الفصل 302. الزبون (1)
دوّى ارتطام عنيف؛ أُغلق باب مقاومة الحريق ليتردد صداه عميقًا.
“انتهينا هنا تمامًا.”
“حسنًا، وهنا أيضًا!”
أحكموا إغلاق أبواب مقاومة الحريق عند الدرجين الغربي والشرقي؛ فاستحال على أي كائن بلوغ الرواق دون فتحها.
لم يتبقَّ في المكان سوى عاملة المقصف، آلموند، والفتى ذي الشعر الكثيف، رفقة كائنات الزومبي الملقاة.
“غرااار!”
“أرغ!”
لم تعد تلك الوحوش تشكل خطرًا؛ فبعد شل حركتها وكسر أطرافها، باتت مجرد أفواه تصك أسنانها بعجز، لا تفوق أسماك الزينة خطورة.
مع ذلك، توجب الحذر الشديد؛ كي لا تطال تلك الأسنان كواحلهم أثناء العبور.
“حذارِ، انتبها جيدًا…”
تقدم الثلاثة بحذر كأنهم يعبرون حجارة وسط جدول جارٍ، ثم عادوا للمقصف وأغلقوا الباب.
طقطقة.
فور انغلاق المزلاج، ارتمى الفتى ذو الشعر الكثيف والعاملة أرضًا من الإعياء.
“أوه… بات هذا المقصف أشبه بالمنزل الآن.”
“ظننت أنني سأموت حتمًا.”
أشارت الساعة إلى الثانية فجرًا؛ توقيت طبيعي لإنهاك الأجساد والنعاس.
شذّ آلموند عن ذلك؛ فالرجل اعتاد العيش في نطاق زمني مختلف، فوقف بنشاط أمام اللوح الأبيض.
“الآن أصبحت دورة المياه، المقصف، وحتى قاعة الموسيقى تحت سيطرتنا بالكامل عند الحاجة.”
شرع آلموند يلون المخطط؛ فصبغ الرواق، المقصف، دورة المياه، وقاعة الموسيقى بلون موحد. غدت هذه المناطق نفوذًا آمنًا لهم، مؤمنين مصادر الطعام وسائر الاحتياجات الأساسية.
تُعد النجاة بهذا المستوى وسط كارثة زومبي نعمة استثنائية، لكن هل يكتفي البشر بسهولة؟
“لكن…”
رفعت عاملة المقصف أطراف ثيابها الملطخة بالدماء بحيرة.
“… مسألة غسيل الملابس مستحيلة هنا، أليس كذلك؟”
تصلبت ملامح آلموند.
“غسيل الملابس…؟”
— ههههههههههههه!
— هل سنخوض مهمة غسيل الملابس أيضًا؟!
— اذهبي إلى الجنة وسينصلح حالكِ أيتها الأخت الكبرى!
— سنرسلكِ للأعلى فورًا؛ كل شيء متوفر هناك بلا عناء!
— لا تقْسوا على العاملة، ههههه، هذا دورها المنوط بها!
فكر آلموند أنه لو توفر الصابون لأمكنهم تدبر الأمر في دورة المياه. هل يستدعي الموقف عجلة؟ قرر فتح نافذة حالته؛ إذ غدت معرفة وضعه الجسدي أمرًا بالغ الأهمية.
[الجوع]
[الإجهاد]
[انعدام الراحة]
تابعت تلك الحالات الثلاث تفاقمها؛ حيث تبدد الانتعاش وحلت محله حالة انعدام الراحة.
‘أتفهم الجوع والتعب جيدًا…’
ماذا يفعل حيال انعدام الراحة؟ نقر آلموند لمعرفة التفاصيل.
[الدماء والعرق يلتصقان بجلدك بصورة مزعجة. رغبة في الاستحمام.
الشعور بالانزعاج قد يؤثر سلبًا في استقرارك النفسي.
(*في حال تدهور حالتك النفسية، قد تصاب بالحمى والهلوسة والدوار مع انخفاض السمات.)]
لم يختبر آلموند حتى اللحظة أي إضعاف جوهري؛ واقتصر إحساسه على انزعاج طفيف.
‘الخطر الأكبر يكمن في التدهور النفسي.’
بيد أن تراجع السمات عند انهيار المعنويات بدا أمرًا يصعب احتواؤه فور حدوثه.
حسم آلموند أمره بوضوح.
“سأنام الليلة؛ وفي الصباح، يمكنني غسل ثيابي بالصابون في دورة المياه، أليس كذلك؟”
“أوه… صحيح، لكن… ماذا سترتدي ريثما تجف ثيابك؟”
بدت ملامح القلق على العاملة؛ لكونها الفتاة الوحيدة بينهما.
