الفاتورة
الفصل 38: الفاتورة
“أوافق”، تقول ثيودورا، مفاجئةً المجلس.
“خمسمائة رأس نووي؟”، يهمس سيفرو. “يا للهول، أخبرني أنك تمزح، هيا”، يتابع.
“هل يجب حقاً أن نجري هذا النقاش وهي هنا؟”، تسأل فيكترا مشيرة إلى موستانغ.
يجلس الراقص بهدوء على طاولة غرفة العمليات، يفرك صدغيه.
يخيم صمت مخيف على الغرفة.
“هذا هراء”، تزمجر هوليداي وهي تستند إلى الجدار. “لو كان يملكها، لاستخدمها بالفعل”، تتابع.
“وأنا أملك آذاناً كبيرة”، يرد كويكسيلفر.
“دعونا نترك الاستنتاجات للأشخاص الذين قابلوا الرجل فعلياً، أليس كذلك؟ أدريوس لا يتصرف كبشري طبيعي”، تقول فيكترا.
“من المؤسف أننا لا نملك عرّافي السيدة الحاكمة”، تقول موستانغ. “اربط واحداً بمعصمه ولنرى مدى صدق كاسيوس حقاً”.
“هذا مؤكد تماماً”، يقول سيفرو.
“هل تملك أحداً داخل دائرته المقربة يا ريغولوس؟”، يسأل الراقص كويكسيلفر.
“ومع ذلك، يبقى سؤالاً جوهرياً”، يقول الراقص منزعجاً من وجود الكثير من الذهبيين، وخاصة موستانغ التي تقف بجانبي. “إذا كان يملكها، فلماذا لم يستخدمها؟”، يسأل.
ينظرُ الراقص إليّ طلباً للمساعدة. “دارو…”.
“لأن هذا النوع من التصعيد سيؤذيه بقدر ما يؤذينا”، أقول. “وإذا استخدمها، ستمتلك السيدة الحاكمة كل عذر لاستبداله”، أتابع.
“هل تملك أحداً داخل دائرته المقربة يا ريغولوس؟”، يسأل الراقص كويكسيلفر.
“أو أنه لا يملكها”، يقول كويكسيلفر باستخفاف، وهو يطفو أمامنا بـ بكسلاته المجسمة الزرقاء التي تلمع فوق لوحة العرض. “إنها خدعة؛ بيلونا يعرف ما يهمك يا دارو، وهو يعزف على أوتار قلبك بفكرة الفناء. هذا هراء، فتقنييّ كانوا ليرصدوا موجات كبرى لو كان يحرك صواريخ، وكنت سأسمع عن تخصيب البلوتونيوم لو كانت السيدة الحاكمة قد صنعتها”، يتابع.
“كنتُ آمل ذلك بحق الجحيم”، يتمتم سيفرو لـ فيكترا. “هل سأتمكن من الاختباء داخل أي شيء؟”.
“إلا إذا كانت صواريخ قديمة”، أقول. “هناك الكثير من الآثار الملقاة هنا وهناك”.
“كان لدي، حتى أخرج الرماديون التابعون لك دارو؛ حينها قام أدريوس بتطهير دائرته المقربة. رجالي جميعاً إما موتى أو مسجونون أو مرعوبون بشدة”، يجيب.
“إنه نظام شمسي شاسع”، تقول موستانغ بهدوء.
“أنتم جميعاً تفتقرون للمنطق”، تقول موستانغ. “لا أقصد ذلك كإهانة، بل كمجرد حقيقة. لو أردتُ بكم شراً، لكنتُ ناديتُ السيدة الحاكمة أو أخي ووضعتُ جهاز تتبع في سفينتي. أنتم تعرفون المدى الذي قد تذهب إليه للعثور على تينوس”، تتابع. يتبادل أصدقائي نظرات قلقة. “لكني لم أفعل. أعلم أنكم لن تثقوا بي، لكنكم تثقون بـ دارو وهو يثق بي، وبما أنه يعرفني أكثر منكم جميعاً، أعتقد أنه في أفضل موقع لاتخاذ القرار. لذا توقفوا عن الأنين كالأطفال اللعينين ولنعد للمهمة، حسناً؟”.
“وأنا أملك آذاناً كبيرة”، يرد كويكسيلفر.
“أعتقد أن السبب في بقائكم أحياء طويلاً هو أن الذهبيين مستهلكون بالأنا الفردية لدرجة أنهم نسوا كيف غزوا الأرض. كل واحد منهم يظن أنه يستطيع الحكم. مع عودة أوريون ومكاسب سيفرو، تكمن قوتكم العظمى الآن في بحريتكم وجيش الأوبسديان. لا تساعدوا السيدة الحاكمة؛ فهي لا تزال العدو الأكثر خطورة. إذا ساعدتموها، ستركز ثقلها عليكم. ازرعوا المزيد من بذور الشقاق”، تقول.
“كانت لديك”، تقول فيكترا. “إنهم يقصونها بينما نتحدث”.
أقفُ وأستدعي رسماً بيانياً من الطاولة يظهر مداً أحمر يتدفق فوق كوكب المريخ، مستولياً على المدن ودافعاً الذهبيين للتراجع. “افترضوا جدلاً أننا استولينا على نصف مدن المريخ”، أقول. “افترضوا أننا سحقنا أسطول جاكال في المدار حين تنضم إلينا أوريون، رغم أن عددهم يفوقنا باثنين لواحد. افترضوا أننا حطمنا جيوشه، وبمساعدة الفالكيري، فصلنا الأوبسديان عن الفيالق وضمنّا انضمامهم إلينا، وحصلنا على انتفاضة شعبية من السكان أنفسهم. آلات الصناعة توقفت تماماً على المريخ، وصددنا تعزيزات المجتمع وحاصرنا جاكال بعد سنوات من الحرب. وسيتطلب الأمر سنوات. ماذا سيحدث حينها؟”.
