الفصل 316. المخ ضد الجوزة (3)
مررت يون سوهي الشاشة ببطء نحو الأعلى، واكفهرت ملامح وجهها قلقًا.
‘ما الذي تغير بالضبط؟ وما وجه الغرابة هنا؟’
بدت نبرة حديثه وصياغته للجمل مختلفة بفارق طفيف؛ وعجزت عن شرح ذلك التباين الدقيق للآخرين.
‘الرموز التعبيرية!’
مثل غياب الرموز التعبيرية المعتادة أو حضورها فارقًا ملموسًا يستحق التوقف عنده.
“ألا يضع جانغ سونغسو دومًا ذلك الرمز التعبيري في نهاية كلامه؟ لمَ يخلو حديثه منه الآن؟”
رمقها بقية الطلاب بحيرة واستغراب؛ فهل يستحق الأمر كل هذا التدقيق؟
“هل نسأله في المحادثة؟”
“هل أصابك الجنون؟”
انفجرت يون سوهي غاضبة؛ فلو سألوه وكان الأعداء قد استولوا على هاتفه، فلن يثمر سؤالهم إلا عن تحذيرهم.
“لمَ هذا الغضب؟ هل تظنين حقًّا أن الهاتف وقع بأيديهم؟” عرض أحد الطلاب شاشة هاتفه وتساءل.
“الحارس التالي لم يشر لأي أمر مريب عند نزوله.”
أكدوا استحالة الأمر لأن الحارس الذي ذهب لتبديل النوبة لم يبلغ عن أي خلل؛ وشاطرهم البقية الرأي نفسه.
“أنتِ خائفة وحسب.”
“هل شطح بكِ الخيال إلى هذا الحد؟”
تعالت ضحكاتهم الساخرة، ظانين أن يون سوهي تبالغ في الهواجس دون مبرر.
قاطعهم صوت جهوري غاضب: “اخرسوا جميعًا، أيها الحمقى!”
كان بايك جونسو مستلقيًا ومغطيًا عينيه بذراعه، ثم أشار نحو ساعته اليدوية.
“ألن تناموا بعد؟ من يعجز عن الاستيقاظ بحلول الثانية فجرًا، سأجعله درعًا بشريًّا في المقدمة.”
سارع الطلاب بالاستلقاء في صمت تام فور سماع تهديده.
“وأنت هناك.”
أشار بايك جونسو نحو آخر طالب همَّ بالاستلقاء.
“أنا…؟”
“أجل، أنت يا بارك دونغهيون؛ انزل وتحقق مما قالته سوهي.”
“أتحقق من ماذا بالضبط…؟”
“انزل وتأكد من سلامة الحارس بنفسك.”
مثل النزول وسيلة أسرع للتحقق المباشر، فالأمر لا يتطلب ساعات بل مجرد هبوط للطابق السفلي؛ وبطبيعة الحال، لم يشعر بارك دونغهيون بالارتياح لاختياره لهذه المهمة.
“حسنًا…”
أومأ برأسه مستسلمًا؛ فلا مجال لعصيان أوامر بايك جونسو، ألم يشهدوا بأعينهم كيف هشم رأس كيم ووجونغ بوحشية؟
لم يعلم أحد على وجه اليقين إن كان كيم ووجونغ قد تعرض لعضة زومبي حقيقية؛ فإن قال بايك جونسو ذلك، فهو الصدق المطلق. هكذا جرت العادة عندهم، فكلمته قانون لا يُرد.
“سأذهب وأعود سريعًا.”
لم يدم غيابه طويلًا؛ فبعد برهة وجيزة…
طرق… طرق… طرق!
تعالى طرق هستيري ومتلاحق على الباب.
“أنا بارك دونغهيون، افتحوا بسرعة!”
انفتح الباب؛ فاندفع للداخل مذعورًا كأنه رأى شبحًا أمامه، وبدا جليًّا ما حل به دون حاجة لنطق حرف واحد.
“لقد… هلكنا جميعًا!”
←↓↑→
جلس جانغ سونغسو، الحارس الأول، موثقًا في ظلام قاعة الموسيقى الدامس بعد تجريده من هاتفه وسلاحه؛ ولم يبقَ أمامه سوى انتظار الموت بأعين مفتوحة.
حدق جانغ سونغسو بجمود في سقف القاعة؛ بينما استسلم رفيقه الحارس الثاني بجواره لليأس وكف عن البكاء.
طاخ!