حكّ آلموند رأسه بتفكير.
‘أحتاج ملابس بديلة حتمًا. فطبيعة هذه اللعبة تجعل البقاء دون ثياب أمرًا بالغ الضرر.’
طافت برأسه فكرة هزلية حول قتال الزومبي بسرواله الداخلي كالمحاربين القدامى؛ بيد أنه أدرك انعدام أي فائدة من ذلك في هذه اللعبة.
‘انتظر، بالسروال الداخلي فقط؟’
لمعت في ذهنه فكرة بديلة.
“ما رأيكِ لو بدأتُ بغسل ملابسي الخارجية أولًا، فأبقى بالسروال الداخلي ريثما تجف، ثم أغسل السروال؟”
بدا الاقتراح محرجًا، لكنه اتسم بمنطقية عملية؛ فالناس يرتدون ما يشبه ذلك عند الشواطئ على أية حال.
أومأت عاملة المقصف برأسها، مقتنعة.
“… الأمر محرج حقًّا، غير أننا لا نملك خيارًا آخر.”
رمق آلموند شاشة محادثات البث باعتزاز، راضيًا عن حيلته. رفع الفتى ذو الشعر الكثيف رأسه بنعاس من فوق الطاولة.
“مهلًا؟ ألا يبيع المقصف أزياء التربية الرياضية هنا؟”
“آه! تبًا! كيف غاب عني أمر كهذا بهذه الحماقة؟!”
أزياء التربية الرياضية؟ هل هي متوفرة حقًّا هنا؟
شعر آلموند بخيبة أمل خفيفة.
“تعاملتُ معها كبضائع معروضة للبيع فقط، ولم يخطر ببالي قط أنها ثياب صالحة للاستخدام!”
قفزت عاملة المقصف بحماس إثر هذا الاكتشاف.
— ههههه، أجهد عقله على لا شيء!
— ماذا؟ هل كانت هناك ثياب طوال الوقت؟!
— المقصف يبيع أزياء الرياضة؟ يا له من تصميم مذهل!
— لو طبقت مدرستي هذا النظام، لوفّرتُ على نفسي عشرين ضربة من معلم الرياضة!
— هههههههههه!
سحبت عاملة المقصف من أسفل المنضدة صندوقًا كرتونيًا علاه الغبار.
“هذا هو الصندوق؛ لم تكن مبيعاته جيدة، فتراكم عليه التراب.”
لم تكن البدلة الرياضية ذات العشرين ألف وون رديئة؛ إذ سُعرت لتناسب الطلاب.
“دعونا نجد مقاساتكم المناسبة أولًا.”
عقب برهة وجيزة، ارتدى الثلاثة أزياء الرياضة النظيفة. ولحسن الحظ، تخطى المشهد تلقائيًا تفاصيل التبديل.
— أمر يدعو للأسف!
— هكذا تكون النجاة الواقعية!
— لن ينخدع بحيلكم للمرة الثانية، ههههه.
حاول المشاهدون مراوغته بالسخرية، غير أن آلموند لن يقع في شراكهم مرتين.
رفعت عاملة المقصف شعرها للأعلى، فبدت عليها ملامح الانتعاش.
“آه، هكذا أصبح الوضع أفضل بمراحل.”
“بالتأكيد.”
“يمكننا غسل كل ما ارتديناه بحلول الصباح.”
“أجل، هذا صحيح.”
وضع الثلاثة صندوقًا امتلأ بملابسهم القديمة عند مدخل الباب، مترقبين حلول الصباح.
“أوه… ملمس القماش خشن قليلًا.”
انزعج الفتى لارتداء الزي دون ملابس داخلية وظل يشده؛ فالمتجر لا يبيعها.
بدت العاملة غير مرتاحة بدورها وترمق ثيابها. غير أن الظروف حتمت الامتنان؛ هكذا فكر آلموند.
‘زال شعور انعدام الراحة.’
كفى تبديل الثياب الملطخة لإزالة انزعاج الجسد؛ وحلت مكانها حالة أخرى.
[الرضا]
ابتسم آلموند ابتسامة خافتة حين رأى الإشعار الجديد.
“مهلًا يا خبزالبيتزا؛ ما رأيك في تفكيك هذا الصندوق والاستلقاء فوقه للنوم؟”
“حسنًا، تمامًا كالمشردين.”
تحدث الفتى بارتياح مع العاملة وآلموند، وبسطوا الورق المقوى ليصنعوا مساحات نوم منفصلة.
لحسن الحظ، تواجد المقصف بالقبو صيفًا؛ فامتزجت البرودة بالحرارة لتشكل جوًا مريحًا.