يجلس قادة التمرد في نصف دائرة أمام مكعب العرض المجسم الذي يعرض الكويكب (S-1988)؛ كتلة قاحلة من الصخر في “حزام الكويكبات”. تُقام اجتماعات غرف الحرب لدى الذهبيين في دوائر أو مستطيلات لأن المواجهة وجهاً لوجه تحفز الصراع الفكري، وهو ما يعشقه الذهبيون. لكني أحاول تطبيق نهج مختلف؛ بجعل أصدقائي يواجهون المشكلة المتمثلة في جهاز العرض، فإذا أرادوا الجدال مع بعضهم البعض، سيتعين عليهم لوي أعناقهم لفعل ذلك.
“كانت لديك”، تقول فيكترا. “إنهم يقصونها بينما نتحدث”.
“من المؤسف أننا لا نملك عرّافي السيدة الحاكمة”، تقول موستانغ. “اربط واحداً بمعصمه ولنرى مدى صدق كاسيوس حقاً”.
“بعضها أفخر به”، تقول عن الندوب. “وبعضها لا”. تلتفت لترينا أسفل ظهرها؛ مساحة من اللحم المحترق كالشمع حيث تركت أختها علامتها بالحمض. تعود لمواجهتنا رافعة ذقنها بتحدٍ. “جئتُ إلى هنا لأنه لم يكن لدي خيار، وبقيتُ حين ملكتُ واحداً؛ لا تجعلوني أندم على ذلك”، تتابع.
“آسفون لأننا لا نملك الموارد التي اعتدتِ عليها يا سيدة”، يقول الراقص بتهكم.
“يريد مني عقد مؤتمر مجسم مع السيدة الحاكمة”، أقول.
“ليس هذا ما قصدته”.
“هل يجب حقاً أن نجري هذا النقاش وهي هنا؟”، تسأل فيكترا مشيرة إلى موستانغ.
“يمكننا تعذيبه”، يقول سيفرو. يجلس في منتصف الطاولة وينظف أظافره بنصل، بينما تستند فيكترا إلى الجدار خلفه وهي تنكمش انزعاجاً مع كل تقليمة ظفر تسقط على الطاولة. “هل تريدون الحقيقة؟ فقط أعطوني سبع عشرة دقيقة ومفك براغي”، يتابع.
“يمكننا تعذيبه”، يقول سيفرو. يجلس في منتصف الطاولة وينظف أظافره بنصل، بينما تستند فيكترا إلى الجدار خلفه وهي تنكمش انزعاجاً مع كل تقليمة ظفر تسقط على الطاولة. “هل تريدون الحقيقة؟ فقط أعطوني سبع عشرة دقيقة ومفك براغي”، يتابع.
“هل يجب حقاً أن نجري هذا النقاش وهي هنا؟”، تسأل فيكترا مشيرة إلى موستانغ.
يخيم صمت مخيف على الغرفة.
“إنها في صفنا”، أقول.
“أتفق معهم يا دارو”، تقول موستانغ. “يجب أن نكون متأكدين من أنه يقول الحقيقة، وإلا فإننا ندعه يملي علينا استراتيجيتنا؛ وهو تكتيك استخباراتي كلاسيكي من جانبه. هذا ما كنت ستفعله أنت”، تتابع. وهذا ما حاولتُ فعله حتى بدأ التعذيب مع جاكال.
“هل أنت متأكد؟”، يسأل الراقص.
ينظر سيفرو إليّ بانزعاج بينما ينغمس أصدقاؤنا في المشاحنة. أومئ له برأسي، فيستل نصله ويغرسه في الطاولة. يخترق نصفها ويهتز هناك. “الحاصد يحاول التحدث، أيها الحمقى. وبالمناسبة كل هذا التمييز اللوني يضجرني”، يقول. ينظر حوله بزهو بسبب الصمت الذي فرضه، ويومئ لنفسه: “أكمل يا حاصد، من فضلك؛ كنت قد وصلت للجزء المثير”.
“لقد كانت حاسمة في تجنيد الأوبسديان، وربطتنا بـ أوريون”، أقول. لقد تواصلتُ مع أوريون بعد الحديث مع كاسيوس، وهي تندفع الآن بسفينة “باكس” وما تبقى من أسطولي القديم للقائي. بفضل موستانغ، سنمتلك بحرية حقيقية. “لقد حافظت على قيادتي وأبقت أوريون في صفنا، هل كانت لتفعل ذلك لو لم تملك أهدافنا ذاتها؟”، أسأل.
“حسناً، هذا تعميم غير عادل ومضخم يا جدي”، يقول سيفرو.
“والتي هي؟”، يسأل الراقص.
“إنها من أجل الألوان الدنيا”، يتابع وصوته يرتفع. “انتصر هنا ثم انتشر عبر المجتمع. هنا يوجد الهيليوم؛ إنه قلب المجتمع، وقلب الحمر. انتصر هنا، ثم توسع؛ هذا ما أراده أريس”.
“هزيمة ‘لون’ وجاكال”، تقول موستانغ.
“هذا مجرد قشرة لما نريده”، يقول الراقص.
“أنتم جميعاً تفتقرون للمنطق”، تقول موستانغ. “لا أقصد ذلك كإهانة، بل كمجرد حقيقة. لو أردتُ بكم شراً، لكنتُ ناديتُ السيدة الحاكمة أو أخي ووضعتُ جهاز تتبع في سفينتي. أنتم تعرفون المدى الذي قد تذهب إليه للعثور على تينوس”، تتابع. يتبادل أصدقائي نظرات قلقة. “لكني لم أفعل. أعلم أنكم لن تثقوا بي، لكنكم تثقون بـ دارو وهو يثق بي، وبما أنه يعرفني أكثر منكم جميعاً، أعتقد أنه في أفضل موقع لاتخاذ القرار. لذا توقفوا عن الأنين كالأطفال اللعينين ولنعد للمهمة، حسناً؟”.
“إنها تعمل معنا”، أؤكد بحدة.