تحطم باب قاعة الموسيقى فجأة وغمرت الأضواء المكان؛ وبدت الظلال الشاخصة لجانغ سونغسو كأنها طوق نجاة، لكن الطارق لم يكن سوى بايك جونسو. ورغم بعده التام عن صفة المنقذ، فاضت عينا سونغسو ببريق الأمل.
“امممم! اووومم!”
نادى مستغيثًا برفيقه رغم الشريط اللاصق الذي سد فمه بإحكام.
أزال أحد الطلاب الشريط اللاصق بإشارة من بايك جونسو.
“أوووف! سحقًا… ظننت أن أنفاسي ستنقطع حتمًا.”
“ما الذي حدث معكما بالضبط؟” سأل بايك جونسو بنبرة باردة من مسافة قريبة.
شرع جانغ سونغسو يسرد ما جرى بارتباك وتلعثم.
“إذن، تقدم كيم جوهيوك نحوك مباشرة وانهال عليك ضربًا؟”
هكذا لخص بايك جونسو الرواية بأكملها؛ فلم تكن مباغتة من الخلف، بل فتح الأعداء الباب وأزاحوا المتاريس وضربوه بعصا ممسحة خشبية.
“حسنًا، لم تسر الأمور بهذا التبسيط تمامًا… لكن ثمة جانب من الصحة في كلامك…”
“هاه؟” أمال بايك جونسو رأسه ووضع مضربه على كتفه بتهديد.
جفل جانغ سونغسو في مكانه رعبًا.
غير أن بايك جونسو لم يهوِ عليه بالمضرب، بل تحولت نظراته نحو الفتى الآخر الواقف خلفه.
“وأنت، كيف تعرضت للهجوم؟”
“كنت نازلًا عبر الدرج لتبديل النوبة؛ فقفز أحدهم من الخلف بغتة ودون سابق إنذار!”
“إذن، تعرضت لكمين مباغت من الخلف.”
“أجل، أجل! لقد كان كمينًا مباغتًا!”
تراجع بايك جونسو خطوة للخلف، وتبادل عبارات مقتضبة مع بقية أفراد العصابة.
“أهذا كل شيء؟”
“سلبوا هاتفي أيضًا… وجردوني من سلاحي…”
“لا أقصد هذا التافه.” قاطعه بايك جونسو بحدة كأنه يدرك ذلك سلفًا.
“إلى أين ذهبوا؟ ولماذا قيدوكم وتركوكما هنا؟”
بدت الحيرة على وجه الفتى المستجوب؛ فمن أين له أن يعلم؟ لقد كان ملقى على وجهه أرضًا وعاجزًا عن الرؤية.
“لعلهم ما يزالون داخل المتجر؟”
كان مجرد تخمين وتوقع.
“همم.”
حك بايك جونسو ذقنه مفكرًا، ثم التفت نحو رفيقه الواقف بجواره: “ما رأيك أنت، يا تشوي كيسو؟”
هز تشوي كيسو كتفيه مجيبًا: “الأرجح أنهم لم يغادروا المتجر أصلًا.”
فلا مبرر يدفع آلموند ورفاقه للتخلي عن متجر المقصف والرحيل لبقعة أخرى.
“أغلب الظن أنهم قيدوا هذين لكسب متسع من الوقت لتدعيم المتاريس بمزيد من التحصينات.” استنتج تشوي كيسو وهو يتأمل المكاتب المبعثرة في قاعة الموسيقى.
تدخل جانغ سونغسو مؤيدًا بحماس: “كيسو على حق تام! لقد سمعتهم يتناقشون بشأن استخدام المكاتب لسد المدخل!”
بدا أن تشوي كيسو أصاب كبد الحقيقة، لكن بايك جونسو طرح تساؤلًا مضادًّا.
“لكننا لم نلحظ أي أثر لتحركاتهم؛ فلو انشغلوا بتشييد المتاريس، لما تسنى لهم الفرار قبل وصولنا.”
عقدت الدهشة ألسنة الجميع.
أومأ تشوي كيسو موافقًا: “صحيح؛ هذا أمر مريب بالفعل. فهل يعقل أن يتخلوا عن المتجر طواعية؟ هذا تصرف متطرف للغاية؛ لعلهم اختبأوا في زاوية ما بنية نهب عيادة التمريض…”
اقترب تشوي كيسو كثيرًا من الصواب، غير أنه عجز عن بلوغ النتيجة الدقيقة.
“لكن هل يستقيم ذلك عقلًا؟ استبدال المتجر بالعيادة؟ هم يدركون قدرتنا على استردادها سريعًا.”