[النوم: 7 ساعات]
ضبط آلموند مؤقت النوم لسبع ساعات، ثم استسلم للرقاد.
←↓↑→
مرت تلك الساعات كأنها ومضة في نظر آلموند؛ بينما انقضت سبع ساعات كاملة بحسابات المكان.
زقزقة، زقزقة، زقزقة.
انساب صياح العصافير وتدفقت خيوط شمس الصباح عبر النافذة.
ألقى آلموند نظرة خاطفة نحو الباب حيث استقر صندوق الغسيل.
“حان وقت غسيل الملابس الآن.”
عكست عملية غسيل الثياب مستوى المعيشة؛ ففي يوم واحد أمّن آلموند بيئة جيدة.
“آخ…”
استيقظت العاملة على رنين منبهها، واستيقظ الفتى بتثاقل.
“يا للإرهاق… النوم فوق هذه الأرضية الصلبة مؤلم جدًا.”
ترك النوم فوق السطح الخشن ألمًا بالعظام.
“ما رأيكم لو سيطرنا على عيادة التمريض تاليًا؟ هناك أسرّة وثيرة.”
“أوه! تلك فكرة ممتازة يا خبزالبيتزا!”
— ههههههههه!
— يتحدثان وكأنهما من سينفذان العمل الشاق!
— هل يرسلان إشارات لآلموند كي يقوم بالمهمة بمفرده؟ ههههه.
مازح المشاهدون الشخصيات، بيد أن آلموند أومأ برأسه موافقًا.
‘عيادة التمريض… صحيح؛ الهدف القادم هو العيادة.’
بدا التوجه للعيادة صائبًا للظفر بسرير.
“تقع عيادة التمريض فعليًا في الطابق الأول من هذا المبنى الملحق.”
“بالضبط! المسار نحوها مباشر وسهل!”
تحدث الاثنان بصوت مسموع لافتَين انتباه آلموند؛ وباتت العيادة مقصدهم المقبل.
“لنبدأ بغسيل الملابس أولًا؛ اتبعاني.” قالها آلموند حاملًا صندوق الغسيل ثم دفع الباب مفتوحًا.
“آاااارغ!”
“كوااارغ!”
صرخت كائنات الزومبي العاجزة عن تحريك أطرافها. لم يكترث آلموند، وتقدم بالصندوق صوب دورة المياه.
طرقات خافتة وصكوك أسنان متتالية.
حاولت الوحوش الزاحفة عض كاحليه بيأس، دون أن تلامسه سنًا. فهل عجزها عن الحركة سبب ذلك؟
كلا؛ فالزومبي يتلوون بحرية، وكثرتهم تجعل مباغتة الكواحل خطرًا؛ لذا تردد الرفيقان.
“مهلًا يا سوبورو! كيف تخرج وحدك بتلك البساطة؟!”
إزاء ذلك التساؤل المذعور، حكّ آلموند رأسه بهدوء.
“تفادَ الضربة ببساطة متى حاول الزومبي العض؛ الأمر هين.”
“ماذا؟! كيف تتصرف هكذا؟! مجرد عضة واحدة تعني نهايتنا فورًا!”
“… حسنًا، وما الذي عليّ فعله إن عجزتُ عن تفادي حركات الزومبي؟”
— ههههههههه! أنت الكائن الغريب والمستثنى هنا!
— الأمر ينطوي على خطورة بالغة، ألا يرى ذلك؟
— لو اختل توقيت حركتك لثانية، فستتلقى عضة قاتلة فورًا!
— إنه فخ مرعب!
“ويحك! أتحسبنا جميعًا وحوشًا استثنائية خارقة مثلك؟!”
أنزل آلموند صندوق الغسيل داخل دورة المياه واستقر تفكيره على خطة بديلة.
←↓↑→
انقضت برهة وجيزة في العمل السريع.
طرق، طرق.
نفض آلموند الغبار بيديه ثم تساءل بهدوء: “ما رأيكما في هذا الترتيب؟”
خلا الرواق تمامًا من الزومبي بعدما نقلهم فردًا فردًا إلى قاعة الموسيقى.
“أوه…! أنت ذكي ومذهل حقًّا!”
سرت العاملة برؤية الرواق خاليًا إلا من بقع دماء متناثرة.
“هل نبدأ مهامنا؟ سأتولى غسيل الملابس، وعليكما تنظيف أرضية الرواق ومسحها.”
“هاه؟ هل ستغسلين كل تلك الملابس بمفردكِ؟”
بدت كمية الثياب أكبر من قدرة شخص واحد.