“دعونا نترك الاستنتاجات للأشخاص الذين قابلوا الرجل فعلياً، أليس كذلك؟ أدريوس لا يتصرف كبشري طبيعي”، تقول فيكترا.
“في الوقت الحالي”، تقول فيكترا. “إنها فتاة ذكية، ربما تريد استخدامنا للقضاء على أعدائها لتضع نفسها في موقع قوة. ربما تريد المريخ، أو أكثر من ذلك”، تتابع. يبدو وكأنه البارحة فقط كان مجلسي من الذهبيين يناقش ما إذا كانت فيكترا تستحق الثقة، وروكي هو من دافع عنها حينها. يبدو أن السخرية غابت عن فيكترا الآن، أو ربما تذكرت عدم ثقة موستانغ بها قبل عام وقررت رد الدين.
“وهو ما أعتقد أنه سيفعله أيضاً مع الأوبسديان وجيشنا إذا مضينا قدماً في عملية ‘المد المتصاعد'”، أقول.
“أكره أن أتفق مع آل جوليي، لكنها محقة في هذا”، يقول الراقص. “آل أغسطس متلاعبون، ولم يولد منهم من لم يكن كذلك”. لم ينبهر الراقص بقلة شفافية موستانغ سابقاً. كانت موستانغ تتوقع هذا، بل طلبت البقاء في غرفتها بعيداً عن الاجتماع حتى لا تعطل خطتي، ولكن لكي تنجح الأمور، يجب أن يكون هناك تعاون.
“في غضون أربعين يوماً، سنقوم بتدمير ‘أسطول السيف’ وننتزع القلب النابض لآلة حرب المجتمع”. أسحب نصل سيفرو من الطاولة وألقيه إليه ثانية. “الآن، سأستقبل أسئلتكم اللعينة”.
هم يتوقعون مني الدفاع عن موستانغ، وهذا يظهر قلة معرفتهم بها.
“ما رأيكِ يا أغسطس؟”، يسأل الراقص موستانغ.
“أنتم جميعاً تفتقرون للمنطق”، تقول موستانغ. “لا أقصد ذلك كإهانة، بل كمجرد حقيقة. لو أردتُ بكم شراً، لكنتُ ناديتُ السيدة الحاكمة أو أخي ووضعتُ جهاز تتبع في سفينتي. أنتم تعرفون المدى الذي قد تذهب إليه للعثور على تينوس”، تتابع. يتبادل أصدقائي نظرات قلقة. “لكني لم أفعل. أعلم أنكم لن تثقوا بي، لكنكم تثقون بـ دارو وهو يثق بي، وبما أنه يعرفني أكثر منكم جميعاً، أعتقد أنه في أفضل موقع لاتخاذ القرار. لذا توقفوا عن الأنين كالأطفال اللعينين ولنعد للمهمة، حسناً؟”.
“هزيمة ‘لون’ وجاكال”، تقول موستانغ.
“إذا كان لديكم منشار كهربائي يمكنني إنهاء الأمر في ثلاث دقائق…”، يقول سيفرو.
“هل أنت متأكد؟ هذه الحرب من أجل المريخ”.
“هل ستصمت بحق الجحيم؟”، ينهرُه الراقص. إنها المرة الأولى التي أراه يفقد فيها أعصابه. “الرجل سيكذب ويقول أي شيء تريد سماعه إذا كنت تقتلع أظافره، التعذيب لن ينفع”، يتابع. لقد تعرض هو نفسه للتعذيب على يد جاكال.
“لأن هذا النوع من التصعيد سيؤذيه بقدر ما يؤذينا”، أقول. “وإذا استخدمها، ستمتلك السيدة الحاكمة كل عذر لاستبداله”، أتابع.
“حسناً، هذا تعميم غير عادل ومضخم يا جدي”، يقول سيفرو.
“هل أنت متأكد؟”، يسأل الراقص.
“لن نعذبه، هذا القرار نهائي”، يقول الراقص.
يضحك سيفرو. “آسف، لكن هذا سيكون ممتعاً بحق الجحيم للمشاهدة”. يرفع يده اليسرى محاكياً حركة الكلام: “مرحباً أيتها العجوز الصدئة، هل تتذكرين عندما اختطفتُ حفيدكِ؟”. ثم يرفع يده اليمنى: “أوه أجل أيها الفاضل، تماماً بعد أن استعبدتُ عرقك بأكمله”. يهز رأسه ويتابع: “لا فائدة من الحديث مع تلك ‘القزمة’. ليس قبل أن نطرق بابها بأسطول. يجب أن ترسلني أنا والعوائين خلف جاكال؛ فلا يمكنه ضغط زر بدون رأس”.
“أوه، أجل، صحيح”، يقول سيفرو. “نحن الأخيار، والأخيار لا يعذبون أبداً، وينتصرون دائماً. ولكن كم من الأخيار وضعت رؤوسهم في صناديق؟ وكم منهم شاهدوا عمود أصدقائهم الفقري يُشطر لنصفين؟”.
ينظرُ الراقص إليّ طلباً للمساعدة. “دارو…”.
ينظرُ الراقص إليّ طلباً للمساعدة. “دارو…”.
“بعضها أفخر به”، تقول عن الندوب. “وبعضها لا”. تلتفت لترينا أسفل ظهرها؛ مساحة من اللحم المحترق كالشمع حيث تركت أختها علامتها بالحمض. تعود لمواجهتنا رافعة ذقنها بتحدٍ. “جئتُ إلى هنا لأنه لم يكن لدي خيار، وبقيتُ حين ملكتُ واحداً؛ لا تجعلوني أندم على ذلك”، تتابع.
يفتح كويكسيلفر محارة. “التعذيب يمكن أن يكون فعالاً إذا نُفذ بشكل صحيح مع معلومات قابلة للتأكيد في نطاق ضيق. كأي أداة، هو ليس علاجاً لكل شيء؛ يجب استخدامه بشكل صحيح. شخصياً، لا أعتقد أننا نملك ترف رسم خطوط أخلاقية في الرمال، ليس اليوم. دع باركا يحاول؛ سيقتلع بعض الأظافر، وبعض العيون إذا لزم الأمر”، يقول.