جهل تشوي كيسو القوة القتالية الحقيقية التي يمتلكها آلموند، فجاء تحليله قاصرًا.
“ما خلاصتك إذن يا تشوي كيسو؟” ضغط بايك جونسو مستحثًّا إياه.
“الأغلب أنهم ما زالوا في المتجر يراقبون تحركاتنا عبر الهاتف؛ ولعلهم استشعروا أمرًا مريبًا فتحصنوا، غير أن…”
“غير أن ماذا؟”
“توجد نسبة ثلاثين بالمئة تفيد بفرارهم نحو موقع ثالث.”
أومأ بايك جونسو برأسه حاسمًا أمره.
“حسنًا، سنقتحم المتجر فورًا؛ وهذان الاثنان قد يكونان تعرضا لعضة زومبي، فلندعهما هنا لهذا اليوم.”
صُدم الطلاب؛ ليس لترك زميليهم، بل لتبكير موعد الهجوم المباغت، ألم يكن مقررًا في الثانية فجرًا؟
“الآن فورًا!؟”
“هم ثلاثة فقط، ويراقبون محادثاتنا أولًا بأول؛ فالمباغتة في الثانية فجرًا باتت بلا جدوى.”
لم يتردد بايك جونسو إطلاقًا.
“أحضروا المعدات.”
“حسنًا؛ وهل نجلب المثقاب الضخم أيضًا؟”
مثل استخدام المثقاب مجازفة خطيرة لجهلهم بطريقة تشغيله، وعلم آلموند من المحادثة أنهم عاجزون عن استخدامه؛ فبات مجرد أداة خطرة لا نفع منها.
“يكفي جلب العتلات الحديدية؛ فذلك يفي بالغرض.”
“علم وسينفذ.”
هرع الطلاب نحو العيادة وجلبوا بضع عتلات حديدية مخصصة لخلع الأبواب؛ وكانت أكثر كفاءة مما ظنوا.
“أقحموها في الفجوات.”
“جاهزون.”
صرير.
دس الطلاب رؤوس العتلات من الأسفل والجوانب؛ وبمجرد دفعها وتحريكها، انزلقت بسلاسة بفضل أطرافها الرفيعة والحادة.
“واحد، اثنان، ثلاثة!”
طاخ!
أصدر الباب صريرًا مدويًا والتوى إطاره المعدني.
“والآن!”
استرق بايك جونسو النظر وصاح وهو يقف قبالة الباب المتصدع:
“سأمنحكم فرصة أخيرة؛ أمامكم دقيقة واحدة، إن خرجتم سأبقي على حياتكم!”
تابع الطلاب الهتاف بـ “واحد، اثنان، ثلاثة!” والضغط بالعتلات بكل ثقلهم؛ فتزحزح الباب قليلًا بفعل قوة الرفع.
صرير حاد…
أوشك الباب على السقوط؛ واعتقد بايك جونسو جازمًا أنهم سيخرجون مستسلمين خلال تلك الدقيقة.
لكن…
بام!
انخلع الباب وسقط أرضًا بالكامل، غير أن أحدًا لم يخرج، وساد سكون تام دون أي همسة.
تصاعد الغبار من الباب الساقط في العتمة.
وقف بايك جونسو فوق الباب المحطم وتمتم بغيظ: “سحقًا لهم.”
لقد رحلوا بالفعل.
←↓↑→
قرقرة.
كلاك.
شعر الطلاب بالحيرة البالغة وهم يزيحون المتاريس الخشبية جانبًا.
“ما هذا؟ لقد اختفوا حقًّا!”
“هاه؟”
“انظروا هنا!”
علموا برحيل الخصوم مسبقًا، لكن الذهول عقد ألسنتهم؛ فلم يستوعبوا لمَ تخلوا عن هذا المتجر الحصين؟
“الخبز ما يزال مكدسًا هنا؟”
“بالتأكيد!”
ظلت الأطعمة والمؤن وفيرة في أرجاء المتجر؛ وجهل أفراد العصابة كمية الطعام الأصلية، فلم يدركوا أن آلموند حزم مؤونة أسبوع كامل.
“واو! لقد غدونا أثرياء الآن!”
“توجد ثلاجة تجميد أيضًا! رائع للغاية!”
ابتهج الطلاب بظفرهم بتلك الغنائم الهائلة؛ فسيحظون أخيرًا بوجبة حقيقية مشبعة بعد أن عاشوا على حلوى الشوكوباي لثلاثة أيام متتالية.
“فلنأكل أولًا.”
اقترح بايك جونسو الجائع البدء بتناول الطعام.