“أجل، سأفعل ذلك وحدي؛ فأعمال تنظيف الرواق تتطلب مجهودًا أكبر بكثير.”
بدت مهمة الغسيل أشق؛ بيد أن العاملة أصرت عليها مراعاة لملابسها الداخلية. فوافق آلموند وخبز البيتزا على مسح الرواق.
“حسنًا، سنأتي لمعاونتكِ فور فراغنا من مسح الرواق.”
“اتفقنا، هذا رائع.”
←↓↑→
صوت ارتطام رطب.
هبطت الممسحة المبللة فوق أرضية الرواق الرخامية الرخيصة.
حفيف متتابع، سحب ودفع متواصل للممسحة.
انزلقت الممسحة بسلاسة على البلاط؛ ولم يتضح بدقة ما إذا كانت تلك الحركة تزيل الدماء حقًّا أم توزع آثارها.
“مضى وقت طويل جدًا منذ آخر مرة مارستُ فيها عملًا مشابهًا.”
استشعر آلموند كأنه عاد لأيامه المدرسية وهو يمسح الرواق؛ غير أن مسح الدماء أضفى طابعًا مغايرًا.
هل مرت قرابة عشر دقائق بحساب الوقت الحقيقي؟
أنهى آلموند تنظيف سائر بقع الدماء الممتدة حتى باب مقاومة الحريق عند الدرج الشرقي بنجاح.
[الانتعاش]
تدفقت حالة الانتعاش مجددًا. والحفاظ عليها يعزز الاستقرار الذهني ويسرع شفاء الإصابات الطفيفة.
“رائع… انتهينا من العمل بالكامل أخيرًا.”
بدا الإعياء على خبز البيتزا وهو يتكئ بظهره المتعب عند نهاية الجدار الرخامي.
“والآن، حان وقت مساعدة العاملة في غسيل الملابس المتبقية—!”
بينما راودت آلموند الرغبة في التوجه لدورة المياه لمعاونتها…
بوم!
دوّى ارتطام هائل ومفاجئ زلزل السكون؛ انطلق الصوت بعنف من اتجاه باب مقاومة الحريق المغلق.
‘ما هذا الصوت؟ من أي اتجاه صدر بالتحديد؟ لا يمكنني الجزم فورًا.’
تكرر الأمر مجددًا…
بوم!
تردد الصدى العنيف مرة أخرى.
انطلق الصوت بوضوح من الجهة الشرقية، أبعد باب عن المقصف. حبس الاثنان أنفاسهما واقتربا بحذر.
‘كم يبلغ عدد كائنات الزومبي المحتشدة هناك؟’
لو كان عدد الوحوش هائلًا، قد ينكسر الباب المعدني؛ وحينها سيتعين عليهما الفرار عبر الباب الغربي.
بوم! طراااخ!
تواصلت الضربات العنيفة فوق الباب الثقيل، ثم تناهت إلى مسامعهما أصوات محادثة بشرية واضحة.
“هل كان هذا الممر مغلقًا هنا من قبل؟”
“مستحيل! ما هذا العائق؟ أليس هذا باب مقاومة الحريق؟ لماذا أُغلق بإحكام هكذا؟!”
“تبًا، هل تعني أننا عاجزون عن الوصول إلى المقصف وشراء ما نحتاجه؟!”
بدت نبرات المتحدثين أصوات طلاب مدرسة اعتياديين.
التفت آلموند لينظر إلى خبزالبيتزا؛ فاتسعت حدقتا الفتى بذهول ورعب مكتوم.
‘إنهم بشر أحياء.’
وضع آلموند سبابته فوق شفتيه بهدوء، مشيرًا إلى خبزالبيتزا بوجوب التزام السكون التام وتجميد حركته.
بوم! طراااخ!
ضربوا الباب بعنف مجددًا؛ ثم انطلق صوت فتاة بنبرة يستحيل على ذاكرته نسيانها.
“مهلًا يا بايك جونسو، حاول تحطيم هذا الحاجز؛ أنت قادر على كسره بيسر، أليس كذلك؟”
كانت المتحدثة هي يون سوهي.
“همم… كيف السبيل إلى ذلك…”
جاء الرد المتثاقل من بايك جونسو نفسه.
“هل يقف أحد في الجانب المقابل من الباب؟”
صاحب هذا الاستنتاج الحاذق والحدس الثاقب كان…
‘كيم ووجونغ.’
طرق! خفقان متسارع يرتجف في الصدور!
لم يكن ذلك الصوت ارتطامًا متجددًا على الباب؛ بل كان خفقان قلب آلموند… ضربات قلب كيم جوهيوك تتسارع في صدره.
————————
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.