“أنتم جميعاً تفتقرون للمنطق”، تقول موستانغ. “لا أقصد ذلك كإهانة، بل كمجرد حقيقة. لو أردتُ بكم شراً، لكنتُ ناديتُ السيدة الحاكمة أو أخي ووضعتُ جهاز تتبع في سفينتي. أنتم تعرفون المدى الذي قد تذهب إليه للعثور على تينوس”، تتابع. يتبادل أصدقائي نظرات قلقة. “لكني لم أفعل. أعلم أنكم لن تثقوا بي، لكنكم تثقون بـ دارو وهو يثق بي، وبما أنه يعرفني أكثر منكم جميعاً، أعتقد أنه في أفضل موقع لاتخاذ القرار. لذا توقفوا عن الأنين كالأطفال اللعينين ولنعد للمهمة، حسناً؟”.
“أوافق”، تقول ثيودورا، مفاجئةً المجلس.
“هزيمة ‘لون’ وجاكال”، تقول موستانغ.
“ماذا عن ماتيو؟”، أسأل كويكسيلفر. “سيفرو حطم وجهه”.
“لقد كنا نحضر لهذه العملية منذ أشهر!”، يحتج الراقص. “مع الأوبسديان قد تنجح فعلاً؛ هل تريد إلغاءها ببساطة؟”.
تنزلقُ سكين كويكسيلفر لتجرح كفه. ينكمش ويمتص الدم. “ولو لم يفقد وعيه، لأخبركم بمكاني. من خبرتي، الألم هو أفضل مفاوض”، يقول.
“أنتم جميعاً تفتقرون للمنطق”، تقول موستانغ. “لا أقصد ذلك كإهانة، بل كمجرد حقيقة. لو أردتُ بكم شراً، لكنتُ ناديتُ السيدة الحاكمة أو أخي ووضعتُ جهاز تتبع في سفينتي. أنتم تعرفون المدى الذي قد تذهب إليه للعثور على تينوس”، تتابع. يتبادل أصدقائي نظرات قلقة. “لكني لم أفعل. أعلم أنكم لن تثقوا بي، لكنكم تثقون بـ دارو وهو يثق بي، وبما أنه يعرفني أكثر منكم جميعاً، أعتقد أنه في أفضل موقع لاتخاذ القرار. لذا توقفوا عن الأنين كالأطفال اللعينين ولنعد للمهمة، حسناً؟”.
“أتفق معهم يا دارو”، تقول موستانغ. “يجب أن نكون متأكدين من أنه يقول الحقيقة، وإلا فإننا ندعه يملي علينا استراتيجيتنا؛ وهو تكتيك استخباراتي كلاسيكي من جانبه. هذا ما كنت ستفعله أنت”، تتابع. وهذا ما حاولتُ فعله حتى بدأ التعذيب مع جاكال.
“الحرب الأهلية بين بيلونا وأغسطس كشفت عن شقوق كبرى بين المركز والحافة الخارجية. أسطول أوكتافيا الرئيسي، ‘أسطول السيف’، يبعد مئات الملايين من الكيلومترات عن أقرب دعم له. باستثناء ‘أسطول الصولجان’ حول لونا، فهو أعظم سلاح تملكه أوكتافيا. لقد أرسلت أوكتافيا صديقنا العزيز روكي أو فابيي لإخضاع أسياد القمر، وقد حطم كل أسطول واجهه؛ حتى بمساعدة موستانغ وآل تيليمانوس وآل آركوس، فقد سحق ‘الحافة’. على متن هذه السفن يوجد أكثر من مليوني رجل وامرأة، وأكثر من عشرة آلاف أوبسديان، ومائتي ألف رمادي، وثلاثة آلاف من أعظم القتلة الأحياء، الفريدون ذوو الندبة. ‘بريتورات’، ‘ليجاتوس’، فرسان، وقادة فرق؛ أعظم ذهبيي معاهدهم. هذا الأسطول تم تعزيزه بـ أنطونيا أو سيفيروس-جوليي، وهو أداة الرعب التي تربط بها السيدة الحاكمة الكواكب بإرادتها. وهو، مثل قائده، لم يُهزم قط”. أتوقف قليلاً لأسمح للكلمات بالاستقرار ليدركوا جميعاً جسامة اقتراحي.
تنهضُ فيكترا، التي كانت صامتة حتى الآن، وتمشي فجأة نحو جهاز العرض بحيث ترتسم النجوم والمساحة السوداء على جلدها. ينسدل شعرها الأشقر أمام عينيها الغاضبتين وهي تنزع قميصها الرمادي، كاشفة عن جسد مفتول العضلات تحت حمالة صدر مضغوطة. نصف دزينة من ندوب النصل تمتد على بطنها، وأكثر من ذلك على ذراعيها، وندوب أخرى على وجهها وعنقها وترقوتها.
“من المؤسف أننا لا نملك عرّافي السيدة الحاكمة”، تقول موستانغ. “اربط واحداً بمعصمه ولنرى مدى صدق كاسيوس حقاً”.
“بعضها أفخر به”، تقول عن الندوب. “وبعضها لا”. تلتفت لترينا أسفل ظهرها؛ مساحة من اللحم المحترق كالشمع حيث تركت أختها علامتها بالحمض. تعود لمواجهتنا رافعة ذقنها بتحدٍ. “جئتُ إلى هنا لأنه لم يكن لدي خيار، وبقيتُ حين ملكتُ واحداً؛ لا تجعلوني أندم على ذلك”، تتابع.
“وهو ما أعتقد أنه سيفعله أيضاً مع الأوبسديان وجيشنا إذا مضينا قدماً في عملية ‘المد المتصاعد'”، أقول.
