادت العتمة في الخارج عمقًا، وأخذ الليل يغشى المكان، وبدأ يؤثر فيما داخل البيت.
وصار الضوء الأحمر الذي يغطي البيت من الداخل كأنه يُكبح بشدة، وقد يوشك أن ينطفئ شيئًا فشيئًا.
قال يانغ جيان وقد سال على وجهه عرق القلق دون إرادته: «إنه غريب جدًا، فاحذر. ربما هو أرعب شبح قابلناه منذ صرنا مروّضي أشباح.»
كانوا يقتربون من الشبح أكثر فأكثر.
ولم يبقَ مهرب إطلاقًا.
«فلنقاتل إذن.»
صرّ تشانغ هان على أسنانه في تلك اللحظة وحسم أمره.
وزمجر يانغ جيان بصوت منخفض: «حسنًا، فلنجازف. لنهجم معًا.»
قال فنغ تشيوان وهو يومئ برأسه: «موافق.»
فقد تشانغ هان شيئًا من عقله من شدة الخوف، فاندفع أولًا بوجه متوحش قبل أن يكمل كلامه.
وتمزق ثوبه من ظهره في لحظة بشيء ما بالقوة.
على جلد ظهره وشم، هيئته إنسان يقطر دمًا، سُلخ جلده، والوشم حي كأن إنسانًا حقًّا يقف خلفه ويتبعه دائمًا، غريب ومرعب.
وكانت أول مرة يرى فيها يانغ جيان وشم تشانغ هان على ظهره كاملًا.
ولما استعار قوة الشبح الشرس رأى ذلك الإنسان الدامي على ظهره يتحرك فجأة، وموضع الوشم يرشح دمًا.
وامتدت من ظهره ذراع تقطر دمًا فجأة، وقبضت بقوة على اللحم بجانبها، فتجهم وجه تشانغ هان من الألم.
لكن ذلك لم يكفِ… وامتدت بعدها الذراع الدامية الثانية.
بعد أن امتدت الذراعان الدامية.
رأى يانغ جيان أن الشبح الشرس في الوشم يوشك أن يزحف خارجًا.
لكن الشبح الشرس الدامي لم يخرج في النهاية.
ومع ذلك كان قريبًا. فقد خرجت ذراعان ورأس ونصف الجسد، ولم يبقَ إلا النصف الأسفل في الوشم، ولعله يخرج تمامًا من جسد تشانغ هان في المرة القادمة التي يستعمل فيها قوة الشبح الشرس.
الجثة الدامية التي زحفت من ظهره لم تتحرك كثيرًا، بل استلقت على ظهر تشانغ هان وتركته يحملها.
وحين مشى الشبح الذي في الخارج نحو النعش، اعترض طريقه تشانغ هان الذي يحمل نصف الجثة الدامية.
فنصف الجثة الدامية التي كانت ساكنة رفعت رأسها فجأة، ومدّت ذراعها الدامية فأمسكت جسد الشبح لتمنعه من التقدم.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا.
تحرك فنغ تشيوان الذي بجانبه أيضًا، واندفع مباشرة أمام الشبح، وفي عينيه المخدرتين لا خوف، بل جنون من لا يبالي بشيء.
ولم يتردد يانغ جيان.
نهض الظل الشبحي بلا رأس الذي كان منعكسًا على الأرض كالظل بسرعة، وظهر خلف هذا الشبح ليقطف رأسه وليقطّعه تقطيعًا كاملًا.
أحس الشبح بتهديد من تعاون الثلاثة.
وفي هذه اللحظة توقفت خطوات الشبح فجأة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.