سخنوا الأطعمة المجمدة في الميكروويف وأقاموا وليمة فاخرة؛ والتهموا الطعام بشراهة في الدقائق الأولى، ثم عادوا لتقييم الموقف.
“لقد لاذوا بالفرار خوفًا منا، أليس كذلك؟”
“أجل؛ لا بد أنهم اطلعوا على خططنا في المحادثة.”
“توقعوا هجومنا فآثروا النجاة والفرار!”
بدا التحليل منطقيًّا للغاية، فالخصوم رصدوا رسائلهم وتحركوا فور رؤية صورة العتلات؛ لكن أين ذهبوا إذن؟
“إلى أين يمكنهم الذهاب؟ لا يوجد أدنى أثر للمس باب الطابق الأول.”
ما يزال الزومبي يحاصرون المدخل الرئيسي للطابق الأول، والباب الخلفي لا يفتح إلا بمفتاح خارجي وما يزال موصدًا؛ مما يعني أنهم لم يغادروا المبنى قط. إذن، لا مناص من استنتاج واحد…
“الطابق الثاني…؟”
صعد آلموند ورفاقه إلى الطابق الثاني بلا ريب.
←↓↑→
عقب الانتهاء من تناول الطعام، تفقدت مجموعة بايك جونسو باب الحريق المؤدي للطابق الثاني.
“إنه مقفل بالمفتاح.”
“هل نمتلك وسيلة لفتحه واقتحامه؟”
ظل باب الحريق موصدًا بإحكام تام؛ ولم يخطر ببالهم قط أن أحدهم نجح في فتح القفل بدبوس شعر ودلف للداخل، ولو زعم أحد ذلك لما صدقوه.
“أتبخروا في الهواء إذن؟ فتشوا الطابق الأول شبرًا شبرًا، والآن فورًا!”
أيقن بايك جونسو أنهم يختبئون في زاوية ما بالطابق الأول.
غير أن…
مرت ساعة، ثم انقضت ساعتان، ودون أي جديد يذكر.
توالت رسائل [ليسوا هنا] في المحادثة الجماعية الجديدة دون انقطاع؛ وكان الأثر الوحيد الذي عثروا عليه مجرد قصاصة كرتون ممزقة.
[عثرنا على قصاصة كرتون فوق درجات السلم المؤدي للطابق الثاني.]
وجدت القصاصة مصادفة قرب الدرج الغربي.
[تجمعوا هناك فورًا.]
هرعت مجموعة بايك جونسو للموقع، فوجدوا أجزاء ممزقة من الورق المقوى؛ وبدت كأنها بقايا مسار لعربة جُرت نحو الطابق العلوي، وأغلب الظن أن سوهيون غفل عن جمعها أثناء صعوده.
“لقد صعدوا إلى الطابق الثاني بالفعل.”
تفقد بايك جونسو ساعته ببرود.
“مرت خمس ساعات كاملة.”
مضت خمس ساعات على الأقل منذ هروب الخصوم نحو الأعلى.
ارتسمت ابتسامة ساخرة وقاتمة على شفتيه.
“الأرجح أنهم هلكوا الآن.”
جزم في قرارة نفسه بموتهم المحقق.
“يوجد وحش مرعب هناك.”
تطلع بايك جونسو عبر نافذة الرواق كأنه يسترجع ذكريات دموية؛ وكانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا، والشمس تسطع بحرارة صيفية وضاءة. ولعل ذلك النور الساطع منعه من تمييز شخص يقف على مسافة بعيدة خلف النافذة المقابلة؛ وحتى لو لمحه، فما عساه يفعل؟ مجرد ظل يقف خلف زجاج بعيد لا يشكل أي وزن.
بدا الطقس صافيًا للغاية، كأن كل الأزمات قد حُسمت للأبد؛ وبدا ذلك السلام المؤقت أثمن ما يبتغيه الآن.
“والآن، لم يعد هناك ما يزعجنا—!”
طاااخ!
قاطعه دوي تحطم زجاج نافذة الرواق وتناثره شظايا في الهواء.
فششش…
للحظة خاطفة، لمح بايك جونسو وتدًا حديديًّا هائلًا يندفع نحوه؛ بل في الحقيقة، كان نصل سهم صغير ودقيق للغاية، غير أنه بدا ضخمًا كالجبل لأنه كان يندفع صوب عينيه مباشرة.
طاخ!
“!؟”
أظلم نصف مجاله البصري في جزء من الثانية.
“آاااااااااااااخ!!!”
————————
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.