من المذهل رؤية هذا الضعف والوضوح فيها. يحدق سيفرو بتركيز في المرأة الطويلة وهي ترتدي قميصها ثانية وتلتفت نحو جهاز العرض. تمد يديها نحو الكويكب لتوسيع الصورة المجسمة. “هل يمكننا الحصول على دقة أعلى؟”، تسأل وكأن الأمر قد حُسم.
“إنها تعمل معنا”، أؤكد بحدة.
“الصورة التقطتها طائرة مسيرة لمكتب التعداد قبل سبعين عاماً، لا نملك وصولاً لسجلات المجتمع العسكرية الحالية”، أقول.
“وأنا أيضاً”، أقول للمجموعة. “وتعذيبه لن يحل شيئاً. سنقطع أصابعه واحداً تلو الآخر، وماذا لو ظل يقول إنها الحقيقة؟ هل نستمر في القطع حتى يقول إنها ليست كذلك؟ في كلتا الحالتين هي مقامرة”. أحصلُ على بعض الإيماءات المترددة وأشعر بالراحة لأن معركة واحدة على الأقل قد كُسبت.
“هنا يأتي دور وجود والدك بجانبنا”، يقول سيفرو لـ موستانغ.
“لأن هذا النوع من التصعيد سيؤذيه بقدر ما يؤذينا”، أقول. “وإذا استخدمها، ستمتلك السيدة الحاكمة كل عذر لاستبداله”، أتابع.
“لم يذكر لي شيئاً كهذا أبداً”، تجيب.
يومئ الراقص موافقاً. “لكن هل نحن متأكدون أن جاكال سيستخدم القنابل النووية فعلاً على الكوكب؟”.
“أمي ذكرت ذلك مرة”، تقول فيكترا بتفكير. “شيء عن حقائب هدايا قبيحة يمكن لـ قادة الأساطيل جمعها بسرعة إذا خرجت ‘الحافة’ عن المسار”.
“الشيء الوحيد الذي أراده أخي يوماً هو رضا والدي، ولم يحصل عليه، فقتل والدي. الآن هو يريد المريخ؛ ماذا تعتقدون أنه سيفعل إذا لم يحصل عليه؟”، تسأل.
“هذا يتطابق مع ما قاله كاسيوس”، أقول.
“هذا يتطابق مع ما قاله كاسيوس”، أقول.
تلتفتُ إلينا وتقول: “إذاً أعتقد أن كاسيوس يقول الحقيقة”.
“الشيء الوحيد الذي أراده أخي يوماً هو رضا والدي، ولم يحصل عليه، فقتل والدي. الآن هو يريد المريخ؛ ماذا تعتقدون أنه سيفعل إذا لم يحصل عليه؟”، تسأل.
“وأنا أيضاً”، أقول للمجموعة. “وتعذيبه لن يحل شيئاً. سنقطع أصابعه واحداً تلو الآخر، وماذا لو ظل يقول إنها الحقيقة؟ هل نستمر في القطع حتى يقول إنها ليست كذلك؟ في كلتا الحالتين هي مقامرة”. أحصلُ على بعض الإيماءات المترددة وأشعر بالراحة لأن معركة واحدة على الأقل قد كُسبت.
“هل أنت متأكد؟”، يسأل الراقص.
“ماذا اقترح أن نفعل؟”، يسأل الراقص.
“لمناقشة تحالف ضد جاكال؛ يعطوننا المعلومات، ونقتله نحن قبل أن يفجر أي قنابل”، أقول. “هذه هي خطته”.
“يريد مني عقد مؤتمر مجسم مع السيدة الحاكمة”، أقول.
“لم أنسَ يا راقص”.
“لماذا؟”.
“الصورة التقطتها طائرة مسيرة لمكتب التعداد قبل سبعين عاماً، لا نملك وصولاً لسجلات المجتمع العسكرية الحالية”، أقول.
“لمناقشة تحالف ضد جاكال؛ يعطوننا المعلومات، ونقتله نحن قبل أن يفجر أي قنابل”، أقول. “هذه هي خطته”.
“أو أنه لا يملكها”، يقول كويكسيلفر باستخفاف، وهو يطفو أمامنا بـ بكسلاته المجسمة الزرقاء التي تلمع فوق لوحة العرض. “إنها خدعة؛ بيلونا يعرف ما يهمك يا دارو، وهو يعزف على أوتار قلبك بفكرة الفناء. هذا هراء، فتقنييّ كانوا ليرصدوا موجات كبرى لو كان يحرك صواريخ، وكنت سأسمع عن تخصيب البلوتونيوم لو كانت السيدة الحاكمة قد صنعتها”، يتابع.
يضحك سيفرو. “آسف، لكن هذا سيكون ممتعاً بحق الجحيم للمشاهدة”. يرفع يده اليسرى محاكياً حركة الكلام: “مرحباً أيتها العجوز الصدئة، هل تتذكرين عندما اختطفتُ حفيدكِ؟”. ثم يرفع يده اليمنى: “أوه أجل أيها الفاضل، تماماً بعد أن استعبدتُ عرقك بأكمله”. يهز رأسه ويتابع: “لا فائدة من الحديث مع تلك ‘القزمة’. ليس قبل أن نطرق بابها بأسطول. يجب أن ترسلني أنا والعوائين خلف جاكال؛ فلا يمكنه ضغط زر بدون رأس”.
“لمناقشة تحالف ضد جاكال؛ يعطوننا المعلومات، ونقتله نحن قبل أن يفجر أي قنابل”، أقول. “هذه هي خطته”.
“الفالكيري سيحضرون هذه المهمة مع العوائين”، تقول سيفي.
“هذه الحرب من أجل الجميع”، تصحح موستانغ.
“لا، جاكال سيتوقع هجوماً شخصياً”، أقول ناظراً لـ موستانغ التي حذرتني من ذلك المسار. “إنه يعرفنا جيداً، ولن أهدر الأرواح باللعب على وتر فهمه لنقاط قوتنا”.
يسعل كويكسيلفر. “نغادر المريخ؟”.
“هل تملك أحداً داخل دائرته المقربة يا ريغولوس؟”، يسأل الراقص كويكسيلفر.
“كان لدي، حتى أخرج الرماديون التابعون لك دارو؛ حينها قام أدريوس بتطهير دائرته المقربة. رجالي جميعاً إما موتى أو مسجونون أو مرعوبون بشدة”، يجيب.
“شكراً يا سيفرو. لن أقع في فخ جاكال”، أقول. “أسهل طريقة لخسارة أي حرب هي ترك العدو يملي عليك شروط الاشتباك. يجب أن نفعل الشيء الذي لا يتوقعه جاكال أو السيدة الحاكمة منا؛ خلق نموذجنا الخاص ليلعبوا لعبتنا، ويستجيبوا لقراراتنا. يجب أن نكون جريئين. الآن أشعلنا النار، والانتفاضات في معظم أراضي المجتمع؛ بقاؤنا هنا يعني محاصرتنا، وأنا لن أُحاصر”.
“ما رأيكِ يا أغسطس؟”، يسأل الراقص موستانغ.
“شكراً يا سيفرو. لن أقع في فخ جاكال”، أقول. “أسهل طريقة لخسارة أي حرب هي ترك العدو يملي عليك شروط الاشتباك. يجب أن نفعل الشيء الذي لا يتوقعه جاكال أو السيدة الحاكمة منا؛ خلق نموذجنا الخاص ليلعبوا لعبتنا، ويستجيبوا لقراراتنا. يجب أن نكون جريئين. الآن أشعلنا النار، والانتفاضات في معظم أراضي المجتمع؛ بقاؤنا هنا يعني محاصرتنا، وأنا لن أُحاصر”.
تلتفتُ كل الأعين نحوها، فتأخذ وقتها في الرد.
“لن نعذبه، هذا القرار نهائي”، يقول الراقص.
“أعتقد أن السبب في بقائكم أحياء طويلاً هو أن الذهبيين مستهلكون بالأنا الفردية لدرجة أنهم نسوا كيف غزوا الأرض. كل واحد منهم يظن أنه يستطيع الحكم. مع عودة أوريون ومكاسب سيفرو، تكمن قوتكم العظمى الآن في بحريتكم وجيش الأوبسديان. لا تساعدوا السيدة الحاكمة؛ فهي لا تزال العدو الأكثر خطورة. إذا ساعدتموها، ستركز ثقلها عليكم. ازرعوا المزيد من بذور الشقاق”، تقول.
“كنتُ آمل ذلك بحق الجحيم”، يتمتم سيفرو لـ فيكترا. “هل سأتمكن من الاختباء داخل أي شيء؟”.
يومئ الراقص موافقاً. “لكن هل نحن متأكدون أن جاكال سيستخدم القنابل النووية فعلاً على الكوكب؟”.
أنقل الصورة من لوحي الرقمي إلى الطاولة ليطفو مجسم كوكب المشتري في الهواء. ثلاث وستون قمراً صغيراً تملئ المحيط، لكن أقمار المشتري الأربعة العظيمة تهيمن على مداره؛ “إيليوم”. حول تلك الأقمار يوجد أسطولان من أضخم الأساطيل في النظام الشمسي؛ أسطول “أسياد القمر”، وأسطول “السيف”. يبدو سيفرو مسروراً لدرجة أنه قد يغمى عليه؛ فأنا أعطيه الحرب التي لم يكن يعرف حتى أنه يريدها.
“الشيء الوحيد الذي أراده أخي يوماً هو رضا والدي، ولم يحصل عليه، فقتل والدي. الآن هو يريد المريخ؛ ماذا تعتقدون أنه سيفعل إذا لم يحصل عليه؟”، تسأل.
“أكره أن أتفق مع آل جوليي، لكنها محقة في هذا”، يقول الراقص. “آل أغسطس متلاعبون، ولم يولد منهم من لم يكن كذلك”. لم ينبهر الراقص بقلة شفافية موستانغ سابقاً. كانت موستانغ تتوقع هذا، بل طلبت البقاء في غرفتها بعيداً عن الاجتماع حتى لا تعطل خطتي، ولكن لكي تنجح الأمور، يجب أن يكون هناك تعاون.
يخيم صمت مخيف على الغرفة.
“لم يذكر لي شيئاً كهذا أبداً”، تجيب.
“لدي خطة جديدة”، أقول.
“لأن هذا النوع من التصعيد سيؤذيه بقدر ما يؤذينا”، أقول. “وإذا استخدمها، ستمتلك السيدة الحاكمة كل عذر لاستبداله”، أتابع.
“كنتُ آمل ذلك بحق الجحيم”، يتمتم سيفرو لـ فيكترا. “هل سأتمكن من الاختباء داخل أي شيء؟”.
“إنها من أجل الألوان الدنيا”، يتابع وصوته يرتفع. “انتصر هنا ثم انتشر عبر المجتمع. هنا يوجد الهيليوم؛ إنه قلب المجتمع، وقلب الحمر. انتصر هنا، ثم توسع؛ هذا ما أراده أريس”.
“أنا متأكدة أننا سنجد لك شيئاً يا عزيزي”، تقول.
“لقد كانت حاسمة في تجنيد الأوبسديان، وربطتنا بـ أوريون”، أقول. لقد تواصلتُ مع أوريون بعد الحديث مع كاسيوس، وهي تندفع الآن بسفينة “باكس” وما تبقى من أسطولي القديم للقائي. بفضل موستانغ، سنمتلك بحرية حقيقية. “لقد حافظت على قيادتي وأبقت أوريون في صفنا، هل كانت لتفعل ذلك لو لم تملك أهدافنا ذاتها؟”، أسأل.
أقفُ وأستدعي رسماً بيانياً من الطاولة يظهر مداً أحمر يتدفق فوق كوكب المريخ، مستولياً على المدن ودافعاً الذهبيين للتراجع. “افترضوا جدلاً أننا استولينا على نصف مدن المريخ”، أقول. “افترضوا أننا سحقنا أسطول جاكال في المدار حين تنضم إلينا أوريون، رغم أن عددهم يفوقنا باثنين لواحد. افترضوا أننا حطمنا جيوشه، وبمساعدة الفالكيري، فصلنا الأوبسديان عن الفيالق وضمنّا انضمامهم إلينا، وحصلنا على انتفاضة شعبية من السكان أنفسهم. آلات الصناعة توقفت تماماً على المريخ، وصددنا تعزيزات المجتمع وحاصرنا جاكال بعد سنوات من الحرب. وسيتطلب الأمر سنوات. ماذا سيحدث حينها؟”.
“والتي هي؟”، يسأل الراقص.
“آلات الصناعة لن تتوقف خارج المريخ”، تقول فيكترا. “ستستمر في الدوران، وستستمر في ضخ الرجال والعتاد إلى هنا”.
“هذه الحرب من أجل الجميع”، تصحح موستانغ.
“أو…”، أقول.
تنهضُ فيكترا، التي كانت صامتة حتى الآن، وتمشي فجأة نحو جهاز العرض بحيث ترتسم النجوم والمساحة السوداء على جلدها. ينسدل شعرها الأشقر أمام عينيها الغاضبتين وهي تنزع قميصها الرمادي، كاشفة عن جسد مفتول العضلات تحت حمالة صدر مضغوطة. نصف دزينة من ندوب النصل تمتد على بطنها، وأكثر من ذلك على ذراعيها، وندوب أخرى على وجهها وعنقها وترقوتها.
“سيستخدم القنابل”، يقول الراقص.
“لماذا؟”.
“وهو ما أعتقد أنه سيفعله أيضاً مع الأوبسديان وجيشنا إذا مضينا قدماً في عملية ‘المد المتصاعد'”، أقول.
“من المؤسف أننا لا نملك عرّافي السيدة الحاكمة”، تقول موستانغ. “اربط واحداً بمعصمه ولنرى مدى صدق كاسيوس حقاً”.
“لقد كنا نحضر لهذه العملية منذ أشهر!”، يحتج الراقص. “مع الأوبسديان قد تنجح فعلاً؛ هل تريد إلغاءها ببساطة؟”.
“كان لدي، حتى أخرج الرماديون التابعون لك دارو؛ حينها قام أدريوس بتطهير دائرته المقربة. رجالي جميعاً إما موتى أو مسجونون أو مرعوبون بشدة”، يجيب.
“نعم”، أقول. “هذا الكوكب هو سبب قتالنا. قوة الجيوش المتمردة عبر التاريخ تكمن في أن لديها القليل لتحميه؛ يمكنهم التجول والتحرك ويستحيل حصرهم. نحن لدينا الكثير لنخسره هنا، والكثير لنحميه. هذه الحرب لن تُحسم في أيام أو أسابيع، ستستغرق عقداً من الزمن. المريخ سينزف، وفي النهاية اسألوا أنفسكم: ماذا سنرث؟ جثة لما كان يوماً وطننا. يجب أن نخوض هذه الحرب، لكني لن أخوضها هنا. أقترح أن نغادر المريخ”.
“من المؤسف أننا لا نملك عرّافي السيدة الحاكمة”، تقول موستانغ. “اربط واحداً بمعصمه ولنرى مدى صدق كاسيوس حقاً”.
يسعل كويكسيلفر. “نغادر المريخ؟”.
“من المؤسف أننا لا نملك عرّافي السيدة الحاكمة”، تقول موستانغ. “اربط واحداً بمعصمه ولنرى مدى صدق كاسيوس حقاً”.
تتقدم سيفي من ظلال الغرفة الحجرية. “لقد قلتَ إنك ستحمي شعبي”.
“كان لدي، حتى أخرج الرماديون التابعون لك دارو؛ حينها قام أدريوس بتطهير دائرته المقربة. رجالي جميعاً إما موتى أو مسجونون أو مرعوبون بشدة”، يجيب.
“قوتنا هنا، في الأنفاق”، يتابع الراقص. “في سكاننا؛ هناك تكمن مسؤوليتنا يا دارو”. ينظر لـ موستانغ بشك واضح: “لا تنسَ من أين أتيت، ولماذا تفعل هذا”.
يفتح كويكسيلفر محارة. “التعذيب يمكن أن يكون فعالاً إذا نُفذ بشكل صحيح مع معلومات قابلة للتأكيد في نطاق ضيق. كأي أداة، هو ليس علاجاً لكل شيء؛ يجب استخدامه بشكل صحيح. شخصياً، لا أعتقد أننا نملك ترف رسم خطوط أخلاقية في الرمال، ليس اليوم. دع باركا يحاول؛ سيقتلع بعض الأظافر، وبعض العيون إذا لزم الأمر”، يقول.
“لم أنسَ يا راقص”.
“هنا يأتي دور وجود والدك بجانبنا”، يقول سيفرو لـ موستانغ.
“هل أنت متأكد؟ هذه الحرب من أجل المريخ”.
“أوه، أجل، صحيح”، يقول سيفرو. “نحن الأخيار، والأخيار لا يعذبون أبداً، وينتصرون دائماً. ولكن كم من الأخيار وضعت رؤوسهم في صناديق؟ وكم منهم شاهدوا عمود أصدقائهم الفقري يُشطر لنصفين؟”.
“إنها من أجل أكثر من ذلك بكثير”، أقول.
“لن نعذبه، هذا القرار نهائي”، يقول الراقص.
“إنها من أجل الألوان الدنيا”، يتابع وصوته يرتفع. “انتصر هنا ثم انتشر عبر المجتمع. هنا يوجد الهيليوم؛ إنه قلب المجتمع، وقلب الحمر. انتصر هنا، ثم توسع؛ هذا ما أراده أريس”.
“الصورة التقطتها طائرة مسيرة لمكتب التعداد قبل سبعين عاماً، لا نملك وصولاً لسجلات المجتمع العسكرية الحالية”، أقول.
“هذه الحرب من أجل الجميع”، تصحح موستانغ.
“هل أنت متأكد؟ هذه الحرب من أجل المريخ”.
“لا”، يقول الراقص بحدة وتملّك. “هذه حربنا أيتها الذهبية. كنتُ أقاتلها حين كنتِ لا تزالين تتعلمين كيف تستعبدين البشر في…”.
“آسفون لأننا لا نملك الموارد التي اعتدتِ عليها يا سيدة”، يقول الراقص بتهكم.
ينظر سيفرو إليّ بانزعاج بينما ينغمس أصدقاؤنا في المشاحنة. أومئ له برأسي، فيستل نصله ويغرسه في الطاولة. يخترق نصفها ويهتز هناك. “الحاصد يحاول التحدث، أيها الحمقى. وبالمناسبة كل هذا التمييز اللوني يضجرني”، يقول. ينظر حوله بزهو بسبب الصمت الذي فرضه، ويومئ لنفسه: “أكمل يا حاصد، من فضلك؛ كنت قد وصلت للجزء المثير”.
“ومع ذلك، يبقى سؤالاً جوهرياً”، يقول الراقص منزعجاً من وجود الكثير من الذهبيين، وخاصة موستانغ التي تقف بجانبي. “إذا كان يملكها، فلماذا لم يستخدمها؟”، يسأل.
“شكراً يا سيفرو. لن أقع في فخ جاكال”، أقول. “أسهل طريقة لخسارة أي حرب هي ترك العدو يملي عليك شروط الاشتباك. يجب أن نفعل الشيء الذي لا يتوقعه جاكال أو السيدة الحاكمة منا؛ خلق نموذجنا الخاص ليلعبوا لعبتنا، ويستجيبوا لقراراتنا. يجب أن نكون جريئين. الآن أشعلنا النار، والانتفاضات في معظم أراضي المجتمع؛ بقاؤنا هنا يعني محاصرتنا، وأنا لن أُحاصر”.
أقفُ وأستدعي رسماً بيانياً من الطاولة يظهر مداً أحمر يتدفق فوق كوكب المريخ، مستولياً على المدن ودافعاً الذهبيين للتراجع. “افترضوا جدلاً أننا استولينا على نصف مدن المريخ”، أقول. “افترضوا أننا سحقنا أسطول جاكال في المدار حين تنضم إلينا أوريون، رغم أن عددهم يفوقنا باثنين لواحد. افترضوا أننا حطمنا جيوشه، وبمساعدة الفالكيري، فصلنا الأوبسديان عن الفيالق وضمنّا انضمامهم إلينا، وحصلنا على انتفاضة شعبية من السكان أنفسهم. آلات الصناعة توقفت تماماً على المريخ، وصددنا تعزيزات المجتمع وحاصرنا جاكال بعد سنوات من الحرب. وسيتطلب الأمر سنوات. ماذا سيحدث حينها؟”.
أنقل الصورة من لوحي الرقمي إلى الطاولة ليطفو مجسم كوكب المشتري في الهواء. ثلاث وستون قمراً صغيراً تملئ المحيط، لكن أقمار المشتري الأربعة العظيمة تهيمن على مداره؛ “إيليوم”. حول تلك الأقمار يوجد أسطولان من أضخم الأساطيل في النظام الشمسي؛ أسطول “أسياد القمر”، وأسطول “السيف”. يبدو سيفرو مسروراً لدرجة أنه قد يغمى عليه؛ فأنا أعطيه الحرب التي لم يكن يعرف حتى أنه يريدها.
“ماذا عن ماتيو؟”، أسأل كويكسيلفر. “سيفرو حطم وجهه”.
“الحرب الأهلية بين بيلونا وأغسطس كشفت عن شقوق كبرى بين المركز والحافة الخارجية. أسطول أوكتافيا الرئيسي، ‘أسطول السيف’، يبعد مئات الملايين من الكيلومترات عن أقرب دعم له. باستثناء ‘أسطول الصولجان’ حول لونا، فهو أعظم سلاح تملكه أوكتافيا. لقد أرسلت أوكتافيا صديقنا العزيز روكي أو فابيي لإخضاع أسياد القمر، وقد حطم كل أسطول واجهه؛ حتى بمساعدة موستانغ وآل تيليمانوس وآل آركوس، فقد سحق ‘الحافة’. على متن هذه السفن يوجد أكثر من مليوني رجل وامرأة، وأكثر من عشرة آلاف أوبسديان، ومائتي ألف رمادي، وثلاثة آلاف من أعظم القتلة الأحياء، الفريدون ذوو الندبة. ‘بريتورات’، ‘ليجاتوس’، فرسان، وقادة فرق؛ أعظم ذهبيي معاهدهم. هذا الأسطول تم تعزيزه بـ أنطونيا أو سيفيروس-جوليي، وهو أداة الرعب التي تربط بها السيدة الحاكمة الكواكب بإرادتها. وهو، مثل قائده، لم يُهزم قط”. أتوقف قليلاً لأسمح للكلمات بالاستقرار ليدركوا جميعاً جسامة اقتراحي.
“وهو ما أعتقد أنه سيفعله أيضاً مع الأوبسديان وجيشنا إذا مضينا قدماً في عملية ‘المد المتصاعد'”، أقول.
“في غضون أربعين يوماً، سنقوم بتدمير ‘أسطول السيف’ وننتزع القلب النابض لآلة حرب المجتمع”. أسحب نصل سيفرو من الطاولة وألقيه إليه ثانية. “الآن، سأستقبل أسئلتكم اللعينة”.
يخيم صمت مخيف على الغرفة.
“سيستخدم القنابل”، يقول الراقص.
